سلمان... ماذا سيكتب التاريخ؟

الملك سلمان في مكتبه إبان توليه منصب وزير الدفاع السعودي (مؤسسة التراث)
الملك سلمان في مكتبه إبان توليه منصب وزير الدفاع السعودي (مؤسسة التراث)
TT

سلمان... ماذا سيكتب التاريخ؟

الملك سلمان في مكتبه إبان توليه منصب وزير الدفاع السعودي (مؤسسة التراث)
الملك سلمان في مكتبه إبان توليه منصب وزير الدفاع السعودي (مؤسسة التراث)

بنى الملك عبد العزيز مجداً لأمته بتوحيد أراضي جزيرة العرب وحماية محيطها، وتأسيس دولته الحديثة امتداداً لدولة أسلافه التي أعادت للعرب مكانتهم وهيبتهم بعد قرون من التفرق والشتات. كانت مهمته شاقة وعسيرة استلزمت تضحيات وواجهت تحديات، إلا أن المهمة الأصعب التي ورثها أبناء عبد العزيز حين توفي عام 1953 (1373هـ)، هي الحفاظ على استقرار البلاد.

كانت السنوات التي تلت وفاة الملك المؤسس مليئة بالتحديات والأزمات ومحاولات زعزعة استقرار المملكة العربية السعودية، وعلى الرغم من ذلك كانت أعوام بناء لكثير من مؤسسات الدولة ومرافقها، وتوسعات للحرمين الشريفين وعمران للمدن، وتطور للتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، والطرق والمواصلات، وبناء الإنسان. كان الشغل الشاغل لقادة المملكة المحافظة على الأمن والاستقرار مع تنمية البلاد وتلبية حاجات إنسانها ونقلها إلى مصافِّ الدول المتقدمة، وكان لهم ذلك.

محاولات زعزعت الاستقرار خطَّطت لها حركات تحمل الآيديولوجيات اليسارية من ماركسية وشيوعية وبعثية وناصرية وقومية، لكنها تصف نفسها بالوطنية. كانت هناك عدة محاولات تستهدف نظام الحكم السعودي، جرى معظمها في الفترة ما بين 1954 و1969، ولنا أن نتخيل لو نجحت أي منها: كيف سيكون العالم اليوم من دون المملكة العربية السعودية؟ وكيف سيكون وضع الحرمين الشريفين؟ وما حال أسواق الطاقة وتأثير ذلك على الأمن والسلم العالميين؟ وماذا عن الأمن والاستقرار في الجزيرة العربية والخليج؟ خصوصاً عندما نرى ما حلَّ ويحلّ بدول محيطة، وتتوالى الأسئلة: ماذا لو لم يوحِّد عبد العزيز (الكيان الكبير)، كما يحلو للمؤرخ الأستاذ محمد حسين زيدان أن يسميه؟ وماذا لو لم يحافظ على هذه الوحدة أبناء عبد العزيز؟

لقد كانت هذه التوطئة ضرورية لإدراك دور خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، في خدمة الكيان الكبير لما يربو على سبعين عاماً، ومعاصرته ما مرَّت به البلاد من تحديات وتطورات، ومع ذلك لا يمكن لصفحات كهذه الإحاطة بسيرة ومسيرة الملك سلمان بن عبد العزيز، لكن التوقف عند بعض المحطات والمواقف قد يُلقي الضوء على جوانب من شخصيته ورؤيته، ويفسر ما وصلت إليه المملكة العربية السعودية تحت قيادته:شرف الخدمة.

خادم الحرمين الشريفين يرأس أعمال القمة الافتراضية لقادة دول مجموعة العشرين

لم تشر المصادر إلى تولي سلمان بن عبد العزيز أي منصب رسمي في عهد والده، وهو ينظر إلى الخدمة العامة على أنها واجب مَن تُسند إليه المسؤولية، «لأن الوطن أعطانا الكثير والكثير، لذا يجب ألا ننسى واجبه علينا». في حفل افتتاح مركز (الأمير) سلمان الاجتماعي في الرياض الذي أُقيم تحت رعاية الأمير سلطان بن عبد العزيز عام 1997 (1417هـ) ارتجل (الأمير) سلمان كلمة مؤثرة قال فيها:

«لم أسعَ في يوم من الأيام لأن أكون مكرما... لأنني أعتقد أن الإنسان عندما يتولى المسؤولية فهو يعمل واجباً عليه... أنا لم أقدم لهذه المنطقة أو لهذه البلاد شيئاً من عندي؛ بل كنت خادماً لملوك هذه البلاد، وكنت أتمنى أن أخدم والدي الملك عبد العزيز رحمه الله (قالها بتأثر واضح)، لكنني تمكنت من خدمة ديني وبلادي تحت إشراف الملك سعود والملك فيصل والملك خالد والملك فهد وولي عهده (الأمير) عبد الله، لذلك عندما طُرحت (الفكرة) وجاءني بعض الإخوة، رفضت فعلاً... وعندما جاءوني مرة أخرى وعرفت أن المشروع ليس تكريماً في مظهر؛ بل لإقامة عمل يخدم هذه المدينة وأبناءها المتكونين من كل أنحاء المملكة، وافقت، وهذا واجب عليّ...»، وهو هنا يشير إلى الفكرة التي جرى تداولها لتكريمه بمناسبة مرور 40 عاماً على توليه إمارة الرياض، وما تحقق من إنجازات. القصة طويلة وتفاصيلها كثيرة لكنَّ هذا الموقف يُظهر فلسفة خادم الحرمين الشريفين ونظرته إلى الخدمة العامة وأنها شرف للشخص المكلف بها، علاوة على كونها مسؤولية، وهو ما أظهره طوال خدمته المتصلة لدولته وقيادته من تفانٍ فيما أُوكل إليه من مهام وما تولاه من مناصب على مدى سبعة عقود. يقول شقيقه الأمير سلطان: «سلمان خير مَن حكم وجاهد وعمل في مدينة الرياض، لقد كان قوياً بحكمة، حازماً برحمة، وكان وفياً لخدمة دينه وولي أمره وما وُلِّي عليه من شعب، لذلك لا يُستكثر عليه أي أعمال يقوم بها أو قام بها فعلاً». هذا التفكير في الاستدامة والأثر الذي يبقى من خلال الاستفادة من المناسبات الاحتفائية أو التاريخية لم يكن الوحيد، فكثير من المشروعات القائمة اليوم في الرياض، مثل: مكتبة الملك فهد الوطنية، ومركز الملك عبد العزيز التاريخي، من ملامح الفكر السلماني التنموي الذي يستثمر الفرص والمناسبات التي تتوفر للمدينة ويحوِّلها إلى مشروعات مستدامة.

الأمير والإمارة

ارتبط سلمان (الأمير حينها) بالرياض وارتبطت به، فهي المدينة التي عاش بين جوانبها صباه وشبابه، وعاشت في داخله طوال حياته، تولى إمارتها ثلاث مرات: الأولى تكليفاً بالنيابة عن أخيه نايف بن عبد العزيز، أمير الرياض وقتذاك، حيث أصدر الملك سعود أمراً ملكياً في 16 مارس (آذار) 1953 (11 رجب 1373هـ)، بتوليه إمارة الرياض بالنيابة عن الأمير نايف الذي سافر في رحلة علاجية. والثانية بعد استقالة الأمير نايف بسبب ظروفه الصحية، حيث صدر المرسوم الملكي يوم 18 أبريل (نيسان) 1955 (25 شعبان 1374هـ)، بقبول استقالة الأمير نايف وتعيين (الأمير) سلمان أميراً للرياض، واستمر في المنصب حتى استقالته في 21 سبتمبر (أيلول) 1960 (30 ربيع الأول 1380هـ). وفي 4 فبراير (شباط) 1963 (10 رمضان 1382هـ) صدر الأمر الملكي بتعيينه أميراً لمنطقة الرياض للمرة الثانية التي استمرت لمدة 50 عاماً نقل الرياض خلالها نحو آفاق غير مسبوقة عمرانياً واقتصادياً وثقافياً.

خادم الحرمين الشريفين وولي العهد خلال حفل وضع حجر الأساس لمشروع بوابة الدرعية في نوفمبر 2019 (واس)

كانت إمارته للرياض تجربة فريدة في الحكم والإدارة والتنمية، فعلى مدى أكثر من نصف قرن ظل قريباً من قادة البلاد وشؤون الحكم، مطَّلعاً على الملفات ومشاركاً في اللقاءات ومبعوثاً للملوك، وتوسَّعت مهامه وازدادت وظائفه وكبرت مسؤولياته، وأصبح كبير مستشاري الملوك وعميد الأمراء وأمين سر الأسرة المالكة، يعرف أفرادها وتُحال إليه قضاياها ويحل مشكلاتها، وهذه في حد ذاتها مهمة ليست باليسيرة! وسأتوقف عند موقف رواه الدكتور عبد العزيز الثنيان الذي عمل عن قرب مع الملك سلمان عندما كان أميراً للرياض، يقول: «كنت ذات يوم في مكتب الأمير وأنا مدير تعليم الرياض، وكان في المكتب اثنان يعرضان للأمير المعاملات، وفجأة فتح الحارس باب المكتب ودخل أمير طويل القامة، حسن الصورة أحسبه في الـ40 من عمره، وحين رآه الأمير سلمان وقف على الفور ووقفنا وأنَّبه وقرَّعه ووبَّخه، واستمر في تأنيبه وتقريعه، ثم وضع الأمير سلمان يديه خلفه واستدار يمنةً ويسرةً، وعلا صوته، وقال: يا رجل أو تريد هدم المجد الذي بناه الملك عبد العزيز ورجاله؟! أو تريد تشويه الحكم والإمارة؟!

ووقف الرجل صامتاً فاغراً فاه مطأطئاً رأسه، والأمير سلمان يقرِّع ويؤدّب، ثم ختم الأمير سلمان حديثه بأن قال له: اخرج وأصلح ما خرّبت، وإياك أن تتصرف مثل هذا التصرف، واعلم أن خصمك ما تركك خوفاً منك، أو عجزاً عنك، ولكن تركك لأنه يعلم مكانتك ووجاهتك، ولكن اعلم أن مكانتك عندنا لا تسمح لك بالتعدي والتطاول. اخرج وأصلح ما أفسدت وإياك والعودة لمثل هذا التصرف، واعلم أن الشرع لأكبر رجل وأصغر مواطن، لا فرق بين هذا وذاك، ولا بين أمير وآخر، القضاء مطهرة، والقضاء للجميع. وخرج الرجل يندب حظه».

تلخص هذه القصة أسلوب سلمان في الحكم؛ فلا فرق عنده بين أمير وغيره، وأن الانتساب إلى الأسرة مسؤولية قبل أن يكون شرفاً.

خادم الحرمين الشريفين يزور منطقة قصر الحكم في مدينة الرياض 10 نوفمبر 2022 (واس)

كانت معرفة سلمان عميقة برجالات الدولة، وآليات عمل أجهزة الحكومة وبيروقراطيتها، إضافةً إلى تواصله مع مكونات المجتمع من العلماء والوجهاء والأعيان وشيوخ القبائل والمثقفين والأكاديميين والإعلاميين ورجال الأعمال وغيرهم. علاوة على سعة معرفته بالمسؤولين المدنيين منهم والعسكريين، على اختلاف مستوياتهم ومناصبهم ورتبهم ومراتبهم، ناهيك بدقته في معرفة الأسر والقبائل والأنساب والعلاقات الاجتماعية.

ذلك كله وغيره جعل تجربته في إمارة الرياض متفردة، وإنجازاته متميزة، مما جعل الملك فهد يختاره لرئاسة اللجنة التي أعدَّت مسوَّدة مشروع نظام المناطق الذي صدر عام 1992 (1412هـ)، وما مكَّنه، إضافةً إلى ما يتمتع به من بُعد نظر وعمق سياسي وفكر بنَّاء، من إدارة الكثير من الملفات والقضايا المهمة داخلياً وخارجياً، وكان بالنسبة لإخوته الملوك «رجل المهمات الصعبة». كأن نجاحاته في الرياض كانت مقدمة إلى ما حققه عند قيادته البلاد.

أروقة السياسة

مع كل المهام الموكلة إليه في الإمارة، لم يقتصر عمله على إدارته لعاصمة بلاده وشؤون أسرة الحكم والملفات الأخرى التي تتطلب جهداً استثنائياً وعملاً دؤوباً؛ بل كان سلمان حاضراً ومشاركاً في أدق المراحل السياسية التي مرت بها المنطقة.

عرف خلال رحلته الطويلة الأحزاب والحركات والتيارات السياسية في العالم العربي وغيره وتعرف إلى ارتباطاتها وخلفياتها وعقائدها وزعمائها، وتعمق في فهم الخريطة السياسية للدول وتوازنات القوى في العالم.

أعباء الحكم

انتقل من إمارة الرياض صاعداً في سلّم الحكم، فتولى ملف الدفاع عن البلاد في عام 2011 (1432هـ) خلفاً لشقيقه الأمير سلطان، وبدأ في إعادة تنظيم وهيكلة الوزارة والقوات المسلحة السعودية ووضع أسس استراتيجية الدفاع الوطني، وهو ما عُرف لاحقاً ببرنامج تطوير وزارة الدفاع.

ثم في عام 2012 (1433هـ) اختاره الملك عبد الله لولاية العهد خلفاً لشقيقه الأمير نايف، وعيَّنه نائباً لرئيس مجلس الوزراء مع احتفاظه بحقيبة «الدفاع»، فكان خير معين لمليكه، سانده في حماية مكتسبات البلاد وحفْظ أمنها واستقرارها في فترة التقلبات والقلاقل في المنطقة، وناب عنه في فترة مرضه متحملاً مسؤوليات الدولة وأعباء الحكم. وطوال مسيرته العملية رأس عدداً من الهيئات واللجان والجهات ونال كثيراً من الأوسمة.

خادم الحرمين الشريفين يزور منطقة قصر الحكم بالرياض في نوفمبر 2022 (واس)

 

 

كل هذه التجارب والخبرات زادت من معرفته بأبعاد الأمن الوطني السعودي ومهدداته، كما جعلته ينظر نظرةً مختلفة إلى أهمية تماسك الأسرة الملكية كونها الضامنة لاستقرار الحكم ووحدة البلاد وأمن الدولة، وأن أبناء عبد العزيز وبعد ذلك أحفاده هم الأمناء على العرش.

من هنا كان سلمان يعرف أسس استقرار البلاد وأهمها ترتيبات مؤسسة الحكم، والتحديات التي تواجه نقل السلطة إلى جيل أحفاد عبد العزيز، فقام فور مبايعته ملكاً إثر وفاة الملك عبد الله يوم 3 ربيع الآخر (1436هـ)، 23 يناير (كانون الثاني) 2015، بتهيئة ثم تمكين جيل من الأمراء الشباب لتحمل المسؤولية.

أما الأمر الثاني، فكان التحديث السعودي الشامل؛ مواكبةً لمتغيرات المرحلة ومواجهةً لتحديات العصر.

حمل سلمان رسالة عبد العزيز وتعمقت في نفسه، مستشعراً أن مهمته ليس المحافظة على كيان الدولة وحفظ مصالحها فحسب؛ بل توفير احتياجات المجتمع السعودي وخدمة الأمة، تلك هي رسالة عبد العزيز التي حملها أبناؤه من بعده، وكان هاجس كل منهم أن يؤدي الأمانة كاملة كما تسلَّمها، لكن المفارقة أن كل ملك من أبناء عبد العزيز لم يُسلّم البلاد لخلفه كما تسلمها؛ بل أفضل من ذلك!

ودائماً ما تتجلى حكمة وحنكة الملك سلمان في الأوقات العصيبة والأزمات الطارئة. يقول الدكتور توفيق الربيعة: «إنه في أثناء جائحة كورونا وحينما توالى صدور قرارات وقف العمرة ثم الصلاة في الحرمين الشريفين، وشاهد الملك عبر التلفزيون الحرم فارغاً من المصلين حزن وقال: يجب ألا توقَف الصلاة نهائياً في الحرم، يمكن للعاملين وموظفي شؤون الحرمين أن يجري فحصهم ويصلوا في الحرم، لكن يجب ألا توقَف الصلاة نهائياً. كان مهتماً جداً بمثل هذه التفاصيل، مهتماً بألا يُرى الحرمان فارغين وأبوابهما مغلقة بالكامل فأحبَّ أن يضع استثناءً للاستثناء».

لم أسعَ في يوم من الأيام لأن أكون مكرماً... الإنسان عندما يتولى المسؤولية فهو يعمل واجباً عليه

الملك سلمان بن عبد العزيز في كلمة ارتجالية

إن سلمان هنا يستشعر مسؤوليته ليس بصفته ملكاً فحسب؛ بل بصفته إماماً للمسلمين أيضاً، لذا رأى العالم حرصه على إقامة شعائر الحج في بيئة منظمة وبأعداد محدودة خلال جائحة كورونا تعظيماً لشعائر الله واستشعاراً للمسؤولية والواجب الشرعي تجاه المسلمين من جهة، وتحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ النفس البشرية من جهة أخرى.

لقد عاش سلمان تاريخ بلاده وشارك في بنائها وأسهم في استقرارها، ووعى المخاطر المحيطة بها، وعاصر تحولاتها وانخرط في تنميتها، وكان أحد أركان الدولة وأعمدتها، كما كان صماماً من صمامات مؤسسة الحكم، وركناً من أركان الدولة لنصف قرن أو يزيد؛ خدم ملوك البلاد في عهود إخوته سعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله، أميراً ووزيراً وولياً للعهد ونائباً لرئيس مجلس الوزراء، وفي كل هذه المراحل كان سلمان أكبر من المناصب وأفخم من الألقاب.

عهد ورؤية

وبعد فهذا قليل من كثير عن سلمان بن عبد العزيز الإنسان والمسؤول، ويبقى الأكثر ليُروَى ويدوَّن، لكن المهم أنه حين ينظر السعوديون إلى عهد الملك سلمان فسوف يجدون أنه ضخ تجديداً في شرايين الدولة جعلها أكثر قوة وأقدر على مواكبة العصر والانطلاق نحو المستقبل وفق رؤية واضحة ونهج إصلاحي شامل. لقد كانت خبرات سلمان وتجاربه على مدى سبعة عقود في دواوين الحكم وأروقة السياسة ودهاليز الحكومة وتوازنات الأسرة، علاوة على معرفته بفضاءات الثقافة وقنوات الإعلام ومؤسسات الصحافة، وقربه من جمعيات البر وهيئات الإغاثة والعمل الخيري مطَّلعاً على التفاصيل وملمّاً بالملفات وعارفاً بخلفيات الأشخاص وتوجهاتهم وانتماءاتهم، مدركاً للأخطار التي تحيط بالبلاد والتحديات التي تواجه الدولة والمجتمع... كانت عصارة 70 عاماً أثمرت خططاً ورؤىً مختلفة لمعالجة المشكلات المؤجلة وحلحلة القضايا المعلَّقة، فإذا أضفنا إليها قوة الشخصية ووضوح الرؤية وسرعة اتخاذ القرار أدركنا كيف تم كل ذلك التجديد والإصلاح في أعوام قلائل.

خادم الحرمين الشريفين لدى ترؤسه إحدى جلسات مجلس الوزراء في أكتوبر 2020 (واس)

لقد كان أحد أهم القرارات التي اتخذها الملك سلمان، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، هو اختيار الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد، ضمن رؤية الملك الشاملة لتجديد الدولة ونقل الحكم إلى جيل الشباب، وهي الخطوة الأكثر جرأة وجسارة داخل مؤسسة الحكم منذ تأسيس المملكة العربية السعودية.

أتى هذا الاختيار الذي قُدمت فيه المصالح العليا للدولة على أي اعتبار آخر، ضمن رؤية الملك سلمان التجديدية الشاملة لمستقبل المملكة العربية السعودية، وستسطّر صفحات التاريخ أنه مَن قاد البلاد في هذه المرحلة السياسية بالغة الدقة والمنعطف التاريخي المهم، ونقل الحكم إلى جيل أحفاد عبد العزيز، وأعاد هيكلة الدولة وتجديد شبابها، مع المحافظة على النهج الذي قامت عليه البلاد. وحين تُذكر قائمة إنجازات سلمان ملكاً سيكون هذا الاختيار أولها إن لم يكن أبرزها، لذا نرى هذه العلاقة التكاملية بين الملك وولي عهده، وهذا الدور الكبير الذي قام به الأمير محمد بن سلمان بمتابعة وتوجيه من والده ومليكه سلمان بن عبد العزيز، الذي كأنما أراد أن يكون هو على ضفة العبور وولي عهده على الضفة الأخرى لتأمين انتقال البلاد إلى المستقبل. تصعب الإحاطة بجميع جوانب سيرة الملك سلمان، كما يتعذر حصر كل ما حققه من إنجازات طوال مسيرته؛ أما ما تحقق للبلاد والعباد منذ توليه مقاليد الحكم، فبدأت بإصلاحاته المؤسسية خلال الأسبوع الأول من حكمه بصدور عشرات الأوامر التي كانت مؤشراً وعنواناً للرؤية التجديدية للدولة، من خلال إعادة هيكلة الحكومة بإلغاء اللجان والهيئات والمجالس المتعددة وإنشاء مجلسين؛ أحدهما للشؤون السياسية والأمنية، والآخر للشؤون الاقتصادية والتنمية، وإدماج بعض الوزارات وضخ كفاءات شابة في شرايين الدولة.

خادم_الحرمين الشريفين لدى رعايته حفل وضع حجر الأساس لمشـروع القدية في أبريل 2018 (واس)

كانت تلك هي البداية التي استمرت لتطوير الأداء الحكومي وتسريع وتيرة العمل واستثمار الطاقات والكفاءات والرهان على الشباب. كان «الإصلاح الشامل» هو العنوان الأبرز لـ«الحكم السلماني» وجاء «التخطيط الاستراتيجي» سمةً فارقةً للمرحلة، إذ أعلن الملك سلمان أن هدفه الأول «أن تكون بلادنا نموذجاً ناجحاً ورائداً في العالم على الأصعدة كافة، وسأعمل معكم على تحقيق ذلك». وبعد أن أدى المسؤولون الجُدد القَسَم أمامه قال إنه «يتمنى لهم التوفيق في أداء مهامهم لخدمة شعبنا الذي لن أقبل التقصير في خدمته».

المساءلة والشفافية ومكافحة الفساد برزت عناوين منذ البداية، ولو أردنا أن نلخص باقي العناوين العريضة للمرحلة لاحترنا؛ فمن تطوير القدرات العسكرية والدفاعية، إلى العناية بالأمن بمفهومه الشامل بما في ذلك الأمن الغذائي والسيبراني، ومكافحة التطرف والإرهاب، وتنظيم العمل الإغاثي والخيري، كما غدت الشراكات الاستراتيجية ملمحاً مهماً في السياسة الخارجية السعودية.

ثم أتى المشروع النهضوي الكبير (رؤية المملكة العربية السعودية 2030) ببرامجها ومبادراتها وحوكمتها ومستهدفاتها، فدخلت البلاد مرحلة التحول الكبرى اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، ومُكّنت المرأة كما مُكّن الشباب، وسجلت الصحة والتعليم قفزات نوعية وتقدمت المملكة العربية السعودية في التعليم الإلكتروني وفي مجال الابتكار والتطوير. وجاءت استجابة الحكومة للتعامل مع جائحة كورونا في المركز الأول عالمياً، وقدمت أنموذجاً متفرداً في إدارة الأزمات.

خادم الحرمين الشريفين يطلق 4 مشروعات نوعية كبرى لامست 23 مليار دولار (86 مليار ريال) في مدينة الرياض عام 2019 (واس)

ووصف البنك الدولي الإصلاحات السعودية «من بين أفضل 20 بلداً إصلاحياً في العالم، والثانية من بين أفضل البلدان ذات الدخل المرتفع ودول مجموعة العشرين من حيث تنفيذ إصلاحات تحسين مناخ الأعمال». كما تقدمت في سلم الترتيب العالمي لمؤشر البنية التحتية الرقمية للاتصالات وتقنية المعلومات، وصُنفت ضمن المراتب العشر الأولى عالمياً في سرعة الإنترنت. وحققت المركز الأول في التنافسية الرقمية على مستوى دول مجموعة العشرين. وفي المجال العدلي جرى تطوير الأنظمة والقوانين والبيئة التشريعية، حيث صدرت وعُدلت مئات الأنظمة واللوائح لمواكبة النهضة التشريعية التي تمر بها المملكة. كما حصلت وزارة العدل على جائزة «أفضل اتصال حكومي» على مستوى العالم العربي. وحُلحلت ملفات كان يُظَنّ فيما مضى أنه لا حل لها، كالبطالة والإسكان. أما القطاعات الأخرى: الطرق والنقل والصناعة والبيئة والثقافة والبلديات والتجارة والرياضة والسياحة والترفيه وغيرها، فحققت قفزات نوعية وإنجازات متعددة.

ونتيجة لكل ما تحقق من منجزات، حظيت المملكة بثقة عالمية جعلت منها إحدى الوجهات الأولى للمراكز العالمية والشركات الكبرى، ومراكز لنشاطات دولية متعددة في الرياضة والاستثمار والثقافة وبوابة تواصل حضاري، مما أسهم في اختيارها لاستضافة «إكسبو 2030»، وتنظيم كأس العالم عام 2034.

خادم الحرمين الشريفين يفتتح مشروع قطار الرياض في نوفمبر 2024 (واس)

لكن الثقة الأهم كانت ثقة الشعب السعودي بقيادته، وتقدُّم السعودية سنوياً في مؤشر السعادة العالمي الصادر عن الأمم المتحدة، الذي يقيس مؤشرات السعادة والرفاهية وجودة الحياة.

لقد ترجم ولي العهد رؤى الملك وجعلها واقعاً معيشاً، وبطريقة مذهلة جعلت من سعودية اليوم شيئاً مختلفاً، ومع ذلك تظل امتداداً لما سبقتها من مراحل وليست منفصلةً عنها، يدل على ذلك الثبات على المبادئ والأسس التي قامت عليها الدولة والاتكاء على الإرث التاريخي والعمق الحضاري لها، كأن عهد سلمان هو المسار الذي ربط الماضي بالمستقبل والذي مزج بين مرحلتين تتمِّم إحداهما الأخرى وتكون امتداداً لها وتثبيتاً لدعائمها.

واليوم ونحن نكتب شيئاً من تاريخ سلمان، نقرأ في الوقت ذاته رؤيته وإنجازاته وهذه النهضة الكبرى التي يقودها للعبور إلى المستقبل، يقول الدكتور زين العابدين الركابي: حسب زعيمٍ من النجاح، أن يجتنب العواصف، ويغالب الأنواء وهو يقود سفينته إلى البر الآمن... أما أن يضيف إلى هذه المهمة الصعبة «رؤية تقدمية» في العمل والبناء فإن هذا هو النجاح «النادر» أو «الفريد».

وقبل الختام أود التأكيد أنني هنا قارئ لتاريخ ولست مدوناً لسيرة سلمان بن عبد العزيز، حرصت من خلال هذه القراءة على كتابة قبسات عن زوايا في حياته، وجوانب من مسيرته، وإضاءات عن بعض أدواره ومواقفه، أسطرها؛ وأتوجه من خلالها إلى الباحثين والمؤرخين أن ينقّبوا في ثنايا هذا التاريخ وأن يعتنوا بحثاً وتحليلاً بجوانب هذه السيرة، فسبعون عاماً في خدمة الدولة وفي أعلى المناصب ومن ثم قيادتها في واحدة من أدق المراحل ليست بالقصيرة ولا باليسيرة؛ بل تستحق أن يُحاط بها وأن تُتناول من جميع نواحيها.


مقالات ذات صلة

وزير الداخلية السعودي يُثمّن كفاءة الأمن في التعامل مع مختلف التحديات

الخليج وزير الداخلية الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف لدى لقائه عدداً من كبار مسؤولي الوزارة والقطاعات الأمنية (واس)

وزير الداخلية السعودي يُثمّن كفاءة الأمن في التعامل مع مختلف التحديات

نوّه الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف، وزير الداخلية السعودي، بجهود القطاعات الأمنية في ظل الأوضاع الراهنة التي تمر بها البلاد والمنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير خالد بن سلمان لدى لقائه قادة وكبار المسؤولين في وزارة الدفاع عقب صلاة العيد (الوزارة)

خالد بن سلمان ينقل إشادة القيادة بالدور البطولي للقوات المسلحة

نقل وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان إشادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بالدور البطولي للقوات المسلحة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

أمر ملكي باعتماد تأسيس جامعة الرياض للفنون

صدر أمرٌ ملكي يقضي باعتماد تأسيس جامعة الرياض للفنون، وفقاً لنظامها الخاص، ومقرها مدينة الرياض؛ لتكون جامعة متخصصة في مجالات الثقافة والفنون.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)

خادم الحرمين يوجّه باستضافة الخليجيين العالقين في مطارات السعودية

وجَّه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، السبت، بالموافقة على استضافة جميع العالقين في مطارات السعودية من مواطني دول مجلس التعاون الخليجي.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة
TT

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة

تُغيِّر أدوات القياسات البيولوجية القابلة للارتداء، والتطويرات العلمية الحديثة الأخرى، وتوفر مزيد من البيانات، نظرة الجيش الأميركي إلى الأداء البشري، ولا سيما كيفية تكيُّف الجنود مع مخاطر ارتفاع درجة حرارة أجسامهم.

قرن من الدراسات حول تأثير الحرارة على الجنود

يدرس الجيش الأميركي آثار الحرارة على قواته منذ قرن تقريباً، وتحديداً منذ إنشاء مختبر هارفارد للإجهاد عام 1927، بناءً على طلب الجيش. ومع ذلك، فإن نهج الجنود والقادة تجاه المهام البدنية الأساسية -كالجري الموقوت، والأنشطة الخارجية الشاقة، والتعرض للعوامل البيئية- لا يزال متأخراً عن الكم المتزايد من البحوث العلمية حول مخاطر الحرارة، أحياناً بسنوات أو عقود. وقد يتغير هذا الوضع أخيراً في ظل مبادرات جديدة لتوسيع نطاق البحث في الأداء البشري.

تفاعل الجسم مع البيئة

وصرح المقدم ديفيد ديغروت، مدير مركز الحرارة التابع للجيش، لموقع «ديفنس ون» بأن الأجهزة القابلة للارتداء الجديدة -التي تتعقب مؤشرات مثل معدل ضربات القلب ودرجة حرارة الجسم- توفر للمدربين العسكريين والجنود نافذة جديدة لفهم كيفية تفاعل أجسامهم مع البيئة.

وتقدم هذه البيانات رؤى قيِّمة قبل ظهور أعراض الإجهاد الحراري. ويُعدُّ التوقيت عاملاً حاسماً: فبحلول الوقت الذي يُصاب فيه الجندي بالإجهاد الحراري أو تظهر عليه الأعراض الأولى لضربة شمس أشدّ خطورة، يكون الوقت قد فات في كثير من الأحيان لمنع حدوث مشكلة صحية قد تُبعده عن التدريب أو ما هو أسوأ.

أدوات لرصد ضربة الشمس

وأضاف ديغروت على هامش «منتدى الحرارة» الذي عُقد في 4 مارس (آذار) في فورت بينينغ، بجورجيا: «لدينا بعض التقنيات القابلة للارتداء، غير الجراحية، والتي لا تزال قيد التطوير، والتي ستتمكن، ليس بالضرورة من منع ضربة الشمس، ولكن من اكتشافها في وقت أبكر بكثير» بما يصل إلى 12 دقيقة، مما يتيح الوقت للحدّ من حدّتها.

مسيرة «الجندية الجيدة»

وعلى عكس ما يتم تداوله من أن تجاهل المشقة هو السمة المميزة لـمسيرة «الجندية الجيدة»، وهي الفكرة التي تعود إلى قرون مضت، يسعى ديغروت إلى تذكير الجنود والمدربين والقادة، بأنه ليس من المنطقي محاولة تحطيم رقم قياسي شخصي خلال كل مسيرة أو جري؛ ففي بعض الأحيان من الأفضل ببساطة الوصول إلى الحد المقبول، وتأجيل تحطيم الرقم القياسي إلى يوم آخر. كما أوضح أن شرب الماء وحده لا يوفر الحماية من الأمراض المرتبطة بالحرارة. في الواقع، أشار إلى أن 80 في المائة من ضحايا ضربة الشمس يتمتعون بترطيب كافٍ للجسم.

* مجلة «ديفنس وان»، خدمات «تريبيون ميديا».


«مطرقة الليل» في 2025... ترمب ينهي «أنصاف الحلول» في إيران

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

«مطرقة الليل» في 2025... ترمب ينهي «أنصاف الحلول» في إيران

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)

مع عودة دونالد ترمب إلى المكتب البيضاوي مطلع 2025، لم تحتج استراتيجيته المحدثة لـ«الضغوط القصوى» سوى أقل من عام كي تفرض إيقاعها الكامل على إيران. ففي غضون أشهر، انتقلت البلاد من جدلٍ حول إحياء الاتفاق النووي إلى واقع الحرب على أراضيها للمرة الثانية في عمر الجمهورية الإسلامية، بعد نحو أربعة عقود على نهاية حربٍ لا تزال ذاكرتها الجماعية ثقيلة على من عاشها.

في الواقع، كانت سحب الحرب تتراكم فوق سماء طهران قبل أن يبدأ ترمب مسار العودة إلى البيت الأبيض. تلاشت الآمال بإحياء الاتفاق النووي، في حين تسارعت عجلة تخصيب اليورانيوم الإيراني، في مسارٍ انتهى إلى حرب الـ12 يوماً، وانكشاف حدود الردع الإيراني أمام ضربات استباقية إسرائيلية انضمت إليها الولايات المتحدة لاحقاً، ثم عودة العقوبات الأممية بموجب «سناب باك».

مع ذلك، لم يبدأ هذا المسار من واشنطن، بل من طهران نفسها. قبل شهور من الانتخابات الأميركية، راهنت المؤسسة الحاكمة على «استراحة تكتيكية» عبر انتخاب مسعود بزشكيان الذي بدأ مهامه في أغسطس (آب) 2024، كرئيسٍ إصلاحي بخطاب أقل صدامية مع الغرب، يقدم نفسه مديراً لـ«حرب اقتصادية» لا لمغامرة صاروخية. اختار فريقاً للسياسة الخارجية متمرساً بغرف التفاوض، في مقدمته وزير الخارجية عباس عراقجي؛ في إشارة فُسرت غربياً كتهيئة مبكرة لمرحلة مفاوضات جديدة، ومحاولةٍ لخفض التوتر وإعادة تهيئة الملف النووي لاحتمالين متناقضين: إما إدارة ديمقراطية بقيادة كامالا هاريس تسعى لاستكمال إرث أوباما وبايدن، أو عودة ترمب بنسخة أشد من «الضغوط القصوى» لإغلاق ملف إيران بطريقته.

عاد دونالد ترمب رئيساً، بكاريزما مألوفة، إلى المشهد الأميركي في سياق دولي أكثر توتراً، ومع حرب مفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران، الأمر الذي خلط أوراق الرهانات في طهران. فالرجل الذي يحمل في سجله قرار اغتيال قاسم سليماني لم يكن بالنسبة للنخبة الحاكمة وجهاً غامضاً، بل خصم مجرب يعود ومعه سجل كامل من الانسحاب من الاتفاق النووي، وتصعيد العقوبات. لذلك استقر التقدير على أنه لن يغير مقاربته الأساسية، بل سيحاول توسيعها: «ضغوط قصوى» في الاقتصاد والمال، مرفوقة برسالة سياسية واضحة، مفادها أن التراجع الإيراني يجب أن يكون ملموساً في الملفات النووية والصاروخية والإقليمية معاً. في ظل هذا التصور، بدا أن هامش المناورة المتاح أمام طهران يضيق، حتى قبل أن تبدأ جولات التفاوض غير المباشر.

عودة «الضغوط القصوى»

بعد أقل من أسبوعين على أداء اليمين، وقع ترمب في 4 فبراير (شباط) 2025 مذكرةً رئاسية للأمن القومي أعادت إطلاق سياسة «الضغوط القصوى» بصياغةٍ أكثر حزماً وتفصيلاً. حددت المذكرة ثلاثة محاور رئيسية: حرمان إيران من أي طريق إلى سلاح نووي أو صواريخ عابرة للقارات، وتفكيك شبكاتها ووكلائها المصنفين على قوائم الإرهاب الغربية، وكبح تطوير ترسانتها من الصواريخ الباليستية والقدرات غير المتماثلة.

على المستوى التنفيذي، كُلفت وزارة الخزانة بفرض أقصى ضغط اقتصادي، وتشديد إنفاذ العقوبات، وإصدار إرشادات تحذر قطاعات الشحن والتأمين والمواني من التعامل مع طهران أو وكلائها، في حين أُوكل إلى وزارة الخارجية تعديل أو إلغاء الإعفاءات السابقة، والعمل مع الحلفاء على استكمال إعادة العقوبات الأممية بموجب «سناب باك»، ودفع صادرات النفط الإيراني إلى الصفر، بالتوازي مع تكليف وزارة العدل بملاحقة الشبكات المالية واللوجيستية والواجهات المرتبطة بإيران داخل الولايات المتحدة.

هكذا تحول شعار ترمب القديم: «لن نسمح لإيران بسلاح نووي»، إلى إطار عملٍ شامل يربط الاقتصاد والأمن الداخلي والجبهة الدبلوماسية في مسار ضغط واحد على طهران.

على الجانب الإيراني، جاء الرد الأول مزيجاً من الإنكار والتحسب. لم يغلق المرشد علي خامنئي باب المفاوضات، لكنه لم يفتحه على مصراعيه أيضاً؛ فسمح بمسار تفاوضي غير مباشر بدأ برسالة من ترمب حملها وسيط خاص، ردت عليها طهران برسالة موجزة. من هذه القناة انطلقت خمس جولات من المفاوضات غير المباشرة بين فريق ترمب بقيادة ستيف ويتكوف وفريق عباس عراقجي، بمشاركة وسطاء أوروبيين وإقليميين.

في العلن، تحدث عراقجي عن «استعداد لمحادثات مسؤولة إذا احترمت واشنطن تعهداتها»، وعن إمكانية التوصل إلى «اتفاق متوازن» يعيد دمج إيران في الاقتصاد العالمي. في الكواليس، حاول الفريق الإيراني توسيع هوامش المناورة عبر اللعب على التباينات بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية، وإثارة حساسيات داخل فريق ترمب نفسه حيال أكثر شخصياته تشدداً، أملاً في أن تُترجَم هذه التناقضات إلى مرونة في شروط الصفقة.

عراقجي وفريقه على هامش الجولة الثانية من المحادثات التي عُقدت في روما يوم 19 أبريل الماضي (رويترز)

خمس جولات تفاوضية

مع ذلك، ظل جوهر التباين ثابتاً في الجولات الخمس جميعاً. أصرت واشنطن على تجريد إيران من مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة القريبة من العتبة النووية، وإعادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى دور المراقب الكامل في جميع المواقع الحساسة، وعلى أن يتضمن أي مسار لاحق جدولاً زمنياً واضحاً لبحث مدى الصواريخ الباليستية، ومفاصل أساسية من نشاط إيران الإقليمي.

في المقابل، تمسكت طهران بأولوياتها القديمة: رفع العقوبات النفطية والمالية كشرطٍ مسبق، وضمانات بعدم انسحاب أي إدارة أميركية من الاتفاق الجديد، واستبعاد ملف الصواريخ من أي نص ملزم، ورفض توصيف علاقاتها مع حلفائها في المنطقة بـ«السلوك المزعزع للاستقرار».

هكذا خرجت كل جولة بخلاصة شبه متكررة: تقدم تقني في هوامش النصوص، وانسداد سياسي في قلبها.

في الخلفية، كانت علاقة إيران بالوكالة الدولية للطاقة الذرية تنزلق تدريجياً إلى منطقة أشد توتراً. منذ سنوات، تطالب الوكالة بتفسيراتٍ لآثار يورانيوم عُثر عليها في مواقع غير مصرح عنها، وبإعادة كاميرات المراقبة وأجهزة القياس التي عُطلت أو أزيلت تباعاً بعد انسحاب واشنطن من اتفاق 2015. وبحلول 2025، كان مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة قد بلغ مستوى يرى خبراء الوكالة أنه «يختصر الزمن التقني للوصول إلى العتبة النووية متى توافرت الإرادة السياسية». من زاوية العواصم الغربية، تحوّل البرنامج إلى مزيج من تقدّم مادي وتعتيم سياسي. ومن زاوية طهران، صار ملف الوكالة امتداداً لحملة «الضغوط القصوى»، لكن بأدوات قانونية وفنية هذه المرة.

منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية تعترض الصواريخ فوق تل أبيب (أ.ب)

حرب الـ12 يوماً

وعلى خط موازٍ، كانت المنطقة كلها تعيش ارتدادات زلزال 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. «طوفان الأقصى» فتحت الباب أمام عامين من حرب ظلٍّ عالية الكثافة بين إسرائيل ووكلاء إيران، من الحدود اللبنانية حتى البحر الأحمر. ومع كل ضربة إسرائيلية لقوافل أو مواقع مرتبطة بـ«الحرس الثوري» في سوريا، كانت معادلة الردع التقليدية تفقد بعضاً من غموضها الذي كان يشكّل جزءاً من قوتها. لكن طهران تمسكت بخيار إدارة المواجهة عبر الوكلاء وتجنب الانخراط المباشر من أراضيها، إلى أن جاءت اللحظة التي قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب: حرب الـ12 يوماً، حين انتقلت النيران للمرة الأولى بهذا الحجم بين إيران وإسرائيل فوق الأرض الإيرانية نفسها، لتصيب في الصميم العقيدة التي رسخها قاسم سليماني بـ«نقل المعركة إلى ما وراء الحدود»، وإبقاء ساحات الوكالة مشتعلة كي لا تصل الحرب إلى الداخل الإيراني.

خلال الأيام الأولى من حرب الـ12 يوماً، نفذت إسرائيل سلسلة ضربات مركزة داخل إيران استهدفت قواعد صاروخية ومراكز قيادة رئيسية، إلى جانب منشآت مرتبطة بسلسلة التخصيب، وبعض مرافق البحث والتطوير. في تلك الجولة الأولى تحديداً، خسر «الحرس الثوري» عدداً من كبار قادته الميدانيين، وسقطت معهم «عقول مدبرة» من الفيزيائيين والمهندسين والمسؤولين الفنيين في البرنامج النووي، في ضربةٍ أصابت رأس الهرم العسكري - التقني أكثر مما أصابت البنية المادية وحدها.

دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي على مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية ويبدو في الخلفية «برج ميلاد» أبرز معالم العاصمة الإيرانية يوم 16 يونيو 2025 (رويترز)

بعد ذلك بأيام، انتقلت المواجهة إلى مستوى أعمق مع تنفيذ عملية «مطرقة منتصف الليل» التي شاركت فيها قاذفات شبح وعمليات هجومية في الفضاء السيبراني عطلت جزءاً من منظومات الإنذار والرصد. استُهدفت في هذه العملية مواقع محورية في دورة التخصيب، ومراكز تصنيع وتجميع أجهزة الطرد المركزي، وبعض الوحدات الحساسة في البنية التحتية النووية، ما أجبر إيران على وقفٍ اضطراري لبعض أنشطتها لأسباب تقنية وأمنية. في الخطاب الرسمي، جرى التركيز على الصواريخ التي أصابت أهدافاً داخل إسرائيل وعلى «فرض وقف إطلاق النار»، لكن التقييم الهادئ داخل مؤسسات القرار كان أكثر تحفظاً: البرنامج النووي لم يمحَ من الوجود، لكنه خضع لاختبار قاسٍ كشف أن الردع الإيراني، بصيغته الراهنة، لا يمنع توجيه ضربة مركزة إلى قلب المشروع النووي عندما تتقاطع الظروف السياسية والعسكرية.

هذه الهزة العسكرية سرعت انكشاف خطوط التصدع داخل النخبة الحاكمة. الرئيس مسعود بزشكيان حذر علناً من «خطر حربٍ ثانية على الأراضي الإيرانية»، ملمّحاً إلى أن «الطرف الآخر أثبت استعداده لضرب المنشآت النووية نفسها»، في إشارة غير مباشرة إلى أن تجاهل مسار التفاوض بات يحمل تكلفة أمنية متزايدة. في المقابل، شدد الجناح الأكثر تشدداً على أن أي مراجعة بعد الحرب ستكون «مكافأة للعدو» وتشكيكاً في جدوى «المقاومة» كخيار استراتيجي، رافضاً ربط الخسائر العسكرية بخيار العودة إلى طاولة المفاوضات.

مرشد إيران علي خامنئي يلقى خطاباً سنوياً أمام قادة القوات الجوية في الجيش الإيراني عشية ذكرى الثورة يوم 7 نوفمبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

تباينات داخلية

في هذه الأجواء، اختار المرشد علي خامنئي أن يردّ على صدمة الحرب بإعادة ترتيب دوائر الاستشارة لا بتغيير المبدأ. كلف علي لاريجاني، الرئيس السابق للبرلمان وأحد أقرب مستشاريه، برئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي، وأجاز إنشاء «مجلس دفاع» جديد تحت مظلته، يضم قادة عسكريين ومسؤولين حكوميين وأمنيين لتقديم تقديرات أكثر تكاملاً حول الحرب والبرنامج النووي ومسار المفاوضات.

ظاهرياً، كان الهدف توسيع قاعدة التشاور بعد تجربة الـ12 يوماً، لكن عملياً عكس القرار مزيجاً من الاعتراف بأن الحسابات السابقة لم تكن كافية، والإصرار في الوقت نفسه على إبقاء القرار النهائي في يد دائرة ضيقة تدير ملفَّي الردع والتفاوض معاً، ضمن حدود لا تتجاوز الإطار الذي رسمته «الضغوط القصوى» من الخارج، وهاجس الحفاظ على تماسك النظام من الداخل.

لم تكن الخلافات بعد الحرب محصورة في تقييم الأداء العسكري، بل امتدت إلى سؤال أعمق: ماذا نفعل بالملف النووي بعد «مطرقة منتصف الليل»؟ في طهران بدأ يتبلور خط يرى أن أفضل رد على الضربة هو تعميق «الغموض النووي المدار»، لا انسحاب رسمي من معاهدة حظر الانتشار، بل تموضع في منطقة رمادية: مخزون مرتفع من اليورانيوم المخصب، ورقابة منقوصة للوكالة الدولية، وإشارات مبهمة إلى «القدرة» من دون اعتراف بالسعي إلى سلاح. في المقابل، حذر تيار آخر من أن غموضاً بلا مسار تفاوضي واضح قد يتحول من ورقة ردع إلى عامل استدراج لضربات استباقية جديدة، وتطبيع استهداف المنشآت النووية. وبين المنطقين، استقر الموقف العملي على معادلة ضيقة: لا استعداد لتنازلات من نوع «صفر تخصيب» كما يطالب ترمب، ولا قرار بكسر الجسور نهائياً، بل إدارة مؤقتة للأزمة بانتظار تغيّر موازين القوى.

عرض جدول زمني عملياتي لضربة قاذفات أميركية على إيران في مؤتمر صحافي بوزارة الدفاع الأميركية يوم 22 يونيو 2025 (أرشيفية- أ.ف.ب)

عودة العقوبات الأممية

وفي خضم هذا السجال، جاءت خطوة الأوروبيين بتفعيل آلية «سناب باك» وإعادة العقوبات الأممية على إيران، بدعوى عدم امتثالها لالتزاماتها النووية. بريطانيا وفرنسا وألمانيا دفعت بالملف إلى مجلس الأمن، فأُعيد إحياء القرارات الستة السابقة. النتيجة أن طهران وجدت نفسها في وضع ملتبس: من الناحية القانونية، عادت القيود الدولية على السلاح والصواريخ وتجميد الأصول. ومن الناحية العملية، واصلت إيران، ومعها بكين وموسكو، التعامل مع المشهد كأن شيئاً لم يتغير. في الخطاب الإيراني الداخلي، صيغت المفارقة بعبارة مكثفة: العقوبات الأممية «موجودة وغير موجودة في آن واحد»، لكنها بالنسبة للمصارف والمستثمرين كانت موجودة بما يكفي لتجميد شهية المغامرة.

في نهاية 2025، بدت حصيلة «العودة الترمبية» ثقيلة على طهران: خمس جولات تفاوض غير مباشر بلا اختراق حقيقي، وحرب الـ12 يوماً التي كشفت ثقوب منظومة الردع، وعودة العقوبات الأممية إلى الواجهة، وريال يواصل الهبوط إلى قيعان تاريخية تُترجَم يومياً في الأسواق وأسعار الوقود وسلة الغذاء. في المقابل، لم تغير القيادة الإيرانية ثابتين أساسيين: رفض صريح لفكرة «صفر تخصيب» كما تطالب إدارة ترمب، وامتناع محسوب عن فتح مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة وحلفائها. وبهذا المعنى، يغدو ما تسميه طهران «صبراً استراتيجياً» أقرب إلى حالة «شلل استراتيجي». بين ضغط خارجي يتصاعد وهامش مناورة داخلي يضيق، تدخل إيران عام 2026 وهي لا قادرة على العودة إلى طاولة تفاوض بشروط جديدة من موقع قوة، ولا مستعدة للاعتراف بأن تكلفة الاستمرار على المسار الحالي تتزايد سياسياً واقتصادياً وأمنياً. هكذا لم تقرب حرب الـ12 يوماً و«سناب باك» بين الموقفين، بقدر ما كشفت أن كلاً من الطرفين يعتقد أن الزمن يعمل لصالحه: واشنطن تراهن على أن اقتصاداً منهكاً وعملةً منهارة سيدفعان طهران، في لحظةٍ ما، إلى قبول صفقة قاسية. في حين يراهن جزء من النخبة الإيرانية على أن أي إدارة أميركية لن تتحمل تكلفة حرب شاملة جديدة، وأن الانتظار حتى نهاية ولاية ترمب أقل تكلفة من الخضوع لشروطه. من هنا، تصبح قراءة العام الجديد محاولة لترسيم حدود هذا الشلل، واستشراف السيناريوهات المفتوحة أمام طهران بين حربٍ ثانية، وهدنة مُدارة، وصفقة قسرية تُفرض تحت سقف «الضغوط القصوى».

رجل دين إيراني يمر أمام جدارية معادية للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران يناير الماضي(إ.ب.أ)

ثلاثة مسارات متوقعة

من هذه النقطة، تتفرع أمام إيران في 2026 ثلاثة مسارات رئيسية، ليست متعارضة بالضرورة، بل قابلة للتداخل زمنياً: أولها مسار الانزلاق البطيء نحو مواجهة ثانية، إذا استمرّت عملية إعادة بناء القدرات الصاروخية والنووية تحت الضغط، وتكررت الاحتكاكات في مضيق هرمز تحت عناوين من قبيل رفض تفتيش السفن أو الرد على عقوبات جديدة. في سيناريو من هذا النوع، قد ترى واشنطن وتل أبيب أن «الحسم الآن أقل تكلفة من الانتظار»، فتذهب أي ضربة مقبلة أبعد من المنشآت والقواعد إلى طبقات أعلى في هرم السلطة، في محاولة لاستهداف «مركز القرار» لا أطرافه فقط.

المسار الثاني هو تجدد موجات الاحتجاج والانفلاتِ الاجتماعي - المعيشي، تغذّيه حلقة مفرغة من انهيار العملة، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتآكل الطبقة الوسطى التي شكلت تاريخياً الخزان الرئيسي لأي إصلاح تدريجي. في هذا السيناريو، تتحوّل «الضغوط القصوى» من أداة ضغط خارجية إلى عامل تفجير داخلي؛ إذ يجد النظام نفسه أمام معادلة شائكة: تشددٌ إضافي في الملفين النووي والصاروخي يعني مزيداً من الانكماش في الحياة اليومية واتساع رقعة السخط، وتراجعٌ مفاجئ أمام شروط ترمب يُقرأ في الشارع على أنه اعترافٌ متأخر بعجز المسار السابق، ما يفتح الباب أمام دورة احتجاج جديدة، أقل قابلية للضبط وأكثر ارتباطاً مباشرةً بسؤال جدوى التكلفة الإقليمية للمشروع الإيراني.

أما المسار الثالث، والأكثر ترجيحاً في المدى القصير، فهو محاولة شراء الوقت عبر «تجميد متبادل» غير مكتوب: تخفيف فعليّ غير معلَن لوتيرة التخصيب العالي، وفتح نوافذ محدودة للتعاون الفني مع الوكالة، وضبط إيقاع «المحور» لتجنب صدمات من حجم حرب الـ12 يوماً، مقابل قبول أميركي بإدارة الوضع على قاعدة الاحتواء لا التسوية، مع إبقاء منظومة العقوبات - الأميركية والأممية - في مكانها. هذا المسار لا يحل شيئاً جذرياً، لكنه يسمح لكل طرف بالادعاء أنه لم يتراجع عن خطوطه الحمراء، في حين يستمر استنزاف إيران اقتصادياً، وتبقى معادلة الردع ناقصة، ويظل احتمال الانفجار قائماً في الخلفية.

في حصيلة العام، يمكن القول إن 2025 كان العام الذي انتقلت فيه سياسات ترمب من خانة التهديد النظري إلى واقعٍ ملموس في الجغرافيا والاقتصاد الإيرانيين: ضربة عسكرية مشتركة قلّصت هامش البرنامج النووي، وعودة العقوبات الأممية إلى الواجهة عبر «سناب باك»، وتشديد الخناق على صادرات النفط وشبكات التمويل، ومحاولة إعادة تعريف موقع إيران في الاستراتيجية الأميركية كخصمٍ مقيَّد القدرة أكثر منه قوةً صاعدة. في المقابل، ردت طهران بمزيج من الغموض النووي، وضبط إيقاع «المحور»، والرهان على الزمن. هكذا، تدخل إيران عام 2026 وهي عالقة في معادلة صاغتها مذكرة «الضغوط القصوى»: نظامٌ لا يملك ترف الذهاب إلى حرب شاملة، ولا يملك في الوقت نفسه سهولة الدخول في تسوية بشروط خصمه. التحدي الحقيقي لم يعد كيف تخرج طهران من ظل ترمب، بل ما إذا كانت تمتلك، تحت هذا الخناق المتدرج، القدرة على إنتاج استراتيجية ثالثة تتجاوز خيارَي الانفجار البطيء أو الانتظار السلبي إلى أن يفرض الزمن - لا التفاوض ولا الضربات - شكل النهاية.


النيات الأوروبية في امتحان التواطؤ وعقدة الذنب والرضوخ للضغوط

أورسولا فون دير لاين خلال إلقائها خطاباً رئيسياً عن حالة «الاتحاد» من «البرلمان الأوروبي» في ستراسبورغ - 10 سبتمبر 2025 (أ.ب)
أورسولا فون دير لاين خلال إلقائها خطاباً رئيسياً عن حالة «الاتحاد» من «البرلمان الأوروبي» في ستراسبورغ - 10 سبتمبر 2025 (أ.ب)
TT

النيات الأوروبية في امتحان التواطؤ وعقدة الذنب والرضوخ للضغوط

أورسولا فون دير لاين خلال إلقائها خطاباً رئيسياً عن حالة «الاتحاد» من «البرلمان الأوروبي» في ستراسبورغ - 10 سبتمبر 2025 (أ.ب)
أورسولا فون دير لاين خلال إلقائها خطاباً رئيسياً عن حالة «الاتحاد» من «البرلمان الأوروبي» في ستراسبورغ - 10 سبتمبر 2025 (أ.ب)

عندما دخلت الحرب الإسرائيلية على غزة شهرها الثاني، مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2023. كان مسؤول السياسة الخارجية الأوروبية السابق، جوزيب بورّيل، يتناول طعام العشاء في العاصمة البلجيكية مع مجموعة ضيّقة من الصحافيين، وقال: «هذه حرب طويلة قد تنتهي بحصول الفلسطينيين على الدولة، أو تقضي نهائياً على حل الدولتين. لكنها في الحالتين ستكشف ضعف السياسة الخارجية للاتحاد وعجز الدول الأعضاء عن التوافق حول موقف موحَّد من القضايا المصيرية التي تمسّ أمنها بشكل مباشر».

وها هي أوروبا اليوم، بعد عامين على حرب مدمرة رفعها تقرير دولي مستقل إلى مرتبة الإبادة، تقف عاجزة حتى عن فرض الحد الأدنى من العقوبات التجارية التي تطالب بها عدة دول أعضاء وتنادي بأكثر منها الحشود الشعبية التي تخرج كل أسبوع في المدن الأوروبية، احتجاجاً على جمود الحكومات والمؤسسات أمام المجازر والانتهاكات الإسرائيلية.

في الأشهر الأولى من الحرب كان الاصطفاف الأوروبي واضحاً بجانب الموقف الإسرائيلي، خصوصاً من الدول الوازنة، مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، ومن رئيسة المفوضية، أورسولا فون در لاين، التي كانت تتعرض لانتقادات شديدة بسبب انحيازها السافر إلى جانب إسرائيل، وعدم تجاوبها مع دعوات حكومات إسبانيا وآيرلندا وبلجيكا وسلوفينيا إلى تعليق اتفاقية الشراكة الموقعة بين الاتحاد والدولة العبرية.

واشتدّت تلك الانتقادات بعد صدور تقرير، وضعته أجهزة الاتحاد، ويؤكد الانتهاكات الإسرائيلية لبنود أساسية في الاتفاقية تتعلق باحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. لكن رئيسة المفوضية بقيت على موقفها المماطل، مدعومة من بعض الدول الأعضاء، خصوصاً ألمانيا التي صرحّت غير مرة بأنها ترفض مجرد طرح موضوع العقوبات على إسرائيل، الذريعة التي كانت تلجأ إليها رئيسة المفوضية، رغم انتقادات بعض كبار المسؤولين، هو نظام التصويت المعمول به في اجتماعات المجلس، الذي يقتضي للموافقة على العقوبات أغلبية موصوفة غير متوفرة من غير ألمانيا وإيطاليا والمجر.

لكن بعد صدور التقرير الدولي الذي وضعته مجموعة من الخبراء المستقلين، الذي خلص إلى أن الارتكابات الإسرائيلية في غزة تستوفي شروط توصيفها بالإبادة، وفقاً لأحكام القانون الدولي، وبعد تنامي الاحتجاجات الشعبية في العديد من البلدان الأوروبية، خصوصاً بعد قرار الحكومة الألمانية حظر تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، وجدت رئيسة المفوضية نفسها مضطرة لطرح موضوع العقوبات على إسرائيل، وتعليق بعض بنود اتفاقية الشراكة معها على المجلس.

ويقال إن التغيير الذي طرأ على الموقف الألماني، الذي بدوره دفع فون در لاين إلى تغيير موقفها وقلب المعادلة داخل المجلس، لم يكن غريباً عن التحول في موقف الكنيسة الكاثوليكية الألمانية الوازنة في تحديد مواقف الفاتيكان في القضايا الكبرى.

وكان البابا ليو الرابع عشر أشار، في أول حديث صحافي مطوَّل له كشف عنه، مطلع الشهر الماضي، أن الفاتيكان ليس جاهزاً بعد لاتخاذ موقف رسمي في صدد وصف حرب غزة بالإبادة، ثم أضاف: «يزداد عدد الذين يستخدمون هذا المصطلح، بمن فيهم منظمتان تدافعان عن حقوق الإنسان في إسرائيل نفسها».

لكن بعد طرحها خطة مشتركة لفرض عقوبات على إسرائيل، تتضمن رسوماً جمركية على سلع مستوردة منها كانت حتى الآن معفاة من الرسوم، وإنهاء المعاملة التفضيلية التي تحظى بها الدول العبرية مع شريكها التجاري الأول في العالم، فضلاً عن عقوبات على اثنين من أعضاء الحكومة الإسرائيلية وتجميد أصولهما على الأراضي الأوروبية، ألقت المفوضية الكرة في ملعب الدول الأعضاء الذين سيعود لهم قرار تفعيل هذه العقوبات في المجلس.

ولم يتحدد إلى اليوم موعد مناقشة هذه الخطة في المجلس الأوروبي تمهيداً للموافقة عليها وتفعيلها؛ ما يتركها مجرد حبر على ورق النيات الأوروبية المتأرجحة بين التواطؤ، وعقدة الذنب، والرضوخ للضغوط الإسرائيلية والأميركية التي نادراً ما تخرج دولة أوروبية من شباكها. وعند مشارف انقضاء عامين على مقتلة غزة التي أحدثت تغييراً جذرياً في الخطاب السياسي والشعبي الأوروبي حيال الصراع في الشرق الأوسط، لكن من غير تغيير يُذكر حتى الآن في القرار الرسمي لحكومات الدول الأعضاء، عاد جوزيب بورّيل ليقول في حديث هاتفي من برشلونة: «في غزة، خسر الاتحاد الأوروبي روحه».