الاقتصاد التونسي... صمود تحت ثقل الديون

وسط بوادر انفراج وتحديات جديدة

أحد الأسواق في وسط العاصمة التونسية (غيتي)
أحد الأسواق في وسط العاصمة التونسية (غيتي)
TT

الاقتصاد التونسي... صمود تحت ثقل الديون

أحد الأسواق في وسط العاصمة التونسية (غيتي)
أحد الأسواق في وسط العاصمة التونسية (غيتي)

بدأت تونس النصف الثاني من 2026 وسط تباين التقييمات لأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وانعكاساتها السياسية والأمنية. فالحكومة ترى في تحسن عدد من المؤشرات المالية والسياحية دليلاً على صواب خيار «التعويل على الذات»، ورفض «الرضوخ لإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والاتحاد الأوروبي». ولكن، في المقابل يحذر عدد من الخبراء الاقتصاديين والسياسيين ونشطاء معارضون من ارتفاع حجم الدين والتمويل الداخلي وتدهور القدرة الشرائية وارتفاع نسب البطالة ومؤشرات الفقر والتهميش.

على الرغم من تعاقب الاحتجاجات في ذروة صيف 2026، لا تبدو تونس على حافة انهيار اقتصادي - اجتماعي - سياسي كما سبق أن توقعت تقارير عديدة، بل إن الأوساط الرسمية، على العكس، ترى أن البلد تجاوز أخطر أزماته الهيكلية والظرفية «رغم كل مظاهر التعثّر».

تحسن واردات السياحة وتحويلات العمالة

وتكشف آخر إحصائيات الحكومة عن أن نسب النمو تحسنت فعلاً، وأن التضخم تراجع، في حين حافظ الدينار التونسي على قدر من الاستقرار مقارنة بالدولار الأميركي واليورو. وأيضاً تأكد أن مداخيل السياحة وتحويلات العمالة التونسية في الخارج والصادرات الصناعية والزراعية وفّرت هذه السنة نحو 10 مليارات دولار، ما حسّن مخزون المصرف المركزي من العملات الأجنبية.

ولكن، في المقابل، لا تزال البطالة مرتفعة، ولا سيما بين الشباب وخريجي الجامعات، وتواجه الأسر ارتفاعاً تراكمياً في الأسعار، وتعاني الشركات ضعف الاستثمار وصعوبة التمويل، وتستهلك خدمة الدين جانباً كبيراً من موارد الدولة.

وبناءً عليه، يمكن القول إن اقتصاد البلاد نجح في «الصمود» أكثر مما نجح في «الإقلاع».

تتكشَّف هذه المفارقة نفسها في الخطاب الرسمي؛ ذلك أن رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري قالت في يوليو (تموز)، لدى تسلّمها التقرير السنوي للبنك المركزي، إن النتائج الاقتصادية والمالية «تترجم صواب الخيارات الوطنية». وفسّرت ذلك بسياسة الرئيس قيس سعيّد التي تؤكد «السيادة الاقتصادية والمالية والتعويل على الإمكانات الذاتية ورفض الإملاءات الخارجية».

بيد أن التصريحات والبلاغات الجديدة الصادرة عن صلاح الدين السالمي، الأمين العام لاتحاد نقابات العمال «الاتحاد العام التونسي للشغل»، ورفاقه، تعترض وتؤكد أن الأرقام الاقتصادية تكون فعلاً إيجابية إذا ما انعكست على الحياة اليومية للمواطنين عموماً والطبقات الشعبية، سواءً عبر تحسين الخدمات أو القدرة الشرائية أو العدالة الاجتماعية.

هذه بالتحديد هي «المعضلة الكبرى» في تونس خلال 2026، وفق خبراء اقتصاد مستقلين في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، بينهم رضا الشكندالي وعبد الباسط السماري وماهر القلّال، الذين رأوا أن بعض المؤشرات تحسّنت، لكن ظروف العيش تدهورت.

صلاح الدين السالمي (موقع الاتحاد العام التونسي للشغل)

نمو نسبي... لكن الوظائف لم تعد

حسب آخر تقديرات «المعهد الوطني للإحصاء»، وأيضاً الحكومة في تونس، بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 2.6 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الأول من 2026، ثم 2.3 في المائة في الربع الثاني. وهي أرقام تسمح بالكلام عن «انتعاش نسبي بعد سنوات صعبة وأزمات إقليمية أثرت سلباً على البلاد». غير أن هذه المؤشرات الإيجابية تبقى أقل من أن تسهم في تحسين فرص التوظيف وإحداث موارد رزق محترمة لمئات آلاف الشباب والكهول العاطلين عن العمل؛ إذ إن الاقتصاد الذي يحمل نسبة رسمية للبطالة تقارب 15 في المائة يحتاج إلى معدلات نمو أعلى وأكثر استدامة، ولا سيما، إذا كان الهدف استيعاب الشباب وخريجي الجامعات.

حصيلة صيف 2026... تفاؤل حكومي وتحذير نقابي

اعتراف الحكومة

الحكومة تبدو واعية لهذه الفجوة، وخلال فعاليات «منتدى تونس للاستثمار» في يونيو (حزيران) الفائت، قالت رئيستها سارة الزعفراني إن الاقتصاد أظهر «قدرة على الصمود» على الرغم من «تعقيد السياق العالمي»، واستدلت على ذلك بتحسن النمو وتطور الاستثمار الدولي بوصفهما مؤشرين إلى استعادة الديناميكية.

لكن أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي ينظر إلى المسألة من زاوية أكثر تحفّظاً. فهو في قراءته لمخطّط التنمية 2026 - 2030، اعتبر أن المخطّط «يحتاج إلى مراجعة لأن بعض فرضيّاته سبقتها التطورات الاقتصادية والجيوسياسية». وانتقد الإخفاق في ترتيب التحديات بوضوح بين المديونية والاستثمار والبطالة والأمن الغذائي. وهذا في حين أن الخبراء والأكاديميين الجامعيين المستقلين يرون أن تراجع النسب الرسمية للتضخم المالي يمثل، بلا شك، أحد أهم عناصر الاستقرار الحالي في البلاد رغم الصعوبات.

التضخم يتراجع... لكن القدرة الشرائية لا تتحسَّن

الخبير الاقتصادي عبد الباسط السماري اعتبر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأرقام تخفي أحياناً تجربة اجتماعية مختلفة». وأوضح أن الانتقال من تضخّم تجاوز 10 في المائة في السنوات السابقة إلى نحو 5 في المائة لا يعني أن الأسعار عادت إلى الوراء، بل يعني واقعياً أن سرعة ارتفاعها أصبحت أبطأ.

ولقد لخّص الشكندالي هذه المفارقة عندما قال إن «تراجع التضخم لا يعني بالضرورة تحسن المعيشة». وأشار إلى أن المواطن راكم خسارة في قدرته الشرائية طوال سنوات، ولا يمكن قياس وضعه الحالي «بمجرد مقارنة معدل التضخم بين شهر وآخر». وهذا الطرح يجد صداه لدى «الاتحاد العام التونسي للشغل». ويُذكر أنه بعد انتخاب صلاح الدين السالمي أميناً عاماً لـ«الاتحاد» في مارس (آذار) الماضي، وضعت القيادة النقابية الجديدة مسألة الحوار الاجتماعي والأجور والقدرة الشرائية في مقدمة الملفات.

ثم في أبريل (نيسان)، حذّرت الهيئة الإدارية الوطنية لـ«الاتحاد» من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وطالبت بتغييرات «عادلة» تحمي القدرة الشرائية، وباستئناف الحوار وزيادة الأجور.

ثم ذهب السالمي أبعد خلال يوليو الماضي، حين اعتبر، خلال تجمّعات عمالية بمناسبة إضرابات واسعة في البنوك أزمة، أن غياب «الحوار الاجتماعي والسياسي» غدا أحد أسباب التوتر في قطاعات عدة. وشدد على أن «المطالب النقابية لا تُختزل في الأجور، وإنما تتّصل أيضاً بمصلحة المؤسسات والاقتصاد والعاملين وتحسين مناخ الأعمال ومناخ الحريات في البلاد».

هذا الأمر يضع الحكومة أمام معادلة دقيقة؛ إذ إن المالية العمومية تحتاج إلى الانضباط، «لكن الأمن الاجتماعي يحتاج إلى تحسين القدرة الشرائية بما يحمي الطبقة الوسطى والفئات الضعيفة من التآكل»، حسب ما أورده الخبير الاقتصادي والسياسي ماهر القلّال في تصريح لـ«الشرق الأوسط».

حين تقترض الدولة لتدفع ديونها

ثم إنه، إذا كان ملف الأسعار هو الوجه الاجتماعي للأزمة، فإن الدَّين يمثل أحد أكثر وجوهها المالية تعقيداً. وهنا يستخدم الخبير الاقتصادي عبد الباسط السماري عبارة لافتة في توصيف الوضع، إذ يقول: «نقترض لنُسدّد، ونُسدّد لنقترض من جديد!».

وفي قراءته لميزانية 2026، يرى السماري أن تخصيص أكثر من ثلث الميزانية لخدمة الدَّين يعني أن موارد ضخمة أصبحت تتجه إلى الماضي بدلاً من بناء قدرة إنتاجية للمستقبل. ومن ثم، يحذّر بصورة خاصة من الاعتماد الكبير على الدَّين الداخلي، لأنه يسحب السيولة من النظام البنكي ويرفع تكلفة التمويل على الشركات، وبالتالي يمكن أن «يخنق الاستثمار الوطني».

هذه النقطة تلتقي، على الرغم من اختلاف المقاربات، مع تحذيرات رضا الشكندالي. فالأخير يرى أن الاعتماد المتزايد على الاقتراض الداخلي لم يكن خياراً اقتصادياً مثالياً بقدر ما كان نتيجة محدودية الوصول إلى التمويل الخارجي، وذلك بحجة «رفض شروط صندوق النقد العالمي والبنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية، مقابل الموافقة على التداين من مؤسسات دولية خاصة بنسب فائدة أعلى».

وفي تحليل الشكندالي للوضع المالي، فهو يحذِّر من حلقة يصبح فيها جزءٌ متزايد من موارد الدولة موجَّهاً لسداد التزامات سابقة، بينما يضيق الهامش المتاح للاستثمار. وهنا يرى أن المشكلة ليست محاسبية فقط، فعندما تتجه البنوك بكثافة إلى تمويل الدولة، يصبح شراء سند حكومي أكثر أماناً وأقل مخاطرة من إقراض مصنع أو شركة صغيرة.

وهكذا - والكلام للشكندالي - يمكن أن تنجح الدولة في تمويل الميزانية لكنها تفعل ذلك جزئياً على حساب الاقتصاد، الذي يفترض به أن يولّد الضرائب والوظائف والنمو مستقبلاً.

وهنا تظهر مفارقة أخرى هي أن الدولة تحتاج إلى البنوك كي تموّل عجزها، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى أن تموِّل البنوك القطاع الخاص كي يخرج الاقتصاد من العجز.

البنك المركزي... والخط الأحمر النقدي

بالتوازي، يتحول النقاش إلى مستوى أكثر حساسية عندما يتعلق بالتمويل المباشر للخزينة من البنك المركزي. وهنا يحذّر الشكندالي من أن ضخّ كميات كبيرة من السيولة في اقتصاد لا ترتفع فيه كمية السلع والخدمات بالوتيرة نفسها، يمكن أن يعيد الضغط على الأسعار وقيمة الدينار. ورأى أن «الحل على المدى الطويل لا يكمن في طباعة المزيد من النقود، بل في خلق المزيد من الثروة».

في أي حال، وعلى الرغم من كل المخاوف، يبدو أن تونس تجاوزت سيناريو «الانهيار النقدي» و«الأزمة الاقتصادية الاجتماعية الأمنية الشاملة»؛ إذ تؤكد الحكومة أن التضخم الفعلي حتى صيف 2026 ظل أدنى بكثير من المستويات التي كان يخشاها بعض الاقتصاديين. غير أن التحذيرات تتزايد من أن تصبح بعض القرارات المالية والنقدية الاستثنائية آلية اعتيادية وسياسة دائمة، فالتمويل من المصرف المركزي والبنوك التجارية يمكن أن يمنح الخزينة متنفّساً قصير الأجل، لكنه لا يستطيع أن يحلّ محل الاستثمار والإنتاجية والصادرات.

5 مليارات دولار فجوة التجارة الخارجية

على الجبهة الخارجية، يقدّم العجز التجاري صورة أخرى للاختلال الهيكلي. وخلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، قاربت صادرات تونس 40.6 مليار دينار، مقابل واردات بنحو 55.6 مليار. أي أن الفجوة اقتربت من 15 مليار دينار، أو ما يزيد قليلاً على خمسة مليارات دولار إذا ما احتُسب الدولار في حدود 2.92 دينار خلال أغسطس (آب).

وهنا يلفت السماري إلى أن «الطاقة تقع في قلب المشكلة»، وهو يعتبر في تحليله لبيانات التجارة أن أكثر من نصف العجز التجاري التونسي مصدره الطاقة. وعليه، فهذا يحول ملف الطاقة المتجددة من قضية بيئية إلى قضية سيادة اقتصادية.

فكل محطة شمسية أو ريحية تعوّض جزءاً من الغاز المستورد، عملياً، تعني تقليص الطلب على العملة الصعبة وتحسين الميزان التجاري، فضلاً عن تأمين الكهرباء للصناعة. أما تأجيل الاستثمار في الطاقة، فيعني بقاء الاقتصاد عرضة لأسعار الغاز والنفط وتقلبات الخارج.

انقطاعات غير مسبوقة للتيار الكهربائي

أمر آخر يستحق الإشارة إليه هو أن اضطرابات الكهرباء خلال الصيف أظهرت أن المسألة لا تتعلق فقط بأسعار الطاقة. وهنا يرى رضا الشكندالي في الانقطاعات المتكررة مؤشراً إلى «أزمة هيكلية» في حوكمة القطاع، وينتقد توجيه جانب من التمويلات إلى سداد الديون وشراء الغاز بدلاً من تجديد الإنتاج والشبكات. ثم إنه يدعو إلى تسريع الاستثمار في الطاقة الشمسية وتسوية ديون المؤسسات العمومية تجاه شركة الكهرباء والغاز. ولكن هنا تبرز قضية أكبر: ذلك أن تونس لا تعاني من نقص التمويل فقط، بل تعاني أيضاً مشكلة تحويل التمويل المتاح إلى استثمار فعلي.

وهذا ما أقرّت به رئيسة الحكومة نفسها، حين قالت في يونيو إن الاعتمادات المخصّصة للاستثمار العمومي ارتفعت من 4.7 مليار دينار عام 2023 إلى 6.5 مليار في 2026، لكنها شدّدت على أن التحدي الأساسي لم يعد فقط توفير الأموال، بل تحويلها إلى مشاريع منجزة في آجالها.

رئيس الحكومة سارة الزعفراني الزنزري (موقع وزارة التجهيز والاسكان - تونس)

المعارضة: الأزمة ليست اقتصادية فقط

ولكن قراءة المشهد ستظل ناقصة إذا ما اقتصرت على الحكومة والاقتصاديين والنقابات. فالمعارضة التونسية تنظر إلى التدهور الاجتماعي من زاوية سياسية أيضاً، وترى أن غياب التوازن السياسي والحوار والمساءلة جزء من أزمة الحوكمة الاقتصادية.

وبالفعل، شنّت بلاغات من عشرات المنظمات غير الحكومية والأحزاب المعارضة انتقادات حادة لسياسات السلطة وحملتها مسؤولية ما وصفته بـ«التدهور المريع» في ظروف العيش. ونظمت هذه الأطراف مسيرات وتجمعات احتجاجية في العاصمة تونس وفي عدة مدن داخلية.

في المقابل، تقدّم الحكومة تفسيراً معاكساً يقوم على القول إن السياسة الحالية «أعادت للدولة استقلال القرار الوطني» ومكّنتها من تحسين المؤشرات رغم الأزمات الخارجية.

لكن، في الحصيلة النهائية، أضحى التوتر الاجتماعي والسياسي جزءاً من المشهد الاقتصادي نفسه... وبات التحدي الأكبر بالنسبة لكل الأطراف هو التوصل إلى «توازن صعب جديد» لامتصاص الآثار السلبية للصدمات المالية والاقتصادية والأمنية الإقليمية والدولية.

تونس أمام ثلاثة سيناريوهات اقتصادية اجتماعية

تبدو تونس وهي تستعد لافتتاح السنة الإدارية والسياسية الجديدة بعد أسابيع أمام ثلاثة سيناريوهات: - السيناريو الأول، مبني على استمرار «الصمود الحالي»: نمو بين 2 و3 في المائة، وتضخم يمكن التحكم فيه، واستمرار السياحة والتحويلات والصادرات، وقدرة الدولة على سداد التزاماتها. وهذا سيناريو يمنع الانهيار، لكنه لا ينهي البطالة ومعضلات ارتفاع الأسعار والبطالة، ولا يعيد بناء الطبقة الوسطى. - السيناريو الثاني، عودة الضغوط المالية إذا ما استمر نمو الدَّين والتمويل الداخلي واتسع العجز التجاري، وخصوصاً في حال حدوث صدمات جديدة في أسعار الطاقة وكلفة الإنتاج. وعندها تصبح تحذيرات الخبراء المستقلين من التضخم والتمويل النقدي أكثر إلحاحاً. كما تتأكد الحاجة إلى التفاعل إيجاباً مع التحذيرات من التمادي في سياسة «الاقتراض لسداد الاقتراض». - السيناريو الثالث، تحويل الاستقرار النسبي إلى دورة استثمار. ويتطلب ذلك تسريع الطاقة المتجددة، وإصلاح الموانئ، وتبسيط الإدارة، وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية من دون تحويل الإصلاح إلى مجرد خصخصة، وتوجيه النظام المالي بصورة أكبر نحو تمويل الشركات، وخلق فرص للاستثمار أمام الجالية التونسية في الخارج.


مقالات ذات صلة

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

حصاد الأسبوع استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بوتين... المستفيد الأكبر (أ.ف.ب)

جولات ويتكوف... و«سيناريوهات» الحوار

قد يكون المشهد الحالي للأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى المواقف الأوروبية المتشددة حيال مسألة الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بين أسباب مراجعة

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.