مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

في خيمة استخدمها خبازو «الجيش القاري» خلال حرب الاستقلال الأميركية

جاستن شيري، صاحب مخبز "هاف كراون بايكهاوس" (نيويورك تايمز)
جاستن شيري، صاحب مخبز "هاف كراون بايكهاوس" (نيويورك تايمز)
TT

مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

جاستن شيري، صاحب مخبز "هاف كراون بايكهاوس" (نيويورك تايمز)
جاستن شيري، صاحب مخبز "هاف كراون بايكهاوس" (نيويورك تايمز)

مثلما الحال مع غالبية الخبازين، يستيقظ جاستن شيري، صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس»، في تشارلستون بولاية ساوث كارولاينا، في الساعات الأولى من الفجر، ليبدأ عجن الخبز والفطائر لزبائنه، الذين يصطفون خارج محله بمجرد أن يفتح أبوابه. غير أن ما يميِّز شيري عن منافسيه، أن مخبزه عبارة عن خيمة من الطراز المستخدم عادةً في التخييم، تضم فرناً طينياً يماثل تلك الأفران التي استخدمها خبازو «الجيش القاري» خلال حرب الاستقلال الأميركية.

جاستن شيري، صاحب مخبز "هاف كراون بايكهاوس" (نيويورك تايمز)

وفي المواقع التاريخية الممتدة من ماساتشوستس إلى فلوريدا، يعكف شيري على صنع أرغفة خبز، تشبه تلك التي أمر الجنرال جورج واشنطن بتوفيرها لرجاله. ونظراً لأنه يقيم في «ماونت فيرنون» بولاية فرجينيا، شهد شيري ضغط عمل مكثف هذا العام، تزامناً مع احتفال البلاد بمرور 250 عاماً على التأسيس، احتفالية تمهد لخمس سنوات قادمة من فعاليات إحياء الذكرى في مواقع رئيسية شهدت معارك حرب الاستقلال. وقد حُجزت خدماته بالفعل في موقع «واشنطن كروسينغ» ببنسيلفانيا، وموقع معركة «مونموث» في نيوجيرسي، حيث يستعيد الممثلون الهواة هناك ذكرى إحدى أطول معارك الحرب بإطلاق نيران البنادق والمدافع.

مخبوزات توضع في فرن تقليدي (نيويورك تايمز)

وقال شيري، في تصريحات أدلى بها مطلع هذا الشهر في «ماونت فيرنون»: «يشتكي الناس اليوم من أن خبز الأكل في المنزل يستغرق وقتاً طويلاً، لذا فإن مشاهدتي في أثناء العمل تفتح عيونهم على واقع آخر».

ومن خيمته المنصوبة في الحقل الممتد على مساحة اثني عشر فداناً أمام قصر واشنطن، يشارك شيري زبائنه تفاصيل عمليته التي تستغرق عشر ساعات كاملة. وعلى غرار نظرائه في القرون الماضية، يتعين على شيري التعامل مع تقلبات الطقس؛ إذ سبق له الخبز في درجات حرارة حارقة وكذلك في برد قارس، فضلاً عن الرياح والأمطار والعواصف الثلجية، وكافح لتثبيت خيمته في وجه الرياح العاتية.

طريقة تقليدية في صنع المخبوزات (نيويورك تايمز)

وفي أوقات ذروة العمل، يشارك والدا شيري وزوجته وابنته ذات الـ11 عاماً في عمليات البيع، بينما يرتدون جميعاً ملابس تاريخية تعود لتلك الحقبة، ويتبادلون أطراف الحديث مع الزبائن حول تاريخ الخبز في القرن الثامن عشر، في الوقت الذي ينهمك شيري في إدخال المخبوزات وإخراجها من الفرن بسرعة.

وإلى جانب بيع أرغفة الخبز، التي تزن رطلاً واحداً وتماثل الحصص التموينية التي كان يتلقاها جنود «الجيش القاري» خلال الحرب، يقدم شيري منتجات موسمية، تماماً كما كان يفعل نظراؤه في الماضي. وتتضمن هذه المنتجات أجباناً مصنوعة محلياً والزبدة والأسماك المملحة. أما خبز الزنجبيل الذي يصنعه، فيُشكل باستخدام قوالب مستنسخة يدوياً من القرن الثامن عشر، ويستغرق إعداده ثلاثة أيام.

جاستن شيري، صاحب مخبز "هاف كراون بايكهاوس"(نيويورك تايمز)

وقد سُمي مخبزه بهذا الاسم، لأن رطل الخبز كان يكلف نصف كراون أو اثني عشر بنساً ونصف البنس في منتصف القرن الثامن عشر، ما يعادل ثلاثة دولارات ونصف الدولار، اليوم. وتباع أرغفته الحالية بنحو خمسة عشر دولاراً، وعادةً ما تنفد بضاعته في أقل من ساعة، مع انجذاب الحشود إلى خيمته بفضل رائحة الخبز الذكية.

من جهتها، تتابع باربرا أونوراتو وزوجها توني مسيرة شيري المهنية، منذ أن قرآ عنه للمرة الأولى عام 2018. ويعيش الزوجان أونوراتو، اللذان يمتلكان مزرعة تاريخية في ولاية بنسلفانيا، في منطقة مونتكلير القريبة بولاية فرجينيا، ويعتبران من زبائنه الدائمين في «ماونت فيرنون» ومواقع أخرى. وفي هذا الصدد، قالت باربرا أونوراتو: «خبزه ومنتجاته الأخرى رائعة للغاية، وأنا معجبة جداً بمشاركة عائلته بأكملها في هذا العمل».

جاستن شيري، صاحب مخبز "هاف كراون بايكهاوس" (نيويورك تايمز)

جدير بالذكر أن شيري نشأ في غرب ولاية بنسيلفانيا، وسط عائلة من الشغوفين بمحاكاة التاريخ وتفسيره، وكثيراً ما يحرص على ارتداء الملابس التاريخية والسفر إلى مواقع إعادة تمثيل معارك حرب الاستقلال مع والديه وشقيقه، منذ أن كان في الثامنة من عمره. وفي أثناء فترة عمله مع الطاهي شون بروك في مطعم «هاسك» بمدينة تشارلستون، أدرك شيري أنه بمقدوره صنع الخبز على الموقد المستخدم لطهي اللحوم بعد خمود النيران. وقال شيري: «نظراً لانغماسي الشديد في تجارب إعادة التمثيل التاريخي، والتي تتضمن الطهي على نيران المخيمات طوال حياتي، كانت الخطوة المنطقية التالية بالنسبة لي صنع فرني الخاص». وبعد استشارة مؤرخ الثقافة الغذائية ديفيد شيلدز، عثر شيري في أرشيف محلي على مواصفات بناء فرن طيني كتبها الـ«سالزبورغرز» -جالية من خبازي ولاية جورجيا، كانوا يعملون بالقرب من نهر سافانا، في أربعينات القرن الثامن عشر.

مخبزوات مميزة من صنع جاستن شيري (نيويورك تايمز)

في خبزه، يعتمد شيري على حبوب تُطحن خصيصاً بناءً على طلبه، بما في ذلك طاحونة «ماونت فيرنون». كما يستخدم رغوة الخميرة، أو خميرة البيرة، التي يحصل عليها من صُنّاع البيرة المحليين، تماماً كما كان يفعل الخبازون، قبل الإنتاج الضخم لمواد التخمير.

وأضاف: «أحاول استخدام مكونات كانت شائعة في المناطق التي أعمل بها، لأن هذا ما كان يتعين على خبازي واشنطن فعله في ذلك الوقت». ويتضمن عمل شيري كذلك جمع وصفات طعام وأدوات خبز ومعدات ومخطوطات وكتب، تعود إلى القرن الثامن عشر. ويركز بشكل خاص على كريستوفر لودويك، مهاجر ألماني افتتح مخبزاً ومتجراً ناجحاً للحلويات في فيلادلفيا في خمسينات القرن الثامن عشر، وشغل منصب مدير الخبازين لدى واشنطن خلال الحرب.

خيمة الخباز شيري (نيويورك تايمز)

وأوضح شيري: «تولى لودويك إدارة عشرات الخبازين المحليين في مستودعات الإمداد والمواقع الرئيسية الأخرى القريبة نسبياً من القوات لتسهيل عمليات النقل. وكانوا ينتجون مئات، إن لم يكن آلاف، الأرغفة للجيش».

ووفقاً لحسابات واشنطن، كان الأمر يتطلب 100 ألف رطل من الدقيق لإطعام 15 ألف رجل عن كل عام تستمر فيه الحرب، وكان واشنطن يدفع أجور الخبازين من جيبه الخاص. وكثيراً ما كان يراسل لودويك مباشرةً بطلبات دقيقة لتسليم الخبز.

وأشار شيري إلى أنه «في حين جرى تجنيد عديد من هؤلاء الخبازين في خدمة قسم الخبز، فإن بعضهم كانوا محترفين يعملون بموجب عقود وواصلوا تجارتهم بعد الحرب».

الخبازجاستن شيري (نيويورك تايمز)

وكان سايروس بوستيل من بين هؤلاء؛ والذي كان خبازاً مستعبداً سابقاً في بنسلفانيا، وأدار مخبزاً تعاقدياً في نيوجيرسي عام 1782، وذلك في أثناء استمرار المناوشات بعد معركة يوركتاون. وافتتح مخبزاً ومصنعاً ناجحاً للبيرة في فيلادلفيا بعد الحرب، وأصبح عضواً مؤسساً في «الجمعية الأفريقية الحرة» بفيلادلفيا، التي دعمت المدارس المستقلة لذوي البشرة السمراء. ويُعد مغني الأوبرا والناشط في مجال الحقوق المدنية بول روبسون أحد أحفاده.

ويعد منزل كليفدين، الذي يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر، ويقع في منطقة جيرمانتاون بمدينة فيلادلفيا، إضافةً حديثةً إلى قائمة مواقع تشيري. وقالت كارولين جي. والاس، المديرة التنفيذية، إنهم كانوا يسعون لإيجاد سبل للتعاون معه منذ فترة.

وأضافت والاس: «إنّ تجربة المذاقات نفسها التي كان يتذوقها شخصٌ من القرن الثامن عشر، خاصةً جنديّ في الجيش، تُعدّ وسيلةً رائعةً لتعريف الناس بتلك الحقبة».

وكان مشهد خيمته التي تعود إلى القرن الثامن عشر، ورائحة فرن الخبز، هما ما جذب سيندي كيتشل، مُعلّمة من إنديانابوليس، إلى خيمة تشيري في صباحٍ مشرقٍ من يونيو (حزيران) في القرن الـ21.

وقالت كيتشل، خبازةٌ منزليةٌ شغوفةٌ كانت تزور ماونت فيرنون للمرة الأولى: «كنتُ في واشنطن العاصمة لحضور مؤتمر. وتذكرني رؤية هذا المكان بالهدف الحقيقي لمبادرة أميركا 250».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

القهوة... كنز عابر للقارات في فنجان

مذاقات القهوة... كنز عابر للقارات في فنجان

القهوة... كنز عابر للقارات في فنجان

في كل صباح، تتكرر الحكاية نفسها في ملايين البيوت والمقاهي حول العالم؛ تمتد يدٌ نحو فنجان قهوة قبل أي شيء آخر، وكأن العالم لا يبدأ إلا بعد الرشفة الأولى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات خبز الحمر الحساوي (هيئة فنون الطهي)

المطبخ السعودي يحجز مكانه عالمياً بتوثيق 180 منتجاً تراثياً

في كل منطقة سعودية حكاية تُروى عبر الطعام؛ من التمور التي ازدهرت في الواحات، إلى الحبوب التي قاومت قسوة الجبال، ومن منتجات البحر على السواحل،

أسماء الغابري (جدة)
مذاقات الستيك يتناغم مع الفلفل الأسود والطماطم (نيويورك تايمز)

كيف تحصل على ألذ ستيك؟

قد تكون شرائح اللحم من الوجبات المميزة، وغالباً ما يكون سعرها على قدر تميزها. لذلك، إذا قررت إعدادها، فاحرص على أن تتمتع بكل ما تعد به الإعلانات:

ألي سلاغل (نيويورك)
يوميات الشرق جاكلين كييدي (موقع كيندي)

جاكلين كيندي كانت تعشق هذا الطبق البحري... وطاهي البيت الأبيض سمّاه باسمها

لم يكن المحار مجرد طبق مفضَّل لدى السيدة الأميركية الأولى السابقة جاكلين كيندي، بل كانت تعشقه.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
مذاقات مطبخ مفتوح وروائح فواحة تنبعث منه (نيويورك تايمز)

الشيف مايكل رفيدي يقدم نكهات رام الله بواشنطن

خلال العشاء في مطعم «ألبي» الفلسطيني بواشنطن العاصمة، يقدم أحد النُدل صينية عليها مناشف يد ساخنة. عند فتح إحداها، فاجأتني تلك الرائحة العطرة التي فاحت منها؛

ليغايا ميشان (واشنطن)