جوائز «إيمي» في مهبّ إضراب الكتّاب... و«الخلافة» في طليعة الترشيحات

إعلان ترشيحات جوائز «إيمي» وسط إضراب الكتّاب والممثلين في «هوليوود» (موقع «إيمي»)
إعلان ترشيحات جوائز «إيمي» وسط إضراب الكتّاب والممثلين في «هوليوود» (موقع «إيمي»)
TT

جوائز «إيمي» في مهبّ إضراب الكتّاب... و«الخلافة» في طليعة الترشيحات

إعلان ترشيحات جوائز «إيمي» وسط إضراب الكتّاب والممثلين في «هوليوود» (موقع «إيمي»)
إعلان ترشيحات جوائز «إيمي» وسط إضراب الكتّاب والممثلين في «هوليوود» (موقع «إيمي»)

رغم أن مصير حفل توزيع جوائز «إيمي» التلفزيونية لا يزال مجهولاً بفعل إضراب الكتّاب واحتمال اعتكاف ممثّلي هوليوود، فإن الترشيحات أُعلنت، وهي لم تأتِ خالية من المفاجآت والخيبات.

ضمن عرضٍ افتراضي بُثّ عبر الفيديو، جرى الإعلان عن المسلسلات المرشّحة لنيل جوائز الأكاديمية الدولية للفنون والعلوم التلفزيونية لعام 2023. وقد تميّز من بينها، مسلسل Succession (الخلافة) حاصداً 27 ترشيحاً. عن فئة الدراما كذلك، تصدّر مسلسلا The Last of Us (الأخير منّا) بـ24 ترشيحاً، وThe White Lotus (اللوتس الأبيض) بـ23.

ملصق الموسم الأخير من Succession (HBO)

«HBO» تسرق الضوء من «نتفليكس»

العنصر المشترك بين هذه الأعمال الثلاثة المتصدّرة، هو أنها تُعرض جميعها على منصة «HBO». بذلك، تكون «HBO» قد سرقت الصدارة من باقي المنصات، وعلى رأسها «نتفليكس».

لكن مهما تنوّعت عناوين المسلسلات والجهات المنتجة، يبقى المؤكد أن منصات البث على اختلافها، ما زالت نجمة عالم الترفيه والصناعة التلفزيونية، حتى إشعار آخر. إشعارٌ يلوّح به كتّاب السيناريو المضربون عن العمل منذ قرابة 3 أشهر، مطالبين استوديوهات الإنتاج الكبرى برفع أجورهم. وقد انضمّ إلى الكتّاب نحو 160 ألف ممثل، واضعين بدورهم مصير الإنتاجات السينمائية والتلفزيونية في مهب الريح.

في عين العاصفة، يقف كذلك موعد حفل توزيع جوائز «إيمي» في نسخته الـ75، والذي كان مقرراً في 18 سبتمبر (أيلول) المقبل. وقد رجّحت معلومات إمكانية تأجيله إلى نوفمبر (تشرين الثاني)، فيما لم تستبعد مصادر هوليوودية أن يتأخر الموعد إلى مطلع عام 2024 بسبب الإضراب المتواصل.

الممثلون ينضمون إلى كتّاب «هوليوود» في إضرابهم المتواصل منذ أكثر من شهرين (رويترز)

أبرز المسلسلات المرشحة

يواصل مسلسل «Succession» إبهار المشاهدين والاستحواذ على إجماع النقّاد. ففي موسمها الرابع والأخير، بدت نهاية حكاية عائلة «روي» مقنِعة ومُرضية بالنسبة إلى القاعدة الجماهيرية والصحافة على حدٍّ سواء. لم يكن مستغرباً بالتالي أن يُترجَم هذا النجاح المدوّي 27 ترشيحاً، عن فئات أفضل مسلسل درامي وأفضل تمثيل وأفضل نص وأفضل إخراج.

هذا المسلسل الذي سبق أن فاز بجائزة «إيمي» لأفضل دراما مرتين خلال السنوات الثلاث الماضية، تتمحور أحداثه حول عائلة ثرية تملك أكبر شبكة إعلامية في العالم. وفي الموسم الرابع، يزداد الشرخ بين أفراد تلك العائلة بعد اتخاذ قرار بيع الإمبراطورية الإعلامية والترفيهية.

عن فئة الدراما كذلك، ينافس مسلسل «The Last of Us» الذي عرضته «HBO» مطلع هذا العام. ونظراً للنجاح المدوّي الذي حققه الموسم الأول، فقد قررت المنصة إنتاج موسم ثانٍ من المتوقع أن يصبح جاهزاً للبث في 2025.

يتناول المسلسل المقتبس عن لعبة فيديو اشتُهرت سنة 2013، سرديّة افتراضيّة عن مرحلة ما بعد جائحة حوّلت الناس إلى هياكل متحرّكة وهدّمت البشرية. لم يبقَ في الواجهة سوى المهرّب «جويل» والناجية المراهقة «إيللي» التي تحمل الأمل الوحيد بإنقاذ البشرية.

ترشيحات النسخة الـ75 من جوائز «إيمي» تأخذ في الاعتبار المسلسلات والبرامج التي عُرضت ما بين مطلع يونيو (حزيران) 2022، ونهاية مايو (أيار) 2023. ومن بين تلك الأعمال، الموسم الثاني من «The White Lotus اللوتس الأبيض» الحائز 23 ترشيحاً. يواكب المسلسل الذي عرضته «HBO» يوميات سياح أثرياء في منتجع The White Lotus المتخيّل. وتتأرجح الحكاية ما بين المواقف الدرامية والهجاء الاجتماعي، ضمن حلقة ضيقة تحرّكها سطوة المال والجنس والسلطة.

مسلسل «The White Lotus» أحد أبرز المرشحين عن فئة الدراما (إنستغرام)

عن فئة الدراما، أطلّت «نتفليكس» برأسها بخجل من خلال ترشيح وحيد لمسلسل The Crown (التاج)، فيما استحوذت «HBO» على معظم الترشيحات. ينافس كذلك عن فئة أفضل دراما House of the Dragon، وAndor، وBetter Call Saul، وYellowjackets.

وبالانتقال إلى الكوميديا، فقد تصدّر قائمة الأعمال المرشحة مسلسل Ted Lasso بـ21 ترشيحاً. المسلسل الذي تعرضه منصة «Apple TV+»، يروي في مواسمه الثلاثة حكاية مدرّب أميركي ينتقل إلى لندن لتدريب فريق كرة قدم إنجليزي في مسعى لضمّه إلى الدوري الممتاز. يفشل «تيد» في المهمة الرياضية، غير أنه ينجح في الكوميديا وفي كسب تعاطف الجمهور.

من بين مسلسلات «نتفليكس» الكوميدية، وحده Wednesday استطاع أن يخترق القائمة مع 12 ترشيحاً. وهو يتنافس مع The Marvelous Mrs. Maisel، وThe Bear، وOnly Murders in the Building، وAbbott Elementary، وBarry. أما مفاجأة الترشيحات الكوميدية فكان ترشيح Jury Duty، الذي كان قد ترافقَ عرضُه مع نقد إعلامي لاذع.

أما عن فئة أفضل سلسلة قصيرة، فبرز من بين المرشحين مسلسلا Beef وDahmer من إنتاج «نتفليكس». وبينما ينتمي Beef إلى فئة الكوميديا السوداء، ويعالج قضية غريبَين يجمعهما حادث طريق يتحوّل إلى عداوة معقّدة، يقع Dahmer في خانة الجريمة الواقعية؛ وقد استحق الممثل إيفان بيترز ترشيحاً عن أدائه دور القاتل المتسلسل جيفري دامر.

الممثل إيفان بيترز مرشح لنيل جائزة «إيمي» عن دوره في مسلسل «Dahmer» (نتفليكس)

ومن بين أبرز الممثلين المرشحين للحصول على جائزة إيمي، بيدرو باسكال عن دوره في The Last of Us، وجيريمي سترونغ عن مشاركته في Succession، إضافةً إلى جينا أورتيغا عن دورها في Wednesday، وكوينتا برونسون التي أدت شخصية «جانين» في مسلسل Abbott Elementary.


مقالات ذات صلة

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»... وتدشّن مرحلة تطوير شاملة

يوميات الشرق ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»... وتدشّن مرحلة تطوير شاملة

أعلنت «SRMG» فوزها بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة، في خطوة تعكس تصاعد دورها في قيادة المشهد الإعلامي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق الممثلة الأميركية زيندايا تخوض تجربة سينمائية لافتة في «The Drama» (أ.ب)

زيندايا... من نجمة «ديزني» المراهقة إلى صاحبة الأدوار الصعبة والشخصيات المعقّدة

لم يخطر ببال والدَي زيندايا أنّ ابنتهما ستصير ما هي عليه حالياً. في مدرستها في كاليفورنيا، كانت خجولة ومتحفظة. أما اليوم فهي نجمة على الشاشتين الصغيرة والكبيرة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)

ميشال حوراني يرفض تنميط أدواره ويُقدّم «الشرير الأنيق» في «المحافظة 15»

لم يعد الشرّ مرتبطاً باسم ممثل بعينه، بل بات جزءاً من أدوار يؤدّيها ممثلون من خلفيات متنوّعة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الفنان أحمد العوضي خلال حملة «بيتكم منور بيكم» (فيديو الحملة)

إعلان متخم بالنجوم لـ«ترشيد الكهرباء» يثير تفاعلاً في مصر

«لو سمحتوا أي حد سايب نور في أي أوضة مش قاعد فيها... بعد إذنك قوم اطفيه»، بهذا المضمون؛ أطلقت وزارة الكهرباء المصرية حملة إعلانية توعوية.

محمد عجم (القاهرة )
يوميات الشرق الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو».

داليا ماهر (القاهرة )

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.