أسبوع باريس للأزياء الراقية الأخير و«موسم الهجرة إلى الشرق»

بالموسيقى ودغدغة المشاعر والذكريات... تغنَّى المصممون بهويتهم وعُروبتهم

توجّه ستيفان رولان إلى الشرق والمغرب مستعيراً ألوانه من الصحراء وقبائل الطوارق (إ.ب.أ)
توجّه ستيفان رولان إلى الشرق والمغرب مستعيراً ألوانه من الصحراء وقبائل الطوارق (إ.ب.أ)
TT

أسبوع باريس للأزياء الراقية الأخير و«موسم الهجرة إلى الشرق»

توجّه ستيفان رولان إلى الشرق والمغرب مستعيراً ألوانه من الصحراء وقبائل الطوارق (إ.ب.أ)
توجّه ستيفان رولان إلى الشرق والمغرب مستعيراً ألوانه من الصحراء وقبائل الطوارق (إ.ب.أ)

هل هي نوستالجيا إلى زمن يبدو جميلاً مقارنة بالواقع؟ أم هو حنين لذكريات الصبا والبراءة؟ أم هي بحث عن الهوية ورغبة في تعزيز الانتماء للبلد الأم؟ أسئلة كثيرة أثارت الانتباه في موسم «الهوت كوتور» لربيع وصيف 2024. أخذت هذه الـ«نوستالجيا» وجوهاً متنوعة، لكنها تصب في النبع نفسه، ألا وهو الشرق والمغرب الأقصى.

توغّل ستيفان رولان جنوب المغرب إلى أفريفيا ليأخذ من الطوارق اللون الأزرق (ستيفان رولان)

اللافت فيها أنها لم تداعب مخيلة العرب فحسب، بل أيضاً مخيلة عدد من المصممين الأجانب، نهلوا من هذا النبع متوغلين في عُمق الصحراء الأفريقية أحياناً، مثل ستيفان رولان الذي يبدو وكأنه يتقفى أثر الراحل إيف سان لوران في مراكش والصحراء، مستعيراً ألوان الكثبان الذهبية والأزرق اللذين تشتهر بهما قبائل الطوارق، وكذلك حدائق ماجوريل التي ترتبط بالراحل سان لوران وبيته في مراكش. المصممة ديليك حنيف هي الأخرى صوّبت أنظارها نحو الشرق وتحديداً تركيا، مسقط رأسها؛ لتأخذ من تاريخها وتراثها، مفردات مزجتها بأسلوب أندلسي - مغربي. وكانت النتيجة قِطعاً تستوحي خطوطها من القفطان المغربي وتطريزاته نسقتها مع طرابيش الدراويش والسلاطين.

عادت ديليك حنيف إلى جذورها التركية لتستمد منها قفاطين وطرابيش مبتكرة (ديليك حنيف)

بيد أن هذه النوستالجيا ظهرت أكثر في عروض المصممين العرب. إيلي صعب توجّه إلى مراكش وجورج حبيقة إلى بيروت الستينات، وزهير مراد إلى لبنان في عهدها الفينيقي، وسارة الشرايبي إلى جبال الأطلس، وهكذا. هذه الأخيرة أطلقت على تشكيلتها عنوان «الأرض» لتؤكد لنا أهمية التمسك بالجذور. وعن غير قصد سلّطت الضوء على موجة تشهدها أوروبا حالياً تتمثل في شبه هجرة عكسية لجيل وُلد في المهجر، لكن ظل معلَّقاً لا يعرف أين يُرسخ أقدامه ويحلم بأرض أجداده.

الفرق بين المصممين الأجانب والعرب، أنه بينما يستند هؤلاء إلى المخيلة ونظرتها الرومانسية إلى الشرق، فإن العرب يتكئون على ذكريات الطفولة والشباب وتاريخ حافل من البطولات. والمقصود هنا، أن هذه العلاقة شخصية أكثر. ما يلفت النظر فيها أنها تؤكد أن المصممين العرب تحديداً اتفقوا أخيراً أن يتفقوا، من خلال تخاطر الأفكار ولقاء المشاعر. المتتبع لمسيرتهم منذ ثمانينات القرن الماضي إلى عهد قريب، يلفته أنهم خرجوا هذه المرة عن السيناريو الذي بدأوا به رحلتهم إلى العالمية. حينها كانوا يركزون على لغة الغرب في تصاميمهم وعروضهم على حد سواء. كانت هذه اللغة مفروضة عليهم؛ حتى ينجحوا في التواصل مع الآخر، ويقنعوه بمهاراتهم في وقت كانت في المنطقة العربية تستهلك أكثر مما تُنتج أو تُبدع.

المصمم السعودي العالمي محمد آشي شرح هذه النقطة في أحد لقاءاته السابقة مع الـ«الشرق الأوسط» قائلاً إنه كان متحفِظاً بعض الشيء عندما كان الأمر يتعلق بالخوض في جذوره. كان الدافع رغبةً تسكن أي مصمم في بداياته، في أن يفرض اسمه في الساحة العالمية. يشرح: «النظرة العامة إلى المصممين العرب آنذاك لم تكن تُشجع على فتح هذا الباب والخوض فيه بإسهاب».

من عرض محمد آشي (أ.ف.ب)

لكن شتان بين الأمس واليوم. فقد تغيَّر المشهد تماماً في السنوات القليلة الأخيرة. هناك اعتزاز بالهوية اجتاح العالم العربي ككل. انفتاح المملكة العربية السعودية كان له دور مهم في فرض منطقة الشرق الأوسط كقوة لا يستهان بها على المستوى العالمي. كل المصممين وبيوت الأزياء العالمية تتمنى رضاها وتتودد إليها. المغرب الأقصى هو الآخر يشهد حركة ديناميكية ملموسة تجعل المهاجرين الذين غادروه إلى أوروبا في الستينات والسبعينات بحثاً عن فرص العمل وحياة أفضل، يفكرون جدياً في العودة. ازدواجية المعايير السياسية والمصاعب الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا وتنامي السياسات الشعبوية قضت على أحلامهم وجعلتهم يعيدون التفكير في مفهوم الهوية والانتماء بمنظور جديد.

استعان ستيفان رولان بالعازف إبراهيم معلوف ليرافق ببوقه العارضات ويثير المشاعر (إ.ب.أ)

سواء كان السبب هذا أو ذاك أو مجرد تخاطر أفكار في اللاوعي، فإن المصممين العرب ترجموا هذه الموجة في أسبوع باريس للأزياء الراقية الأخير، بعروض تستدعي العاطفة والاعتزاز بالهوية. استعملوا كل العناصر التي من شأنها أن تحقق ذلك، وعلى رأسها الموسيقى. فهي أكثر ما ينجح في نقل المشاعر وتعزيز مشاعر «النوستالجيا». حتى ستيفان رولان، الذي يحب أن يصف نفسه بالمصمم المستشرق، استعان بالعازف إبراهيم معلوف ليرافق ببوقه العارضات على منصة «صحراوية». أما المصممة المغربية سارة الشرايبي، فاستعانت بصوت المغنية التونسية آمال المثلوثي، وجورج حبيقة بكل من فيروز وأم كلثوم.

بتسريحاتهن الكلاسيكية والمنمقة وماكياجهن المستوحى من الستينات أراد جورج حبيقة أن يستحضر بيروت أيام البساطة والسلام (جورج حبيقة)

يقول المصمم جورج حبيقة عن تشكيلته: إنها «الأولى من نوعها بالنسبة لي... لأنها مستلهمة من العالم العربي. حرصت فيها على أن أُبرز كل ما يكتنزه عالمنا من جمال وثقافة وحب وإنسانية تلمسها في كل بلد عربي تزوره». يعود حبيقة بمخيلته إلى بيروت في الخمسينات والستينات والسبعينات، عندما كانت الحياة هنية وبسيطة. يستيقظ العرب على صوت فيروز وينامون على صوت «الست» أم كلثوم. كان هناك تفاؤل بالمستقبل، وهو ما جسده المصمم في خطوط عصرية محددة على الجسم وألوان متوهجة وتفاصيل أنيقة ومُبهجة مثل الورود التي ترتبط بالمنطقة وطاولة لعب الزهر وغيرها. تخايلت بها العارضات على نغمات أغنية «اعطني الناي لأغني» لفيروز، ثم أغنية «ألف ليلة وليلة» لأم كلثوم. بتسريحاتهن الكلاسيكية والمنمقة وماكياجهن المستوحى من الستينات يُخلفن الانطباع بأنهن متوجهات إلى حفلة، وما أكثر الحفلات في ذلك الوقت. فالستينات كانت حقبة فارقة بالنسبة للمرأة. انطلقت فيها شرارة تحررها ودخولها ميادين عمل كانت حكراً على الرجل. هذه الحركات النسوية العالمية لم تؤثر على اهتمام المرأة العربية بأناقتها.

الأنسجة التقليدية ذات الطابع الشرقي التي تستعمل في السجاد أو على الكنبات كانت أيضاً حاضرة في عرض جورج حبيقة (جورج حبيقة)

هذه الروح التواقة للحياة، بكل أشكالها، لم تظهر في ألوان تتباين بين الأحمر، والأخضر، والوردي، والبنفسجي والأزرق فحسب، بل امتدت إلى إكسسوارات مبتكرة مثل أقراط أذن على شكل فنجان قهوة، في إشارة إلى أهمية قهوة الصباح العربية في المشرق. لتعزيز هذه الصورة، استعمل بقاياها التي تترسب في قعر الفنجان في نقشات وزخارف طبعت بعض القطع. الأنسجة التقليدية ذات الطابع الشرقي التي تستعمل في السجاد أو على الكنبات كانت أيضاً حاضرة في تنورات بشراشيب مطبوعة بالورود وصور الحلي العربية والهندسة المعمارية.

بالنسبة للمصممة سارة الشرايبي، فإن لا شيء يشد الإنسان إلى الأرض ويجعله يلتحم بها أكثر من مأساة طبيعية. الزلزال الذي تعرّض له المغرب في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي أظهر معادن الناس وأحيا روح الانتماء. فبقدر ما زعزع الزلزال جبال الأطلس، بقدر ما أيقظ روح الوطنية والإنسانية. لهذا لم تحلم الشرايبي ولم تشطح بخيالها إلى السماء أو النجوم أو الموتيفات الهندسية التي غلبت على تصاميمها من قبل. اختارت في المقابل «الأرض» لتكون تيمتها وعنواناً لثالث مشاركة لها كضيفة في أسبوع «الأزياء الراقية» الباريسي.

في تشكيلتها «الأرض» تستعير المصممة سارة الشرايبي مفرداتها من الحِرف التقليدية واعتزازها بهويتها المغربية (أ.ف.ب)

أرادت أن يُعبّر كل ما في العرض عن «ارتباط المرء بوطنه الأم... ألوانه، ترابه وروائحه» وفق قولها. تشققات هذه الأرض ومنحنياتها، إلى جانب ألوان مدينة مراكش الحمراء وألوان الرمال والكثبان والأزرق المطفي كانت العناصر التي لعبت عليها، من دون أن تتجاهل الحِرف اليدوية التي حمّلتها بمخزون غني من التقاليد أضفت عليها المصممة لمساتها العصرية. مثل جورج حبيقة وستيفان رولان وآخرين استعملت الموسيقى لتُخرج إلى السطح كل العواطف الجياشة التي كانت تعتمل بداخلها وهدفها أن تصيب الحضور بعدواها. وهذا ما حدث فعلاً وهم يستمعون إلى صوت الفنانة التونسية آمال المثلوثي وهي تصدح على الخلفية، فتزيد من درامية الحدث.

عاد زهير مراد في تشكيلته إلى الحضارة الفينيقية ليستحضر لنا صور نساء قويات مثل عشتروت وأليسار وتانيت (زهير مراد)

هذا الاحتفال بالصمود وروح المقاومة امتدت خيوطه إلى عرض زهير مراد، مع اختلاف في التفاصيل وأسلوب السرد. لم يحصُر المصمم نفسه في التاريخ القريب. بل توغّل إلى الحضارة الفينيقية ليستحضر لنا صور نساء مثل عشتروت وأليسار وتانيت. جسّد قوتهن من خلال الكثير من البريق والمعادن التي صاغها على شكل دروع تغطي كل الجسم تارة أحياناً. وفي حين كانت الصورة العامة لمحاربات يقاومن القُبح بالجمال والفوضى بالأناقة، فإن الحبكة السردية، ركّزت على الشغف الفينيقي بالبحر، حيث حاول المصمم اكتشاف «خبرة شعب قديم من الملاحين التجار، كانت مهمتهم تنصبّ على استكشاف العالم»، وفق ما جاء في البيان الصحافي.

كانت مدينة صور هي الوجهة التي تخيَّلها. استعار منها زخرفات معدنية بتدرجات ألوان الزجاج القزحي، وهي مادة شرح أنها اكتُشفت بحسب الأسطورة، من بين بقايا حريق اندلع ليلاً على رمال صور «هذه المدينة التي صمدت لمدة سبعة أشهر في وجه حصار الإسكندر الأكبر، وباتت ترمز إلى لبنان المعاصر، حيث الجمال هو عمل من أعمال المقاومة والصمود».

كل ما في تشكيلة زهير مراد كان مشدوداً إلى الجذور... بالسلاسل (زهير مراد)

وهكذا تناغمت في تشكيلته الثنيات وطيات الأقمشة مع زخرفات بأسلوب الأرابيسك طرزت على الموسلين والكريب واللوريكس البراق لتخلق تماوجاً يستحضر حركة البحار وتمايل السفن. كانت القطع عصرية بتفصيلها وخطوطها المحددة تخاطب كل لغات العالم، لكن التفاصيل التي قد تظهر في فستان مستوحى من الكيمونو مصنوع من الساتان العاجي بأطراف مزينة ببلورات تشبه رذاذ البحر، أو في فستان على شكل عباءة وآخر مزين بنقشات من فن الفسيفساء، فشدّت التشكيلة ككل إلى الجذور... بالسلاسل.


مقالات ذات صلة

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الفوز بالجائزة ليس مادياً فحسب بل هو مفتاح للتعرف على أسماء كبيرة في مجالات إبداعية شتى (فاشن ترست أرابيا)

خاص جوائز الموضة العربية... بوابة نجاح أم مجرد حافز مؤقت؟

تجربة الراحل إيف سان لوران خير دليل على أن الموهبة تحتاج إلى دعم. فهل كان بإمكانه أن يبلغ ما بلغه من مجد لولا مشاركته في مسابقة الصوف الدولية وتألقه فيها؟

جميلة حلفيشي (لندن)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.