أسبوع باريس للأزياء الراقية الأخير و«موسم الهجرة إلى الشرق»

بالموسيقى ودغدغة المشاعر والذكريات... تغنَّى المصممون بهويتهم وعُروبتهم

توجّه ستيفان رولان إلى الشرق والمغرب مستعيراً ألوانه من الصحراء وقبائل الطوارق (إ.ب.أ)
توجّه ستيفان رولان إلى الشرق والمغرب مستعيراً ألوانه من الصحراء وقبائل الطوارق (إ.ب.أ)
TT

أسبوع باريس للأزياء الراقية الأخير و«موسم الهجرة إلى الشرق»

توجّه ستيفان رولان إلى الشرق والمغرب مستعيراً ألوانه من الصحراء وقبائل الطوارق (إ.ب.أ)
توجّه ستيفان رولان إلى الشرق والمغرب مستعيراً ألوانه من الصحراء وقبائل الطوارق (إ.ب.أ)

هل هي نوستالجيا إلى زمن يبدو جميلاً مقارنة بالواقع؟ أم هو حنين لذكريات الصبا والبراءة؟ أم هي بحث عن الهوية ورغبة في تعزيز الانتماء للبلد الأم؟ أسئلة كثيرة أثارت الانتباه في موسم «الهوت كوتور» لربيع وصيف 2024. أخذت هذه الـ«نوستالجيا» وجوهاً متنوعة، لكنها تصب في النبع نفسه، ألا وهو الشرق والمغرب الأقصى.

توغّل ستيفان رولان جنوب المغرب إلى أفريفيا ليأخذ من الطوارق اللون الأزرق (ستيفان رولان)

اللافت فيها أنها لم تداعب مخيلة العرب فحسب، بل أيضاً مخيلة عدد من المصممين الأجانب، نهلوا من هذا النبع متوغلين في عُمق الصحراء الأفريقية أحياناً، مثل ستيفان رولان الذي يبدو وكأنه يتقفى أثر الراحل إيف سان لوران في مراكش والصحراء، مستعيراً ألوان الكثبان الذهبية والأزرق اللذين تشتهر بهما قبائل الطوارق، وكذلك حدائق ماجوريل التي ترتبط بالراحل سان لوران وبيته في مراكش. المصممة ديليك حنيف هي الأخرى صوّبت أنظارها نحو الشرق وتحديداً تركيا، مسقط رأسها؛ لتأخذ من تاريخها وتراثها، مفردات مزجتها بأسلوب أندلسي - مغربي. وكانت النتيجة قِطعاً تستوحي خطوطها من القفطان المغربي وتطريزاته نسقتها مع طرابيش الدراويش والسلاطين.

عادت ديليك حنيف إلى جذورها التركية لتستمد منها قفاطين وطرابيش مبتكرة (ديليك حنيف)

بيد أن هذه النوستالجيا ظهرت أكثر في عروض المصممين العرب. إيلي صعب توجّه إلى مراكش وجورج حبيقة إلى بيروت الستينات، وزهير مراد إلى لبنان في عهدها الفينيقي، وسارة الشرايبي إلى جبال الأطلس، وهكذا. هذه الأخيرة أطلقت على تشكيلتها عنوان «الأرض» لتؤكد لنا أهمية التمسك بالجذور. وعن غير قصد سلّطت الضوء على موجة تشهدها أوروبا حالياً تتمثل في شبه هجرة عكسية لجيل وُلد في المهجر، لكن ظل معلَّقاً لا يعرف أين يُرسخ أقدامه ويحلم بأرض أجداده.

الفرق بين المصممين الأجانب والعرب، أنه بينما يستند هؤلاء إلى المخيلة ونظرتها الرومانسية إلى الشرق، فإن العرب يتكئون على ذكريات الطفولة والشباب وتاريخ حافل من البطولات. والمقصود هنا، أن هذه العلاقة شخصية أكثر. ما يلفت النظر فيها أنها تؤكد أن المصممين العرب تحديداً اتفقوا أخيراً أن يتفقوا، من خلال تخاطر الأفكار ولقاء المشاعر. المتتبع لمسيرتهم منذ ثمانينات القرن الماضي إلى عهد قريب، يلفته أنهم خرجوا هذه المرة عن السيناريو الذي بدأوا به رحلتهم إلى العالمية. حينها كانوا يركزون على لغة الغرب في تصاميمهم وعروضهم على حد سواء. كانت هذه اللغة مفروضة عليهم؛ حتى ينجحوا في التواصل مع الآخر، ويقنعوه بمهاراتهم في وقت كانت في المنطقة العربية تستهلك أكثر مما تُنتج أو تُبدع.

المصمم السعودي العالمي محمد آشي شرح هذه النقطة في أحد لقاءاته السابقة مع الـ«الشرق الأوسط» قائلاً إنه كان متحفِظاً بعض الشيء عندما كان الأمر يتعلق بالخوض في جذوره. كان الدافع رغبةً تسكن أي مصمم في بداياته، في أن يفرض اسمه في الساحة العالمية. يشرح: «النظرة العامة إلى المصممين العرب آنذاك لم تكن تُشجع على فتح هذا الباب والخوض فيه بإسهاب».

من عرض محمد آشي (أ.ف.ب)

لكن شتان بين الأمس واليوم. فقد تغيَّر المشهد تماماً في السنوات القليلة الأخيرة. هناك اعتزاز بالهوية اجتاح العالم العربي ككل. انفتاح المملكة العربية السعودية كان له دور مهم في فرض منطقة الشرق الأوسط كقوة لا يستهان بها على المستوى العالمي. كل المصممين وبيوت الأزياء العالمية تتمنى رضاها وتتودد إليها. المغرب الأقصى هو الآخر يشهد حركة ديناميكية ملموسة تجعل المهاجرين الذين غادروه إلى أوروبا في الستينات والسبعينات بحثاً عن فرص العمل وحياة أفضل، يفكرون جدياً في العودة. ازدواجية المعايير السياسية والمصاعب الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا وتنامي السياسات الشعبوية قضت على أحلامهم وجعلتهم يعيدون التفكير في مفهوم الهوية والانتماء بمنظور جديد.

استعان ستيفان رولان بالعازف إبراهيم معلوف ليرافق ببوقه العارضات ويثير المشاعر (إ.ب.أ)

سواء كان السبب هذا أو ذاك أو مجرد تخاطر أفكار في اللاوعي، فإن المصممين العرب ترجموا هذه الموجة في أسبوع باريس للأزياء الراقية الأخير، بعروض تستدعي العاطفة والاعتزاز بالهوية. استعملوا كل العناصر التي من شأنها أن تحقق ذلك، وعلى رأسها الموسيقى. فهي أكثر ما ينجح في نقل المشاعر وتعزيز مشاعر «النوستالجيا». حتى ستيفان رولان، الذي يحب أن يصف نفسه بالمصمم المستشرق، استعان بالعازف إبراهيم معلوف ليرافق ببوقه العارضات على منصة «صحراوية». أما المصممة المغربية سارة الشرايبي، فاستعانت بصوت المغنية التونسية آمال المثلوثي، وجورج حبيقة بكل من فيروز وأم كلثوم.

بتسريحاتهن الكلاسيكية والمنمقة وماكياجهن المستوحى من الستينات أراد جورج حبيقة أن يستحضر بيروت أيام البساطة والسلام (جورج حبيقة)

يقول المصمم جورج حبيقة عن تشكيلته: إنها «الأولى من نوعها بالنسبة لي... لأنها مستلهمة من العالم العربي. حرصت فيها على أن أُبرز كل ما يكتنزه عالمنا من جمال وثقافة وحب وإنسانية تلمسها في كل بلد عربي تزوره». يعود حبيقة بمخيلته إلى بيروت في الخمسينات والستينات والسبعينات، عندما كانت الحياة هنية وبسيطة. يستيقظ العرب على صوت فيروز وينامون على صوت «الست» أم كلثوم. كان هناك تفاؤل بالمستقبل، وهو ما جسده المصمم في خطوط عصرية محددة على الجسم وألوان متوهجة وتفاصيل أنيقة ومُبهجة مثل الورود التي ترتبط بالمنطقة وطاولة لعب الزهر وغيرها. تخايلت بها العارضات على نغمات أغنية «اعطني الناي لأغني» لفيروز، ثم أغنية «ألف ليلة وليلة» لأم كلثوم. بتسريحاتهن الكلاسيكية والمنمقة وماكياجهن المستوحى من الستينات يُخلفن الانطباع بأنهن متوجهات إلى حفلة، وما أكثر الحفلات في ذلك الوقت. فالستينات كانت حقبة فارقة بالنسبة للمرأة. انطلقت فيها شرارة تحررها ودخولها ميادين عمل كانت حكراً على الرجل. هذه الحركات النسوية العالمية لم تؤثر على اهتمام المرأة العربية بأناقتها.

الأنسجة التقليدية ذات الطابع الشرقي التي تستعمل في السجاد أو على الكنبات كانت أيضاً حاضرة في عرض جورج حبيقة (جورج حبيقة)

هذه الروح التواقة للحياة، بكل أشكالها، لم تظهر في ألوان تتباين بين الأحمر، والأخضر، والوردي، والبنفسجي والأزرق فحسب، بل امتدت إلى إكسسوارات مبتكرة مثل أقراط أذن على شكل فنجان قهوة، في إشارة إلى أهمية قهوة الصباح العربية في المشرق. لتعزيز هذه الصورة، استعمل بقاياها التي تترسب في قعر الفنجان في نقشات وزخارف طبعت بعض القطع. الأنسجة التقليدية ذات الطابع الشرقي التي تستعمل في السجاد أو على الكنبات كانت أيضاً حاضرة في تنورات بشراشيب مطبوعة بالورود وصور الحلي العربية والهندسة المعمارية.

بالنسبة للمصممة سارة الشرايبي، فإن لا شيء يشد الإنسان إلى الأرض ويجعله يلتحم بها أكثر من مأساة طبيعية. الزلزال الذي تعرّض له المغرب في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي أظهر معادن الناس وأحيا روح الانتماء. فبقدر ما زعزع الزلزال جبال الأطلس، بقدر ما أيقظ روح الوطنية والإنسانية. لهذا لم تحلم الشرايبي ولم تشطح بخيالها إلى السماء أو النجوم أو الموتيفات الهندسية التي غلبت على تصاميمها من قبل. اختارت في المقابل «الأرض» لتكون تيمتها وعنواناً لثالث مشاركة لها كضيفة في أسبوع «الأزياء الراقية» الباريسي.

في تشكيلتها «الأرض» تستعير المصممة سارة الشرايبي مفرداتها من الحِرف التقليدية واعتزازها بهويتها المغربية (أ.ف.ب)

أرادت أن يُعبّر كل ما في العرض عن «ارتباط المرء بوطنه الأم... ألوانه، ترابه وروائحه» وفق قولها. تشققات هذه الأرض ومنحنياتها، إلى جانب ألوان مدينة مراكش الحمراء وألوان الرمال والكثبان والأزرق المطفي كانت العناصر التي لعبت عليها، من دون أن تتجاهل الحِرف اليدوية التي حمّلتها بمخزون غني من التقاليد أضفت عليها المصممة لمساتها العصرية. مثل جورج حبيقة وستيفان رولان وآخرين استعملت الموسيقى لتُخرج إلى السطح كل العواطف الجياشة التي كانت تعتمل بداخلها وهدفها أن تصيب الحضور بعدواها. وهذا ما حدث فعلاً وهم يستمعون إلى صوت الفنانة التونسية آمال المثلوثي وهي تصدح على الخلفية، فتزيد من درامية الحدث.

عاد زهير مراد في تشكيلته إلى الحضارة الفينيقية ليستحضر لنا صور نساء قويات مثل عشتروت وأليسار وتانيت (زهير مراد)

هذا الاحتفال بالصمود وروح المقاومة امتدت خيوطه إلى عرض زهير مراد، مع اختلاف في التفاصيل وأسلوب السرد. لم يحصُر المصمم نفسه في التاريخ القريب. بل توغّل إلى الحضارة الفينيقية ليستحضر لنا صور نساء مثل عشتروت وأليسار وتانيت. جسّد قوتهن من خلال الكثير من البريق والمعادن التي صاغها على شكل دروع تغطي كل الجسم تارة أحياناً. وفي حين كانت الصورة العامة لمحاربات يقاومن القُبح بالجمال والفوضى بالأناقة، فإن الحبكة السردية، ركّزت على الشغف الفينيقي بالبحر، حيث حاول المصمم اكتشاف «خبرة شعب قديم من الملاحين التجار، كانت مهمتهم تنصبّ على استكشاف العالم»، وفق ما جاء في البيان الصحافي.

كانت مدينة صور هي الوجهة التي تخيَّلها. استعار منها زخرفات معدنية بتدرجات ألوان الزجاج القزحي، وهي مادة شرح أنها اكتُشفت بحسب الأسطورة، من بين بقايا حريق اندلع ليلاً على رمال صور «هذه المدينة التي صمدت لمدة سبعة أشهر في وجه حصار الإسكندر الأكبر، وباتت ترمز إلى لبنان المعاصر، حيث الجمال هو عمل من أعمال المقاومة والصمود».

كل ما في تشكيلة زهير مراد كان مشدوداً إلى الجذور... بالسلاسل (زهير مراد)

وهكذا تناغمت في تشكيلته الثنيات وطيات الأقمشة مع زخرفات بأسلوب الأرابيسك طرزت على الموسلين والكريب واللوريكس البراق لتخلق تماوجاً يستحضر حركة البحار وتمايل السفن. كانت القطع عصرية بتفصيلها وخطوطها المحددة تخاطب كل لغات العالم، لكن التفاصيل التي قد تظهر في فستان مستوحى من الكيمونو مصنوع من الساتان العاجي بأطراف مزينة ببلورات تشبه رذاذ البحر، أو في فستان على شكل عباءة وآخر مزين بنقشات من فن الفسيفساء، فشدّت التشكيلة ككل إلى الجذور... بالسلاسل.


مقالات ذات صلة

موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لمسات الموضة لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لم يحاول فاريل ويليامز منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة قطعة أساسية في الطقس الدافئ (صفحة المصممة روان زكريا إنستغرام)

حقائب الرافيا... الأناقة الهادئة في صيف 2026

من مفاجآت الموضة لربيع وصيف 2026 اقتطاع الرافيا حصة لا يستهان بها في سوق الحقائب. فهذه الخامة التي كانت محصورة بالبحر والإجازات العابرة أصبحت جزءاً من الأناقة…

نادية عبد الحليم (القاهرة)
لمسات الموضة من عرض «دولتشي آند غابانا» (إ.ب.أ)

عودة «الكلاسيكية» بنفحة استعراضية

أدرك المصممون ودور الأزياء أن الأزمات السياسية والاقتصادية المتتالية تجعل سوق الرفاهية لا يستحمل المبالغات والجرأة الفنية

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق أصبحت تصاميم ألبسة البيجاما تُعرض على منصات عروض الأزياء وفي الحملات الإعلانية باعتبارها ملابس مخصصة للاستخدام اليومي داخل المنزل وخارجه (بيكسلز)

من غرفة النوم إلى الشارع... كيف أصبحت البيجاما جزءاً من صيحات الموضة؟

بلغ اتجاه الملابس المريحة في عالم الأزياء مرحلة جديدة، إذ أصبحت قطع الملابس المستوحاة من البيجاما وقمصان النوم من أبرز صيحات الموضة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
لمسات الموضة علاقة الإرث بالمكان تتميز بالقوة والبساطة (نونيز)

«بين جدران النوبة»... قصة إرث ومكان

منذ البداية حرصت «نونيز» على أن تُقدِم تصاميم بعيدة عن المبالغة، معتمدة بدلاً من ذلك على الخطوط البسيطة والتفاصيل التي تُعبِر عن حضور طبيعي يجمع الأناقة بالوظيف

«الشرق الأوسط» (لندن)

موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
TT

موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

خلال أسبوع الموضة الرجالية الذي احتضنته باريس في الأسبوع الأخير من يونيو (حزيران)، التهبت العاصمة الفرنسية على أكثر من صعيد؛ فبينما دفعت موجة الحر درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة، أشعلت العروض الضخمة والخيارات الإبداعية حماس المتابعين.

فبعد أن لاحظنا في السنوات الأخيرة تخفيف الميزانيات، على الأقل فيما يتعلق بديكورات العروض الضخمة، تابعنا خلال الأسبوع الباريسي لربيع وصيف 2027، كيف وضع فاريل ويليامز، المدير الإبداعي للأزياء الرجالية في «لويس فويتون»، مجموعته الجديدة ضمن سينوغرافيا يصعب تجاهلها.

إلى جانب الأزياء حضرت الإكسسوارات بنقشة المونوغرام بقوة (إ.ب.أ)

كان العنصر الأساسي فيها، موجة اصطناعية عملاقة بلغ ارتفاعها نحو ثمانية أمتار وعرضها أكثر من سبعة وثلاثين متراً، استخدمت فيها مياه حقيقية بمساعدة مؤسسة «أو دو باريه» Eau De Paris المسؤولة عن شبكة المياه في العاصمة الفرنسية. قيل إن رذاذها وصل إلى بعض الضيوف الجالسين على أطرافها. أما منصة العرض نفسها، فكانت عبارة عن مساحة مغطاة بالرمال تراصت حولها كراسي خشبية على هيئة ممرات الشواطئ التقليدية. فثيمة العرض كانت عن السفر والبحر والأنشطة المائية، مثل التزلج على المياه.

أثارت ضخامة ودرامية المشهد سؤالاً كان لا بد منه: متى يصبح الديكور أكثر حضوراً من الملابس نفسها؟ كان واضحاً طوال العرض، وما تمّ تداوله من صور، أن الموجة العملاقة استحوذت على جزء كبير من الانتباه، أكثر من الأزياء نفسها.

الفنان والمدير الإبداعي فاريل ويليامز يحيِّي ضيوفه بعد انتهاء عرضه (أ.ب)

ثم تُوضِح تصاريح ويليامز بعد العرض، أنه لم يُصمِم الموجة للإبهار وحده. فخلف هذا المشهد الاستعراضي، حاول أن يمنح الديكور رسالة تتجاوز الفرجة، بربطها بفكرة الاستدامة والتدوير وأيضاً بأخذنا إلى جذور «لويس فويتون» المرتبطة بالسفر والترحال.

هو لم يأت ليبيع الحلم والأزياء فحسب، بل ليبيع شخصيته وصورته أيضاً، من خلال خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً.

ورغم أن إدماج الديكور في العروض، ليس جديداً على الدار، حيث بدأ في عهد مارك جايكوبس، الذي عمل فيها من 1997 إلى 2013، أي لمدة 16 عاماً، وحوَّل خلالها الأماكن إلى مشاهد مسرحية ضخمة، تارة على شكل محطة قطار، وتارة أخرى على شكل مصاعد متحركة وغيرها، فإن فاريل ويليامز، لم يحاول منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً، بأن يمزج بين الموضة والترفيه والثقافة الشعبية والرسائل الاجتماعية في زمن أصبحت فيه الصورة تنتشر خلال ثوانٍ عبر الإنترنت.

كانت السينوغرافيا بطل العرض بلا منازع (إ.ب.أ)

من هذا المنظور، لم يُوظِّف فاريل الموجة العملاقة بوصفها مجرد خلفية مثيرة، ولا ألواح ركوب الأمواج التي رافقت العرض بوصفها مجرد إكسسوار زخرفي، بل أرادها رسالة تلتقط ثقافة العصر ومفهوم الاستدامة.

الاستدامة والتدوير كرسالة فنية

ويبدو أن مفهوم الاستدامة كان، بالنسبة لفاريل ويليامز في العرض، لا يقل أهمية عن الأزياء نفسها. فبعد انتهاء العرض، ستُعاد المياه إلى شبكة الصرف في باريس ضمن نظام مغلق لإعادة التدوير. كما سيُعاد استخدام الرمال الناعمة التي غطّت الأرضية لاحقاً في ملاعب الكرة الطائرة الشاطئية داخل الحرم الجامعي، حيث أقيم العرض. حتى المقاعد الخشبية المستخدمة للضيوف، فقد سبق أن استُعملت في عرض الموسم الماضي، الذي أقيم حول هيكل معماري يشبه فندقاً مستقبلياً داخل متنزه بولونيا الباريسي، وحمل اسم «دروبهاوس» نظراً لتشابه شكله مع قطرة ماء.

تكتسب إعادة استخدام المياه والرمال والخشب بعد انتهاء العرض، دلالة مهمة في وقت تواجه فيه صناعة الموضة ضغوطاً متزايدة للحد من الهدر وتحمل مسؤولية أكبر تجاه أثرها البيئي.

من الديكور إلى الأزياء

جانب من العرض (رويترز)

ورغم أن الديكور بدا في بعض اللحظات أكثر حضوراً من الأزياء نفسها، فإنه من الخطأ القول إنها لم تكن في المستوى. فمع تراجع هدير الموجة، تعالى عزف أوركسترالي حي، ليبدأ العارضون بالظهور مرتدين تصاميم تراوحت بين التفصيل الكلاسيكي الهادئ والقطع المنفصلة، مثل القمصان المطبوعة بأشجار النخيل وسراويل الجينز القصيرة. لم يكتف فاريل باستعمال أقمشة منعشة وتصاميم منطلقة، وقدّم اقتراحات أخرى مصنوعة من خيوط الكشمير ثمرة تعاونه مع معامل «لورو بيانا»، إلى جانب الصوف عبارة عن سترات ومعاطف مستوحاة من تلك التي يرتديها راكبو الأمواج بعد الخروج من المياه الباردة.

اقتراحات كثيرة منها كنزات من الكشمير ثمرة تعاون مع دار «لورو بيانا» (أ.ف.ب)

رجل «لويس فويتون»

وفق ما صرَّح به فاريل أنه لا يتعامل مع هذه المناسبات باعتبارها مجرد عروض أزياء، فهي بالنسبة له تجارب أناقة متكاملة. لكنه يضع نصب عينيه دائماً رجل أعمال لا يتنازل عن أناقته أياً كانت هواياته وميوله وأياً كانت وجهته. خزانة ملابسه قد تضم بدلات كلاسيكية مزدوجة الأزرار، أو معاطف بحرية تقليدية وسترات بومبر من الجلد، كما قد تضم سراويل جينز مطرزة أو سترات مؤلفة من رقع تذكارية متداخلة بشكل جريء. ففلسفته، منذ انضمامه إلى «لويس فويتون» مديراً إبداعياً لخطها الرجالي، أن يفكر خارج الصندوق لكن بعقلية المستهلك، وهذا ما نجح فيه حتى الآن رغم أن تعيينه في عام 2023 أثار الكثير من الاستغراب وحفيظة البعض. فهو منتج ومغنٍ أولاً قبل أن يكون عاشقاً للموضة ومؤثراً فيها ثانياً.

شملت الأزياء كل ما يحتاج إليه رجل ثري من بدلات وقطع منفصلة (أ.ف.ب)

في هذه المجموعة، أكد للجميع أنه مصمم يناسب متطلبات العصر الحالي، التي باتت تعتمد على الصورة. فقد أظهر قدرته على كتابة فصل جديد من قصة الدار المبنية على السفر والترحال وما تعنيانه من انطلاق وحرية ومغامرة، مُركِزاً على تحقيق التوازن بين العمل والمتعة برسم صورة رجل يملك المال ويرغب في خوض تجارب مثيرة. ففي الماضي كانت الأزياء الفاخرة تخاطب رجلاً يعمل في البنوك والمكاتب الرسمية، أما اليوم، فهذا الرجل يعمل في التكنولوجيا والترفيه والرياضة. وهذه بحد ذاتها صورة تسويقية جذابة تعكس شخصية فاريل ويليامز ودوره داخل الدار.


«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
TT

«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)

لم تعد مستحضرات التجميل بالنسبة لبيوت الأزياء الفاخرة مجرد فئة كمالية تُجمِّل صورتها، بل أصبحت جزءاً محورياً من استراتيجيات النمو وتنويع الإيرادات، ما يزيد من حمى الاهتمام بأن مستحضرات التجميل والعطور من أكثر القطاعات ربحية، حسب أرقام المبيعات، ما يجعلها سنداً لا يستغنى عنه لقطاع الأزياء.

معظم بيوت الأزياء الكبيرة، إن لم نقل كلها، اقتحمت هذا القطاع بكل ما تملكه من قوة فنية. لم تخرج دار «دولتشي آند غابانا» عن السرب. أدركت أن السوق مزدحمة والمنافسة شرسة بين كبريات بيوت الأزياء وشركات التجميل العالمية. كل واحدة تسعى لاقتطاع حصة أكبر من السوق؛ لهذا كان لا بد لها أن ترسم لنفسها خطاً تتميّز به. وجدت أن ورقتها الرابحة تكمن في جذورها الإيطالية، فهذه الورقة نجحت في مجال الأزياء، فلِمَ لا تنجح أيضاً في صناعة الجمال؟

يمكن البناء على الطبقات للحصول على إطلالة طبيعية للنهار أو قوية للمساء (خاص)

الهوية الإيطالية أولاً

من هذا المنظور، حرصت أن تبقى وفية لجيناتها وهويتها الإيطالية، بألا تستعملها خلفيةً جغرافيةً فحسب، بل أرشيفاً مفتوحاً على التاريخ والمعمار والفن. تستوحي منها نقوشاً فنية وألواناً متوهجة تستحضر صقلية بقصورها وقلاعها، والأهم من هذا الجمال الإيطالي الطبيعي.

يأتي أحمر الخدود بتركيبة كريمية تدوم طويلاً (خاص)

وسبق أن طرحت عدة مستحضرات تصب في هذا المجال، إلا أنها كشفت حديثاً عن منتجين جديدين يحملان اسمي «Rose Dew Lip Bite» و«Cherry Glaze Bar»، يندرجان ضمن مفهوم «Fresh Look» الذي يراهن على إطلالة طبيعية ندية يمكن تكثيفها تدريجياً حسب الذوق والمناسبة: تبدأ خفيفة وناعمة في الصباح، ثم تزداد وهجاً في الظهيرة، وعُمقاً في المساء.

لكن يبقى أكثر ما يلفت في المجموعة، ليس فقط شكل العبوات المبتكرة أو وظيفتها فحسب، بل المكونات الإيطالية المستخدمة فيها، وهي زيت الكرز الإيطالي ومستخلص الورد المحلي؛ فهذه مكونات تمنح، حسب الدار، المنتجات شخصية فريدة وبصمة مميزة.

تتميز العلب بروح «دولتشي آند غابانا» الفنية (خاص)

خلاصات طبيعية وكولاجين

فأحمر الخدود «Cherry Glaze Bar» يأتي على هيئة لوحة مصغرة بتركيبة كريمية، تتيح توزيع اللون بدرجات يمكن التحكم فيها بسهولة، سواء أكان المراد إطلالة خفيفة أم تغطية أكثر كثافة.

وتقول الدار إن تركيبته الغنية بزيت الكرز الإيطالي والكولاجين النباتي، تُرطِب البشرة وتزيدها إشراقاً لمدة تصل إلى 24 ساعة، فضلاً عن مقاومة الماء والحرارة. أما من حيث التصميم، فيأتي في عبوة عاجية بسيطة تتزين بتفاصيل ذهبية مصقولة تعكس أسلوب الدار.

أحمر الشفاه من الكرز المحلي مطعم بالكولاجين النباتي (خاص)

أما أحمر الشفاه «Rose Dew Lip Bite»، فيقدّم هو الآخر لمسة خفيفة وناعمة في البداية، عبر 6 درجات لونية، ثم يزداد عمقاً ولمعاناً مع إضافة طبقات جديدة. وبدلاً من زيت الكرز يعتمد على الورد الإيطالي المعزز بحمض الهيالورونيك، في تركيبة تقول الدار إنها خفيفة وغير لاصقة، تمنح الشفاه تأثيراً أقرب إلى الندى الطبيعي منه إلى المكياج التقليدي.

تستعمل الدار دائماً الجغرافيا الإيطالية بصفتها خلفية تعكس هويتها الثقافية (دولتشي آند غابانا)

العطور أولاً

تجدر الإشارة إلى أن «دولتشي آند غابانا» دخلت صناعة الجمال عبر العطور عندما أطلقت أول عطر لها عام 1992. ومنذ ذلك الحين ابتكرت أكثر من 100 عطر، بالتعاون مع عدد من صناع العطور المشهورين. بعدها طوّرت باقة من مستحضرات التجميل، لقيت صدى كبيراً شجّعها بعد 30 عاماً من العمل في هذا المجال، على نقل أعمالها إلى إدارتها المباشرة، بهدف تعزيز هذا التطور والمضي به إلى مرحلة جديدة تريدها أكثر توسعاً وانتشاراً.


«كارتييه» تراهن على الجيل المقبل لصناعة المستقبل

«لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)
«لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)
TT

«كارتييه» تراهن على الجيل المقبل لصناعة المستقبل

«لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)
«لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)

مرّت صناعة الساعات السويسرية، كما هو حال كثير من الحِرف التقليدية، بفترة من القلق حول مستقبلها. لم يكن هذا القلق مرتبطاً فقط بتقلبات السوق أو بانتشار حركة الكوارتز في فترة من الفترات، بل أيضاً بعزوف الشباب عن مهنة لطالما شكّلت أحد أعمدة الصناعة السويسرية، وتوارثتها العائلات جيلاً بعد جيل بشكل طبيعي. كان لا بد من إغراءات تُلهم جيل الشباب لضمان الاستمرارية. وهذا ما كان.

من بين بيوت المجوهرات والساعات العريقة التي أخذت على عاتقها هذا الأمر، نذكر «كارتييه». دار لا تُقاس فيها القيمة بالدقة الميكانيكية فحسب، بل أيضاً بالقدرة على الابتكار والاستثمار في المستقبل. من هذا الالتزام وُلدت «جائزة كارتييه لمواهب صناعة الساعات المستقبلية» عام 1995؛ لتمنح الشباب فرصة اختبار حدود الإبداع التقني والفني من خلال إعادة تصور مفهوم الوقت نفسه.

أحد الأعمال المشاركة والفائزة بجائزة هذا العام (كارتييه)

وفي 24 يونيو (حزيران) 2026، تم الاحتفاء بالنسخة الثامنة والعشرين من الجائزة خلال حفل أقيم للمرة الأولى في «دار الفنون الحرفية» (Maison des Métiers d’Art) بمدينة لا شو دو فون السويسرية، والتي تأسست عام 2014 لحماية مجموعة من الفنون المهددة بالاندثار ونقلها إلى الأجيال المقبلة. وتجمع المؤسسة بين عالَمي صناعة الساعات والمجوهرات من خلال تخصصات دقيقة، مثل فنون المينا والتطعيم، والتقنيات المتقدمة في حوار مستمر بين التراث والابتكار ضمن منظومة تجمع بين الحرفيين والفنانين.

وقال كريم دريسي، الرئيس التنفيذي للعمليات في «كارتييه»: «منذ تأسيسها عام 1847، لم تتوقف (كارتييه) عن نقل خبراتها الحرفية، مع الاستمرار في تطوير مهارات جديدة بما يتماشى مع تقاليدها القائمة على التميز. وتجسد جائزة صناعة الساعات، التي أطلقتها الدار عام 1995، هذه الرؤية والطموح بهدف إلهام الجيل المقبل من صناع الساعات وضمان استمراريته».

كان موضوع الدورة هذه السنة تحت عنوان: تغيير التوازن: قراءة الوقت وفهمه بطريقة مختلفة (كارتييه)

جاء موضوع هذه الدورة تحت عنوان: تغيير التوازن: قراءة الوقت وفهمه بطريقة مختلفة. وهو عنوان لا يطلب من المشاركين مجرد تصميم ساعة، بل إعادة التفكير في الزمن نفسه. طُلب منهم ابتكار قطعة مستوحاة من حركة البندول، تستكشف طرقاً جديدة لفهم الوقت بعيداً عن قياسه التقليدي. وهي فكرة تنتمي إلى خط إبداعي مألوف في «كارتييه»، يظهر في الساعات الغامضة، وRévélation d’une Panthère، وSantos Dumont Rewind، وTank Guichets.

بعد مرحلة أولى من الاختيار اعتمدت على الرسومات والنصوص والعروض المصورة، تأهل اثنا عشر متسابقاً إلى المرحلة النهائية. كان المطلوب هو تحويل فكرة كل واحد منهم إلى قطعة مكتملة، تحت إشراف مرشدين متخصصين من داخل الدار. ما نتج من ذلك لم يكن مجرد نماذج ساعات، بل أعمال تتعامل مع الزمن بوصفه مادة قابلة لإعادة التشكيل، لا مجرد وظيفة ميكانيكية. تم تقسيم المسابقة إلى فئات عدة انتهت بتكريم ستة فائزين - ثلاثة متدربين وثلاثة فنيين - عبر منحهم تجربة داخل «كارتييه»، إضافة إلى ساعة من الدار. كما سيحصل الفائزان بالمركز الأول في كل فئة على فرصة تدريب عملي داخل الشركة.

فئة المتدربين

فاز آرثر شوكيه من ثانوية جان جوريس في رين بالجائزة الأولى عن عمله Un Instant (لحظة)

فاز أيمريك بيترز من معهد IATA في نامور البلجيكية بالجائزة الأولى عن عمله Silence Choisi (الصمت المختار). تقوم الفكرة على ساعة لا تهدف إلى قياس الوقت بقدر ما تهدف إلى تعليقه. تتوقف العقارب عند الساعة السادسة، وكأن الزمن دخل حالة سكون تام. ولا تعود الآلية إلى العمل إلا عند استخدام مفتاح خاص يعيد تشغيل الحركة ويحرر العقارب إلى مواقعها الصحيحة. في تلك اللحظة فقط، يصبح الوقت شيئاً يُستدعى بدل أن يكون تدفقاً مستمراً.

ليلى سلايسمانز من معهد IATA في نامور على الجائزة الثانية مناصفةً عن عملها Nymphéa (نيمفيا) (كارتييه)

وحصلت ليلى سلايسمانز من معهد IATA في نامور على الجائزة الثانية مناصفةً عن عملها Nymphéa (نيمفيا)، المستوحى من زهرة النيلوفر المائية. تتحول الزهرة هنا كائناً ميكانيكياً يفتح ويغلق بتلاته على دورة تمتد لساعتين. صُنعت البتلات من الراتينج، في حين صُنعت القاعدة من خشب الأبنوس المكسيكي. ولا يظهر الميناء المطلي بالمينا إلا بعد اكتمال التفتح، في إشارة إلى أن الوقت لا يكشف عن نفسه إلا لمن يمنحه الانتباه الكافي.

إدوار نيكو مع عمله La Dualité Des Opposés (ثنائية الأضداد) (كارتييه)

وتقاسم الجائزة الثانية أيضاً إدوار نيكو من ثانوية إدغار فور في مورتو الفرنسية عن عمله La Dualité Des Opposés (ثنائية الأضداد). يعيد المشروع توزيع الأدوار داخل الساعة بالكامل: الميناء يصبح هيكلاً، العقرب يتوقف، والآلية الميكانيكية تصبح العنصر المرئي المتحرك. في المركز، يظهر قلب ميكانيكي معلق في الفراغ، يقابله تمثال لفهد نائم يؤدي دور الثقل الموازن. العمل يقوم على توازن هش بين الحركة والسكون، حيث يبدو أن أي اضطراب صغير قادر على تغيير البنية بأكملها.

فئة الفنيين

فاز آرثر شوكيه من ثانوية جان جوريس في رين بالجائزة الأولى عن عمله Un Instant (لحظة). يستحضر العمل العمارة الهوسمانية الباريسية، ويعيد إدخال المدينة في تجربة فهم الزمن، عبر إشارات بصرية إلى الواجهات الكلاسيكية ومصابيح الشوارع التقليدية. الزمن هنا لا ينفصل عن المكان، بل يتشكل من خلاله.

آدم ديروش الفائز بالجائزة الثانية عن عمله Médusée (متحجّر) (كارتييه)

أما الجائزة الثانية، فذهبت إلى آدم ديروش من ثانوية ديدرو في باريس عن عمله Médusée (متحجّر). يطرح المشروع سؤالاً بسيطاً: ماذا لو توقف الزمن؟ العقارب ثابتة عند 10:10، في حين تتحرك الأرقام بدلاً منها. وقد صُمم باستخدام السيراميك والمينا والراتينج والزخرفة الساعاتية. ويحمل الاسم إحالة مزدوجة إلى ميدوزا الأسطورية وقنديل البحر شبه الخالد، في مفارقة تجمع بين الجمود والحركة المستمرة.

«الصدى» كان لأدريان ستيفينيلي أحد الفائزين (كارتييه)

أما الجائزة الثالثة، فكانت من نصيب أدريان ستيفينيلي من ثانوية جان جوريس في رين عن عمله Echo (الصدى). في هذا العمل، تختفي العقارب والميناء بالكامل، لتحل محلها تجربة صوتية تعتمد على رنين دوري يشبه سقوط قطرة ماء على سطح صلب. تتحول الساعة هنا تجربةً إدراكية قائمة على الحضور، حيث يصبح الإيقاع البسيط وسيلة لإعادة التفكير في العلاقة مع اللحظة بدل قياسها.

تجدر الإشارة إلى أنه على مدى أكثر من خمسة وعشرين عاماً، استقطبت الجائزة أكثر من ألفي مشارك، لتصبح واحدة من أبرز المبادرات الأوروبية لاكتشاف المواهب الشابة في صناعة الساعات. ومع فتح باب الترشح للدورة التاسعة والعشرين في الخريف المقبل، تواصل «كارتييه» الاستثمار في فكرة بسيطة، لكنها مركزية: أن الزمن ليس شيئاً يُقاس فقط، بل يُعاد تخيله باستمرار.