المطاعم اللبنانية في لندن بين الإغلاق والافتتاح... والبقاء للأقوى

محاولات جديدة لتقديم تجربة مختلفة تجمع بين الأصالة والحداثة

أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
TT

المطاعم اللبنانية في لندن بين الإغلاق والافتتاح... والبقاء للأقوى

أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)

مشهد المطاعم اللبنانية حالياً في لندن متقلب وغير مستقر، حيث سمعنا منذ أيام قليلة عن إقفال عدد كبير من مطاعم «مروش» التي تُعد من أبرز الأسماء التي ساهمت في ترسيخ حضور المطبخ اللبناني في العاصمة البريطانية على مدى أكثر من أربعة عقود. وجاء هذا الخبر بعد اختفاء أسماء معروفة أخرى من الساحة اللندنية مثل «عبد الوهاب» و«نورا»، وهي مطاعم لعبت دوراً أساسياً في التعريف بالمطبخ اللبناني واستقطاب أجيال من الزبائن من العرب والبريطانيين على حد سواء.

ديكورات تذكرك ببيوت لبنان العتيقة (الشرق الأوسط)

لكن الصورة ليست سوداوية بالكامل، فبالتوازي مع هذه الإغلاقات، تشهد لندن افتتاح مطاعم لبنانية جديدة تسعى إلى تقديم تجربة مختلفة تجمع بين الأصالة والحداثة، ومن بينها مطعم «كينز» وغيره من المشاريع التي تعكس استمرار جاذبية المطبخ اللبناني وقدرته على التجدد. وبين أفول أسماء صنعت تاريخاً طويلاً وولادة علامات جديدة تحمل رؤى مختلفة، يبرز سؤال جوهري حول التحولات التي يشهدها قطاع المطاعم اللبنانية في لندن ومستقبله في سوق تتغير ملامحه باستمرار، مع إقرار بأن البقاء سيكون للأقوى بينها. وفي ظل هذا المشهد، أصبح افتتاح أي مطعم لبناني جديد يحمل رؤية واضحة حدثاً يستحق التوقف عنده. من هنا يأتي مطعم «كينز» (Kinz) في منطقة نوتينغ هيل، الذي يسعى إلى إعادة تقديم المطبخ اللبناني كما يعرفه أبناؤه: مطبخاً قائماً على المشاركة والكرم والنكهات الأصيلة، ولكن ضمن إطار عصري يواكب الذائقة اللندنية المعاصرة.

الكبة من الأكلات اللذيذة في "كينز" (الشرق الأوسط)

كنا من بين أوائل الزوار الذين قصدوا «كينز» بعد يومين فقط من افتتاحه. والمفارقة أن اللافتة الخارجية للمطعم لم تكن قد رُكبت بعد، إلا أن ذلك لم يمنع عشاق الطعام من العثور على العنوان الجديد. فالمكان كان مكتظاً بالكامل، فيما تنوعت جنسيات الحاضرين في مشهد يعكس الفضول الكبير الذي أثاره المطعم منذ أيامه الأولى.

ويحتل المطعم مبنى تاريخياً كان سابقاً فرعاً لبنك «لويدز» يعود إلى ثلاثينات القرن الماضي، من تصميم المعماري البريطاني الشهير السير إدوارد موف. وقد نجح القائمون على المشروع في الحفاظ على الكثير من الملامح المعمارية الأصلية للمبنى، مع إعادة توظيفها ضمن تصميم داخلي أنيق يجمع بين الحداثة والتراث، واللافت هو أن هناك تفاصيل صغيرة تعيد إلى ذاكرة اللبنانيين حيثيات صغيرة يرونها كل يوم في شوارع بيروت ودكاكينها مثل الخيم المقلمة التي تظلل مدخلها وواجهاتها وأرضية وبلاط بيوتها القديمة الأملس من كثرة المشي عليه، فيُخيَّل للناظر أن الزمن أذابه من كثرة المشي عليه، والزهرة التي رسمت على فناجين القهوة التراثية التي حولها «كينز» إلى شعار على شكل دبوس يضعه الندل على زيهم وأسياخ توضع عليها المشويات.

ديكور بسيط وجميل (الشرق الأوسط)

منذ اللحظة الأولى يلفت الانتباه المدخل الواسع والأسقف المرتفعة التي تمنح المكان إحساساً بالرحابة. كما جرى الحفاظ على عدد من التفاصيل الأصلية في الجدران، ومنها بقايا كلمات إنجليزية تعود إلى متجر كان ملاصقاً للبنك في الماضي، في لمسة تضيف بعداً تاريخياً للمكان.

ويقود سلم طويل إلى الطابق العلوي حيث تتوزع جلسات مريحة تطل على القاعة الرئيسية، بينما يوفر الطابق الأعلى مساحة أكثر خصوصية للراغبين في أجواء هادئة. وعلى امتداد السلم تتزين الجدران بصور فوتوغرافية كبيرة توثق مشاهد من لبنان بعدسات مصورين محليين.

جلسات جميلة ومتوزعة بشكل مريح (الشرق الأوسط)

أما أبرز مفاجآت التصميم فتتمثل في غرفة الطعام الخاصة الموجودة في الطابق العلوي، والتي تتسع لمجموعة محدودة من الضيوف. وتلفت الأنظار فيها وحدات الإضاءة المصممة على شكل أزهار بيضاء، والتي قامت شركة لبنانية بتصميمها وتنفيذها في بيروت خصيصاً لهذا المشروع.

وعند العودة إلى الطابق الأرضي، تبدو العناية بالتفاصيل واضحة في توزيع الطاولات؛ إذ تفصل بينها مساحات مريحة تتيح للزبائن الاستمتاع بوجباتهم من دون الشعور بالازدحام. كما تسود المكان ألوان هادئة مستوحاة من طبيعة البحر المتوسط وحقول الزيتون.

أما لمن يرغب في استكشاف تاريخ المبنى، فيمكنه اختيار الجلوس داخل الغرفة الخلفية التي كانت في السابق خزنة البنك. ولا يزال الباب الحديدي السميك والثقيل قائماً حتى اليوم، شاهداً على الوظيفة الأصلية للمكان قبل تحوله إلى أحد أكثر العناوين الجديدة إثارة للاهتمام في نوتينغ هيل.

أصحاب مطعم "كينز" الجديد (الشرق الأوسط)

ويقف وراء المشروع رشا خوري بروزو، الشريكة المالكة لمطعم «أكوب»، بالتعاون مع الشقيقين جاد وكريم لحود، في رؤية مشتركة ترتكز على الكرم والدفء العائلي وتقاليد الضيافة اللبنانية الأصيلة.وتعتمد قائمة الطعام على مفهوم المشاركة، حيث تنقسم الأطباق بين مجموعة من المقبلات اللبنانية التقليدية وأطباق رئيسية أكبر حجماً مستوحاة من وصفات توارثتها الأجيال.

وفي حديث مع رشا خوري بروزو وجاد لحود، أوضحت رشا أن الفكرة الأساسية للمطعم تقوم على تقديم أطباق لبنانية تشبه «أكل البيت» بأسعار معقولة. وقالت إنها لا تؤمن بالمبالغة في أسعار الطعام إلى درجة تحول دون تمكين الناس من الاستمتاع بمكونات جيدة وأطباق محضرة بعناية.

من جهته، أوضح جاد لحود أن معظم الوصفات المدرجة على قائمة الطعام تعود إلى والدته إيلين لحود، التي لا تزال تشرف بنفسها على إعداد عدد من الأطباق داخل المطبخ، بمساعدة فريق متعدد الجنسيات، حفاظاً على النكهة المنزلية الأصيلة التي يقوم عليها مفهوم المطعم.

ويولي «كينز» اهتماماً خاصاً بالأطباق النباتية المستوحاة من مطبخ القرى اللبنانية. ومن أبرزها فتة الباذنجان الغنية باللبن والرمان والمكسرات والخبز المقرمش، إضافة إلى الملفوف المحشي.

وعند المدخل، سيكون بإمكان الزوار شراء المأكولات الجاهزة مثل الكبة والفطاير وخلطات التوابل والمعلبات المنزلية.

ديكورات جميلة وبسيطة بنفس الوقت (الشرق الأوسط)

وعندما سألنا رشا وجاد عن شعورهما بعد الإقبال الكبير الذي شهده المطعم خلال أيامه الأولى، بدت الدهشة واضحة على وجهيهما. وقالت رشا: «الأمر لا يصدق. لا توجد حتى الآن لافتة تحمل اسم المطعم فوق الباب، ومع ذلك لم نكن نتوقع هذا الكم من الزبائن. بعض الأطباق نفدت اليوم لأننا لا نخزن الطعام ولا نثلجه، وكل شيء يُحضّر طازجاً وفي وقته».

ومن التفاصيل المحببة أيضاً أن المطعم يحيي جانباً من الثقافة الاجتماعية اللبنانية من خلال دمج طاولات الزهر والطاولة في تصميم البار وبعض المساحات المشتركة، في استحضار لذكريات الجلسات الطويلة التي تجمع الأهل والأصدقاء.

غرفة طعام خاصة للمجموعات الباحثة عن الخصوصية (الشرق الأوسط)

ويحمل المطعم اسم «كينز» أو «كِنز» بكسر الكاف، في إشارة إلى الكنز الثقافي والغذائي الذي يمثله المطبخ اللبناني. وهو اسم يعكس فلسفة المشروع القائمة على الحفاظ على الوصفات التقليدية والنكهات الأصيلة، مع تقديمها برؤية معاصرة تناسب جمهور لندن المتنوع.

في وقت أصبحت فيه المطاعم اللبنانية المتميزة أقل عدداً مما كانت عليه في السابق، يبدو «كينز» إضافة مرحَّباً بها إلى المشهد الغذائي في العاصمة البريطانية. فالمطعم لا يراهن على الفخامة أو الاستعراض بقدر ما يراهن على وصفات عائلية صادقة، ومكونات جيدة، وأجواء تذكر بزمن كانت فيه مائدة الطعام اللبنانية مساحة للقاء والمشاركة والكرم. وربما لهذا السبب بالتحديد، امتلأت طاولاته منذ أيامه الأولى.


مقالات ذات صلة

المطبخ السعودي يحجز مكانه عالمياً بتوثيق 180 منتجاً تراثياً

مذاقات خبز الحمر الحساوي (هيئة فنون الطهي)

المطبخ السعودي يحجز مكانه عالمياً بتوثيق 180 منتجاً تراثياً

في كل منطقة سعودية حكاية تُروى عبر الطعام؛ من التمور التي ازدهرت في الواحات، إلى الحبوب التي قاومت قسوة الجبال، ومن منتجات البحر على السواحل،

أسماء الغابري (جدة)
مذاقات الستيك يتناغم مع الفلفل الأسود والطماطم (نيويورك تايمز)

كيف تحصل على ألذ ستيك؟

قد تكون شرائح اللحم من الوجبات المميزة، وغالباً ما يكون سعرها على قدر تميزها. لذلك، إذا قررت إعدادها، فاحرص على أن تتمتع بكل ما تعد به الإعلانات:

ألي سلاغل (نيويورك)
يوميات الشرق جاكلين كييدي (موقع كيندي)

جاكلين كيندي كانت تعشق هذا الطبق البحري... وطاهي البيت الأبيض سمّاه باسمها

لم يكن المحار مجرد طبق مفضَّل لدى السيدة الأميركية الأولى السابقة جاكلين كيندي، بل كانت تعشقه.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
مذاقات مطبخ مفتوح وروائح فواحة تنبعث منه (نيويورك تايمز)

الشيف مايكل رفيدي يقدم نكهات رام الله بواشنطن

خلال العشاء في مطعم «ألبي» الفلسطيني بواشنطن العاصمة، يقدم أحد النُدل صينية عليها مناشف يد ساخنة. عند فتح إحداها، فاجأتني تلك الرائحة العطرة التي فاحت منها؛

ليغايا ميشان (واشنطن)
مذاقات ما ميزة القطفة الأولى من شاي دارجيلنغ؟

ما ميزة القطفة الأولى من شاي دارجيلنغ؟

مع بداية الربيع في مرتفعات دارجيلنغ عند سفوح جبال الهيمالايا، تبدأ أول براعم الشاي الظهور بعد أشهر من السكون الشتوي. وتُعرَف هذه المرحلة باسم «القطفة الأولى»،

«الشرق الأوسط» (لندن)

المطبخ السعودي يحجز مكانه عالمياً بتوثيق 180 منتجاً تراثياً

خبز الحمر الحساوي (هيئة فنون الطهي)
خبز الحمر الحساوي (هيئة فنون الطهي)
TT

المطبخ السعودي يحجز مكانه عالمياً بتوثيق 180 منتجاً تراثياً

خبز الحمر الحساوي (هيئة فنون الطهي)
خبز الحمر الحساوي (هيئة فنون الطهي)

في كل منطقة سعودية حكاية تُروى عبر الطعام؛ من التمور التي ازدهرت في الواحات، إلى الحبوب التي قاومت قسوة الجبال، ومن منتجات البحر على السواحل، إلى الأعشاب، والنباتات البرية في المرتفعات. هذا الإرث الغذائي، الذي ظل لعقود حاضراً في ذاكرة المجتمعات المحلية، بدأ اليوم يحجز مكانه في السجل العالمي، مع توثيق 180 منتجاً سعودياً ضمن مبادرة «سفينة التذوق»، ليؤكد أن المطبخ السعودي ليس مجرد وصفات تقليدية، بل هو سجل حي للتاريخ، والثقافة، والتنوع البيئي.

وخلال الفترة من 2022 إلى 2024، ارتفع عدد المنتجات السعودية المدرجة في مبادرة «سفينة التذوق» إلى 180 منتجاً تمثل المناطق الإدارية الثلاث عشرة، بعد إضافة 60 منتجاً جديداً هذا العام، لتصبح المملكة من الدول ذات الحضور البارز في السجل الدولي الذي يضم أكثر من سبعة آلاف منتج من أكثر من 150 دولة.

ولا تمثل «سفينة التذوق» منصة لعرض المنتجات، أو مشروعاً مادياً، وإنما هي سجل عالمي أُطلق عام 1996 لتوثيق الأغذية المهددة بالاندثار، والحفاظ عليها عبر استمرار زراعتها، وإنتاجها، واستهلاكها، انطلاقاً من قناعة بأن حماية التراث الغذائي لا تتحقق بعزله، وإنما بإبقائه حياً في حياة الناس، وأسواقهم، وموائدهم.

التمور السعودية أحد أبرز الكنوز الغذائية التي تعمل المملكة على توثيقها (هيئة فنون الطهي)

وترى هيئة فنون الطهي أن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز لا تكمن في عدد المنتجات المسجلة فحسب، بل في الرسالة التي يحملها كل منتج منها. فكل منتج يوثق في هذا السجل يعكس هوية منطقة، ويختزن معارف تقليدية، ويجسد علاقة الإنسان ببيئته، بما يحمله من أساليب زراعة، وإنتاج، وتكيف مع الظروف الطبيعية عبر قرون.

وتؤكد هيئة فنون الطهي عبر اتصالها المؤسسي لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التنوع يعكس تاريخاً طويلاً من التكيف مع البيئات الجافة، وشبه الجافة، حيث طورت المجتمعات المحلية أنظمة غذائية متكاملة تعتمد على الإدارة الرشيدة للموارد، وأسهمت طرق التجارة القديمة في انتقال المحاصيل والمعارف الغذائية بين مناطق المملكة، لتتشكل هوية غذائية ثرية تستحق الحماية، والتوثيق.

ومن بين أبرز المنتجات التي تحمل قيمة ثقافية استثنائية، تبرز أصناف التمور المحلية التي توارثتها الأجيال في مختلف مناطق المملكة. فهذه الأصناف لا تمثل مجرد محاصيل زراعية، بل ترتبط بتاريخ الواحات، وأنظمة الري التقليدية، والعادات الاجتماعية المرتبطة بالضيافة، والمناسبات، إضافة إلى المعارف الزراعية التي حافظت عليها المجتمعات المحلية عبر مئات السنين.

وتشير الهيئة إلى أن أصنافاً مثل الحليّة، والمغمي، والبياض النجراني، والبكاية تجسد هذا الارتباط الوثيق بين الإنسان والأرض، إذ يحمل كل صنف قصة منطقة بعينها، ويعكس طبيعتها، وذاكرتها، وثقافتها، وهو ما يجعل الحفاظ عليها حفاظاً على جزء من الهوية الوطنية.

ولا يتم إدراج أي منتج في «سفينة التذوق» إلا بعد استيفاء مجموعة من المعايير، من بينها أن يكون منتجاً غذائياً ذا جودة مميزة من حيث المذاق وفق تقاليد المجتمع المحلي، وأن يرتبط بمنطقة جغرافية محددة، ومعارف تقليدية متوارثة، وأن ينتج بكميات محدودة، وأن يكون معرضاً لخطر الاندثار نتيجة تغيرات بيئية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، بما يجعل توثيقه خطوة لحماية إرث مهدد بالاختفاء.

ورغم أن التسجيل لا يغير واقع المنتجين مباشرة، فإن الهيئة تصفه بأنه بداية لمسار جديد. فبمجرد إدراج المنتج يصبح جزءاً من دليل عالمي يتيح للطهاة والباحثين والمهتمين بالتراث الغذائي التعرف عليه، بما يوسع فرص ظهوره خارج نطاقه المحلي، ويمنح المنتجين نافذة للوصول إلى أسواق جديدة.

وتستند الهيئة في ذلك إلى تجارب دولية أظهرت أن المنتجات المدرجة في هذا السجل استطاعت، مع مرور الوقت، تعزيز حضورها التجاري عندما ارتبطت بقصصها التراثية، وأصبحت جزءاً من تجارب الطهي المحلية، وأسهمت في تحسين الجدوى الاقتصادية للمنتجين الصغار عبر التسويق المباشر، والتعاون مع المطاعم، والمتاجر المتخصصة.

كما ترى أن هذا التوثيق يفتح المجال أمام نوع جديد من السياحة يعتمد على التجارب الغذائية الأصيلة، حيث يمكن للمنتجات التراثية أن تصبح محوراً لبرامج سياحية تربط الزائر بالمزارع، والواحات، والقرى التقليدية، وهو توجه ينسجم مع تنامي الاهتمام العالمي بسياحة الطهي، ومع مستهدفات المملكة في تنويع منتجاتها السياحية.

لكن الهيئة تؤكد أن التسجيل وحده لا يكفي لتحقيق هذا التحول، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل تطوير معايير الجودة، وتنظيم المنتجين، وبناء الهوية التسويقية لكل منتج، وتعزيز حضوره في المطاعم، والأسواق، وهو ما تعمل عليه المرحلة المقبلة عبر برنامج «بريسيديا» الذي يهدف إلى تحويل المنتجات التراثية من عناصر موثقة إلى موارد اقتصادية مستدامة.

وفي الوقت نفسه، تواصل الهيئة أعمالها لحصر وتوثيق مزيد من المنتجات المهددة بالاندثار في جميع مناطق المملكة، مؤكدة أن كل منطقة تمتلك كنوزاً غذائية لم تُكتشف بعد، وأن عملية التوثيق لا تزال مستمرة. وتربط الهيئة هذه الجهود مباشرة بمستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تنظر إلى الثقافة والتراث بوصفهما رافدين للتنمية الاقتصادية، وترى في التراث الغذائي مورداً يمكن أن يسهم في خلق فرص عمل، وتنشيط السياحة، وتعزيز الصناعات الإبداعية، وتقديم صورة أكثر ثراءً للمملكة على الساحة الدولية.


كيف تحصل على ألذ ستيك؟

الستيك يتناغم مع الفلفل الأسود والطماطم (نيويورك تايمز)
الستيك يتناغم مع الفلفل الأسود والطماطم (نيويورك تايمز)
TT

كيف تحصل على ألذ ستيك؟

الستيك يتناغم مع الفلفل الأسود والطماطم (نيويورك تايمز)
الستيك يتناغم مع الفلفل الأسود والطماطم (نيويورك تايمز)

قد تكون شرائح اللحم من الوجبات المميزة، وغالباً ما يكون سعرها على قدر تميزها. لذلك، إذا قررت إعدادها، فاحرص على أن تتمتع بكل ما تعد به الإعلانات: الأزيز عند الطهي، والتحمير المثالي، والقشرة البنية الداكنة، والطعم الغني والقوام المتماسك. ابدأ بهذه التعديلات السبعة البسيطة، ثم جرّب ما يناسب ذوقك حتى يصبح منزلك هو مطعم شرائح اللحم المفضل لديك.

ستيك مع الخضار (نيويورك تايمز)

لا ضرورة للتتبيلة

معظم مكونات التتبيلة، باستثناء السكر والملح، لا تتغلغل إلى داخل اللحم، بل تبقى على سطحه فقط. وعندما توضع الشريحة في مقلاة ساخنة، تتناثر التتبيلة الموجودة على السطح، بينما ينتهي ما تبقى منها في الوعاء إلى سلة المهملات. فهل تستحق التتبيلة كل هذه المكونات والوقت والخطوات الإضافية؟ في الغالب لا. يكفي أن تجفف شريحة اللحم جيداً، ثم تغطيها بالملح من جميع الجهات.

الستيك يتناغم مع الفلفل الأسود والطماطم (نيويورك تايمز)

أكثِر من الفلفل الأسود

ليس من قبيل المصادفة أن يجتمع اللحم البقري والفلفل الأسود في العديد من الأطباق الكلاسيكية، مثل بريسكيت تكساس، وشرائح اللحم بالفلفل؛ فعند الطهي، تتحمص حبات الفلفل، ويصبح لونها أغمق ونكهتها أكثر قوة، ما يساعدها على موازنة دسم اللحم وإبراز مذاقه الطبيعي. عند تتبيل شريحة اللحم بالملح، أضف كمية سخية من الفلفل الأسود المطحون طحناً خشناً، إذ إن الفلفل الناعم يحترق بسرعة أكبر، ثم افركه في اللحم ليسهل التصاقه.

يعتمد الستيك على نوعية اللحم ومن ثم الوصفة (نيويورك تايمز)

أضِف الزبدة المنكّهة

إذا كنت تؤمن بسحر الطهي، فجرّب دهن شريحة اللحم الساخنة، فور خروجها من النار، بطبقة من الزبدة الطرية، وستشاهد صلصة حريرية تتشكل أمامك. لكن النتيجة ستكون أفضل بكثير إذا مزجت في الزبدة مكونات مثل الثوم، أو الأعشاب، أو بشر الحمضيات، أو معجون الكاري الأخضر، أو الجبن الأزرق، إذ تعزز دهون الزبدة وحرارة اللحم نكهاتها.

وزّع قطعاً صغيرة من الزبدة المنكهة على شريحة اللحم أثناء تركها لترتاح على لوح التقطيع، حتى تمتزج العصارات بالزبدة وتتحول إلى صلصة سهلة التحضير وغنية بالنكهة. ويمكن تقديم المزيد من الزبدة على المائدة.

صلصة خضراء مرافقة للستيك (نيويورك تايمز)

قدّمها مع صلصة الأعشاب

تمنح صلصة الأعشاب الخضراء الطازجة شريحة اللحم ما ينقصها، لذا يشكلان ثنائياً مثالياً. فأي صلصة تعتمد على زيت الزيتون، والأعشاب الطرية مثل البقدونس، أو الكزبرة، أو الشبت، أو النعناع، مع عنصر حمضي مثل الليمون أو الخل، وربما إضافة قوية مثل الفلفل الحار، أو براعم الكَبَر المخللة، أو البصل الأخضر، ستكون خياراً ممتازاً، سواء كانت صلصة «تشيميتشوري»، أو «سالسا فيردي».

تناغم شديد ما بين الستيك والطاطم (نيويورك تايمز)

تناولها مع الطماطم

إن وضع شريحة الطماطم في البرغر، أو تقديم خليط «بيكو دي جايو» مع تاكو اللحم، لا يهدف إلى إضفاء لمسة جمالية فحسب، فكما هو الحال مع صلصات الأعشاب، تعوض الطماطم ما ينقص شريحة اللحم، إذ تضيف عصارة طازجة وحلاوة طبيعية، وتبرز نكهتها الغنية دون زيادة الإحساس بالدسم.

قطّعها إلى شرائح رفيعة واطهها على حرارة مرتفعة

على عكس طهي شريحة اللحم كاملة، يتيح القلي السريع لشرائح رفيعة الحصول على تحمير أفضل، كما يسمح لكل قطعة بامتصاص كمية أكبر من الصلصة. ابدأ بتقطيع شريحة لحم غنية بالتعرقات الدهنية، مثل السيرلوين، أو الضلوع القصيرة منزوعة العظم، أو نيويورك ستريب، أو ريب آي، إلى شرائح رفيعة بعكس اتجاه الألياف. وللحصول على تقطيع مثالي، ضع الشريحة في المجمد لمدة نحو 15 دقيقة حتى تتماسك قبل تقطيعها. بعد ذلك، حمّر الشرائح على حرارة مرتفعة جداً، إذ ستكتسب لوناً بنياً خلال دقائق. ولا داعي للقلق بشأن درجة الحرارة الداخلية، لأن الشرائح ستكون رفيعة للغاية بحيث لا يمكن إدخال ميزان حرارة فيها.

من الافضل بأن يُطهى اللحم بشكل متوسط (نيويورك تايمز)

استخدم ميزان حرارة

أسهل طريقة للحصول على شريحة لحم ممتازة لا تتمثل فيما تفعله، بل فيما تتجنبه، وهو الإفراط في الطهي. ورغم وجود وسائل عديدة لمعرفة درجة نضج شريحة اللحم، مثل شقها أو الضغط على سطحها، فإن استخدام ميزان حرارة خاص باللحوم يظل الوسيلة الأكثر دقة.

وللحصول على قراءة صحيحة، اتبع نصيحة سوهلا الوايلي، مستخدماً ملقطاً لإبقاء الشريحة في وضع رأسي، ثم «أدخل ميزان الحرارة الفوري من جانب الشريحة حتى يصل إلى المنتصف». وأثناء فترة الراحة، ستواصل الشريحة الطهي، لذا استهدف درجة حرارة تتراوح بين 120 و125 درجة للحصول على درجة نضج متوسطة مائلة إلى النيئة، أو بين 130 و135 درجة للحصول على درجة نضج متوسطة، قبل نقلها إلى لوح التقطيع.

يمكن تقديم الستيك بطرق عديدة (نيويورك تايمز)

شريحة لحم في القلاية الهوائية مع زبدة الثوم والأعشاب

تصعب منافسة شريحة اللحم الكلاسيكية المطهية في مقلاة من الحديد، لكن إعدادها في القلاية الهوائية يعد طريقة موثوقة للوصول إلى درجة النضج الداخلية المثالية خلال وقت أقل بكثير، بفضل دوران الهواء الساخن داخل الجهاز.

كما أن خلطة التوابل والزبدة بالأعشاب تناسب استخدامات أخرى، ويمكن مضاعفة الكمية بسهولة وحفظها لاستخدامها لاحقاً. ولا تضيف الكمية الصغيرة من السكر البني حلاوةً ملحوظةً، بل تساعد على تعزيز عملية الكرملة. وبفضل سرعتها ونتائجها الموثوقة، قد تصبح هذه الطريقة خيارك المفضل لطهي شريحة اللحم في أمسيات أيام الأسبوع.

وخلال تطوير هذه الوصفة، جرّبت إليانور بارك طهي أكثر من خمسة أنواع مختلفة من شرائح اللحم في القلاية الهوائية للوصول إلى أفضل نتيجة. ثم اختبرت نوعاً آخر من الشرائح، وقامت بتعديل توقيت الطهي لضمان الحصول على شريحة بدرجة نضج «متوسطة مائلة إلى النيئة» في كل مرة.

إعداد: إليانور بارك ومكوناتها● ملعقة وربع ملعقة صغيرة من الملح الخشن.

● ثلاثة أرباع ملعقة صغيرة من السكر البني.

● نصف ملعقة صغيرة من الفلفل الأسود.

● ربع ملعقة صغيرة من الكزبرة المطحونة.

● ربع ملعقة صغيرة من البابريكا الحلوة.

● شريحة لحم منزوعة العظم تزن بين 12 و16 أونصة، مثل السيرلوين أو الستريب أو الريب آي، بسُمك يقارب بوصة واحدة.

● زيت زيتون للدهن، أو بخاخ زيت زيتون للطهي.

● ملح للتقديم.

لتحضير زبدة الثوم والأعشاب

● 4 ملاعق كبيرة من الزبدة غير المملحة (نصف قالب)، طرية.

● 3 فصوص ثوم مبشورة.

● ملعقة ونصف ملعقة صغيرة من البقدونس الطازج المفروم.

● ملعقة ونصف ملعقة صغيرة من الزعتر الطازج المفروم.

● ملعقة صغيرة من إكليل الجبل (الروزماري) المفروم.

● ملعقة صغيرة من بشر الليمون.

● نصف ملعقة صغيرة من الملح.

طريقة التحضير

1. اترك شريحة اللحم حتى تصل إلى درجة حرارة الغرفة لمدة لا تقل عن 30 دقيقة. وسخّن القلاية الهوائية إلى 400 درجة فهرنهايت ( نحو 200 درجة مئوية) إذا كان التسخين المسبق موصى به.

2. اخلط الملح والسكر البني والفلفل والكزبرة والبابريكا في وعاء صغير. جفف شريحة اللحم جيداً باستخدام مناشف ورقية، ثم ادهنها بزيت الزيتون. افرك خليط التوابل على جميع جوانب الشريحة. (يمكن تتبيل شريحة اللحم وتركها مكشوفة في الثلاجة لمدة تصل إلى 12 ساعة).

3. ضع شريحة اللحم في سلة القلاية الهوائية، واطهها لمدة 5 دقائق. اقلبها ثم واصل الطهي من 3 إلى 5 دقائق إضافية للحصول على درجة نضج «متوسطة مائلة إلى النيئة».

4. أخرج الشريحة من القلاية عندما تصل قراءة ميزان الحرارة الفوري، في أكثر أجزائها سُمكاً، إلى 130 درجة، إذ سترتفع الحرارة بمقدار يتراوح بين 5 و10 درجات أثناء فترة الراحة، لتصل في النهاية إلى 135 درجة، وهي درجة نضج «متوسطة مائلة إلى النيئة»، ثم انقلها إلى لوح تقطيع واتركها ترتاح لمدة 10 دقائق.

5. في أثناء ذلك، حضّر زبدة الثوم والأعشاب بمزج الزبدة والثوم والبقدونس والزعتر وإكليل الجبل وبشر الليمون والملح في وعاء صغير حتى تمتزج المكونات جيداً. (يمكن حفظ ما يتبقى من زبدة الثوم والأعشاب في وعاء محكم الإغلاق داخل الثلاجة لمدة تصل إلى شهر، أو في المجمد لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر).

6. ضع ملعقة من زبدة الثوم والأعشاب فوق شريحة اللحم، سواء كانت مقطعة أو كاملة، ثم أضف ما تبقى من الأعشاب المفرومة والفلفل والمزيد من الملح القشري، إذا رغبت.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشيف مايكل رفيدي يقدم نكهات رام الله بواشنطن

مطبخ مفتوح وروائح فواحة تنبعث منه (نيويورك تايمز)
مطبخ مفتوح وروائح فواحة تنبعث منه (نيويورك تايمز)
TT

الشيف مايكل رفيدي يقدم نكهات رام الله بواشنطن

مطبخ مفتوح وروائح فواحة تنبعث منه (نيويورك تايمز)
مطبخ مفتوح وروائح فواحة تنبعث منه (نيويورك تايمز)

خلال العشاء في مطعم «ألبي» الفلسطيني بواشنطن العاصمة، يقدم أحد النُدل صينية عليها مناشف يد ساخنة. عند فتح إحداها، فاجأتني تلك الرائحة العطرة التي فاحت منها؛ إنها رائحة جولة شديدة العذوبة وسط زهور تنمو على حجر تحت أشعة الشمس.

ربما يقدم مطعم آخر شيئاً بين الأطباق الرئيسية لتنظيف الفم، لكن هنا يبدو أن الروح هي الهدف.

منشفة اليد مجرد جزء من تفاصيل كثيرة ينتبه إليها العاملون في «ألبي» بهدوء، ودون لفت للأنظار في قاعة الطعام ذات الإضاءة الصفراء بلون الكهرمان المطلّة على الماء، التي كانت صناعية في الماضي، والتي تغطي أرضيتها سجاجيد منسوجة مفروشة تحت الطاولات، ومعلّق بها ستائر بلون الزعفران من السقف حتى الأرض، عازلة المكان عن العالم الخارجي.

إن هذا ما تتوقعه من عشاء جيد. المفاجئ في هذه الأجواء الراقية هو الشعور بالمتعة الواضحة الجلية؛ بل حتى إنه يمكن وصفها بحقيقتها؛ وهي المرح.

يعتبر "ألبي" من أشهر المطاعم الشرق أوسطية في واشنطن (نيويورك تايمز)

ربما تبدأ الوجبة بورقة مكتوب عليها بخط اليد وتحمل رسماً، وتكون مختلفة كل مرة. وفي يوم ملبّد بالغيوم، كُتب على الورقة، التي حصلت عليها، «رغم أن الطقس ربما يكون كئيباً وتخيّم عليه الغيوم، بالتأكيد وجودك يضيء المكان». ويمتد موقد أرضي طوله 10 أقدام وفرن جانبي يُوقد بالخشب بطول الجزء الخلفي من المطبخ المفتوح. يمرّ كل شيء على القائمة تقريباً عبر لهيب النار.

التمر المشوي الوارد من البحر الميت رائع وكبير، ويُقدم ساخناً مثل الكستناء على عربات الشوارع في الشتاء. إنه لذيذ ومكرمل، ومغطى بالسمن المنوقع في رأس الحانوت، وهو خليط من البهار الشمال أفريقي الترابي الدافئ من الداخل. تخفف عصرة الليمون حدّة ودسامة الطبق، وتجعل رشة من الملح حلاوته أكثر قوة.

ويمكن قياس مقدار الشعور بسعادة تناول وجبة في «ألبي» بالخبز الذي يشبه خبز البيتا، لكنه أكثر امتلاءً، ويُقدم كل منها على الطاولة ويؤكل في الهواء الطلق، وسرعان ما تُطهى كل الرطوبة في العجين على البخار في حرارة الفرن الجنونية. ويستخدم الطاهي مايكل رفيدي العجين اللاذع؛ لذا يوجد مذاق حاد ولمحة من الحياة البرية في نكهته.

إنه يخلط مع العجين البطاطس أيضاً، لجعله هشاً بدرجة كبرى. هل هذا يفسر لماذا تظهر عليه فجوات مميزة، لكن دون أن يفرغ منه الهواء، بعد أخذ المرء قطعة منه؟

تظهر الأزهار، التي تُستخدم في بلاد الشام لقرون بوصفها طعاماً ودواء، على القائمة. ويمنح زيت أزهار البرتقال عمقاً حلو المذاق؛ مثل عسل النحل لقطع اليوسفي وتوازن أعلى كرات اللبنة المغمسة بزيت الزيتون، حتى تصبح كثيفة ومخملية مثل الجبن. وتُنثر أجزاء متفرقة من بتلات الزهور على هالة من «الميرينغ» أعلى طبق المهلبية، وهو بودينغ اللبن اللين المهتز. يُغمر ثمر الورد، الذي يشبه ثمار التوت الأحمر الصغير، في شراب ليمثل قاعدة وأساس مشروب كوكتيل فوّرا منعش.

أطباق تقليدية مع لمسات عصرية (نيويورك تايمز)

من التقليدي طحن براعم الزهور مع الـ«بانغ تارت» (فطائر التارت التلايلاندية) لتكوين خليط من البهار يُستخدم في إعداد الكبّة النية، وهو طبق من اللحم النيئ قليل الدهن الذي يُفرى مع البرغل حتى يصبح قوامه «ناعم كريمي». ويقدّر رفيدي هذا، ثم يرتجل، حيث يقدم نسختين من الطبق كل ليلة، تكون إحداهما دائماً نباتية. كان هناك خلال فصل الشتاء بنجر (شمندر) مشوي ذو مذاق حلو قليلاً مع لحم الضأن المعطر بالمسك، بفضل مذاق السماق. وفي الربيع، كان هناك طبق من تونة الزعنفة الصفراء المتألقة مع البازلاء المدخنة على البارد، لتعطي مذاقاً يشبه اللحم مع بقاء أثره على اللسان.

حتى الأصناف المألوفة تُقدم بشكل جديد، مثل المحار المدهون بالزبد والموضوع مباشرة على الفحم، والذي يحمل قوة مشروب العرقسوس؛ وهو مشروب يعود إلى العصور الوسطى باليانسون. تُقّطع البطاطس إلى شرائح رقيقة، ثم تُخبز وتُضغط وتُقلى في زيت غزير، وتُقدم على شكل صف طويل من المكعبات الذهبية المتقنة التي تشبه في مذاقها مذاق الشاورما المقطوعة من السيخ.

هل من الممكن تحسين طبق دون خسارة طبيعته الريفية الأصيلة الجوهرية التي تمثل قلبه؟ لا أعتقد أنني قد ذقت حمّصاً أفضل من الحمص الذي يُقدم هنا في هذا المطعم، سواء كان يعلوه فطر الموريل وصفار البيض فاقع اللون المطهو في الدهن، أو الفول المدمس المعدّ من فول غير مطهو بشكل زائد على الحد، فإنه مشوي داخل غلافه الخارجي، ثم تزال قشرته وتُوضع فوقه التتبيلة بعد ذلك.

نشأ رفيدي، الذي يدير أيضاً مطعم «لا شوكران» الصغير، وهو نصفه باريسي ونصفه بيروتي، وكذلك مقهى «يلو»، في ولاية ماريلاند وله جذور في الضفة الغربية، فجداه لأبويه من رام الله. وهو طفل، كان يأكل الصفيحة (فطائر اللحم) باردة من الثلاجة ليلاً، وقد كان طبقه المفضل الذي تعدّه جدته؛ وهو لحم ضأن مفري مبهّر مع الخضراوات، ويُثخن بالطحينة، ويُخبز على شرائط من العجين نفسه مثل الخبز المتحدي للجاذبية.

مع ذلك، كان الطابع الأولي لمطعم «ألبي»، الذي كان افتتاحه عام 2020، أقرب إلى الشام. ولجذب الزبائن إلى المطعم، أراد جعله «سهل التقرب منه»، على حد قوله. وكانت هناك كلمات عربية أقل في قائمة الطعام.

الشيف مايكل رفيدي في مطبخه (نيويورك تايمز)

شعر رفيدي، الذي تدرب على أصناف المطبخين الفرنسي والأميركي الجديد، بأنه لا يزال في مرحلة تعلم طهو أجداده؛ لقد سافر إلى رام الله للمرة الأولى عام 2022، وكان أول طبق أعدّته له عائلته هناك هو البازلاء، وهو يخنة مشبعة من البازلاء توضع على الأرز المضاف إليه شعرية محمرة مكسّرة، والتي تظهر حالياً في «ألبي»، إلى جانب لحم بقري من الضلوع الضخمة المشوية.

الربيع الماضي، أغلق المطعم أبوابه لإجراء أعمال التجديد، وعند إعادة افتتاحه، رأى أن الوقت قد حان للحديث بشكل مباشر أكثر عن تراثه. لقد أضاف إلى قائمة الطعام طبق المقلوبة، وهي مثل كعكة ملمّعة من الأرز مع طبقات اللحم والخضار، التي تُقلب، ومن هنا جاء اسمها، بحيث تصبح الحبوب المقرمشة في الأعلى. ويطهو رفيدي الأرز جزئياً في مرقة السلطعون، ويتركه ليجف لمدة يوم من أجل الحصول على طقطقة مثالية، ثم يقلي السلطعون، ويصنع الطبقات ويطهو كل شيء معاً.

وعلى جانب؛ توجد دقّة السلطعون الغزاوية، والطماطم المهروسة، والفلفل الحار والسلطعون، المخمّران بالليمون والشبت، ويكون ساخناً بشكل منعش وبارد في آن واحد. تعلّم رفيدي إعداد الدقّة من ليلى الحداد، وهي مؤلفة كتاب طهو فلسطينية تقيم في ماريلاند. ويمثل السلطعون خليج تشيزابيك والسلطعون الأزرق الذي يصطادونه من مياه غزة، والذي يعدّ متوفراً تاريخياً، حيث يُطلق عليه «الذهب الأزرق».

لاحظ رفيدي أنه من الصعب إعداد هذا الصنف، الذي عادة ما يُقدم في الولائم، على نطاق صغير محدود. وأفضل طريقة هنا هي السفرة (165 دولاراً للفرد)، وهو وجبة من 5 أطباق رئيسية تتجاهل الحسابات الرياضية بكل سرور، إلى جانب أطباق تنتشر على الطاولة مثل أرغفة الخبز والأسماك.

ربما يكون الهوس حتمياً في أي مطعم على هذا المستوى. ويُمنح كل طبق، وكل لفتة، كثيراً من الوقت والجهد. مع ذلك، لا يكون أي من ذلك بهدف التفاخر، حيث لا يهتم رفيدي فحسب بالمثالية المجردة؛ ولكن ببناء عالم متحقق بالكامل، ونابض بالحياة في كل تفاصيله، وجعله عالمك.

الشيف مايكل رفيدي (نيويورك تايمز)

لا يوجد تبجيل هادئ مهموس، ولا مسافة الحذر التي يُحرَص عليها في معابد الطعام الأخرى. الخدمة متقنة راقية، لكنها أيضاً دافئة وذات طابع شخصي، حيث يشعر المرء بالاهتمام بشكل عاطفي. عند عودتي إلى المكان في زيارة أخرى، سأل أحد النُدل عن ابنتي، وتذكر المحادثات التي أجريناها منذ شهرين.

في وقت تستطيع فيه المطاعم الفاخرة الراقية أن تبدو لامعة ومتألقة على السطح، من اللطيف والمهدئ للنفس الوجود في مكان تكون فيه المتعة ملموسة وواضحة. ربما يكون بيت شعر للرومي، وهو مخفي قليلاً على قائمة مشروبات الكوكتيل، مثل رسالة، وهو: «أعرف أنك متعب؛ لكن تعال... هذا هو الطريق».

* خدمة «نيويورك تايمز»