لا شيء هذه الأيام ينافس الاهتمام بأخبار درجات الحرارة وبلوغ الصيف ذروته، ما يعود بالذاكرة إلى أقدم مقدم نشرة جويّة في السعودية الذي يشغل حيزاً من ذاكرة السعوديين ووجدانهم ممن عاصروا ذروة عطائه في الثلث الأخير من القرن الماضي، وهو الأرصادي السعودي حسن كراني (78 عاماً)، الذي عمل مقدماً للنشرة الجويّة الأولى على التلفزيون السعودي لنحو 30 عاماً، وبعد تقاعده عاد بحماسة ليكمل مسيرته الأرصادية عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
كراني الذي يتواصل يومياً مع متابعيه عبر تطبيق «إكس» تويتر، وُلد في المدينة المنورة، واستقر في مدينة جدة، ولم يكن إعلامياً تقليدياً، بل يمكن وصفه بالشخصية اللافتة التي قلما تُنسى، حين كان يردد في ختام كل نشرة، عبارته الشهيرة «شكراً لإصغائكم مع أحلى الأماني»، برفقة عصا متحركة يشير بها إلى الخريطة؛ وهو أمر ابتكره كراني ليصبح لاحقاً عُرفاً وتقليداً شهرياً في جميع النشرات الجويّة.
رحلة أميركية
يحكي كراني لـ«الشرق الأوسط» قصة دخوله هذا المجال، مبيناً أنه فور عودته من بعثة دراسية في الولايات المتحدة، عُرض عليه أن يقدم النشرة الجوية، وهو أمر لم يرق له حينها، قائلًا: «بداية امتنعت. كنت أرى أن لا قدرة لي تؤهلني لتغطية هذا الأمر الكبير، وفي آخر الأمر اقتنعت، وسافرت إلى أميركا مرة أخرى للتدرب على الكاميرا ومحاكاتها وكيفية احتواء المشاهد وتعلّم الموسيقى الكلامية، بحيث أعرف متى أطلَع بالكلمة وكيف أنزل بها، وكيفية شدّ المشاهد ليتابعني طوال فترة تقديمي».
جاء ذلك في عام 1970، وحينها لم يكن كراني وحيداً، إذ يشير إلى زملائه الذين رافقهم بالنشرة الجويّة، مثل: عبد اللطيف العيوني، وسامي حلبي، وعبد الله الجازع، ومصطفى عشماوي، وبسؤاله عن مدى الاهتمام بالنشرة الجوية في ذاك الحين، يجيب «كان للمشاهد وقتها وعي كبير جداً بأهمية النشرات الجوية، وكانت الاتصالات تتوالى على مركز الأرصاد الجوية على مدى 24 ساعة، ليستفسر الناس عن حالة الجو قبيل الشروع بخططهم».

من الكراهية إلى الشغف
وعن قدرته على الالتزام بالنشرة الجوية طوال هذه العقود، في وقت كان زملاؤه الإعلاميون يتنقلون ما بين نشرات الأخبار والحوارات وبرامج المنوعات، يوضح كراني أنه بعد أن أكمل برامج اللغة الإنجليزية كانت الخطة المرسومة تتضمن توزيعه هو وزملاءه في أقسام محددة، ويضيف: «كنت الأول حينها، وأخذوني إلى قسم الأرصاد، وكنت أكره وضعي في هذا القسم، حتى بعد نحو 3 سنوات بقيت معي حالة عدم الرغبة في قسم الأرصاد، لكن مع مرور الأيام اقتنعت أن هذا هو مجالي وأكملته».
وهنا يقفز السؤال عن الخطط الأخرى التي كانت لدى كراني، ليوضح أنه كان يتجه إلى المراقبة الجويّة أو أن يكون ضابطاً في الجيش، ولم يذهب لأيّ منهما وبقي في مجال الأرصاد الجوية. ورغم اعتزازه بهذه الرحلة الأرصادية فإنه يُعدّ لحظة إيقافه الأقسى في تاريخه، وقد جاءت بعد تحدثه على الهواء خلال النشرة الجوية عن نادي الاتحاد الذي يشجعه، مهنئاً بفوز فريقه بحماسة، ما تسبب بإيقافه لأشهر عدّة، ومن ثم عاد إلى الشاشة التي بقي فيها إلى حين تقاعده.
40 عاماً
وبحيوية كبيرة، يتفاعل حسن كراني اليوم مع متابعيه عبر منصات التواصل الاجتماعي، قائلاً: «أفخر وأنا بهذه السن بما قضيته على مدى 40 عاماً في الأرصاد، حيث تدرجت من راصد جوي إلى اختصاصي أرصاد أول، ولا أزال أشعر أني لا أفقه شيئاً في الأرصاد مما يدعوني للتعلّم يومياً، وفي كل يوم أتابع المحلية منها والعالمية، خصوصاً أنني حاصل على شهادة من أستراليا تخوّلني للتوقع المحلي والدولي». ويضيف: «باتت الأرصاد عشقي بعد أن كنت أكرهها».
وعن قصة العصا الشهيرة التي كان يُلوّح بها بيده أمام الخريطة، أوضح أنه في أثناء ذهابه إلى أستراليا للدراسة لاحظ أنهم لا يستعملون العصا ونحوها، بل كانوا يستخدمون تقنية حديثة تُقدر قيمتها آنذاك بنحو 10 آلاف دولار، وهو مبلغ زهيد في تلك الحقبة، إلا أن المشروع الذي قدّمه إلى مسؤولي التلفزيون السعودي رُفض، الأمر الذي فرض عليه استخدام العصا اليدوية.
ويتابع كراني: «فكرت وقتها، في طريقة تشدّ المشاهد بحيث يرى بوضوح معالم الخريطة وأسماء المناطق والمحافظات من دون أن أحجب ذلك بحركة يدي، ومن هنا استحسنت فكرة التلويح بالعصا على الخريطة». ويدفع حديث كراني للسؤال عن موسوعية النشرة الجوية آنذاك وشملها جميع المدن والمحافظات والتضاريس الجغرافية في البلاد، ومن هنا يقول «واجبي الوطني يُحتم علي أن أوضح جميع المعالم الأرصادية في بلادي».
بائع الذرة
كراني الذي يفخر بمسيرته الأرصادية، يبدي انزعاجه من كثرة الدخلاء على المجال، قائلًا: «ما يزعجني أن كثيرين باتوا يكتبون عن الأرصاد، وهو ليس مجالهم، وبعضهم متخصص بالفلك أو المناخ». ويستذكر قصة طريفة حصلت له من بائع ذرة اشترى منه في يوم ما، وتفاجأ لاحقاً بأنه يُغرد عن الأرصاد، متعجبا «كيف لبائع ذرة أن يفعل ذلك؟».
ويؤكد كراني أنه سعيد باندفاع الكثيرين مؤخراً نحو مجال الأرصاد الجوّية، إلا أنه يُشدّد على ضرورة التسلّح بالتعلم المطلوب. وبسؤاله عن أكثر شيء يحنّ إليه اليوم بعد رحلة العطاء الطويلة هذه، يجيب «أحن إلى رؤية أشخاص يقدّمون النشرة بكل وفاء وتخصص، فالأرصاد علم لا يفقهه إلا من اطّلع عليه».








