«ديور» تنسج قصة أسكوتلندية من التويد والتارتان

علاقة بدأت في 1955 واكتملت في 2025 بعرضها لخط كروز

لقطة جماعية على خلفية قلعة درامون التي أقيم فيها العرض (تصوير سام كوبلاند)
لقطة جماعية على خلفية قلعة درامون التي أقيم فيها العرض (تصوير سام كوبلاند)
TT

«ديور» تنسج قصة أسكوتلندية من التويد والتارتان

لقطة جماعية على خلفية قلعة درامون التي أقيم فيها العرض (تصوير سام كوبلاند)
لقطة جماعية على خلفية قلعة درامون التي أقيم فيها العرض (تصوير سام كوبلاند)

في مايو (أيار) الماضي، وهو بداية موسم عروض خط «الكروز» أو الـ«ريزورت»، قدمت «ديور» تشكيلتها من هذا الخط لعام 2025 في أدنبره الاسكوتلندية. كان عرضاً مثيراً تهادت فيه العارضات بين جنبات حدائق قلعة دروموند التاريخية، وهي قلعة تُلقَب بـ«فرساي اسكوتلندا» لزخارفها الهندسية وتصميمها الفني.

89 إطلالة استحضرت فيها الدار الفرنسية رموزاً تاريخية مثل ملكة اسكوتلندا ماري ستيوارت، وجسدت فيها ألوان الطبيعة المحيطة وما يُمليه طقسها المتقلب وتضاريسها الحادة. مشت العارضات بين حضور منبهر بجمال المكان بأحذية عالية الساق مستعدة لكل الأجواء مهما كانت قساوتها، وأزياء من التارتان وفساتين مخملية بأكمام منتفخة وأخرى من الكشمير والتويد والتارتان وهلم جراً من الرموز التي ارتبطت بالمنطقة، أو بالأحرى تُنتج فيها.

اكتسب التارتان والتويد ديناميكية بفضل التصاميم العصرية (ديور)

اختيار «ديور» لاسكوتلندا كوجهة لخط يقوم أساساً على السفر إلى أماكن تسطع فيها أشعة الشمس وتتناثر على شواطئها الرمال الذهبية التي تتلاطم فيها الأمواج على مياه لازوردية، لم يكن عابراً أو اعتباطياً. ففي عام 1955 قدم إليها المؤسس كريستيان ديور لأول مرة.

قدم أمام صفوة المجتمع الاسكوتلندي تصاميم أطلق عليها أسماء مثل داندي وأدنبره وغيرها. لم يكن هدفه الربح التجاري آنذاك بالنظر إلى أن ريع العرض ذهب لأعمال خيرية. كان في المقام الأول بهدف تسليط الضوء على اسمه والتعرف على منطقة ربما أثارت فضوله بعد أن ألهمت غابرييل شانيل بابتكار جاكيت التويد الأيقوني قبله بعقود.

لم تُخيب ظنه. كشفت له جمال الأقمشة التي تُصنع يدوياً في ورشات تقليدية صغيرة، وهو ما دونه في كتابه The Little Dictionary of Fashion فيما بعد «أن قماش التارتان هو القماش الفاخر الوحيد على الأرجح الذي يقاوم صيحات الموضة».

راعت المصممة طقس المنطقة وهو ما ظهر في التصاميم والأقمشة والألوان أيضاً (ديور)

وهكذا بعد سبعة عقود تعود ماريا غراتسيا كيوري، المديرة الإبداعية السابقة للدار لتغوص في هذا الإرث. وتعترف بأنها لا تعرف المنطقة جيداً، وأن كل ثقافتها عنها مستلهمة من الأدب والسينما. تضيف أنها سعت إلى تقديم قراءة خاصة بها في هذه التشكيلة، من دون أن تتنصل تماماً من العلاقة القديمة التي تربط كريستيان ديور بالمنطقة منذ القرن الماضي. تقول: «إنه بلد تعرفت عليه من خلال الأفلام والأدب، ومن خلال الشخصيات والسيناريوهات الملحمية. في هذه التشكيلة، خلقت فرصة للتواصل بشكل أكثر حميمية مع هذا الخيال». وتتابع: «أنا مهتمة أيضاً بالبحث عن أماكن لها صلة بدار ديور؛ إذ إنه من المدهش إعادة تتبع خيوط التاريخ هذه وإلقاء الضوء عليها بصيغة أخرى».

لقطة جماعية على خلفية قلعة درامون التي أقيم فيها العرض (تصوير سام كوبلاند)

بعد أن وقع الاختيار على الوجهة وبدأت كيوري في تصميم تشكيلتها لعام 2025، وجدت نفسها منجذبة هي الأخرى إلى المناظر الرومانسية للبلاد وتاريخها العاصف بالأمطار والبرق، الأمر الذي يفسر الألوان الداكنة والأقمشة الدافئة التي غلبت عليها، مثل التويد والمخمل تحديداً. الصور الخاصة بالعرض الذي قدمه الراحل كريستيان ديور لأزياء ربيع وصيف 1955 لم تغب، بل تحوّلت إلى طبعات استخدم بعضها كتفاصيل تزيينيّة على أطراف التنانير الاسكوتلنديّة أو معاطف لتُشكّل عناصر من الذاكرة تجمع الماضي بالحاضر.

أما أكثر ما ميّز بصمة المصممة في هذه التشكيلة فقُدرتها على جعل العرض لقاءً تاريخياً وفنياً بين إرث عريق تفخر به المنطقة يتمثل في غزل صوف التويد ونقشات التارتان وبين الأسلوب الفرنسي الرفيع. هذا اللقاء يطرح سؤالاً عمن استفاد من هذا الحدث أكثر؟ «ديور» أم صناع التارتان والتويد المحليون؟ الجواب أن الاستفادة كانت لكليهما. الدار الفرنسية أكدت مدى اهتمامها بالحرفية والأعمال اليدوية، فيما استعرض صناع التويد والتارتان في المنطقة مهاراتهم في هذا المجال.

كيلي ماكدونالد مديرة العمليات في شركة «هاريس تويد» (أ.ف.ب)

تقول مارغريت آن ماكليود، الرئيسة التنفيذية لشركة «هاريس تويد هبريدس»، وهي شركة لا تزال تُنتج نقوشها المربعة الزاهية يدوياً في مدن جزر هبريدس: «لقد كان حضور العرض ورؤية نقوش التارتان الملونة التي ابتكرناها مع (ديور) ضمن أول عشر إطلالات أمراً مثيراً للغاية. كان البحث والدقة في كل قطعة مذهلين. إن دعم (ديور) لما نقوم به كمنتجين بكميات صغيرة يُظهر تقدير الشركة للحرفية المحلية».

الملاحظ أن صناعة هذه الخامة انتعشت في السنوات الأخيرة بفضل عروض الأزياء من جهة، ورغبة أبناء المنطقة في الحفاظ على إرثهم من جهة ثانية. تُبدي مديرة العمليات في هيئة صناعة التويد كيلي آن ماكدونالد في هذا الصدد ارتياحها إلى رؤية «جيل جديد من الشباب يمارسون نسجه حالياً»، وتتذكر قائلةً: «عندما انضممت إلى هذا القطاع قبل نحو 20 عاماً، تساءلت عما إذا كان سيصمد، لأن التراجع كان مخيفاً».

ألكسندر ماكليود شاب كان يعمل صيرفياً قبل أن يُصبح نساجاً (أ.ف.ب)

حالياً يبلغ إجمالي عدد النساجين 140، وفقاً لهيئة صناعة التويد التي أطلقت حملة توظيف عام 2023 في ظل كثرة حالات التقاعد. كما أقيمت ورش عمل لتعلم هذه المهنة ونقل خبراتها من جيل إلى جيل.

واحد من هؤلاء المصرفي السابق، ألكسندر ماكليود، يقول وهو يجلس وراء نوله في حظيرة قديمة على ضفة بحيرة في اسكوتلندا باعتزاز: «عندما يرى المرء قماش التويد على منصة عرض الأزياء، لن يخطر بباله أنه وُلد ونُسج هنا في هذا المكان البسيط!».

تجدر الإشارة إلى أن ألكسندر أصبح نساجاً قبل عامين فقط، مساهماً بذلك في سَعي سكان جزيرة لويس آند هاريس في شمال غربي اسكوتلندا إلى إنعاش صناعة التويد بعد فترة التراجع التي شهدتها من قبل. ويرى الشاب البالغ 30 عاماً أن «الحفاظ على هذا التقليد أمر جيد ومطلوب».

يصعب تصور أن في ورشات قديمة بآليات قديمة يخرج أجود أنواع التويد والصوف (أ.ف.ب)

كاميرون ماك آرثر، شاب آخر يبلغ من العمر 29 عاماً ويعمل في هذا المجال منذ 12 عاماً، يُعلّق أن المصنع الذي يعمل فيه لم يتغير منذ عقود، لكن هناك تطور لجهة تجديد القوى العاملة الشابة، وهو ما انعكس على مستوى القماش أيضاً. يشرح: «نحن الآن نصنع أنماطاً جديدة وألواناً خاصة بنا». ويتابع: «ما يثلج الصدر أننا لا نتوقف عن العمل، لكثرة الطلبات التي نتلقاها من كل مكان من العالم وليس من أميركا فقط كما كان عليه الأمر في السابق». في 2024، أُنتج أكثر من 580 ألف متر من التويد، وفقاً لهيئة تجارة التويد، الأمر الذي يؤكد تنامي هذه الصناعة وانتعاشها.

ورغم اختلاف هذه الورشات من ناحية تخصصاتها، فإن العاملين فيها يتفقون أن بيوت أزياء عالمية مثل «شانيل» و«ديور» وغيرها، كان لها دور إيجابي لا يمكن إنكاره.

وهذا ما أكدته التشكيلة التي قدمتها المصممة الإيطالية ماريا غراتزيا لـ«ديور كروز 2025»، لا سيما أنها تعاونت فيها مع ورشات محلية. استعملت أقمشتها وخاماتها ونقشاتها المميزة في تصاميم عصرية تتبع تاريخها واستعمالاتها المتنوعة منذ نشوء الحركة الرومانسيّة على يد كريستيان ديور، إلى ظهور أسلوب البانك على يد فيفيان ويستوود، وبعدها ألكسندر ماكوين وغيرهم. لم تنس أيضاً أنه من الأقمشة المفضلة للطبقات الأرستقراطية البريطانية، وعلى رأسهم الملك تشارلز الثالث منذ أن كان ولياً للعهد. هذا الأخير عبّر في عدة مناسبات عن إعجابه بجماله ودفئه وأيضاً باستدامته.

نبذة عن التويد الاسكوتلندي

أصبح التويد حالياً متنوع الألوان والنقشات (أ.ف.ب)

يُعدّ «هاريس تويد» المصنوع تقليدياً من صوف الأغنام النقي بنسبة مائة في المائة، القماش الوحيد المحمي بموجب قانون أقره البرلمان عام 1993، وهو قانون ينص على أن «على سكان الجزيرة أن ينسجوه يدوياً من صوف نقي جديد مصبوغ ومغزول في جزر هبريدس الخارجية فقط».

بعدها يُنقل إلى معمل الغزل، حيث تُفحص جودته حرصاً على ضمان خُلوه من أي شوائب. وأخيراً، يُمنح ختم «هاريس تويد» الذي يُبرّر سعره، وهو عبارة عن كرة أرضية يعلوها صليب، تُثبت منشأ القماش وأصالته، صادر عن «هيئة هاريس تويد».

لا تزال العديد من الورشات تعتمد على آلات قديمة لإنتاج صوف التويد وغزله (أ.ف.ب)

الطريف أن فخامته تجعل القليل من الناس يعرفون أن المصانع والورشات التي تنتجه لا تزال تستعمل آليات قديمة جداً وأنوالاً متوارثة عبر الزمن. الفضل يعود إلى التقاليد الحرفية التي لا تزال متبعة فيها، وأيضاً إلى جيل جديد من الشباب دخلوا هذا المجال برؤى عصرية، وجعلوه أكثر حيوية. لم يعد مثلاً يقتصر على نقشة أمير ويلز الكلاسيكية أو الألوان البنية والداكنة، بل أدخلوا عليه ألواناً فاتحة مثل الأزرق الفيروزي والوردي الفوشيا والأصفر، وهو ما اعتمدته ماريا غراتسيا كيوري في تشكيلتها جامعة القديم بالجديد.


مقالات ذات صلة

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

لمسات الموضة حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

بينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها، ما يجعلها سيفاً ذا حدين.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)
خاص النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)

خاص صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

لا تزال المرأة ضحية معايير محددة للجمال تلعب فيها الإعلانات وأحياناً صناعة الترفيه والموضة دوراً محورياً يترك أثره في اللاوعي الفردي والجمعي على حد سواء

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول)…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)

الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

لم يكن ظهور النجمات في فساتين فخمة خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار مجرد استعراض أو منافسة على الأضواء والعقود مع دور الأزياء والمجوهرات الكبيرة.

جميلة حلفيشي (لندن)

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.