قراءة في الأبعاد الجيو ــ سياسية لمغزى الاتفاق التجاري البريطاني ــ الهندي

في مرحلة الحمائية الجمركية الأميركية

ستارمر ومودي في صورة تذكارية بمناسبة توقيع الصفقة (آب)
ستارمر ومودي في صورة تذكارية بمناسبة توقيع الصفقة (آب)
TT

قراءة في الأبعاد الجيو ــ سياسية لمغزى الاتفاق التجاري البريطاني ــ الهندي

ستارمر ومودي في صورة تذكارية بمناسبة توقيع الصفقة (آب)
ستارمر ومودي في صورة تذكارية بمناسبة توقيع الصفقة (آب)

في خطوة اقتصادية كبيرة دافعة للتجارة الثنائية أبرمت كل من الهند، رابع أكبر اقتصاد في العالم، وبريطانيا، سادس أكبر اقتصاد في العالم، واحدة من أهم الصفقات التجارية، تمهيداً للاتفاق الاقتصادي التجاري الشامل في لندن، قريباً، ما يمثل إنجازاً مهماً بقيادة ناريندرا مودي، رئيس وزراء الهند ونظيره البريطاني كير ستارمر نظيره البريطاني. وتجدر الإشارة إلى أن العمل من أجل التوصل إلى هذا الانجاز استغرق عدة سنوات من المفاوضات المتقطعة، والكثير من المواعيد النهائية التي لم يُلتزَم بها. كذلك لا بد من الإشارة إلى أنه بينما لم يحدث تغيير في القيادة الهندية مع بقاء رئيس الوزراء الهندي في منصبه منذ عام 2014، تعاقب منذ ذلك العام على رئاسة الحكومة البريطانية ستة رؤساء وزراء.

المفاوضات المتعلقة بالاتفاق التجاري - البريطاني الهندي انطلقت بداية 2022، مع إقرار بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني (آنذاك)، ومودي، هدفاً للتوقيع بحلول أكتوبر (تشرين الأول) 2022. إلا أن بوريس استقال لاحقاً تحت ضغوط سياسية، ولم يكن متاحاً توقيع الصفقة إبان فترة حكم ريشي سوناك (الهندي الأصل)... وأخيراً وقّعها ستارمر مع مودي في لندن خلال الأسبوع الماضي.

للتوقيت أهمية خاصة، بالنظر إلى التوترات التجارية العالمية ومحاولات إعادة هيكلة سلاسل الإمداد. ويلاحظ المحللون أن التحوّلات الجوهرية في الوضع الجيوسياسي العالمي، ودأب الرئيس الأميركي دونالد ترمب على فرض رسوم جمركية عالية على السلع الواردة إلى بلاده، عوامل دفعت قادة آخرين حول العالم نحو النظر في إبرام صفقات تجارة حرة مع بلدان أخرى.

أهمية التجارة الحرة بين بريطانيا والهند

تمثل الصفقة لبريطانيا معلماً ملموساً للسياسة التجارية الجديدة للبلاد في مرحلة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي الـ«بريكست». أما فيما يخص الهند، فإن الصفقة تشكل أول اتفاق تجاري لها مع أي دولة من الدول السبع الكبرى، في وقت يواجه اتفاقها الثنائي مع الولايات المتحدة تحديات صعبة في ظل حكم ترمب. وعن ذلك، قال فيفيك ميشرا، زميل لدى برنامج الدراسات الاستراتيجية بمؤسسة «الأوبزرفر» البحثية: «إن الاتفاق بين الهند وبريطانيا أكبر من مجرد ترتيب اقتصادي، فهو بمثابة إعلان نيات استراتيجي يشير إلى تحول في كيفية تقاطع التجارة والسلطة والدبلوماسية في الهند، ويتوافق مع رؤية الهند نحو التحول إلى مركز تصنيع عالمي، بينما يحقق طموح بريطانيا نحو إقامة علاقات تجارية قوية خارج نطاق أوروبا بعد الـ(بريكست)...».

وأضاف ميشرا أن بريطانيا عانت كثيراً بعد الـ«بريكست» من أجل تحديد رؤية «بريطانيا العالمية»، التي تبنتها في خضم اضطراب سياسي ونجاح تجاري محدود. وتحقق هذه الصفقة الجزء المتعلق بـ«بريطانيا العالمية»، عبر توفير ميزة وصول تفضيلية لها إلى سوق بها 1.4 مليار شخص. ثم تابع أن ما أنجزته بريطانيا مع الهند «يعد ثالث اتفاق لها، بعد اتفاقها مع أستراليا واليابان، وتتيح الهند لبريطانيا عمقاً اقتصادياً وشرعية سياسية في وقت تضطرب علاقتها بالولايات المتحدة، وتشهد فيه الأسواق الأوروبية ركوداً».

من جهتها، حولت الهند، التي كانت حذرة في المفاوضات التجارية، مسارها. وتشير اتفاقات التجارة الحرة، التي كانت أبرمتها مع كل من الإمارات العربية المتحدة وأستراليا، إلى جانب أحدث خطواتها مع بريطانيا، إلى تبنيها استراتيجية تجارة أقوى. ويرى واضعو السياسات الهنود، بشكل متزايد، أن تلك الاتفاقات وسيلة لتحقيق النمو المحلي والنفوذ العالمي، وكذلك يتيح اتفاق التجارة الحرة للهند دخولاً سهلاً إلى الأسواق الأوروبية.

من ناحية ثانية، يلاحظ المحللون أن أصداء الماضي الاستعماري ظلت مخيمة على العلاقات بين نيودلهي ولندن لفترة طويلة. وفي حين لا ينبغي نسيان ذلك التاريخ، من المهم أيضاً الاعتراف بالقوى الديناميكية المتطورة للجانبين الهندي والبريطاني. وسيسعى اتفاق التجارة الحرة الشامل إلى تجاوز هذا العبء التاريخي، وبناء علاقة قائمة على الاحترام المتبادل، والقيم المشتركة، والمنفعة الاقتصادية المتبادلة. كما يقرّ الاتفاق ضمنياً بصعود الهند بعدّها قوة اقتصادية عالمية، وتطلع بريطانيا بعد الـ«بريكست» إلى عقد تحالفات تجارية حيوية جديدة.

ما الذي يقدمه الاتفاق للطرفين؟

من المتوقع أن تعزّز الصفقة، ومن ثم الاتفاق، الشراكة الاستراتيجية الهندية - البريطانية.

حالياً، تمثل فيه كل من الهند وبريطانيا حصة صغيرة من إجمالي حجم تجارة إحداهما مع الأخرى. فتمثل الهند 2.4 في المائة فقط من إجمالي حجم تجارة بريطانيا، بينما تراجعت حصة بريطانيا من تجارة الهند من 2.4 في المائة عام 2009 إلى نحو 1.8 في المائة عام 2024. ومع ذلك، شهدت العلاقة الاقتصادية الثنائية في المجمل نمواً مطرداً طوال السنوات الماضية. وشغلت الهند عام 2024 المركز الثاني عشر بين أهم شركاء بريطانيا، في حين شغلت بريطانيا المركز الرابع عشر بين أهم الشركاء التجاريين للهند.

عاملتان في مصنع ملابس بولاية مهاراشترا الهندية (آ ف ب)

المنافع الموعودة

يعد اتفاق التجارة الحرة بين الهند وبريطانيا عام 2025، اتفاقاً بارزاً له نتائج واسعة النطاق على التجارة والتوظيف والحركة والتعاون الاستراتيجي. ويهدف في جوهره إلى مضاعفة حجم التجارة بين الدولتين ليصل إلى 120 مليار دولار بحلول عام 2030، في إشارة إلى تحول في الاتجاه الاستراتيجي والاقتصادي في النظام العالمي بعد الـ«بريكست». كذلك لا يقتصر الأمر على المكاسب الاقتصادية الفورية، فالاتفاق بمثابة شهادة عميقة تدل على شراكة ناضجة واستثمار حيوي في الرخاء والازدهار والفرص المتاحة للأجيال القادمة في البلدين.

وتتضمن المنافع التي ستجنيها الهند الإلغاء الكامل للرسوم الجمركية البريطانية على 99 في المائة من الصادرات الهندية. ومن المرجح أن تكون القطاعات الهندية ذات الكثافة العمالية المرتفعة، مثل صناعة النسيج والملابس، الأكثر استفادة من خفض الرسوم الجمركية التي تبلغ حالياً 10 في المائة، والتي كثيراً ما كانت تجد نفسها في موقف سلبي من جراء التفضيلات التجارية التي تتمتع بها دول منافسة مثل فيتنام أو بنغلاديش أو الدول الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى. كذلك تعدّ السلع الهندسية وقطع السيارات والمواد الكيميائية والجواهر والحلي والجلود والسلع الرياضية والألعاب قطاعات رئيسية أخرى ستنتفع من خفض الرسوم الجمركية.

ومن المتوقع أن يساهم اتفاق التجارة الحرة في تحقيق هدف هندي أكبر يتركز في الوصول بقيمة الصادرات السنوية من السلع إلى تريليون دولار بحلول 2030. كما أنه يتوافق مع خطط الحافز المرتبط بالإنتاج في الهند، عبر توفيره مساراً من الطلبات المستمرة على القطاعات الجديدة الصاعدة، ومنها الإلكترونيات والخلايا الشمسية وقطع المركبات الكهربائية. ويتيح الاتفاق للهند كذلك تنويع أسواق صادراتها، في وقت تجري فيه إعادة تشكيل سلاسل الإمداد عالمياً خاصة نتيجة التوترات مع الصين والشعور السائد بعدم اليقين الاقتصادي في أوروبا.

من الضروري فهم الاتفاق داخل دائرة أكبر في نطاق الدول السبع الكبرى والدول الغربية الأخرى

المكاسب الكبرى لبريطانيا

في المقابل، بموجب هذا الاتفاق تلغي الهند رسوماً جمركية على 90 في المائة من السلع الواردة من بريطانيا. كذلك سيقر الإلغاء الفوري لـ64 في المائة من الرسوم الجمركية المفروضة على سلع بريطانية، منها السلمون ولحم الضأن وأجزاء الطائرات والآلات والإلكترونيات. كذلك ستُقسم 26 في المائة من الرسوم الجمركية المفروضة على سلع أخرى على مراحل خلال العشر سنوات المقبلة. ومن المقرّر كذلك أن تلغي نيودلهي الرسوم الجمركية المفروضة على الأجهزة الطبية الواردة من بريطانيا.

التحرير ليس مطلقاً

في الواقع، يبدو نهج الهند أبعد ما يكون عن التحرير المطلق وغير الخاضع للمراقبة، إذ أقرت البلاد قيوداً استراتيجية من خلال رفض الطلبات البريطانية المتعلقة بمجالات حسّاسة، مثل منتجات الألبان واللوائح التنظيمية الخاصة بالخدمات المالية. ويشير هذا الموقف الواعي إلى سياسة تجارية ناضجة تقدّر المنافع المتبادلة مع حماية الصناعات المحلية وسبل العيش والهيكل التنظيمي. إذ ستبقى الرسوم الجمركية على السلع الحسّاسة مثل منتجات الألبان والتفاح والجبن لحماية الصناعات المحلية.

في المقابل، لا يعفي الاتفاق الهند من آلية تعديل حدود الانبعاثات الكربونية، التي من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. وتستهدف الآلية فرض الضرائب على المنتجات المستوردة التي تحتوي على نسبة كربون مرتفعة، مثل الحديد والصلب والأسمدة استناداً إلى انبعاثات الكربون الصادرة عنها.

ويتوقع أن تستمر المباحثات بين الجانبين البريطاني والهندي حول نقاط الخلاف المتبقية، إضافة إلى مفاوضات لإتمام معاهدة استثمار ثنائية من أجل حماية الاستثمارات وحل النزاعات، بعد تعليق الهند لها عام 2016. وللعلم، يتوجب عرض الاتفاق على برلماني الدولتين من أجل التصديق عليه.

وضع جيوسياسي متأثر بسياسات ترمب الحمائية

بوجه عام، من الضروري محاولة فهم اتفاق التجارة بين الهند بريطانيا، داخل دائرة حراك أكبر في نطاق الدول السبع الكبرى والدول الغربية الأخرى. وهو يبزغ بعدّه خطوة مضادة متعمدة للتوجه المؤيد للحماية الجمركية ضمن سياسة التجارة الغربية، خاصة في ظل رئاسة ترمب، الذي يقوّض استخدام إدارته - بشكل مبالغ فيه للرسوم الجمركية، حتى ضد الحلفاء التقليديين - الثقة في نظام التجارة المتعدد الأطراف القائم على القواعد والقوانين.

في هذا الصدد، يقول فيفيك ميشرا «المهم في هذا الاتفاق الإشارات الجيوسياسية التي يحملها. يأتي اتفاق التجارة الحرة وسط حالة من الشكوك الاقتصادية المتزايدة التي تسببت فيها سياسات الرسوم الجمركية المتبادلة التي طبقتها إدارة ترمب. لقد أعاد ذلك إحياء نقاشات، كانت في السابق راكدة ومستبعدة، لإبرام اتفاقات تجارة حرة بين الدول ذات التوجهات المتقاربة».

وبالفعل، كشفت «قمة الدول السبع الكبرى»، التي استضافتها كندا عام 2024، عن قلق متنام بين القوى الغربية لإعادة التوازن في المشاركات الاقتصادية، وسط تشعب وسلاسل الإمداد العالمية وتفرّعها. إذ علقت تلك البلدان بين مطرقة السياسات الاقتصادية لواشنطن وسندان الحاجة البراغماتية لتأمين صلات مع الأسواق الناشئة.

من جهته، قال أمل تشاندرا، المؤلف والمحلل السياسي: «يسلّط هذا الاتفاق الضوء على انتقال الهند من دبلوماسية تجارية، قائمة على رد الفعل إلى أخرى فاعلة استباقية. وعلى عكس منطق سياسة ترمب التجارية التي محصلتها صفر، والقائمة على منطق الاتفاق تلو الآخر، تتسم استراتيجية الهند بأنها بنيوية ومتطلعة نحو المستقبل، وتستهدف غرس المرونة والصمود والتبادلية والتكامل الطويل المدى في شراكاتها العالمية. لذا اتفاق التجارة الحرة بين الهند وبريطانيا أكثر من مجرد اتفاق ثنائي، بل هو إعلان للقيم التي توضح أن التجارة لا تزال قادرة على تحقيق التطور والانفتاح والرخاء المشترك، حتى في حقبة تخيم عليها النزعة القومية الاقتصادية».

المباحثات التجارية بين نيودلهي وواشنطن ماذا إذن عن البُعد الأميركي؟

بعد ستة أشهر من المفاوضات التجارية بين الهند والولايات المتحدة، في ظل رئاسة دونالد ترمب، يظل إبرام اتفاق تجارة بين البلدين أمراً بعيد المنال، رغم التصريحات المتكررة للطرفين خلال الأشهر القليلة الماضية حول قرب التوصل إلى اتفاق.

ومعلوم أن واشنطن كانت وقعت خلال الأيام القليلة الماضية اتفاقات تجارة مع عدد من الدول والكيانات الكبرى، من بينها اليابان والاتحاد الأوروبي. ولكن لم تحدث أي انفراجات بشأن اتفاق التجارة بينها وبين الهند، أو على الأقل لم يصدر إعلان بذلك. وفي ظل تهديد الرسوم الجمركية والإطاحة بالمواعيد النهائية، اصطدمت الهند والولايات المتحدة بجدار. وصرح ترمب خلال الأسبوع الحالي بـ«أن الولايات المتحدة الأميركية مستعدة لفرض رسوم جمركية نسبتها 26 في المائة على كل السلع الواردة من الهند».مع ذلك، من المقرر أن يزور فريق أميركي الهند من أجل جولة سادسة من المباحثات مع استمرار البلدين في التفاوض على اتفاق تجارة انتقالي مؤقت وسط العد العكسي للموعد النهائي للرسوم الجمركية.

سابقة تمهد لاتفاقات مستقبلية

> تسعى الهند حالياً وراء مفاوضات تجارية على اتفاق تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي، واتفاق تعاون اقتصادي شامل مع أستراليا، واتفاق تعاون اقتصادي وتكنولوجي مع سريلانكا، واتفاق تجارة حرة مع البيرو، واتفاق شراكة اقتصادية شامل مع تشيلي، واتفاق تجارة حرة مع نيوزيلندا، واتفاق تجارة ثنائي مع الولايات المتحدة الأميركية. كذلك أشار خبراء إلى أن الاتفاق الهندي - البريطاني يرسّخ لسوابق تخدم المفاوضات التجارية الهندية المتواصلة مع الاتحاد الأوروبي، وغيرها من الدول الكبرى، وربما يقوّض ذلك قدرة الهند على استخدام عمليات الشراء الحكومية بوصفها قوة دافعة لتحقيق أهداف سياسية مثل الاستعاضة عن الاستيراد وبناء القدرات المحلية وتوفير وظائف. ويرى خبراء، أيضاً، أنه يمكن لاتفاق التجارة الحرة بين الهند وبريطانيا العمل كمحفز مهم وقوي لتشكيل المفاوضات التجارية الهندية الحالية والمستقبلية مع الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي. كذلك من شأن الاتفاق تعزيز صدقية الهند كواضع قواعد عالمي، وطرف مفاوض جاد وقوي على الساحة العالمية. وقد يغدو بمثابة كتاب قواعد لاتفاقات تجارة مستقبلية تبرمها الهند، إلى جانب بعثها برسالة واضحة إلى واشنطن تؤكد أن الهند مستعدة للتجارة، لكن وفقاً لشروطها. بل، ربما تتمكن نيودلهي والاتحاد الأوروبي من إبرام اتفاق تجارة حرة بحلول نهاية 2025. إذ يكشف اتفاقها مع بريطانيا عن عزمها على تقديم تنازلات مع حماية مصالحها المحلية الأساسية. وفي النهاية، قد يصبح الاتفاق الهندي - البريطاني نقطة مرجعية تعزز موقف الهند التفاوضي في الدبلوماسية التجارية العالمية.


مقالات ذات صلة

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)
حصاد الأسبوع خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب

«الشرق الأوسط» ( واشنطن)
حصاد الأسبوع 
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)

سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

لا يغيب عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الخروج عن «بيت الطاعة» الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، تترتب عليه تكلفة باهظة. إلا أنه يدرك أيضاً أن له


تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة
TT

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة

تُغيِّر أدوات القياسات البيولوجية القابلة للارتداء، والتطويرات العلمية الحديثة الأخرى، وتوفر مزيد من البيانات، نظرة الجيش الأميركي إلى الأداء البشري، ولا سيما كيفية تكيُّف الجنود مع مخاطر ارتفاع درجة حرارة أجسامهم.

قرن من الدراسات حول تأثير الحرارة على الجنود

يدرس الجيش الأميركي آثار الحرارة على قواته منذ قرن تقريباً، وتحديداً منذ إنشاء مختبر هارفارد للإجهاد عام 1927، بناءً على طلب الجيش. ومع ذلك، فإن نهج الجنود والقادة تجاه المهام البدنية الأساسية -كالجري الموقوت، والأنشطة الخارجية الشاقة، والتعرض للعوامل البيئية- لا يزال متأخراً عن الكم المتزايد من البحوث العلمية حول مخاطر الحرارة، أحياناً بسنوات أو عقود. وقد يتغير هذا الوضع أخيراً في ظل مبادرات جديدة لتوسيع نطاق البحث في الأداء البشري.

تفاعل الجسم مع البيئة

وصرح المقدم ديفيد ديغروت، مدير مركز الحرارة التابع للجيش، لموقع «ديفنس ون» بأن الأجهزة القابلة للارتداء الجديدة -التي تتعقب مؤشرات مثل معدل ضربات القلب ودرجة حرارة الجسم- توفر للمدربين العسكريين والجنود نافذة جديدة لفهم كيفية تفاعل أجسامهم مع البيئة.

وتقدم هذه البيانات رؤى قيِّمة قبل ظهور أعراض الإجهاد الحراري. ويُعدُّ التوقيت عاملاً حاسماً: فبحلول الوقت الذي يُصاب فيه الجندي بالإجهاد الحراري أو تظهر عليه الأعراض الأولى لضربة شمس أشدّ خطورة، يكون الوقت قد فات في كثير من الأحيان لمنع حدوث مشكلة صحية قد تُبعده عن التدريب أو ما هو أسوأ.

أدوات لرصد ضربة الشمس

وأضاف ديغروت على هامش «منتدى الحرارة» الذي عُقد في 4 مارس (آذار) في فورت بينينغ، بجورجيا: «لدينا بعض التقنيات القابلة للارتداء، غير الجراحية، والتي لا تزال قيد التطوير، والتي ستتمكن، ليس بالضرورة من منع ضربة الشمس، ولكن من اكتشافها في وقت أبكر بكثير» بما يصل إلى 12 دقيقة، مما يتيح الوقت للحدّ من حدّتها.

مسيرة «الجندية الجيدة»

وعلى عكس ما يتم تداوله من أن تجاهل المشقة هو السمة المميزة لـمسيرة «الجندية الجيدة»، وهي الفكرة التي تعود إلى قرون مضت، يسعى ديغروت إلى تذكير الجنود والمدربين والقادة، بأنه ليس من المنطقي محاولة تحطيم رقم قياسي شخصي خلال كل مسيرة أو جري؛ ففي بعض الأحيان من الأفضل ببساطة الوصول إلى الحد المقبول، وتأجيل تحطيم الرقم القياسي إلى يوم آخر. كما أوضح أن شرب الماء وحده لا يوفر الحماية من الأمراض المرتبطة بالحرارة. في الواقع، أشار إلى أن 80 في المائة من ضحايا ضربة الشمس يتمتعون بترطيب كافٍ للجسم.

* مجلة «ديفنس وان»، خدمات «تريبيون ميديا».


«مطرقة الليل» في 2025... ترمب ينهي «أنصاف الحلول» في إيران

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

«مطرقة الليل» في 2025... ترمب ينهي «أنصاف الحلول» في إيران

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)

مع عودة دونالد ترمب إلى المكتب البيضاوي مطلع 2025، لم تحتج استراتيجيته المحدثة لـ«الضغوط القصوى» سوى أقل من عام كي تفرض إيقاعها الكامل على إيران. ففي غضون أشهر، انتقلت البلاد من جدلٍ حول إحياء الاتفاق النووي إلى واقع الحرب على أراضيها للمرة الثانية في عمر الجمهورية الإسلامية، بعد نحو أربعة عقود على نهاية حربٍ لا تزال ذاكرتها الجماعية ثقيلة على من عاشها.

في الواقع، كانت سحب الحرب تتراكم فوق سماء طهران قبل أن يبدأ ترمب مسار العودة إلى البيت الأبيض. تلاشت الآمال بإحياء الاتفاق النووي، في حين تسارعت عجلة تخصيب اليورانيوم الإيراني، في مسارٍ انتهى إلى حرب الـ12 يوماً، وانكشاف حدود الردع الإيراني أمام ضربات استباقية إسرائيلية انضمت إليها الولايات المتحدة لاحقاً، ثم عودة العقوبات الأممية بموجب «سناب باك».

مع ذلك، لم يبدأ هذا المسار من واشنطن، بل من طهران نفسها. قبل شهور من الانتخابات الأميركية، راهنت المؤسسة الحاكمة على «استراحة تكتيكية» عبر انتخاب مسعود بزشكيان الذي بدأ مهامه في أغسطس (آب) 2024، كرئيسٍ إصلاحي بخطاب أقل صدامية مع الغرب، يقدم نفسه مديراً لـ«حرب اقتصادية» لا لمغامرة صاروخية. اختار فريقاً للسياسة الخارجية متمرساً بغرف التفاوض، في مقدمته وزير الخارجية عباس عراقجي؛ في إشارة فُسرت غربياً كتهيئة مبكرة لمرحلة مفاوضات جديدة، ومحاولةٍ لخفض التوتر وإعادة تهيئة الملف النووي لاحتمالين متناقضين: إما إدارة ديمقراطية بقيادة كامالا هاريس تسعى لاستكمال إرث أوباما وبايدن، أو عودة ترمب بنسخة أشد من «الضغوط القصوى» لإغلاق ملف إيران بطريقته.

عاد دونالد ترمب رئيساً، بكاريزما مألوفة، إلى المشهد الأميركي في سياق دولي أكثر توتراً، ومع حرب مفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران، الأمر الذي خلط أوراق الرهانات في طهران. فالرجل الذي يحمل في سجله قرار اغتيال قاسم سليماني لم يكن بالنسبة للنخبة الحاكمة وجهاً غامضاً، بل خصم مجرب يعود ومعه سجل كامل من الانسحاب من الاتفاق النووي، وتصعيد العقوبات. لذلك استقر التقدير على أنه لن يغير مقاربته الأساسية، بل سيحاول توسيعها: «ضغوط قصوى» في الاقتصاد والمال، مرفوقة برسالة سياسية واضحة، مفادها أن التراجع الإيراني يجب أن يكون ملموساً في الملفات النووية والصاروخية والإقليمية معاً. في ظل هذا التصور، بدا أن هامش المناورة المتاح أمام طهران يضيق، حتى قبل أن تبدأ جولات التفاوض غير المباشر.

عودة «الضغوط القصوى»

بعد أقل من أسبوعين على أداء اليمين، وقع ترمب في 4 فبراير (شباط) 2025 مذكرةً رئاسية للأمن القومي أعادت إطلاق سياسة «الضغوط القصوى» بصياغةٍ أكثر حزماً وتفصيلاً. حددت المذكرة ثلاثة محاور رئيسية: حرمان إيران من أي طريق إلى سلاح نووي أو صواريخ عابرة للقارات، وتفكيك شبكاتها ووكلائها المصنفين على قوائم الإرهاب الغربية، وكبح تطوير ترسانتها من الصواريخ الباليستية والقدرات غير المتماثلة.

على المستوى التنفيذي، كُلفت وزارة الخزانة بفرض أقصى ضغط اقتصادي، وتشديد إنفاذ العقوبات، وإصدار إرشادات تحذر قطاعات الشحن والتأمين والمواني من التعامل مع طهران أو وكلائها، في حين أُوكل إلى وزارة الخارجية تعديل أو إلغاء الإعفاءات السابقة، والعمل مع الحلفاء على استكمال إعادة العقوبات الأممية بموجب «سناب باك»، ودفع صادرات النفط الإيراني إلى الصفر، بالتوازي مع تكليف وزارة العدل بملاحقة الشبكات المالية واللوجيستية والواجهات المرتبطة بإيران داخل الولايات المتحدة.

هكذا تحول شعار ترمب القديم: «لن نسمح لإيران بسلاح نووي»، إلى إطار عملٍ شامل يربط الاقتصاد والأمن الداخلي والجبهة الدبلوماسية في مسار ضغط واحد على طهران.

على الجانب الإيراني، جاء الرد الأول مزيجاً من الإنكار والتحسب. لم يغلق المرشد علي خامنئي باب المفاوضات، لكنه لم يفتحه على مصراعيه أيضاً؛ فسمح بمسار تفاوضي غير مباشر بدأ برسالة من ترمب حملها وسيط خاص، ردت عليها طهران برسالة موجزة. من هذه القناة انطلقت خمس جولات من المفاوضات غير المباشرة بين فريق ترمب بقيادة ستيف ويتكوف وفريق عباس عراقجي، بمشاركة وسطاء أوروبيين وإقليميين.

في العلن، تحدث عراقجي عن «استعداد لمحادثات مسؤولة إذا احترمت واشنطن تعهداتها»، وعن إمكانية التوصل إلى «اتفاق متوازن» يعيد دمج إيران في الاقتصاد العالمي. في الكواليس، حاول الفريق الإيراني توسيع هوامش المناورة عبر اللعب على التباينات بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية، وإثارة حساسيات داخل فريق ترمب نفسه حيال أكثر شخصياته تشدداً، أملاً في أن تُترجَم هذه التناقضات إلى مرونة في شروط الصفقة.

عراقجي وفريقه على هامش الجولة الثانية من المحادثات التي عُقدت في روما يوم 19 أبريل الماضي (رويترز)

خمس جولات تفاوضية

مع ذلك، ظل جوهر التباين ثابتاً في الجولات الخمس جميعاً. أصرت واشنطن على تجريد إيران من مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة القريبة من العتبة النووية، وإعادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى دور المراقب الكامل في جميع المواقع الحساسة، وعلى أن يتضمن أي مسار لاحق جدولاً زمنياً واضحاً لبحث مدى الصواريخ الباليستية، ومفاصل أساسية من نشاط إيران الإقليمي.

في المقابل، تمسكت طهران بأولوياتها القديمة: رفع العقوبات النفطية والمالية كشرطٍ مسبق، وضمانات بعدم انسحاب أي إدارة أميركية من الاتفاق الجديد، واستبعاد ملف الصواريخ من أي نص ملزم، ورفض توصيف علاقاتها مع حلفائها في المنطقة بـ«السلوك المزعزع للاستقرار».

هكذا خرجت كل جولة بخلاصة شبه متكررة: تقدم تقني في هوامش النصوص، وانسداد سياسي في قلبها.

في الخلفية، كانت علاقة إيران بالوكالة الدولية للطاقة الذرية تنزلق تدريجياً إلى منطقة أشد توتراً. منذ سنوات، تطالب الوكالة بتفسيراتٍ لآثار يورانيوم عُثر عليها في مواقع غير مصرح عنها، وبإعادة كاميرات المراقبة وأجهزة القياس التي عُطلت أو أزيلت تباعاً بعد انسحاب واشنطن من اتفاق 2015. وبحلول 2025، كان مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة قد بلغ مستوى يرى خبراء الوكالة أنه «يختصر الزمن التقني للوصول إلى العتبة النووية متى توافرت الإرادة السياسية». من زاوية العواصم الغربية، تحوّل البرنامج إلى مزيج من تقدّم مادي وتعتيم سياسي. ومن زاوية طهران، صار ملف الوكالة امتداداً لحملة «الضغوط القصوى»، لكن بأدوات قانونية وفنية هذه المرة.

منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية تعترض الصواريخ فوق تل أبيب (أ.ب)

حرب الـ12 يوماً

وعلى خط موازٍ، كانت المنطقة كلها تعيش ارتدادات زلزال 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. «طوفان الأقصى» فتحت الباب أمام عامين من حرب ظلٍّ عالية الكثافة بين إسرائيل ووكلاء إيران، من الحدود اللبنانية حتى البحر الأحمر. ومع كل ضربة إسرائيلية لقوافل أو مواقع مرتبطة بـ«الحرس الثوري» في سوريا، كانت معادلة الردع التقليدية تفقد بعضاً من غموضها الذي كان يشكّل جزءاً من قوتها. لكن طهران تمسكت بخيار إدارة المواجهة عبر الوكلاء وتجنب الانخراط المباشر من أراضيها، إلى أن جاءت اللحظة التي قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب: حرب الـ12 يوماً، حين انتقلت النيران للمرة الأولى بهذا الحجم بين إيران وإسرائيل فوق الأرض الإيرانية نفسها، لتصيب في الصميم العقيدة التي رسخها قاسم سليماني بـ«نقل المعركة إلى ما وراء الحدود»، وإبقاء ساحات الوكالة مشتعلة كي لا تصل الحرب إلى الداخل الإيراني.

خلال الأيام الأولى من حرب الـ12 يوماً، نفذت إسرائيل سلسلة ضربات مركزة داخل إيران استهدفت قواعد صاروخية ومراكز قيادة رئيسية، إلى جانب منشآت مرتبطة بسلسلة التخصيب، وبعض مرافق البحث والتطوير. في تلك الجولة الأولى تحديداً، خسر «الحرس الثوري» عدداً من كبار قادته الميدانيين، وسقطت معهم «عقول مدبرة» من الفيزيائيين والمهندسين والمسؤولين الفنيين في البرنامج النووي، في ضربةٍ أصابت رأس الهرم العسكري - التقني أكثر مما أصابت البنية المادية وحدها.

دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي على مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية ويبدو في الخلفية «برج ميلاد» أبرز معالم العاصمة الإيرانية يوم 16 يونيو 2025 (رويترز)

بعد ذلك بأيام، انتقلت المواجهة إلى مستوى أعمق مع تنفيذ عملية «مطرقة منتصف الليل» التي شاركت فيها قاذفات شبح وعمليات هجومية في الفضاء السيبراني عطلت جزءاً من منظومات الإنذار والرصد. استُهدفت في هذه العملية مواقع محورية في دورة التخصيب، ومراكز تصنيع وتجميع أجهزة الطرد المركزي، وبعض الوحدات الحساسة في البنية التحتية النووية، ما أجبر إيران على وقفٍ اضطراري لبعض أنشطتها لأسباب تقنية وأمنية. في الخطاب الرسمي، جرى التركيز على الصواريخ التي أصابت أهدافاً داخل إسرائيل وعلى «فرض وقف إطلاق النار»، لكن التقييم الهادئ داخل مؤسسات القرار كان أكثر تحفظاً: البرنامج النووي لم يمحَ من الوجود، لكنه خضع لاختبار قاسٍ كشف أن الردع الإيراني، بصيغته الراهنة، لا يمنع توجيه ضربة مركزة إلى قلب المشروع النووي عندما تتقاطع الظروف السياسية والعسكرية.

هذه الهزة العسكرية سرعت انكشاف خطوط التصدع داخل النخبة الحاكمة. الرئيس مسعود بزشكيان حذر علناً من «خطر حربٍ ثانية على الأراضي الإيرانية»، ملمّحاً إلى أن «الطرف الآخر أثبت استعداده لضرب المنشآت النووية نفسها»، في إشارة غير مباشرة إلى أن تجاهل مسار التفاوض بات يحمل تكلفة أمنية متزايدة. في المقابل، شدد الجناح الأكثر تشدداً على أن أي مراجعة بعد الحرب ستكون «مكافأة للعدو» وتشكيكاً في جدوى «المقاومة» كخيار استراتيجي، رافضاً ربط الخسائر العسكرية بخيار العودة إلى طاولة المفاوضات.

مرشد إيران علي خامنئي يلقى خطاباً سنوياً أمام قادة القوات الجوية في الجيش الإيراني عشية ذكرى الثورة يوم 7 نوفمبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

تباينات داخلية

في هذه الأجواء، اختار المرشد علي خامنئي أن يردّ على صدمة الحرب بإعادة ترتيب دوائر الاستشارة لا بتغيير المبدأ. كلف علي لاريجاني، الرئيس السابق للبرلمان وأحد أقرب مستشاريه، برئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي، وأجاز إنشاء «مجلس دفاع» جديد تحت مظلته، يضم قادة عسكريين ومسؤولين حكوميين وأمنيين لتقديم تقديرات أكثر تكاملاً حول الحرب والبرنامج النووي ومسار المفاوضات.

ظاهرياً، كان الهدف توسيع قاعدة التشاور بعد تجربة الـ12 يوماً، لكن عملياً عكس القرار مزيجاً من الاعتراف بأن الحسابات السابقة لم تكن كافية، والإصرار في الوقت نفسه على إبقاء القرار النهائي في يد دائرة ضيقة تدير ملفَّي الردع والتفاوض معاً، ضمن حدود لا تتجاوز الإطار الذي رسمته «الضغوط القصوى» من الخارج، وهاجس الحفاظ على تماسك النظام من الداخل.

لم تكن الخلافات بعد الحرب محصورة في تقييم الأداء العسكري، بل امتدت إلى سؤال أعمق: ماذا نفعل بالملف النووي بعد «مطرقة منتصف الليل»؟ في طهران بدأ يتبلور خط يرى أن أفضل رد على الضربة هو تعميق «الغموض النووي المدار»، لا انسحاب رسمي من معاهدة حظر الانتشار، بل تموضع في منطقة رمادية: مخزون مرتفع من اليورانيوم المخصب، ورقابة منقوصة للوكالة الدولية، وإشارات مبهمة إلى «القدرة» من دون اعتراف بالسعي إلى سلاح. في المقابل، حذر تيار آخر من أن غموضاً بلا مسار تفاوضي واضح قد يتحول من ورقة ردع إلى عامل استدراج لضربات استباقية جديدة، وتطبيع استهداف المنشآت النووية. وبين المنطقين، استقر الموقف العملي على معادلة ضيقة: لا استعداد لتنازلات من نوع «صفر تخصيب» كما يطالب ترمب، ولا قرار بكسر الجسور نهائياً، بل إدارة مؤقتة للأزمة بانتظار تغيّر موازين القوى.

عرض جدول زمني عملياتي لضربة قاذفات أميركية على إيران في مؤتمر صحافي بوزارة الدفاع الأميركية يوم 22 يونيو 2025 (أرشيفية- أ.ف.ب)

عودة العقوبات الأممية

وفي خضم هذا السجال، جاءت خطوة الأوروبيين بتفعيل آلية «سناب باك» وإعادة العقوبات الأممية على إيران، بدعوى عدم امتثالها لالتزاماتها النووية. بريطانيا وفرنسا وألمانيا دفعت بالملف إلى مجلس الأمن، فأُعيد إحياء القرارات الستة السابقة. النتيجة أن طهران وجدت نفسها في وضع ملتبس: من الناحية القانونية، عادت القيود الدولية على السلاح والصواريخ وتجميد الأصول. ومن الناحية العملية، واصلت إيران، ومعها بكين وموسكو، التعامل مع المشهد كأن شيئاً لم يتغير. في الخطاب الإيراني الداخلي، صيغت المفارقة بعبارة مكثفة: العقوبات الأممية «موجودة وغير موجودة في آن واحد»، لكنها بالنسبة للمصارف والمستثمرين كانت موجودة بما يكفي لتجميد شهية المغامرة.

في نهاية 2025، بدت حصيلة «العودة الترمبية» ثقيلة على طهران: خمس جولات تفاوض غير مباشر بلا اختراق حقيقي، وحرب الـ12 يوماً التي كشفت ثقوب منظومة الردع، وعودة العقوبات الأممية إلى الواجهة، وريال يواصل الهبوط إلى قيعان تاريخية تُترجَم يومياً في الأسواق وأسعار الوقود وسلة الغذاء. في المقابل، لم تغير القيادة الإيرانية ثابتين أساسيين: رفض صريح لفكرة «صفر تخصيب» كما تطالب إدارة ترمب، وامتناع محسوب عن فتح مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة وحلفائها. وبهذا المعنى، يغدو ما تسميه طهران «صبراً استراتيجياً» أقرب إلى حالة «شلل استراتيجي». بين ضغط خارجي يتصاعد وهامش مناورة داخلي يضيق، تدخل إيران عام 2026 وهي لا قادرة على العودة إلى طاولة تفاوض بشروط جديدة من موقع قوة، ولا مستعدة للاعتراف بأن تكلفة الاستمرار على المسار الحالي تتزايد سياسياً واقتصادياً وأمنياً. هكذا لم تقرب حرب الـ12 يوماً و«سناب باك» بين الموقفين، بقدر ما كشفت أن كلاً من الطرفين يعتقد أن الزمن يعمل لصالحه: واشنطن تراهن على أن اقتصاداً منهكاً وعملةً منهارة سيدفعان طهران، في لحظةٍ ما، إلى قبول صفقة قاسية. في حين يراهن جزء من النخبة الإيرانية على أن أي إدارة أميركية لن تتحمل تكلفة حرب شاملة جديدة، وأن الانتظار حتى نهاية ولاية ترمب أقل تكلفة من الخضوع لشروطه. من هنا، تصبح قراءة العام الجديد محاولة لترسيم حدود هذا الشلل، واستشراف السيناريوهات المفتوحة أمام طهران بين حربٍ ثانية، وهدنة مُدارة، وصفقة قسرية تُفرض تحت سقف «الضغوط القصوى».

رجل دين إيراني يمر أمام جدارية معادية للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران يناير الماضي(إ.ب.أ)

ثلاثة مسارات متوقعة

من هذه النقطة، تتفرع أمام إيران في 2026 ثلاثة مسارات رئيسية، ليست متعارضة بالضرورة، بل قابلة للتداخل زمنياً: أولها مسار الانزلاق البطيء نحو مواجهة ثانية، إذا استمرّت عملية إعادة بناء القدرات الصاروخية والنووية تحت الضغط، وتكررت الاحتكاكات في مضيق هرمز تحت عناوين من قبيل رفض تفتيش السفن أو الرد على عقوبات جديدة. في سيناريو من هذا النوع، قد ترى واشنطن وتل أبيب أن «الحسم الآن أقل تكلفة من الانتظار»، فتذهب أي ضربة مقبلة أبعد من المنشآت والقواعد إلى طبقات أعلى في هرم السلطة، في محاولة لاستهداف «مركز القرار» لا أطرافه فقط.

المسار الثاني هو تجدد موجات الاحتجاج والانفلاتِ الاجتماعي - المعيشي، تغذّيه حلقة مفرغة من انهيار العملة، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتآكل الطبقة الوسطى التي شكلت تاريخياً الخزان الرئيسي لأي إصلاح تدريجي. في هذا السيناريو، تتحوّل «الضغوط القصوى» من أداة ضغط خارجية إلى عامل تفجير داخلي؛ إذ يجد النظام نفسه أمام معادلة شائكة: تشددٌ إضافي في الملفين النووي والصاروخي يعني مزيداً من الانكماش في الحياة اليومية واتساع رقعة السخط، وتراجعٌ مفاجئ أمام شروط ترمب يُقرأ في الشارع على أنه اعترافٌ متأخر بعجز المسار السابق، ما يفتح الباب أمام دورة احتجاج جديدة، أقل قابلية للضبط وأكثر ارتباطاً مباشرةً بسؤال جدوى التكلفة الإقليمية للمشروع الإيراني.

أما المسار الثالث، والأكثر ترجيحاً في المدى القصير، فهو محاولة شراء الوقت عبر «تجميد متبادل» غير مكتوب: تخفيف فعليّ غير معلَن لوتيرة التخصيب العالي، وفتح نوافذ محدودة للتعاون الفني مع الوكالة، وضبط إيقاع «المحور» لتجنب صدمات من حجم حرب الـ12 يوماً، مقابل قبول أميركي بإدارة الوضع على قاعدة الاحتواء لا التسوية، مع إبقاء منظومة العقوبات - الأميركية والأممية - في مكانها. هذا المسار لا يحل شيئاً جذرياً، لكنه يسمح لكل طرف بالادعاء أنه لم يتراجع عن خطوطه الحمراء، في حين يستمر استنزاف إيران اقتصادياً، وتبقى معادلة الردع ناقصة، ويظل احتمال الانفجار قائماً في الخلفية.

في حصيلة العام، يمكن القول إن 2025 كان العام الذي انتقلت فيه سياسات ترمب من خانة التهديد النظري إلى واقعٍ ملموس في الجغرافيا والاقتصاد الإيرانيين: ضربة عسكرية مشتركة قلّصت هامش البرنامج النووي، وعودة العقوبات الأممية إلى الواجهة عبر «سناب باك»، وتشديد الخناق على صادرات النفط وشبكات التمويل، ومحاولة إعادة تعريف موقع إيران في الاستراتيجية الأميركية كخصمٍ مقيَّد القدرة أكثر منه قوةً صاعدة. في المقابل، ردت طهران بمزيج من الغموض النووي، وضبط إيقاع «المحور»، والرهان على الزمن. هكذا، تدخل إيران عام 2026 وهي عالقة في معادلة صاغتها مذكرة «الضغوط القصوى»: نظامٌ لا يملك ترف الذهاب إلى حرب شاملة، ولا يملك في الوقت نفسه سهولة الدخول في تسوية بشروط خصمه. التحدي الحقيقي لم يعد كيف تخرج طهران من ظل ترمب، بل ما إذا كانت تمتلك، تحت هذا الخناق المتدرج، القدرة على إنتاج استراتيجية ثالثة تتجاوز خيارَي الانفجار البطيء أو الانتظار السلبي إلى أن يفرض الزمن - لا التفاوض ولا الضربات - شكل النهاية.


النيات الأوروبية في امتحان التواطؤ وعقدة الذنب والرضوخ للضغوط

أورسولا فون دير لاين خلال إلقائها خطاباً رئيسياً عن حالة «الاتحاد» من «البرلمان الأوروبي» في ستراسبورغ - 10 سبتمبر 2025 (أ.ب)
أورسولا فون دير لاين خلال إلقائها خطاباً رئيسياً عن حالة «الاتحاد» من «البرلمان الأوروبي» في ستراسبورغ - 10 سبتمبر 2025 (أ.ب)
TT

النيات الأوروبية في امتحان التواطؤ وعقدة الذنب والرضوخ للضغوط

أورسولا فون دير لاين خلال إلقائها خطاباً رئيسياً عن حالة «الاتحاد» من «البرلمان الأوروبي» في ستراسبورغ - 10 سبتمبر 2025 (أ.ب)
أورسولا فون دير لاين خلال إلقائها خطاباً رئيسياً عن حالة «الاتحاد» من «البرلمان الأوروبي» في ستراسبورغ - 10 سبتمبر 2025 (أ.ب)

عندما دخلت الحرب الإسرائيلية على غزة شهرها الثاني، مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2023. كان مسؤول السياسة الخارجية الأوروبية السابق، جوزيب بورّيل، يتناول طعام العشاء في العاصمة البلجيكية مع مجموعة ضيّقة من الصحافيين، وقال: «هذه حرب طويلة قد تنتهي بحصول الفلسطينيين على الدولة، أو تقضي نهائياً على حل الدولتين. لكنها في الحالتين ستكشف ضعف السياسة الخارجية للاتحاد وعجز الدول الأعضاء عن التوافق حول موقف موحَّد من القضايا المصيرية التي تمسّ أمنها بشكل مباشر».

وها هي أوروبا اليوم، بعد عامين على حرب مدمرة رفعها تقرير دولي مستقل إلى مرتبة الإبادة، تقف عاجزة حتى عن فرض الحد الأدنى من العقوبات التجارية التي تطالب بها عدة دول أعضاء وتنادي بأكثر منها الحشود الشعبية التي تخرج كل أسبوع في المدن الأوروبية، احتجاجاً على جمود الحكومات والمؤسسات أمام المجازر والانتهاكات الإسرائيلية.

في الأشهر الأولى من الحرب كان الاصطفاف الأوروبي واضحاً بجانب الموقف الإسرائيلي، خصوصاً من الدول الوازنة، مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، ومن رئيسة المفوضية، أورسولا فون در لاين، التي كانت تتعرض لانتقادات شديدة بسبب انحيازها السافر إلى جانب إسرائيل، وعدم تجاوبها مع دعوات حكومات إسبانيا وآيرلندا وبلجيكا وسلوفينيا إلى تعليق اتفاقية الشراكة الموقعة بين الاتحاد والدولة العبرية.

واشتدّت تلك الانتقادات بعد صدور تقرير، وضعته أجهزة الاتحاد، ويؤكد الانتهاكات الإسرائيلية لبنود أساسية في الاتفاقية تتعلق باحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. لكن رئيسة المفوضية بقيت على موقفها المماطل، مدعومة من بعض الدول الأعضاء، خصوصاً ألمانيا التي صرحّت غير مرة بأنها ترفض مجرد طرح موضوع العقوبات على إسرائيل، الذريعة التي كانت تلجأ إليها رئيسة المفوضية، رغم انتقادات بعض كبار المسؤولين، هو نظام التصويت المعمول به في اجتماعات المجلس، الذي يقتضي للموافقة على العقوبات أغلبية موصوفة غير متوفرة من غير ألمانيا وإيطاليا والمجر.

لكن بعد صدور التقرير الدولي الذي وضعته مجموعة من الخبراء المستقلين، الذي خلص إلى أن الارتكابات الإسرائيلية في غزة تستوفي شروط توصيفها بالإبادة، وفقاً لأحكام القانون الدولي، وبعد تنامي الاحتجاجات الشعبية في العديد من البلدان الأوروبية، خصوصاً بعد قرار الحكومة الألمانية حظر تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، وجدت رئيسة المفوضية نفسها مضطرة لطرح موضوع العقوبات على إسرائيل، وتعليق بعض بنود اتفاقية الشراكة معها على المجلس.

ويقال إن التغيير الذي طرأ على الموقف الألماني، الذي بدوره دفع فون در لاين إلى تغيير موقفها وقلب المعادلة داخل المجلس، لم يكن غريباً عن التحول في موقف الكنيسة الكاثوليكية الألمانية الوازنة في تحديد مواقف الفاتيكان في القضايا الكبرى.

وكان البابا ليو الرابع عشر أشار، في أول حديث صحافي مطوَّل له كشف عنه، مطلع الشهر الماضي، أن الفاتيكان ليس جاهزاً بعد لاتخاذ موقف رسمي في صدد وصف حرب غزة بالإبادة، ثم أضاف: «يزداد عدد الذين يستخدمون هذا المصطلح، بمن فيهم منظمتان تدافعان عن حقوق الإنسان في إسرائيل نفسها».

لكن بعد طرحها خطة مشتركة لفرض عقوبات على إسرائيل، تتضمن رسوماً جمركية على سلع مستوردة منها كانت حتى الآن معفاة من الرسوم، وإنهاء المعاملة التفضيلية التي تحظى بها الدول العبرية مع شريكها التجاري الأول في العالم، فضلاً عن عقوبات على اثنين من أعضاء الحكومة الإسرائيلية وتجميد أصولهما على الأراضي الأوروبية، ألقت المفوضية الكرة في ملعب الدول الأعضاء الذين سيعود لهم قرار تفعيل هذه العقوبات في المجلس.

ولم يتحدد إلى اليوم موعد مناقشة هذه الخطة في المجلس الأوروبي تمهيداً للموافقة عليها وتفعيلها؛ ما يتركها مجرد حبر على ورق النيات الأوروبية المتأرجحة بين التواطؤ، وعقدة الذنب، والرضوخ للضغوط الإسرائيلية والأميركية التي نادراً ما تخرج دولة أوروبية من شباكها. وعند مشارف انقضاء عامين على مقتلة غزة التي أحدثت تغييراً جذرياً في الخطاب السياسي والشعبي الأوروبي حيال الصراع في الشرق الأوسط، لكن من غير تغيير يُذكر حتى الآن في القرار الرسمي لحكومات الدول الأعضاء، عاد جوزيب بورّيل ليقول في حديث هاتفي من برشلونة: «في غزة، خسر الاتحاد الأوروبي روحه».