محمد آشي لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تشهد «انفجاراً» إبداعياً مثيراً

أول مصمم سعودي ينضم إلى البرنامج الرسمي لـ«هوت كوتور» بباريس

TT

محمد آشي لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تشهد «انفجاراً» إبداعياً مثيراً

المصمم السعودي محمد آشي (خاص)
المصمم السعودي محمد آشي (خاص)

لم يكن محمد آشي الذي حاورني عبر «زووم» منذ أكثر من شهر، هو نفسه الذي قابلته في عام 2015. تغيير كبير جدّ عليه. لا وجهه أو صوته تغيرا، ولا حتى ضحكته العفوية التي يصل رنينها إلى القلب كلما شاكسته بسؤال يرد عليه بمهارة مبارز أو شراسة مدافع على مرماه. فاجأني هذه المرة بتغنِّيه بـ«سعوديته».

عندما أصارحه بملاحظتي وأذكره بلقائنا السابق، يرد بسرعة وبحماس: «من الطبيعي أن أتغير... ألا ترين أن معجزة حصلت في زمن لم نكن نؤمن فيه بالمعجزات؟ نعم كنت في بداياتي متحفظاً بهذا الشأن ولم أتبرع بالإعلان عن جنسيتي، لكن ليس لأني لم أكن أفتخر بها، لا أبداً كنت فقط مدفوعاً برغبة تسكن أي مصمم في بداياته في أن أفرض نفسي في الساحة العالمية، ثم لا تنسي أن النظرة العامة إلى المصممين العرب آنذاك لم تكن تُشجع على فتح هذا الباب والخوض فيه».

المصمم محمد آشي يحيي الحضور بعد عرضه لـ«ربيع وصيف 23»... (محمد آشي)

 

18 عاماً مرت على بدايته تُوّجت هذا العام بانضمامه إلى البرنامج الرسمي للفيدرالية الفرنسية لـ«هوت كوتور» كأول مصمم خليجي. لا يخفي أن 18 عاماً رقم مهم في مسيرة أي مصمم أزياء. ليس لأن الموضة من القطاعات التي تقوم على مفهوم التغيير السريع بالأساس، بل لأن المصمم عموماً ابن بيئته. يتأثر بما يجري من حوله من تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وإنسانية، وآشي أكد أنه فعلاً ابن بيئته. يتذكر كيف كانت النظرة إلى مُبدعي المنطقة العربية ككل مجحفة.

«أنا نفسي لم أتخيل في فترة من الفترات أن يكون سعودي ضمن فريق عملي. عندما التحقت بالاستوديو الخاص بي في باريس متدربة شابة في العام الماضي، فاجأتني بمهنيتها وانضباطها، وهو ما لم أكن أتوقعه من أي شخص في مقتبل العُمر بغض النظر عن الجنسية. الآن أنا متأكد أكثر من أي وقت مضى أنه عندما يكون لديك بلد يتمتع بكل المقومات المادية والثقافية والتراثية والفنية، فإن كل ما نحتاجه هو التحرر من القيود».

رغم أنه عاش في الغرب وتشبع بأسلوب «بالنسياجا» فإن هناك دائماً ما يشده إلى جذوره (محمد آشي)

يصف لي مدى الذهول والانبهار اللذين غمراه عندما زار السعودية بعد غياب أربع سنوات: «لأني لم أعش التغييرات بشكل تدريجي، احتجت لبعض الوقت لكي أتقلم مع الوضع الجديد». يضيف ضاحكاً: «كانت أجمل صدمة ثقافية يمكن أن يتلقاها الإنسان. لم أصدّق أن هذا هو بلدي الذي تركته منذ أربع سنوات فقط. إرثه وغناه الثقافي وتقاليده الجميلة لم تختف. كانت تتجلى على الوجوه والواجهات، على حد سواء، لكن كانت هناك ديناميكية لم أر لها مثيلاً في أي مكان من العالم».

محمد آشي من جيل عاش حقبة الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي. درس في الولايات المتحدة الأميركية ثم انتقل إلى باريس ليصقل موهبته. لكن في بيروت التي انتقل إليها بعد فترة قصيرة سجل بأسلوبه الهندسي والفني اسمه بين الكبار في مجال الأزياء. الآن هو عضو في هيئة الأزياء السعودية لكي يدعم مبدعي بلده من الشباب، وفي الوقت ذاته يرد الجميل. لم ينس أنه بالرغم من ابتعاده عن بلده لسنوات ورغبته في الحفاظ على خصوصيته لكي لا يوضع في خانة نمطية من صُنع الغرب «أن بنات بلدي كُن أكبر داعم لي طوال مسيرتي، فخمسون في المائة من زبوناتي كن سعوديات».

اسمه يتردد هذه الأيام بشكل مكثّف، نظراً لأنه أول مصمم خليجي تضمه الفيدرالية الفرنسية لـ«هوت كوتور» لبرنامجها الرسمي، وأيضاً لمشاركته في مهرجان «كان» السينمائي بإطلالات شدت الأنفاس، ومؤخراً في عرس ولي عهد الأردن بفستان تألقت فيه أخت العريس إيمان العبد الله وكان من الاختيارات الموفقة جداً.

الأميرة إيمان عبد الله في فستان من تصميمه نال كثيراً من الثناء والاستحسان (رويترز)

الآن يعود إلى مسقط رأسه، حيث سيفتتح محلاً رئيسياً في الرياض، ويساهم في بناء مستقبل الموضة في بلد «يشهد انفجاراً في عدد المواهب»، حسب تعبيره. فقد أصبح وجهاً مألوفاً فيها ليس كمصمم فحسب، بل كمؤثر وفاعل بحكم عضويته الاستشارية في هيئة الأزياء. عندما أُلمح له أن مهمته صعبة بالنظر إلى عدد المصممين، حتى بعد أن تمَت غربلتهم إلى «100 براند سعودي»، يدافع قائلاً: «طبيعي أن تتلقى الهيئة هذا العدد الهائل من الطلبات، لا تتصورين عدد المواهب التي حُرمت طويلاً من أي وسيلة تُمكِنها من التعبير عن قدراتها. والمقصود هنا ليس الموضة وعالم التصميم فحسب، بل شتى الفنون والمجالات من الموسيقى إلى الطهي وغيرهما، وأنا متأكد أن هناك عدداً كبيراً آخر لم نسمع منهم بعد».

هذا الانفجار الإبداعي بنظره ردة فعل طبيعية للانفتاح الذي تشهده المملكة. فـ«رؤية 2030» غيّرت الكثير من المفاهيم، بما فيها التخلص من التابوهات التي كانت تتعلق بتصميم الأزياء.

يتذكر كيف أنه استمات في السبعينات لكي يُقنع عائلته بدخول مجال التصميم. كان هناك رفض وشد وجذب. «الآن لا يواجه هؤلاء قيوداً أو ردود أفعال مماثلة، لأن احتراف تصميم الأزياء لم يعد مشيناً للرجل تحديداً أو تقليلاً من قيمته، كما لم يعد يُنظر إلى ابن البلد كمجرد خياط. فصفة مصمم أزياء كانت إلى عهد قريب قُصراً على من يعملون في بيوت أزياء عالمية. الآن أصبح الباب مفتوحاً لأي شخص يتوسم في نفسه الموهبة أن يحقق فيه مكانة مميزة تدر عليه وعلى اقتصاد البلد إيرادات لا بأس بها».

لكن هذا لا يعني أن التحديات لم تعد قائمة، بل العكس فإن البقاء للأقوى فقط، لأن إلغاء القيود وتوفر دعم الأهل والمجتمع ألغوا أي مبررات يمكن أن يتحجج بها المصمم. «المرحلة الحالية هي أرضية للاختبار والتجارب، بعضها سيصيب، وبعضها سيخيب، لكن في كل الأحوال يبقى هذا (الانفجار الإبداعي) مكسباً للمنطقة ومرحلة طبيعية لا بد وأن تؤدي إلى مرحلة الاحتراف في حال تم التعامل معها بجدية وشغف».

يستشهد هنا بساحة الموضة في لبنان خلال السبعينات، التي لم يكن فيها سوى إيلي صعب، مصمماً وصل إلى العالمية، لكن «لننظر الآن إلى لبنان كم عدد المصممين اللبنانيين العالميين فيه؟... العشرات. إيلي صعب لم يجد الطريق مفروشاً بالورود لكنه ساعد في تعبيده أو على الأقل إعطاء الأمل لغيره بأن الأمر ممكن. وهذا ما يحصل في السعودية حالياً. نعم هناك بعض الحالمين، وهؤلاء موجودون في كل مكان، في لندن وباريس ونيويورك وغيرها، لأن الحُلم من حق الجميع، وهنا يأتي دور هيئة الأزياء ومهمتها الأساسية في انتقاء من تتوسم فيهم الموهبة والنفس الطويل». ثم يستطرد مدافعاً عن فورة الشباب قائلاً: «كنت مثل هؤلاء في يوم من الأيام، أحلم بالنجاح وكانت طموحاتي كبيرة جداً». يتابع ضاحكاً: «وربما غير معقولة، فأنا كنت أحلم أن أصبح بالنسياجا ثاني... تخيلي».

لا بد من الإشارة هنا إلى أن قصة محمد آشي مع كريستوبال بالنسياجا مثيرة وملهمة. فهذا الأخير من أدخله إلى عالم الأزياء وحبّبه فيه. كان ذلك بعد أن شاهد، وبمحض الصدفة، فيلماً وثائقياً بثته محطة الـ«بي بي سي» عن كريستوبال بالنسياجا ضمن سلسلة «العالم السري للهوت كوتور». انبهر بما رآه. أعاد مشاهدة الفيلم أكثر من 20 مرة، وفي كل مرة كانت قناعته تزيد بأن هذا هو العالم الذي يريد أن يخوض غماره ويعيش فيه: «كنت مبهوراً بأناقة زبوناته، أسلوب حياتهن المرفه وتقديرهن لكل قطعة بحيث يتعاملن معها وكأنها تحفة فنية».

تأثير «بالنسياجا» من ناحية الابتكار والإبداع في التفاصيل يسكنه دائماً (محمد آشي)

كان الفيلم نقطة التحول في حياته. أثر على مسيرته كما على نظرته وأسلوبه في التصميم. قبل ذلك، كان كأي مصمم شاب يتلمَس طريقه، يتابع ما يقدمه باقي المصممين الكبار ليعمل مثلهم. الوثائقي فتح عينيه على معنى أن تكون مُبدعاً ومبتكراً بالمعنى الصحيح. يتذكر هذه البداية فلا يقسو على نفسه أو ينتقدها، فقط يزيد تعاطفه مع المصممين الشباب. «أرى أنه لا بأس من المرور من هذه التجربة شرط أن يصقل المصمم موهبته بالدراسة والمثابرة. فحتى الجراح لا يكتسب المهارة بين ليلة وضحاها. من هذا المنظور أنا جد متفائل أنه ستكون لدينا في السعودية، وفي القريب أسماء متألقة على المستوى العالمي». يضيف ضاحكاً: «خوفي أنهم سينافسونني».

وحتى عندما أشير إلى أن بعضهم ربما لا يزال يميل إلى التصاميم التراثية، يرد سريعاً وكأنه كان يتوقع هذه الملاحظة «هذا أيضاً طبيعي لأنهم يتكئون على ما يعرفونه جيداً ويمنحهم الشعور بالأمان. أنا أيضاً مررت بالتجربة نفسها، مع العلم أني درست في معاهد عالمية، وتخرجت منها وعشت في الغرب. عندما دخلت مجال الأزياء أول مرة، صمَمت قفاطين عربية لأنها كانت لا تزال تسكن خيالي ووجداني وتربطني بجذوري. مع الوقت تطورت نظرتي وأسلوبي. وأرى أن هذه بداية يمر منها كل من يأتي من بيئة تتمتع بإرث ثقافي وتاريخي قوي. أنا متأكد أن التطور آت بفضل الإمكانات المتوفرة لهم والمحاولات الجادة لتأسيس بنية تحتية».

بيد أنه بالرغم من احترامه للجذور والموروثات الثقافية، يرفض الاستكانة إليها كلياً. نعم قد تكون عكازاً مفيداً في أول المشوار، لكن لا يجب الاعتماد عليها في كل المراحل.

من عرضه لـ«ربيع وصيف 2023»

تشكيلته الأخيرة كانت تفوح منها رائحة نوستالجيا خفيفة للماضي، يشرحها قائلاً: «هي كذلك فعلاً من ناحية فكرتها فقط، كوني استلهمت شاعريتها من رواية عن الحب والحنين لفيرجينيا وولف، حوّرتها هنا لتحكي قصة عاشقين من عالمين متناقضين. واحد يعيش في باريس والثاني في المريخ. أما من ناحية الأزياء، فإن كل ما فيها يصرخ بروح العصر والعملية التي يتطلبها الانتقال من مكان إلى آخر بسهولة وأناقة، بدءاً من الخطوط إلى الأقمشة».

لأن تشكيلته رحلة من باريس إلى المريخ فقد أخذت الأقمشة شكلاً جديداً (محمد آشي)

أكثر ما يلفت الاهتمام في هذه التشكيلة أنه وبعد أن عوّدنا على الأحجام الهندسية والتفاصيل المبطنة بين الثنيات والطيات، يتبنى فيها أسلوباً تغلب عليه تصاميم قريبة من الجسم. تُحدده تارة وتعانقه تارة أخرى. يقول إنه كان تغييراً مفروضاً عليه بعد انتقاله إلى باريس منذ حوالي 6 سنوات تقريباً، حيث كان لا بد من مواكبة متطلبات السوق حتى يضمن استمراريته في عالم تعصف به رياح التغيير. فزبونات كريستوبال بالنسياجا في الخمسينات مختلفات تماماً عن زبونات اليوم «كما أن إعجابنا بإطلالات ماري أنطوانيت من القرن الثامن عشر أو تسريحاتها لا تعني أن المرأة تريد أن تتبناها في حياتها المعاصرة. نعم لم يخطر ببالي من قبل تصميم فستان محدد على الجسم. كنت دائماً أريد أن أرى المرأة ملفوفة بأمتار من الأقمشة المترفة تتمايل فيها الطيات والطبقات المتعددة، لكن زمننا لم يعد يتطلب كل هذه التفاصيل، وجيل (زي) يريد تصاميم أنيقة تحمل بصمات مميزة وفي الوقت ذاته عملية».

من يسمع محمد آشي يتأكد أنه لا يشبه باقي المصممين. ومن يرى أسلوبه يعرف أنه كما ترك عطره على الساحة العالمية لا بد وأنه سينشر عبقه في بلده الأم. تتأكد أيضاً أن هالته التي نسجها بخيوط الحب والتعاطف مع الغير لا يضاهيها سوى قدرته على قراءة تغيرات العصر ومواكبتها من دون تسرّع أو اندفاع.


مقالات ذات صلة

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

لمسات الموضة كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)
خاص النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)

خاص صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

لا تزال المرأة ضحية معايير محددة للجمال تلعب فيها الإعلانات وأحياناً صناعة الترفيه والموضة دوراً محورياً يترك أثره في اللاوعي الفردي والجمعي على حد سواء

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول)…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)

الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

لم يكن ظهور النجمات في فساتين فخمة خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار مجرد استعراض أو منافسة على الأضواء والعقود مع دور الأزياء والمجوهرات الكبيرة.

جميلة حلفيشي (لندن)

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
TT

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

على ما يبدو فإن شهر سبتمبر (أيلول) المقبل سيكون حافلاً بالهدايا والمفاجآت الإبداعية؛ فحتى قبل أن يفيق عشاق الموضة من سكرة خبر تعاون جون غاليانو مع محلات «زارا» الشعبية لمدة عامين، وطرحه أول مجموعة في هذا الشهر، انتشر خبر عودة كريستوفر كاين مديراً إبداعياً لقسم الأزياء الجاهزة في دار «مالبوري» البريطانية، وتقديمه هو الآخر أول تشكيلة له، خلال أسبوع لندن المرتقب، في سبتمبر 2026.

كريستوفر كاين (غيتي)

غني عن القول إن الخبر استُقبل بحماسة كبيرة؛ إذ يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات. فآخر عرض لها كان في عام 2017.

ما يزيد من الحماس والترقب أن كريستوفر يتمتع بأسلوب جريء يميل إلى ألوان النيون الصارخة والتصاميم المتمردة، إضافة إلى اعتماده على مزج مواد وخامات متنوعة من الدانتيل إلى المطاط. في المقابل، تُعتبر «مالبوري» واحدة من دور الأزياء البريطانية العريقة التي تشتهر بتصميم الحقائب والمنتجات الجلدية أكثر. هذه المعادلة بين الفني المتمرِّد والكلاسيكي المعاصر من بين أكثر الأمور المثيرة في هذه العلاقة.

من هو كريستوفر كاين؟

وُلِد في عام 1982 باسكوتلندا، وتخرج في معهد «سانترال سانت مارتن» الشهير. نجح في شد الانتباه في حفل تخرجه؛ إذ قدَّم مجموعة مختلفة بتصاميمها الضيقة وألوانها المتضاربة. هذه المجموعة سلّطت الضوء عليه، وجعلت اسمه يتردد في أوساط الموضة بوصفه مصمماً واعداً.

كانت دوناتيلا فيرساتشي أكثر مَن انتبهت إلى موهبته، ودعمته بأن عبّدت له الطريق لصقل قدراته خلال أولى سنواته المهنية.

في عام 2006، أطلق علامته الخاصة بالتعاون مع شقيقته تامي، التي تولّت إدارة الجانب المالي والإبداعي معه. وسرعان ما رسَّخ مكانته، في وقت كانت فيه الموضة تحتفي بالاختلاف وبتنوع المدارس الإبداعية. في عام 2009، سلّمته دوناتيلا فيرساتي قيادة خط «فيرسيس»، الخط الأصغر والشبابي التابع لخط «فيرساتشي»، واستمر عمله معها إلى 2012.

من عرض كريستوفر كاين في عام 2009 (غيتي)

لكن رغم نجاحاته الفنية، لم يسلم من تبعات الأزمات الاقتصادية التي أودت بالعديد من المصممين المستقلين من أمثاله. في منتصف عام 2023، اضطر للإعلان عن إجراءات إغلاق علامته، وتعيين إداريين لتصفيتها. طوال هذه العملية، كان الأمل لا يزال يخامره بأن يجد مشترياً أو مستثمراً جديداً. لم يحصل هذا، ولم تعد العلامة إلى نشاطها الكامل، ما جعله يبقى بعيداً عن أضواء ساحة الموضة، باستثناء عودة مؤقتة في عام 2024، عبر تعاونه مع علامة «سيلف بورتريت». كان التعاون ناجحاً بكل المقاييس، حيث نفذت المجموعة بسرعة، إلا أنه لم يُترجم في تجربة ثانية.

«مالبوري»... فصل جديد

لهذا، فإن تعيينه في «مالبوري» مديراً إبداعياً، يمثل تحولاً استراتيجياً له وللدار على حد سواء. هو سيعود إلى منصات العرض العالمية وإلى دائرة الضوء مرة أخرى، بينما ستحصل «مالبوري» على فرصة لإحياء قسمها الخاص بالأزياء الجاهزة، بعد سبع سنوات تقريباً من الغياب.

من عرض دار «مالبوري» حين كانت في أوج قوتها في عام 2012 (غيتي)

تأسست الدار في منطقة سومرست، عام 1971، كشركة للمنتجات الجلدية، ولم تتحوَّل إلى مجال الأزياء إلا فيما بعد. لإنجاح هذه الخطوة، استعانت بمصممين، مثل ستيوارت فيفرز، وإيما هيل، وجون كوكا. رغم نجاحهم في ترسيخ هالة بريطانية عصرية على منتجاتها، فإن تأثيرات الأزمة الاقتصادية وجائحة «كورونا»، كانت أقوى من إمكاناتهم الإبداعية. فالمرأة لم تستعد رغبتها في اقتناء حقائب يد موسمية، كما لم تستعد الدار توازنها بالكامل. فـ«مالبوري» بنت سُمعتها ونجاحاتها التجارية على الإكسسوارات الجلدية أولاً والأزياء ثانياً. ففي التسعينات وبداية الألفية، طرحت حقائب يد ناجحة، مثل «روكسان» و«بايزووتر» و«أليكسا» وغيرها كان لها الفضل في إنعاشها وإبقائها في الصدارة، وهذا يعني أن على كريستوفر كاين أن يقدم حقائب لا تقل نجاحاً، من الناحية التجارية، حتى يسند قسم الأزياء الجاهزة ويرسّخ مكانته أكثر.


«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية
لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية
TT

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية
لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم. فقد فتح متحف «فيكتوريا أند ألبرت» أبوابه لاحتفاء استثنائي هو الأول من نوعه في المملكة المتحدة، وهو مكرّس لها ولإرثها المتواصل. معرض بعنوان سكياباريللي: حين تتجلَّى الموضة لتصبح فناً (Schiaparelli: Fashion Becomes Art) لا يدخلك عالم إلسا وحدها، بل أيضاً عوالم أصدقائها سلفادور دالي وجان كوكتو وبابلو بيكاسو وغيرهم ممن تعاونت معهم.

لم تفقد الدار في أي مرحلة روحها الإبداعية المسكون بجنون الفن (سكياباريللي)

أثَّرت فيهم بقدر ما أثَّروا فيها، وأثبتت أنها كانت ندّاً لهم في مجالها. فرادتها تتمثل في أنها لم تتعامل مع الموضة كأزياء يجب أن تكون جميلة وأنيقة فحسب، بل أن تكون ذكية ومرحة تعبق بالفن أولاً وأخيراً. بهذا الجنوح نحو كل ما هو سريالي كانت كمَن يُعبِر عن فن يسري في دمها.

في مذكراتها تروي كيف أنها كانت ترى نفسها عادية لا تتمتع بجمال تُحسد عليه، وكيف كانت تأخذ بذور أزهار حديقة بيت العائلة وتزرعها في فمها وأنفها وأذنيها على أمل أن تتفتح كوردة. ما كانت تشعر بأن ما تفتقده من جمال كلاسيكي عوَّضت عنه بثقافة ورؤية فنية فذة. فتصميم الأزياء بالنسبة لها، وفق قولها «ليس مهنة، بل هو فن».

يتتبع المعرض قصة الدار من التأسيس إلى اليوم (سكياباريللي)

هذه الروح هي التي تسري في أرجاء معرض مليء بالتلاعبات البصرية، حيث يتحول حذاء إلى قبعة، وتتفرع عظام على سطح فستان، ويصبح قرص هاتف مرآة مدمجة وهلم جرا من التصاميم التي تتراوح بين الغرابة والإبداع.

تتنقل بين أرجاء المعرض في رحلةٍ آسرة تمتد من عشرينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا. يروي فيها كل قسم فصلاً من قصتها كواحدة من بين أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ الموضة، كاشفاً عن إرث الدار منذ لحظاتها التأسيسية وصولاً إلى تجلّياتها الراهنة بقيادة المدير الإبداعي دانيال روزبيري. هذا الأخير جعل لقاء الماضي بالحاضر لعبته، بدليل حواره الإبداعي المتواصل بينه وبين المؤسسة.

كان الفن بالنسبة للمصممة جزء لا يتجزأ من الموضة (سكياباريللي)

يضم المعرض أكثر من 400 قطعة، تشمل 100 إطلالة و50 عملاً فنياً، إلى جانب الإكسسوارات، والمجوهرات، واللوحات، والصور، وقطع الأثاث، والعطور، والمواد الأرشيفية. من أبرز المعروضات: فستان «الهيكل العظمي» من عام 1938 - وهو النسخة الوحيدة المعروفة الباقية حتى اليوم، وجزء من المجموعة الدائمة لمتحف فيكتوريا وألبرت، إلى جانب فستان «الدموع» من العام نفسه، بالإضافة إلى القبعة الأيقونية التي تستحضر شكل حذاء مقلوب؛ وجميعها جاءت ثمرة تعاونها مع الفنان سلفادور دالي. كما يضم المعرض أعمالاً لفنانين كبار، من بينهم بابلو بيكاسو، جان كوكتو، مان راي، وإيلين آغار، فضلاً عن عدد من تصاميمها المخصّصة لعالمَي المسرح والسينما.

يرسخ المعرض صوتها كفنانة سريالية من الطراز الرفيع (سكياباريللي)

يُختتم المعرض بلمسة معاصرة آسرة، تتجلّى فيها إبداعات لدانيال روزبيري، تألَّقت بها نجمات عالميات مثل أريانا غراندي ودوا ليبا، في خاتمة درامية تشكل حواراً بصرياً بين إرث الدار ورؤيتها الراهنة.

في هذا السياق، صرَّح تريسترام هانت، مدير متحف فيكتوريا وألبرت: «يحتفي معرض (سكياباريللي: حين تتجلّى الموضة لتصبح فناً) بإحدى أكثر المصممات إبداعاً وجرأة في تاريخ الموضة. ويضمّ متحف فيكتوريا وألبرت واحدة من أكبر وأهم مجموعات الأزياء في العالم، إلى جانب أبرز مجموعة لقطع سكياباريللي في بريطانيا. إن التعاون الذي جمع الدار بعالم الفن وعوالم الأداء يجعل من الدار والمرأة التي كانت وراء تأسيسها موضوعاً مثالياً لمعرض استثنائي بهذا المستوى في متحف فيكتوريا وألبرت».

يخلق المصمم الحالي دانيال روزبيري في كل موسم حوارا إبداعيا مع إرثها (سكياباريللي)

كما قالت دلفين بيليني (Delphine Bellini)، الرئيسة التنفيذية لدار سكياباريللي: «لقد أعادت إلسا سكياباريللي، بخيالها الجريء ورؤيتها الراديكالية، رسم الحدود بين الموضة والفن. وهذا ما يحتفي به هذا المعرض: تأثيرها المتجدد من خلال تعاوناتها الأيقونية مع كبار فناني القرن العشرين، وبذلك المزج الريادي بين الإبداع وعالم الأعمال. وبفضل مجموعاته الاستثنائية، وخبرته العميقة في مجالي الموضة والتصميم، وتأثيره الثقافي الواسع، وقدرته على وصل التراث بالابتكار، يشكِّل متحف فيكتوريا وألبرت الإطار الأمثل لعرض إرثها، إلى جانب إبداعات دانيال روزبيري، التي تواصل حمل روحها السريالية قدماً، من خلال تصاميم نحتية جريئة في تكريم لرؤيتها الإبداعية وإعادة ابتكارها لقرنٍ جديد».

فنية الدار لم تخفت بل زاد وهجها في السنوات الأخيرة ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

في عام 1973 توفيت بعد 19 عاماً من اعتزالها، ودُفنت باللون الوردي، لونها المفضل الذي جعلته جزءاً من هويتها وهوية دار لم تنسَها. فمديرها الإبداعي الحالي روزبيري، لا يزال يرسم ملامحها. نجاحه في خلق الاستمرارية يكمن في أنه لم يُقدس إرث الماضي إلى حد التقيد به، بل يحاوره بلغة معاصرة وواقعية.


صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
TT

صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)

هذا العام، غُبن اليوم العالمي للمرأة إلى حد ما. لم يحظَ باحتفالات تليق بما تحققه من إنجازات، ولم تُفتح لها المنابر بما يكفي للتنديد بما تعانيه من نكسات والمطالبة بتصحيحها. فقد غطى التصعيد الأميركي الإيراني على نشرات الأخبار فتوارى الحدث خلف دخان حجب السماء وأعتم النهار.

لكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك محاولات إيجابية، ولو خجولة، لإبقاء الشعلة النسوية متقدة طوال الشهر مع تسليط الضوء على قضايا قديمة عادت لتشتعل من تحت الرماد بعد أن خُيِل للجميع أنه قُضي عليها. والمقصود هنا تحديداً تلك النظرة التي لا تنفصل عن جسد المرأة وتضعها تحت ضغوطات شتى.

فمنذ قرون، وهذا الجسد ساحة تُسقِط عليها المجتمعات تصوراتها عن الجمال والهوية والرغبات. من التماثيل الحجرية إلى منصات عروض الأزياء ومناسبات السجاد الأحمر، ومن لوحات كبار الفنانين إلى وسائل التواصل الاجتماعي، تغيَر شكل «المرأة المثالية» مراراً، وفي كل مرة يترك أثراً عميقاً في اللاوعي الفردي والجمعي على حد سواء.

الممثلة آن هاثاواي تلقي خطاباً في الأمم المتحدة في اليوم العالمي للمرأة (أ.ف.ب)

في القرن الواحد والعشرين، تؤكد حالة النجمة ديمي مور أن هذه الإشكاليات النسوية لا تزال قائمة، بعد أن ظهرت مؤخراً بمظهر غيَّر ملامحها ووزنها بشكل مقلق تلبية لإملاءات هوليوود والموضة. حالتها ليست منفردة، فهي تختصر الضغوطات الخارجية وحالات التنمر التي تتعرض لها المرأة عموماً، إلى جانب خوفها من الإقصاء.

علاوة على ذلك، أفاد استطلاع بريطاني تم إجراؤه على مجموعة من الفتيات حديثاً، أنهن يشعرن بأن المجتمع يحكم عليهن بناء على مظهرهن أكثر من قدراتهن وكفاءاتهن. هذا الإدراك المبكر يربط القيمة بالهيئة، ويجعل أي انحراف عن الشكل المرسوم من قبل جهات خارجية، سواء هوليوود أو الموضة أو وسائل الإعلام، مصدر قلق على الصحة النفسية والجسدية، لا سيما عندما تتحول إلى شبه إدمان. فالنجاح في الكثير من الأوساط لا يزال يرتبط بالجمال، وليس أدل على هذا من مظهر السياسيات الجمهوريات في حكومة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بينما أصبح يعرف بوجه «مارا لا غو»: وجه مشدود، وابتسامة هوليوودية، وشعر أشقر، وماكياج واضح. كلما تقيَّدن بشروط جمال معيَن، ارتفعت فرصهن للحصول على مناصب مهمة.

أوبرا وينفري عانت لعقود طويلة من الوزن الزائد واعترفت أخيراً بأنها تدين برشاقتها للأدوية (أ.ب)

لكن هل هذه الصورة الجمالية جذابة فعلاً؟ سؤال صعب لأن الجمال في عين الناظر. لكن الخوف هنا لا يتعلق بالإجراءات التجميلية بل بالنحافة المفرطة، التي أصبحت سمة من سمات نجمات مثل أريانا غراندي، وديمي مور، وكيلي أوزبورن ومايلي سايروس وحتى أوبرا وينفري وغيرهن كثيرات. فمن لا يتذكر استماتة أوبرا وينفري لإنقاص وزنها بكل الوسائل. قهرت كل الصعاب التي مرَّت بها، لكن هاجس الرشاقة ظل يؤرقها لخمسة عقود تقريباً. ورغم أنها جرَّبت كل الحميات، لا تزال لحد اليوم تحارب من أجل الرشاقة. لهذا ليس غريباً أن يتوسَّع الأمر ليشمل المرأة العادية التي تتخذ من هؤلاء النجمات قدوة تحتذي بها.

نيكول كيدمان ونحافة واضحة في السنوات الأخيرة (سكياباريلي)

النجمة ديمي مور لها تجارب متكررة مع شكلها. سبق واعترفت بخضوعها لعدة إجراءات تجميلية شملت أجزاء مختلفة من جسدها بما في ذلك ركبتيها. المفارقة أن مور نفسها تحدّثت علناً عن معاناتها السابقة مع صورة الجسد، وكيف أن كل الإجراءات التي خضعت لها لم تمنحها سوى سعادة مؤقتة. خلال الترويج لفيلمها «ذي سابستانس» The Substance، الذي جسَّدت فيه شخصية نجمة تجري وراء الشباب الدائم، تحدثت عن تجربتها في التسعينيات، حين كانت نحافة المرأة معياراً أساسياً للنجاح. وروت كيف تحوَّل التدريب الرياضي الصارم خلال تصوير فيلم «A Few Good Men» إلى هوس، وكيف دخلت في علاقة غير صحية مع الطعام استمرت حتى انتهائها من فيلم G.I.Jane. لاحقاً تحدثت عن لحظة وعي دفعتها إلى التصالح مع ذاتها، وكيف أنها لم تعد تعيش علاقة «عدائية» مع جسدها، بل تركز على النوم والتأمل وكتابة يومياتها، وتتبنى نظاماً غذائياً متوازناً.

ديمي مور في واحدة من إطلالاتها الأخيرة بعد التجميل والتنحيف (رويترز)

غير أن هذا التصالح مع الذات لم يدم طويلاً بالنظر إلى صورها في كل من ميلانو وباريس حديثاً. كان مظهرها مثيراً بباروكة بقصة «كاري». كانت الإجراءات التجميلية مُوفَقة إلى حد كبير، وفق قول د. خيسوس أوليفاس مينايو، المدير السريري ومدير المعهد البرتغالي لـ«الليبيديما»: «عند مقارنة صورها الحديثة بصورها قبل عدة سنوات، يبرز مدى الشد في ملامح وجهها، بحيث يبدو خط الفك أكثر تحديداً، والجلد أكثر تماسكا، كما تبدو ملامح الوجه بشكل عام أكثر نحتاً وتناسقاً». لكنه يضيف أن «تقلبات الوزن وإنقاصه بشكل كبير يمكن أن تؤثر على الوجه. فعندما تنخفض دهونه، تبرز البنية العظمية، غير أنها في الوقت ذاته تسبب ترهل الجلد أو ظهور فراغات، خصوصاً حول الجزء السفلي من الوجه وخط الفك. وغالباً ما يبدأ المرضى في هذه المرحلة بالبحث عن علاجات تعيد دعم البنية وتشد الجلد».

إطلالة ديمي مور تظهر فيها بنحافة مفرطة (أ.ف.ب)

الخوارزميات ودورها

وبغض النظر عن وجه ديمي مور وجمالياته، فإن جسدها النحيل بعظامه البارزة، أكثر ما أثار القلق وأدَّى إلى فتح ملفات قديمة اعتقد الجميع أنها طُويت للأبد.

فبعد أكثر من عقد من المناداة بالتنوع الجسدي وتقنين ظهور عارضات «أنوركسيات» على منصات عروض الأزياء، وسنوات من انتشار عبارات مثل «إيجابية الجسد» و«التصالح مع الذات» منحت نساء كثيرات الشجاعة على الظهور بأجساد لا تنتمي إلى القالب النمطي السابق، عاد الضغط ليطفو على السطح مرة أخرى. السبب على ما يبدو توفر وانتشار حقن «الأوزمبيك» و«مونجارو» في أوساط النخبة، مما جعل الخيط بين استعمالها لأسباب صحية أو فقط للحصول على الرشاقة رفيع للغاية. مؤخراً بدأت تنتشر محتويات على تطبيقات الـ«تيك توك» و«الإنستغرام» تمجِّد الرشاقة، بعناوين مثل «ماذا آكل في يومي»، و«كيف أفقد وزني» ونصائح حول «التنظيف الغذائي» وما شابه من آخر الحميات. كل هذا مرفوق بصور لأجساد نجمات وشخصيات معروفة تتراوح بين الرشاقة والنحافة. فهن دائماً ورقة رابحة في كسب التفاعلات. من هذا المنظور، تم تداول صور ديمي مور بفستان أسود من دون أكتاف بشكل مُكثَّف حوَل الحديث من ترشيحها عن مسلسل «لاندمان» إلى نحافتها، وما إذا كانت تعاني من مشكلة صحية أو تستخدم أدوية لإنقاص الوزن.

كيلي أوزبورن أثارت مؤخرا موجة من القلق على صحتها بعد ظهورها بنحافة مفرطة (أ.ب)

أليكس لايت، مؤلفة كتاب «لستَ صورة (قبل): كيف تتصالحين مع جسدك أخيراً وإلى الأبد» You Are Not a Before Picture: How to Finally Make Peace with Your Body, for Good تقول إن هناك ارتفاعاً ملحوظاً في المحتوى الذي يروِج لثقافة النحافة على الإنترنت. أحياناً بطرق غير مباشرة، تحت مسميات «العافية» و«الانضباط» و«الأهداف الصحية اللطيفة»، لكن النتيجة واحدة وهي إعادة إنتاج «فكرة أن الجسد مشروع للتحسين والتصليح». وتوضح لايت أن أحد أهم الأسباب في انتشار هذه الظاهرة، أن الخوارزميات لا تكافئ المحتوى المتزن والمتوازن، بينما تكافئ الصور الصادمة والدراماتيكية. هذه الخوارزميات تُفسر أيضاً سبب عودة بعض المؤثرين الذين بنوا شهرتهم على خطاب حب الذات، لعرض تجارب مرتبطة بخسارة الوزن. لكن السؤال الجوهري بالنسبة لأليكس لايت هو «من يستفيد من الترويج لهذه النحافة؟» الإجابة بالنسبة لها غالباً ليست الفرد، بل صناع حميات تدر عليهم المليارات من الدولارات.

مسؤولية الموضة

ورغم أنها لم تُشر بأصابع الاتهام لصناعة الموضة فإن هذا لا يستثنيها. في تصريح سابق للمصممة البريطانية ستيلا مكارثني حول هذا الموضوع قالت إنها تُحمِل الموضة جزءاً كبيراً من المسؤولية. وهي على حق لأن نظرة على تاريخ الموضة تُثبت أنها في كل حقبة ترسخ نموذجاً جمالياً نحيلاً داخل اللاوعي، من خلال صور الإعلانات وعروض الأزياء والحملات المصورة، بغض النظر عما تجره من نتائج كارثية.

تتحمل الموضة جزء كبير من المسؤولية في الترويج للنحافة (ديور+ فندي)

قوانين صارمة ولكن

في الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي روَجت لمظهر «هيروين شيك» تظهر فيه العارضات بشكل «أنوريكسي» للغاية، الأمر الذي أثار قلقاً تداعى صداه في كل العالم في عام 2007 إثر وفاة إيزابيل كارو وهي عارضة أزياء فرنسية سابقة عن عمر يناهز 28 عاماً بسبب مرض فقدان الشهية. لم تكن إيزابيل حالة فردية إذ تعرضت عارضات أخريات إلى نفس المصير، بسبب ضغوطات تفرض عليهن فقدان أوزانهن بشكل مبالغ فيه.

بعد أن دقَّت الجهات الصحية نواقيس الخطر، وتسرَّب الخوف في النفوس من تأثيرات هذه الصور على صغار السن، حاول قطاع الموضة أن يُغيِر جلده ويحتضن الاختلاف. لكنه واجه مقاومة من قبل بعض المصممين، فتدخلت الحكومات على الخط، لتنص قوانين تُجرِم التعاون مع عارضات نحيفات بشكل مفرط أو صغيرات السن، وفرضت غرامات على وكالات الإعلان أو دور الأزياء في حال عدم التزامهم بهذا القانون، حسبما قالته وزيرة الصحة الفرنسية ماريسول تورين آنذاك. وقال الفرنسي أوليفييه فيران البرلماني الاشتراكي الذي صاغ التعديلين إن القانون سيفرض فحوصات منتظمة وغرامات مالية، وأضاف أنه سيتعيَن على العارضات تقديم شهادات طبية تظهر مؤشراً لكتلة الجسم لا يقل عن 18 - أو نحو 55 كيلوغراماً لطول قدره 1.75 متر - قبل التعاقد معهن. في عام 2017 أصبح لزاماً على العارضات الحصول على شهادة طبية إلزامية لمزاولة المهنة، في حين وقَّعت مجموعتا السلع الفاخرة «إل في إم إتش» و«كيرينغ» في العام نفسه وثيقة تلزم بإلغاء المقاس 32 كشرط للتقدم الاختبار الأداء للعارضات.

مع مرور الوقت تبيَّن أن معظمها مجرد إجراءات نظرية. فالمصممون يُفضلون ابتكار أزياء للأجسام الرفيعة والمقاييس الصبيانية. فكلما خلَّت هذه الأجساد من أي تضاريس أو منحنيات تُبرز جمال التصاميم أكثر. كما أن إنتاج وبيع الملابس بقياسات كبيرة إلى جانب أنه مكلف بالمقارنة، يتطلب مهارة أكبر ليأتي بالشكل المطلوب.

تعرضت المغنية أديل للتنمر بسبب وزنها الزائد في الماضي قبل أن تكتسب رشاقتها الحالية (غيتي)

حرب لاغرفيلد على البدانة

المصمم الراحل، كارل لاغرفيلد كان واحداً ممن أعلنوا الحرب على الوزن الزائد. عانى منه هو شخصياً لسنوات، قبل أن يتبع ريجيماً قاسياً قال إنه نبع من رغبته في ارتداء تصاميم هادي سليمان، مصمم دار «ديور» في القسم الرجالي، الذي طرح أول تشكيلة له في عام 2001، عبارة عن تصاميم رشيقة للغاية لا تناسب الرجل الممتلئ، فما البال بالسمين؟ كارل لاغرفيلد لم يكتفِ بهذا، بل استعمل كلمة «بدينة» لوصف المغنية أديل، مضيفاً أن كل من تنتقد رأيه أو لها رأي مخالف عن النحافة هي «امرأة كسولة ومتكاسلة».

صورة أرشيفية تعود إلى عام 2025 لديمي مور (إ.ب.أ)

المشكلة أنه حتى المرأة باتت مقتنعة بما تُمليه الموضة، مما جعل النيات الطيبة لفك ارتباط هذه الصناعة بالعارضات النحيفات ضعيفة، بدليل الصور التي باتت تطالعنا مؤخراً في عروض الأزياء وتُعزِزها صور نجمات هوليوود مثل ديمي مور ونيكول كيدمان وغيرهما.