الاقتصاد التونسي... صمود تحت ثقل الديون

وسط بوادر انفراج وتحديات جديدة

أحد الأسواق في وسط العاصمة التونسية (غيتي)
أحد الأسواق في وسط العاصمة التونسية (غيتي)
TT

الاقتصاد التونسي... صمود تحت ثقل الديون

أحد الأسواق في وسط العاصمة التونسية (غيتي)
أحد الأسواق في وسط العاصمة التونسية (غيتي)

بدأت تونس النصف الثاني من 2026 وسط تباين التقييمات لأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وانعكاساتها السياسية والأمنية. فالحكومة ترى في تحسن عدد من المؤشرات المالية والسياحية دليلاً على صواب خيار «التعويل على الذات»، ورفض «الرضوخ لإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والاتحاد الأوروبي». ولكن، في المقابل يحذر عدد من الخبراء الاقتصاديين والسياسيين ونشطاء معارضون من ارتفاع حجم الدين والتمويل الداخلي وتدهور القدرة الشرائية وارتفاع نسب البطالة ومؤشرات الفقر والتهميش.

على الرغم من تعاقب الاحتجاجات في ذروة صيف 2026، لا تبدو تونس على حافة انهيار اقتصادي - اجتماعي - سياسي كما سبق أن توقعت تقارير عديدة، بل إن الأوساط الرسمية، على العكس، ترى أن البلد تجاوز أخطر أزماته الهيكلية والظرفية «رغم كل مظاهر التعثّر».

تحسن واردات السياحة وتحويلات العمالة

وتكشف آخر إحصائيات الحكومة عن أن نسب النمو تحسنت فعلاً، وأن التضخم تراجع، في حين حافظ الدينار التونسي على قدر من الاستقرار مقارنة بالدولار الأميركي واليورو. وأيضاً تأكد أن مداخيل السياحة وتحويلات العمالة التونسية في الخارج والصادرات الصناعية والزراعية وفّرت هذه السنة نحو 10 مليارات دولار، ما حسّن مخزون المصرف المركزي من العملات الأجنبية.

ولكن، في المقابل، لا تزال البطالة مرتفعة، ولا سيما بين الشباب وخريجي الجامعات، وتواجه الأسر ارتفاعاً تراكمياً في الأسعار، وتعاني الشركات ضعف الاستثمار وصعوبة التمويل، وتستهلك خدمة الدين جانباً كبيراً من موارد الدولة.

وبناءً عليه، يمكن القول إن اقتصاد البلاد نجح في «الصمود» أكثر مما نجح في «الإقلاع».

تتكشَّف هذه المفارقة نفسها في الخطاب الرسمي؛ ذلك أن رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري قالت في يوليو (تموز)، لدى تسلّمها التقرير السنوي للبنك المركزي، إن النتائج الاقتصادية والمالية «تترجم صواب الخيارات الوطنية». وفسّرت ذلك بسياسة الرئيس قيس سعيّد التي تؤكد «السيادة الاقتصادية والمالية والتعويل على الإمكانات الذاتية ورفض الإملاءات الخارجية».

بيد أن التصريحات والبلاغات الجديدة الصادرة عن صلاح الدين السالمي، الأمين العام لاتحاد نقابات العمال «الاتحاد العام التونسي للشغل»، ورفاقه، تعترض وتؤكد أن الأرقام الاقتصادية تكون فعلاً إيجابية إذا ما انعكست على الحياة اليومية للمواطنين عموماً والطبقات الشعبية، سواءً عبر تحسين الخدمات أو القدرة الشرائية أو العدالة الاجتماعية.

هذه بالتحديد هي «المعضلة الكبرى» في تونس خلال 2026، وفق خبراء اقتصاد مستقلين في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، بينهم رضا الشكندالي وعبد الباسط السماري وماهر القلّال، الذين رأوا أن بعض المؤشرات تحسّنت، لكن ظروف العيش تدهورت.

صلاح الدين السالمي (موقع الاتحاد العام التونسي للشغل)

نمو نسبي... لكن الوظائف لم تعد

حسب آخر تقديرات «المعهد الوطني للإحصاء»، وأيضاً الحكومة في تونس، بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 2.6 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الأول من 2026، ثم 2.3 في المائة في الربع الثاني. وهي أرقام تسمح بالكلام عن «انتعاش نسبي بعد سنوات صعبة وأزمات إقليمية أثرت سلباً على البلاد». غير أن هذه المؤشرات الإيجابية تبقى أقل من أن تسهم في تحسين فرص التوظيف وإحداث موارد رزق محترمة لمئات آلاف الشباب والكهول العاطلين عن العمل؛ إذ إن الاقتصاد الذي يحمل نسبة رسمية للبطالة تقارب 15 في المائة يحتاج إلى معدلات نمو أعلى وأكثر استدامة، ولا سيما، إذا كان الهدف استيعاب الشباب وخريجي الجامعات.

حصيلة صيف 2026... تفاؤل حكومي وتحذير نقابي

اعتراف الحكومة

الحكومة تبدو واعية لهذه الفجوة، وخلال فعاليات «منتدى تونس للاستثمار» في يونيو (حزيران) الفائت، قالت رئيستها سارة الزعفراني إن الاقتصاد أظهر «قدرة على الصمود» على الرغم من «تعقيد السياق العالمي»، واستدلت على ذلك بتحسن النمو وتطور الاستثمار الدولي بوصفهما مؤشرين إلى استعادة الديناميكية.

لكن أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي ينظر إلى المسألة من زاوية أكثر تحفّظاً. فهو في قراءته لمخطّط التنمية 2026 - 2030، اعتبر أن المخطّط «يحتاج إلى مراجعة لأن بعض فرضيّاته سبقتها التطورات الاقتصادية والجيوسياسية». وانتقد الإخفاق في ترتيب التحديات بوضوح بين المديونية والاستثمار والبطالة والأمن الغذائي. وهذا في حين أن الخبراء والأكاديميين الجامعيين المستقلين يرون أن تراجع النسب الرسمية للتضخم المالي يمثل، بلا شك، أحد أهم عناصر الاستقرار الحالي في البلاد رغم الصعوبات.

التضخم يتراجع... لكن القدرة الشرائية لا تتحسَّن

الخبير الاقتصادي عبد الباسط السماري اعتبر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأرقام تخفي أحياناً تجربة اجتماعية مختلفة». وأوضح أن الانتقال من تضخّم تجاوز 10 في المائة في السنوات السابقة إلى نحو 5 في المائة لا يعني أن الأسعار عادت إلى الوراء، بل يعني واقعياً أن سرعة ارتفاعها أصبحت أبطأ.

ولقد لخّص الشكندالي هذه المفارقة عندما قال إن «تراجع التضخم لا يعني بالضرورة تحسن المعيشة». وأشار إلى أن المواطن راكم خسارة في قدرته الشرائية طوال سنوات، ولا يمكن قياس وضعه الحالي «بمجرد مقارنة معدل التضخم بين شهر وآخر». وهذا الطرح يجد صداه لدى «الاتحاد العام التونسي للشغل». ويُذكر أنه بعد انتخاب صلاح الدين السالمي أميناً عاماً لـ«الاتحاد» في مارس (آذار) الماضي، وضعت القيادة النقابية الجديدة مسألة الحوار الاجتماعي والأجور والقدرة الشرائية في مقدمة الملفات.

ثم في أبريل (نيسان)، حذّرت الهيئة الإدارية الوطنية لـ«الاتحاد» من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وطالبت بتغييرات «عادلة» تحمي القدرة الشرائية، وباستئناف الحوار وزيادة الأجور.

ثم ذهب السالمي أبعد خلال يوليو الماضي، حين اعتبر، خلال تجمّعات عمالية بمناسبة إضرابات واسعة في البنوك أزمة، أن غياب «الحوار الاجتماعي والسياسي» غدا أحد أسباب التوتر في قطاعات عدة. وشدد على أن «المطالب النقابية لا تُختزل في الأجور، وإنما تتّصل أيضاً بمصلحة المؤسسات والاقتصاد والعاملين وتحسين مناخ الأعمال ومناخ الحريات في البلاد».

هذا الأمر يضع الحكومة أمام معادلة دقيقة؛ إذ إن المالية العمومية تحتاج إلى الانضباط، «لكن الأمن الاجتماعي يحتاج إلى تحسين القدرة الشرائية بما يحمي الطبقة الوسطى والفئات الضعيفة من التآكل»، حسب ما أورده الخبير الاقتصادي والسياسي ماهر القلّال في تصريح لـ«الشرق الأوسط».

حين تقترض الدولة لتدفع ديونها

ثم إنه، إذا كان ملف الأسعار هو الوجه الاجتماعي للأزمة، فإن الدَّين يمثل أحد أكثر وجوهها المالية تعقيداً. وهنا يستخدم الخبير الاقتصادي عبد الباسط السماري عبارة لافتة في توصيف الوضع، إذ يقول: «نقترض لنُسدّد، ونُسدّد لنقترض من جديد!».

وفي قراءته لميزانية 2026، يرى السماري أن تخصيص أكثر من ثلث الميزانية لخدمة الدَّين يعني أن موارد ضخمة أصبحت تتجه إلى الماضي بدلاً من بناء قدرة إنتاجية للمستقبل. ومن ثم، يحذّر بصورة خاصة من الاعتماد الكبير على الدَّين الداخلي، لأنه يسحب السيولة من النظام البنكي ويرفع تكلفة التمويل على الشركات، وبالتالي يمكن أن «يخنق الاستثمار الوطني».

هذه النقطة تلتقي، على الرغم من اختلاف المقاربات، مع تحذيرات رضا الشكندالي. فالأخير يرى أن الاعتماد المتزايد على الاقتراض الداخلي لم يكن خياراً اقتصادياً مثالياً بقدر ما كان نتيجة محدودية الوصول إلى التمويل الخارجي، وذلك بحجة «رفض شروط صندوق النقد العالمي والبنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية، مقابل الموافقة على التداين من مؤسسات دولية خاصة بنسب فائدة أعلى».

وفي تحليل الشكندالي للوضع المالي، فهو يحذِّر من حلقة يصبح فيها جزءٌ متزايد من موارد الدولة موجَّهاً لسداد التزامات سابقة، بينما يضيق الهامش المتاح للاستثمار. وهنا يرى أن المشكلة ليست محاسبية فقط، فعندما تتجه البنوك بكثافة إلى تمويل الدولة، يصبح شراء سند حكومي أكثر أماناً وأقل مخاطرة من إقراض مصنع أو شركة صغيرة.

وهكذا - والكلام للشكندالي - يمكن أن تنجح الدولة في تمويل الميزانية لكنها تفعل ذلك جزئياً على حساب الاقتصاد، الذي يفترض به أن يولّد الضرائب والوظائف والنمو مستقبلاً.

وهنا تظهر مفارقة أخرى هي أن الدولة تحتاج إلى البنوك كي تموّل عجزها، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى أن تموِّل البنوك القطاع الخاص كي يخرج الاقتصاد من العجز.

البنك المركزي... والخط الأحمر النقدي

بالتوازي، يتحول النقاش إلى مستوى أكثر حساسية عندما يتعلق بالتمويل المباشر للخزينة من البنك المركزي. وهنا يحذّر الشكندالي من أن ضخّ كميات كبيرة من السيولة في اقتصاد لا ترتفع فيه كمية السلع والخدمات بالوتيرة نفسها، يمكن أن يعيد الضغط على الأسعار وقيمة الدينار. ورأى أن «الحل على المدى الطويل لا يكمن في طباعة المزيد من النقود، بل في خلق المزيد من الثروة».

في أي حال، وعلى الرغم من كل المخاوف، يبدو أن تونس تجاوزت سيناريو «الانهيار النقدي» و«الأزمة الاقتصادية الاجتماعية الأمنية الشاملة»؛ إذ تؤكد الحكومة أن التضخم الفعلي حتى صيف 2026 ظل أدنى بكثير من المستويات التي كان يخشاها بعض الاقتصاديين. غير أن التحذيرات تتزايد من أن تصبح بعض القرارات المالية والنقدية الاستثنائية آلية اعتيادية وسياسة دائمة، فالتمويل من المصرف المركزي والبنوك التجارية يمكن أن يمنح الخزينة متنفّساً قصير الأجل، لكنه لا يستطيع أن يحلّ محل الاستثمار والإنتاجية والصادرات.

5 مليارات دولار فجوة التجارة الخارجية

على الجبهة الخارجية، يقدّم العجز التجاري صورة أخرى للاختلال الهيكلي. وخلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، قاربت صادرات تونس 40.6 مليار دينار، مقابل واردات بنحو 55.6 مليار. أي أن الفجوة اقتربت من 15 مليار دينار، أو ما يزيد قليلاً على خمسة مليارات دولار إذا ما احتُسب الدولار في حدود 2.92 دينار خلال أغسطس (آب).

وهنا يلفت السماري إلى أن «الطاقة تقع في قلب المشكلة»، وهو يعتبر في تحليله لبيانات التجارة أن أكثر من نصف العجز التجاري التونسي مصدره الطاقة. وعليه، فهذا يحول ملف الطاقة المتجددة من قضية بيئية إلى قضية سيادة اقتصادية.

فكل محطة شمسية أو ريحية تعوّض جزءاً من الغاز المستورد، عملياً، تعني تقليص الطلب على العملة الصعبة وتحسين الميزان التجاري، فضلاً عن تأمين الكهرباء للصناعة. أما تأجيل الاستثمار في الطاقة، فيعني بقاء الاقتصاد عرضة لأسعار الغاز والنفط وتقلبات الخارج.

انقطاعات غير مسبوقة للتيار الكهربائي

أمر آخر يستحق الإشارة إليه هو أن اضطرابات الكهرباء خلال الصيف أظهرت أن المسألة لا تتعلق فقط بأسعار الطاقة. وهنا يرى رضا الشكندالي في الانقطاعات المتكررة مؤشراً إلى «أزمة هيكلية» في حوكمة القطاع، وينتقد توجيه جانب من التمويلات إلى سداد الديون وشراء الغاز بدلاً من تجديد الإنتاج والشبكات. ثم إنه يدعو إلى تسريع الاستثمار في الطاقة الشمسية وتسوية ديون المؤسسات العمومية تجاه شركة الكهرباء والغاز. ولكن هنا تبرز قضية أكبر: ذلك أن تونس لا تعاني من نقص التمويل فقط، بل تعاني أيضاً مشكلة تحويل التمويل المتاح إلى استثمار فعلي.

وهذا ما أقرّت به رئيسة الحكومة نفسها، حين قالت في يونيو إن الاعتمادات المخصّصة للاستثمار العمومي ارتفعت من 4.7 مليار دينار عام 2023 إلى 6.5 مليار في 2026، لكنها شدّدت على أن التحدي الأساسي لم يعد فقط توفير الأموال، بل تحويلها إلى مشاريع منجزة في آجالها.

رئيس الحكومة سارة الزعفراني الزنزري (موقع وزارة التجهيز والاسكان - تونس)

المعارضة: الأزمة ليست اقتصادية فقط

ولكن قراءة المشهد ستظل ناقصة إذا ما اقتصرت على الحكومة والاقتصاديين والنقابات. فالمعارضة التونسية تنظر إلى التدهور الاجتماعي من زاوية سياسية أيضاً، وترى أن غياب التوازن السياسي والحوار والمساءلة جزء من أزمة الحوكمة الاقتصادية.

وبالفعل، شنّت بلاغات من عشرات المنظمات غير الحكومية والأحزاب المعارضة انتقادات حادة لسياسات السلطة وحملتها مسؤولية ما وصفته بـ«التدهور المريع» في ظروف العيش. ونظمت هذه الأطراف مسيرات وتجمعات احتجاجية في العاصمة تونس وفي عدة مدن داخلية.

في المقابل، تقدّم الحكومة تفسيراً معاكساً يقوم على القول إن السياسة الحالية «أعادت للدولة استقلال القرار الوطني» ومكّنتها من تحسين المؤشرات رغم الأزمات الخارجية.

لكن، في الحصيلة النهائية، أضحى التوتر الاجتماعي والسياسي جزءاً من المشهد الاقتصادي نفسه... وبات التحدي الأكبر بالنسبة لكل الأطراف هو التوصل إلى «توازن صعب جديد» لامتصاص الآثار السلبية للصدمات المالية والاقتصادية والأمنية الإقليمية والدولية.

تونس أمام ثلاثة سيناريوهات اقتصادية اجتماعية

تبدو تونس وهي تستعد لافتتاح السنة الإدارية والسياسية الجديدة بعد أسابيع أمام ثلاثة سيناريوهات: - السيناريو الأول، مبني على استمرار «الصمود الحالي»: نمو بين 2 و3 في المائة، وتضخم يمكن التحكم فيه، واستمرار السياحة والتحويلات والصادرات، وقدرة الدولة على سداد التزاماتها. وهذا سيناريو يمنع الانهيار، لكنه لا ينهي البطالة ومعضلات ارتفاع الأسعار والبطالة، ولا يعيد بناء الطبقة الوسطى. - السيناريو الثاني، عودة الضغوط المالية إذا ما استمر نمو الدَّين والتمويل الداخلي واتسع العجز التجاري، وخصوصاً في حال حدوث صدمات جديدة في أسعار الطاقة وكلفة الإنتاج. وعندها تصبح تحذيرات الخبراء المستقلين من التضخم والتمويل النقدي أكثر إلحاحاً. كما تتأكد الحاجة إلى التفاعل إيجاباً مع التحذيرات من التمادي في سياسة «الاقتراض لسداد الاقتراض». - السيناريو الثالث، تحويل الاستقرار النسبي إلى دورة استثمار. ويتطلب ذلك تسريع الطاقة المتجددة، وإصلاح الموانئ، وتبسيط الإدارة، وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية من دون تحويل الإصلاح إلى مجرد خصخصة، وتوجيه النظام المالي بصورة أكبر نحو تمويل الشركات، وخلق فرص للاستثمار أمام الجالية التونسية في الخارج.


مقالات ذات صلة

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

حصاد الأسبوع ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)

ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

يدخل أولريش زيغموند زعيم التنظيم المحلي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية مفاوضات مع حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت» الشعبوي اليساري

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع الرئيسان بوتين وشي جينبينغ يوسّعان أطر التعاون الثنائي الاستراتيجي (أ.ف.ب)

القطب الشمالي... مواجهة تزداد سخونة وسط ذوبان الثلوج

مع أن «مقدّمات» اشتعال التنافس المباشر في منطقة القطب الشمالي، بين روسيا والصين من جانب، والولايات المتحدة وشريكاتها في حلف شمال الأطلسي «ناتو» من جانب آخر،

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع «تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة

شوقي الريّس (مدريد)

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
TT

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض، وتعليق الشبكات الكبرى التغطية التلفزيونية المشتركة لأنشطته، انتقل النزاع إلى اختبار حدود السلطة على المعلومات، وقدرة الصحافة على الدفاع عن استقلاليتها أمام جمهور تتراجع ثقته بها. وتجمع المواجهة بين أسئلة يصعب فصلها: أين تنتهي صلاحية الإدارة في تنظيم الوصول إلى المؤسّسات الحكومية؟ وأين تبدأ معاقبة التوجه التحريري؟ وهل أضعفت بعض وسائل الإعلام موقعها حين غلَّبت الخصومة السياسية على تفسيرها للوقائع؟ ثم هل يفسر أسلوب ترمب وحده هذا التصعيد، أم أنه يكشف عن أزمة أوسع في العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والصحافة والمواطنين؟ وبين رئيس يرى في التغطية «المعادية» تشويهاً لسياساته، ومؤسسات تعد استبعادها اعتداء على حرية الصحافة، يدور صراع يتجاوز الطرفين: من يحدد المعلومات التي تصل للأميركيين عن حكومتهم، وبأي شروط؟

بدأ الفصل الأخير، الأسبوع الماضي، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حظر الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو»، متهماً إياها بنشر أخبار كاذبة. وبعد ذلك منع صحافيوها من الدخول وسحبت تصاريحهم. ودخل القضاء على خط المواجهة بعدما لجأت المؤسسات إليه يوم الاثنين. ويوم الأربعاء أمر القاضي تيموثي كيلي، الذي عيّنه ترمب عام 2017، بإعادة اعتمادات صحافيي المؤسسات الثلاث فوراً، ووقف تنفيذ الحظر لمدة 14 يوماً. ورجح القرار مخالفة الحظر للضمانات الدستورية، واعتبر أن مبررات الأمن القومي تفتقر إلى سند واقعي كاف. وهو تدخّل مؤقت يضع إجراءات الإدارة تحت الرقابة القضائية، فيما يستمر النزاع بشأن حدود سلطتها على وصول الصحافة.

جذور في ولاية ترمب الأولى

للخلاف جذور في ولاية ترمب الأولى، حين ألغى اعتماد مراسل الـ«سي إن إن» جيم أكوستا عام 2018، قبل أن يأمر كيلي بإعادته لغياب الضمانات الإجرائية اللازمة. لكن الانتقال من إجراء ضد مراسل إلى استبعاد مؤسسات كاملة يوسع نطاق السؤال: هل ينظم عمل الصحافة وفق قواعد معلنة، أم يصبح استمرار وجودها رهناً بتقييم الرئيس لتغطيتها؟

وامتد النزاع في ولايته الثانية إلى مواقع أخرى. ففي فبراير (شباط) 2025، أخرج البنتاغون مؤسسات من مساحات عملها ضمن برنامج قال إنه يوسع فرص الوصول لمؤسسات أخرى. ثم أثارت شروط الاعتماد اللاحقة نزاعاً قضائياً، وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاض بعدم دستورية السياسة المطعون فيها، قبل أن تعلن الوزارة تعديلات ومواصلة الاستئناف.

وتكشف هذه الوقائع عن أن القضية تتصل بقواعد مؤسسية قابلة للاستمرار بعد مغادرة ترمب منصبه. وفي المقابل، فإن اختزال خيارات اليمين، من الهجرة إلى التجارة والسياسة الخارجية، في شخصية الرئيس، يحجب النقاش حول أسباب تأييدها. فالإعلام يستطيع مساءلة الخيارات ونتائجها، لكن تفسير كل منها بوصفه نزوة شخصية قد يضعف قدرته على فهم المجتمع الذي يمنحها التأييد. كما أن «شخصنة» الصراع تؤدي أيضاً خدمة سياسية للرئيس: فحين تتحوّل المناقشة إلى محاكمة طباعه، يسهل تقديم الاعتراض على قراراته، باعتباره خصومة معه ومع ناخبيه. وعندئذ تتراجع الأسئلة القابلة للتحقق، مثل كلفة السياسة ونتائجها والبدائل المتاحة، لمصلحة سجال حول النيات والولاءات. وتلك مشكلة تحريرية حتى حين تكون الانتقادات الأصلية مبرّرة.

الصحافة تحت الاختبار

تمنح أزمة الثقة هذا الخطاب أرضية أوسع؛ ففي استطلاع «غالوب»، نشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال 28 في المائة من الأميركيين إن لديهم ثقة كبيرة أو معقولة بقدرة الصحف والتلفزيون والإذاعة على تقديم الأخبار بدقة وإنصاف وشمول. وبلغت النسبة 8 في المائة بين الجمهوريين، و27 في المائة بين المستقلين، و51 في المائة بين الديمقراطيين.

وحقاً، لا تثبت هذه الأرقام أن الأخبار خاطئة، لكنها تظهر أن المؤسسات الإعلامية لا تخاطب جمهوراً يتفق على أهليتها للحكم على الوقائع. كما أن ضعف الثقة بين المستقلين، وتراجعها حتى عند الديمقراطيين، يمنعان تفسير المشكلة كنتيجة لخطاب ترمب وحده.

ومع ذلك، يحتاج اتهام الإعلام بالتحول إلى معارضة سياسية إلى أدلة تتجاوز عدد الأخبار السلبية: هل تُمنح المعلومات المخالفة للرواية الغالبة مكانها؟ هل يظهر التصحيح بوضوح؟ وهل يستطيع القارئ تمييز الخبر من التحليل والرأي؟ وهي معايير يمكن تطبيقها على المؤسسات الليبرالية والمحافظة معاً.

في تغطية حرب إيران، على سبيل المثال، يتهم وزير الخارجية ماركو روبيو وسائل الإعلام بأنها بدت وكأنها تدافع عن طهران. هنا يختلف نقد قرار الحرب أو مساءلة الرواية الرسمية عن تفاصيل عملياتية قد تعرّض أفراداً للخطر. كما يختلف التحقيق في خسائر أو إخفاقات عن افتراض سوء نيات الإدارة سلفاً. وحين تصف السلطة النقد بالخيانة أو بتشويه الحقائق، وحين تتعامل التغطية مع كل تفسير رسمي بوصفه تضليلاً محسوماً، تضيع هذه الفروق.

بيد أن مشكلة المصالح تظهر في ملفات أخرى، كالجدل الدائر حول «أخطار» الذكاء الاصطناعي. ففي مقال رأي في الـ«وول ستريت جورنال»، جادل غابرييلي مازيني الذي يشغل منصب زميل في مبادرة «إم آي تي كونيكشن ساينس»، وقاد الفريق الذي صاغ مقترح قانون الذكاء الاصطناعي الخاص بالمفوضية الأوروبية، بأن تضخيم شركات الذكاء الاصطناعي أخطار تقنياتها، قد يخدم مصالح تنظيمية وتجارية واحتكارية. وهذه حجة تستدعي اختبار روايات الشركات ومصادرها، من دون أن تثبت أن الأخطار مختلقة أو أن الصحافة تتبنى أجندة موحدة ضد الرئيس.

والاختبار هنا عملي: هل تُعامل ادعاءات شركة نافذة بالمقدار نفسه من التدقيق الذي يواجه به تصريح سياسي؟ وهل يوضح التقرير ما ثبت بالتجربة وما بقي متوقعاً؟ هذه الأسئلة تصلح أيضاً للتعريفات الجمركية والهجرة والحروب، حيث تتنافس مصادر رسمية وتجارية وحزبية على توجيه التغطية. ومن نافلة القول إن مهنية الصحافة تقاس بقدرتها على كشف هذه المصالح، بما فيها مصالح المصادر التي تتفق معها.

في دفاعها أمام المحكمة،

قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض

«امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات

المستبعدة بمخالفة معايير المهنية

الأمن القومي وحدود السلطة

في دفاعها أمام المحكمة، قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض «امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات المستبعدة بمخالفة معايير المهنية ونشر معلومات حساسة وسرية. وبحسب «نيويورك تايمز»، استشهدت الرسائل الموجهة إليها بتقارير عن منشآت البيت الأبيض وترتيبات أمنية، وأخرى عن تقديرات ترمب للحرب مع إيران.

هذه حجج للسلطة التنفيذية في دعوى جارية، وليست أحكاماً تثبت وقوع مخالفات. وتقول المؤسسات الإعلامية إن العقوبة استهدفت توجهها التحريري ونُفذت من دون إنذار أو فرصة مسبقة للاعتراض، بينما تتمسك الإدارة بأن الإجراءات التي وفرتها بعد المنع كانت كافية. والتمييز القانوني أساسي: ليست الصحافة صاحبة حق مطلق في دخول كل مكان أو حضور كل لقاء رئاسي. لكن سابقة «شيريل ضد نايت» عام 1977 قررت أن إدارة نظام التصاريح الصحافية تخضع لضمانات دستورية، تشمل معايير واضحة وإخطاراً بأسباب الرفض وفرصة الرد.

ومن هنا، لا يكفي وصف الدخول بالامتياز لإعفاء قرارات الاستبعاد من المراجعة. وتزداد حساسية المساءلة عندما يتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل نشر تقدير سياسي لا يعجب الرئيس. ونقلت الـ«نيويورك تايمز» عن أستاذة القانون باربرا ماكويد قولها، إن المحاكم تمنح السلطة التنفيذية هامشاً في المسائل الأمنية، لكنها حذرت من أن الاستخدام غير الجدي لهذه الذريعة قد يضعفها حين تكون ضرورية بالفعل.

ويشمل النزاع توقيت تقديم أسباب المنع والضمانات المتاحة للاعتراض عليه. وتقول المؤسسات الثلاث إن الإدارة سحبت اعتمادات صحافييها من دون إخطار مسبق أو فرصة للطعن، بينما يتمسك البيت الأبيض بكفاية الإجراءات التي أتاحها بعد تنفيذ القرار. ونقلت الصحيفة عن غيب روتمان، نائب رئيس السياسات في لجنة المراسلين لحرية الصحافة، اعتراضه على تعليق الاعتماد ثم تقديم مبررات لاحقة. وبذلك، يمتد الخلاف إلى الإجراءات التي اتبعتها الإدارة، إلى جانب النزاع بشأن مضمون التغطية الصحافية.

السوابق ومعيار المقارنة

يدافع نائب الرئيس جي دي فانس عن القرار بعدّه حجباً لوصول مميز عن مؤسسات تمارس، وفق وصفه، الدعاية، ويستشهد بمعاملة وسائل محافظة في عهدي أوباما وبايدن. وتقول الإدارة إن المؤسسات المستبعدة ما زالت قادرة على النشر، بينما ترى تلك المؤسسات أن استمرار البث لا يعوض حرمانها من جمع الأخبار داخل المقر الرئاسي.

وتوجد بالفعل سوابق لضغوط اتخذتها إدارات ديمقراطية، أبرزها تحقيقات التسريبات في عهد أوباما التي شملت سجلات الـ«أسوشييتد برس» ومراسل «فوكس نيوز» جيمس روزن. غير أن هذه السوابق لا تنتج تبريراً تلقائياً للإجراء الحالي، ولا تسمح بنسبة حسابية تختزل المقارنة بين الحزبين.

إذ إن ملاحقة مصدر، والحصول على سجل اتصالات، والاستبعاد من مقابلة، وسحب اعتماد مؤسسة، إجراءات تختلف في طبيعتها وآثارها. وقد يكون إجراء محدود العدد بالغ التأثير إذا أخاف المصادر وعطل التحقيقات. المعيار الأكثر جدية يجمع بين نطاق الإجراء ومدته، وضمانات الاعتراض عليه، ومدى ارتباطه بمخالفة محددة أو بموقف تحريري.

وتعقّد مشاركة «فوكس نيوز»، المحسوبة على الجمهوريين، في موقف الشبكات اختزال المواجهة بأنه صراع مع الإعلام الليبرالي. ففي بيان مشترك نشرته الشبكة مع الـ«إيه بي سي» والـ«سي بي إس» والـ«سي إن إن» والـ«إن بي سي»، أكّدت المؤسسات «مصلحة الجمهور في معلومات مستقلة»، ورفضت تقييد مؤسسة بسبب الاعتراض على تقاريرها. غير أن هذا «التضامن» وإن كان لا يلغي المنافسة أو الانحيازات بين الشبكات، لكنه يوضح وجود مصلحة مهنية مشتركة في منع السلطة من اختيار من يراقبها. وأيضاً يضع سؤالاً أمام الإعلام نفسه عن كيفية الدفاع عن حق الوصول مع استمرار تزويد الجمهور بالمعلومات، حتى في أثناء الاحتجاج على القيود.

الديمقراطية وأزمة الثقة

قابل البيت الأبيض تراجع التغطية المشتركة بإطلاق بث «ترمب تي في»، الذي يقدم محتوى تختاره الإدارة. وبدأ بخطابات الرئيس ومشاهد عسكرية، من دون برامج أصلية. وهو ما يبرز إمكانية تجاوز الوسيط الصحافي والوصول مباشرة إلى الجمهور، مع غياب الأسئلة المستقلة عن الشاشة الرسمية. غير أن أزمة الوساطة ليست أميركية حصراً، فقد وجد تقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة» لعام 2026 أن الثقة بالأخبار انخفضت في 29 من أصل 48 سوقاً شملها، وبلغ متوسطها 37 في المائة. ويربط التقرير هذا التراجع بتحولات استهلاك الأخبار والقلق الأوسع من المؤسسات، مع بقاء الثقة بعلامات إعلامية محددة أكثر تماسكاً من الثقة بالإعلام عموماً.

وتدعم النتائج بحث أزمة أوسع في الديمقراطيات الغربية، لكنها لا تكفي لإعلان انهيار نموذج واحد. فالفروق بين الدول، وأنظمة الإعلام، واستقلال المحاكم، وملكية المؤسسات، تؤثر في قدرة كل مجتمع على مواجهة الضغط. كما أن تراجع الثقة قد يطال الحكومة والصحافة معاً، فلا تستفيد منه السلطة بالضرورة على المدى الطويل.

وفي الولايات المتحدة يختبر اللجوء إلى القضاء والتضامن بين شبكات متنافسة قدرة المؤسسات على فرض حدود للصراع. ومع أن القضاء تدخل لإعادة الاعتمادات مؤقتاً، فإن قراره لا يعالج وحده شكوك جمهور يرى الصحافة خصماً، ولا يعفي غرف الأخبار من مراجعة أخطائها.

والواقع أن المواجهة الجارية بين ترمب ووسائل الإعلام تكشف عن تاريخ أوسع من استخدام السلطة التنفيذية أدواتها للضغط على الصحافة؛ إذ شهد عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما إجراءات طالت اتصالات الصحافيين ومصادرهم، وأثارت اعتراضات حادة على إدارة تعهدت بالشفافية، ثم وسعت ملاحقة تسريبات المعلومات الحكومية.

في مايو (أيار) 2013، كشفت وكالة الـ«أسوشييتدبرس» أن وزارة العدل حصلت سراً على سجلات 21 خطاً هاتفياً استخدمها صحافيوها ومكاتبها خلال فترة شهرين. واعترض رئيس الوكالة آنذاك، غاري برويت، على اتساع الإجراء وتنفيذه من دون إخطار مسبق يتيح الطعن فيه، محذراً من أثره في قدرة الصحافة على جمع الأخبار.

وطالت التحقيقات جيمس روزن، مراسل «فوكس نيوز»؛ إذ حصل المحققون على سجلات اتصالاته وبريده الإلكتروني في قضية تسريب معلومات عن كوريا الشمالية. ولقد وصفته وثائق التحقيق بأنه شريك محتمل في مخالفة قانون التجسس، بما أثار مخاوف من التعامل مع العمل الصحافي نفسه بوصفه نشاطاً جنائياً. ولم توجّه إليه اتهامات، لكن الإجراء وضع سرية علاقته بمصادره تحت ضغط مباشر.

وبحسب تقرير «لجنة حماية الصحافيين» في أكتوبر 2013، شملت الملاحقات بموجب قانون التجسّس منذ 2009 ستة موظفين حكوميين ومتعاقدَين اثنين، مقارنة بثلاث ملاحقات مماثلة في الإدارات السابقة مجتمعة. وتتعلق هذه الأرقام بقضايا التسريب، لكنها تكشف عن حجم التصعيد الذي رافق خطاب الإدارة عن الانفتاح.

وتبرز هذه الوقائع وجهاً للضغط لا يظهر بالضرورة في منع كاميرا أو سحب اعتماد: حين يخشى المصدر كشف اتصالاته، قد تتوقّف المعلومة قبل وصولها إلى الصحافي. ولذلك، لا يكفي استمرار مؤسسة إعلامية في النشر للقول إن حريتها لم تتأثر. وتمنح هذه السوابق أساساً للاعتراض على انتقائية الدفاع عن الصحافة وفق هوية الرئيس أو المؤسسة المستهدفة. فالمعيار هو ما تفعله السلطة بأدواتها، ومدى خضوعها للمساءلة. ومن مراقبة الاتصالات في عهد أوباما إلى سحب الاعتمادات في عهد ترمب، يبقى السؤال: كيف تُحمىَ قدرة الصحافة على كشف ما تُفضِّل الإدارة حجبه عن الجمهور؟


أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
TT

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية لا تخفى على أحد في ألمانيا ولا خارجها؛ ذلك أن «زيغ هايل»، ومعناه «يعيش النصر»، كان شعار النازيين الذي تردد لسنوات، وأصبح محظوراً في ألمانيا بعد هزيمة النازيين من ضمن مساعي البلاد للابتعاد عن إرثها الداكن. ومع ذلك، يلعب مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» الفائر بالانتخابات في ولاية سكسونيا-أنهالت، أولريش (أولي) زيغموند، على الكلمات، ويحمّس مؤيديه على الرد لدى سماع كلمة «زيغ» في تجمّعاته، بكلمة «موند»، وهي تعني بالألمانية «فم»، ثم يمازح قائلاً إن اسمه «زيغ موند»، وإن الهتاف هو هتاف لاسمه، ضاحكاً ومتسائلاً: «ما المشكلة في اسمي؟!». لعل هذه القصة تلخّص الكثير عن الرجل الذي تحوّل إلى نجم من دون منافس لدى الحزب اليميني المتطرف، والذي سيصبح قريباً أول رئيس حكومة محلية في ألمانيا ينتمي إلى حزب يميني متطرف منذ هزيمة النازيين. فهو يستخدم خليطاً من الفكاهة و«الكاريزما» ليرى إلى أي مدى يمكنه تخطي الخطوط الحمراء. وكما حول الشعار المحظور إلى دعابة، يسعى الشاب البالغ من العمر 35 سنة إلى فرض واقع جديد في ألمانيا. ويسعى حزبه إلى أن يختبر عبره إلى أي مدى يمكن الذهاب في ولاية صغيرة، على أمل نقل التجربة على الصعيد الوطني قريباً.

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وقف أولريش زيغموند أمام قرابة 20 شخصاً، بينهم نازيون جدد ومتطرفون يمينيون، داخل فندق فخم ناءٍ في مدينة بوتسدام القريبة من برلين، يتكلم أمام مشاركين في اجتماع سرّي دُعي إليه برسائل ورقية.

كان حينذاك رئيس الكتلة النيابية لحزبه «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت. ووقف داعياً المشاركين إلى تقديم تبرعات لحملته الانتخابية التي كان بدأ يعد لها منذ ذلك الوقت، وعارضاً أفكاره لـ«تغيير صورة الشوارع في ألمانيا».

في ذلك التجمع قال إنه في حال فوزه، فإن «المطاعم الأجنبية» في ولايته «ستصبح تحت ضغوط كبيرة»، وإنه سيجعل العيش في سكسونيا-أنهالت «غير جذاب بأكبر قدر ممكن لهذه الفئة»، قاصداً بذلك المهاجرين ومَن هم من أصول مهاجرة، الذين كانوا حقاً موضوع نقاش الاجتماع السرّي. وتابع يقول إن تحقيق ذلك «سيكون سهلاً جداً جداً».

فضح الاجتماع السرّي

الاجتماع السرّي فضحه لاحقاً صحافيون ألمان من موقع «كوريكتيف» الاستقصائي الذي كشف أن إحدى الرسائل سُربت إليه، وأنه أرسل صحافياً إلى الفندق لكي يراقب الاجتماع ويكتب عنه.

وكان هدف الاجتماع الذي دعا إليه اثنان من كبار رجال الأعمال والمموّلين الألمان، مناقشة خطة لترحيل ملايين المهاجرين والألمان من أصول مهاجرة، بحسب الموقع الاستقصائي.

أثار الكشف عن الاجتماع آنذاك غضباً كبيراً في ألمانيا وإدانات سياسية واسعة؛ خاصة لأنه حمل أصداء تاريخية، مذكّراً باجتماع النازيين لمناقشة وإقرار «الحل النهائي» الذي شكّل بداية المحرقة (الهولوكوست). وللعلم، أيضاً عُقد اجتماع النازيين في مدينة بوتسدام في مكان قريب من موقع الاجتماع الحديث الذي شارك فيه زيغموند.

اللافت أن زيغموند كان واحداً من 3 سياسيين في حزب «البديل من أجل ألمانيا» شاركوا في الاجتماع، والثلاثة يعتبرون من المتطرفين داخل الحزب؛ ولذا حاول الحزب إبعاد نفسه عنهم، مدّعياً أنهم حضروا «بصفة شخصية»، وأن ما نوقش ليس سياسة يتبناها الحزب. غير أن الحزب لم يتمكن من إنكار ما نوقش بسبب وجود تسجيلات تثبت ذلك.

لا ذكر للاجتماع في الإعلام

أيضاً، كان لافتاً أنه رغم الصدمة والنقمة التي تسبب فيها الكشف عن الاجتماع في ذلك الحين، لم تُذكر القصة في الإعلام الألماني خلال حملة زيغموند الانتخابية وتغطية الانتخابات التي سبقت فوزه، وكأن الجميع نسي أنه شارك في ذاك الاجتماع، علماً بأنه في ذاك الوقت لم يكن معروفاً خارج ولايته، على عكس الوضع اليوم؛ فهو الآن بات معروفاً ليس فقط في كامل ألمانيا، بل في العالم بأسره؛ ذلك أن فوزه جذب الإعلام العالمي وترددت أصداء فوزه في كل مكان. وقد تكون مجلة «دير شبيغل» قد ساهمت عن غير قصد في تحويله إلى «نجم» بعدما وضعته على غلافها قبل الانتخابات، في صورة تثني عليه مع عنوان «أخطر رجل في ألمانيا»، ولكن من دون مضمون يعكس العنوان. زيغموند، نفسه، استغل ذلك لينشر صوراً له مع المجلة مبتسماً، والحزب اشترى كل الأعداد ليوزّعها على مؤيديه الذين بدأوا يصطفون في تجمّعاته حاملين المجلة للحصول على توقيعه.

وعندما سئل زيغموند أخيراً عن مشاركته في اللقاء قبل سنتين في سؤال عابر ضمن مقابلة مع مجلة «بوليتيكو» أخيراً، قلّل القيادي اليميني المتطرف من أهمية اللقاء، منتقداً في المقابل الصحافة التي زعم أنها «ضخّمت القصة!». أيضاً رفض زيغموند وصفه بـ«رجل متطرّف خطير»، مدّعياً أنه «شخص عادي يقلق على بلده، ويريد بلداً أفضل له ولعائلته وأولاده». وأردف: «ببساطة لا أستطيع أن أقف على الحياد في حين أشاهد بلدي يتطوّر بهذا الشكل السلبي وبسرعة». ولكن رغم إنكار الحزب تبنّي السياسات التي ناقشها الاجتماع السرّي، فإن الحملة الانتخابية في سكسونيا-أنهالت، التي قادها زيغموند وأوصلته إلى الفوز، أثبتت أن «البديل من أجل ألمانيا» تبنّى الكثير منها، ثم إن تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني؛ فزعيمته أليس فايدل، التي تحظى بإعجاب «أغنى رجل في العالم» إيلون ماسك، تكرّر أنه يجب إعادة كل السوريين إلى بلدهم. والحزب أيضاً استخدم التعبير مراراً في بيانه الانتخابي في ولاية سكسونيا-أنهالت الذي امتد على أكثر من 140 صفحة. وفيه يتعهد الحزب بإلغاء المشاريع المموّلة من الحكومة والمخصّصة لدمج المهاجرين، وإلغاء مسؤولي ومفوّضي الدمج وإبدال «مفوضي إعادة الهجرة» بهم.

نشأة زيغموند وتدرّجه

وُلد أولريش زيغموند عام 1990 في بلدة هافلبرغ بولاية سكسونيا-أنهالت لعائلة كاثوليكية. وهو متزوّج من يوليا، التي تعمل مدرّسة، ولديهما ابنة، ويعيشان في بلدة تانغرمونده القريبة من مكان ولادته في هافلبرغ.

في بدايات حياته المهنية، تلقى زيغموند تدريباً في تجارة الجملة والتجارة الخارجية، وأسّس شركة عطور عام 2014. وتخرّج لاحقاً عام 2016 في جامعة هامبورغ ببكالوريوس في العلوم الإدارية وعلم النفس الاقتصادي.

وعام 2017 هجر زيغموند الكنيسة الكاثوليكية بسبب «دورها السياسي المشين» بحسب زعمه. وللعلم، تدافع الكنيسة الكاثوليكية عن اللاجئين بشكل مستمر، وتفتح أبوابها للذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل.

وقبل الانتخابات التي فاز بها حزب «البديل من أجل ألمانيا» في سكسونيا-أنهالت، حذّرت الكنيسة الكاثوليكية في ماغدبورغ، عاصمة الولاية، من التصويت للحزب. وعلّقت لافتات ضخمة على الكاتدرائية وسط المدينة تذكّر فيها بالأخلاق المسيحية، وتدعو إلى التصويت «بضمير»، ومما كتبت: «أَحِب جارك، الحوار، الكرامة الإنسانية، التضامن، صوّت بضمير!». وبعد فوز الحزب المتطرف، أعرب مطران الكاتدرائية، إلى جانب الكنيسة البروتستانتية، عن صدمته وقلقه الكبير من زيادة الانقسام في المجتمع.

العداء للهجرة واللاجئين

من ناحية أخرى، مع أن زيغموند وُلد وكبر في ريف سكسونيا-أنهالت، حيث أعداد اللاجئين ضئيلة، فهو بنى شعبيته في الولاية على مهاجمة اللاجئين وسياسات الحكومة الفيدرالية «وسخائها» في المعونات المقدّمة لهم، مدّعياً أنه يعبر عن مشاعر أبناء الولاية. وهو دائماً يكرّر في مقابلاته أن الشوارع في ألمانيا «لم تعُد آمنة»، ويزعم أن طفولته في المقابل كانت «مليئة بالحرية... وكان بإمكانك اللعب بأمان في الشوارع ليلاً». ومن ثم، يقول إن هذه ألمانيا التي يريد إعادتها. بالطبع، هو يلمِّح إلى مسؤولية اللاجئين والمهاجرين عن جعل الشوارع أقل أماناً.

في المقابل، رغم تسخيف حزب «البديل من أجل ألمانيا» التهم الموجّهة إليه بأن بعض أفكاره تحمل صدى النازية، فإن زيغموند نفسه تكلّم عن «استخدام القوة» لتنفيذ خطط «إعادة المهاجرين».

وعندما سئل عن موقفه من خطط فتح مصنع سلاح في الولاية، قال إنه لا يعارض الفكرة، مضيفاً: «سنحتاج بطبيعة الحال إلى الموارد اللازمة لحملة إعادة الهجرة والترحيل اللاحقة، وهذا يصب في مصلحة الأمن الداخلي واستقرارنا الذاتي والدفاع الوطني»، ثم عاد ليوضح لاحقاً أن «المصنع سيصنع أيضاً المعدات والآليات ووسائل تكنولوجية وغيرها لتستخدمها القوات المسلحة الألمانية والشرطة والسلطات الأمنية». ولكن الشركة التي يتكلم عنها شركة تصنيع أسلحة إسرائيلية متخصصة فقط في تصنيع تكنولوجيا عسكرية وأنظمة دفاع وآليات مدرعة، ولا علاقة لها بتصنيع معدات للشرطة.

على خطى أبيه

في الحقيقة، لا يحمل «أولي» زيغموند أفكاراً بعيدة عن أفكار عائلته؛ فوالده يعمل لدى أحد نواب حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وهو ما دفع كثيرين لاتهامه وأعضاء في الحزب بالمحسوبية. ومثل معظم المنتمين إلى اليمين المتطرف، يتشكك زيغموند من الإعلام، ويتكلم عن خطط لـ«إصلاحه»، وإقفال القناة الرسمية المموّلة من أموال دافعي الضرائب في الولاية. وعوضاً عن ذلك، يترافق بشكل شبه عام مع «مؤثرين» على «يوتيوب» يحملون أفكاراً يمينية متطرفة، يروّجون له وينتقدون الإعلام المهني.

ويدعو برنامج الحزب إلى وقف توظيف الأجانب حتى في الوظائف المتخصصة، في مقابل إعداد خطط لإعادة جذب الألمان الذين هاجروا لملء تلك الوظائف.

وعن طلاب المدارس من أبناء المهاجرين أو المتحدّرين من أصول مهاجرة، يقول إنه يريد فصلهم في صفوف خاصة، والإحجام عن دمجهم مع الطلاب الألمان، وبدلاً من ذلك تعليمهم بمناهج بلدهم الأصلي، وبواسطة أساتذة مهاجرين، إذا أمكن، وذلك «تمهيداً لترحيلهم إلى بلدانهم» عندما تسمح الظروف بذلك.


ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
TT

ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)

يدخل أولريش زيغموند زعيم التنظيم المحلي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية مفاوضات مع حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت» الشعبوي اليساري المتطرف لتشكيل حكومة جديدة للولاية، وذلك بعدما تبين أن هذا الحزب كان الوحيد الذي وافق على التفاوض مع الحزب اليميني لتشكيل حكومة.

تلاقى الحزبان المتطرفان - يميناً ويساراً - بأفكارهما حول تشديد الهجرة وإعادة العلاقات مع روسيا. وبالتالي، يأمل زيغموند أن يصبح قريباً أول رئيس حكومة ولاية ينتمي لحزب متطرف في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

خطط الحزب تمتد إلى المناهج التعليمية التي يريد تعديلها لكي تخفّف التركيز على الشعور بالذنب الذي يلاحق الألمان بسبب ما ارتكبوه أيام النازيين، وإعادة توجيهها بحيث تركز على «الوطنية والجوانب الإيجابية».

ولا يتردد زيغموند نفسه في الكلام عن ذلك؛ إذ ينتقد فكرة أن النازيين ارتكبوا «أعظم جريمة ضد الإنسانية في التاريخ»، ويقول إن ما يبدو إنكاراً للمحرقة النازية، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الألماني، «لا أدعي القدرة على الحكم على ذلك؛ لأنني لا أستطيع تقييم البشرية جمعاء». ويضيف: «أرى أن هذا التفسير مبالغ فيه للغاية ومنفصل تماماً عن الواقع، فبالنسبة لي من المهم التطلع إلى المستقبل لا النظر إلى الماضي. وبالطبع يجب علينا دائماً أن نتعلم من التاريخ، ليس فقط من جوانب محددة منه، بل من التاريخ ككل».

أفكار زيغموند هذه نجح في إيصالها إلى أعداد كبيرة من مؤيديه من خلال متابعيه على شبكات التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بشكل كبير، خاصة على منصتَي «تيك توك» و«إنستغرام» اللتين يتابعه عليهما أكثر من 600 ألف شخص، ما يجعله من ثم السياسي الألماني الأكبر شعبية على المنصتين، ثم إنه غالباً ما ينشر صوراً له تظهره «واحداً من الشعب»، في نقيض للسياسيين المنتمين للأحزاب الأخرى.

بداية مشوار زيغموند مع التطرف غير واضحة، ولكن على الأرجح أنه كان دائماً يحمل أفكاراً متطرفة تطوّرت مع الوقت لتطول اللاجئين والمهاجرين. بداياته السياسية تظهر أنه بدأ مشواره عندما كان يبلغ 19 سنة مع أكثر الأحزاب محافظةً آنذاك، وهو حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، الذي يتزعمه اليوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

في حينه، لم يكن حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد أُسس بعد، ولم تكن هناك أحزاب على يمين الديمقراطيين المسيحيين، ولكن بعد تأسيس «البديل من أجل ألمانيا» عام 2013، انضم زيغموند للحزب عام 2015.