بدأت تونس النصف الثاني من 2026 وسط تباين التقييمات لأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وانعكاساتها السياسية والأمنية. فالحكومة ترى في تحسن عدد من المؤشرات المالية والسياحية دليلاً على صواب خيار «التعويل على الذات»، ورفض «الرضوخ لإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والاتحاد الأوروبي». ولكن، في المقابل يحذر عدد من الخبراء الاقتصاديين والسياسيين ونشطاء معارضون من ارتفاع حجم الدين والتمويل الداخلي وتدهور القدرة الشرائية وارتفاع نسب البطالة ومؤشرات الفقر والتهميش.
على الرغم من تعاقب الاحتجاجات في ذروة صيف 2026، لا تبدو تونس على حافة انهيار اقتصادي - اجتماعي - سياسي كما سبق أن توقعت تقارير عديدة، بل إن الأوساط الرسمية، على العكس، ترى أن البلد تجاوز أخطر أزماته الهيكلية والظرفية «رغم كل مظاهر التعثّر».
تحسن واردات السياحة وتحويلات العمالة
وتكشف آخر إحصائيات الحكومة عن أن نسب النمو تحسنت فعلاً، وأن التضخم تراجع، في حين حافظ الدينار التونسي على قدر من الاستقرار مقارنة بالدولار الأميركي واليورو. وأيضاً تأكد أن مداخيل السياحة وتحويلات العمالة التونسية في الخارج والصادرات الصناعية والزراعية وفّرت هذه السنة نحو 10 مليارات دولار، ما حسّن مخزون المصرف المركزي من العملات الأجنبية.
ولكن، في المقابل، لا تزال البطالة مرتفعة، ولا سيما بين الشباب وخريجي الجامعات، وتواجه الأسر ارتفاعاً تراكمياً في الأسعار، وتعاني الشركات ضعف الاستثمار وصعوبة التمويل، وتستهلك خدمة الدين جانباً كبيراً من موارد الدولة.
وبناءً عليه، يمكن القول إن اقتصاد البلاد نجح في «الصمود» أكثر مما نجح في «الإقلاع».
تتكشَّف هذه المفارقة نفسها في الخطاب الرسمي؛ ذلك أن رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري قالت في يوليو (تموز)، لدى تسلّمها التقرير السنوي للبنك المركزي، إن النتائج الاقتصادية والمالية «تترجم صواب الخيارات الوطنية». وفسّرت ذلك بسياسة الرئيس قيس سعيّد التي تؤكد «السيادة الاقتصادية والمالية والتعويل على الإمكانات الذاتية ورفض الإملاءات الخارجية».
بيد أن التصريحات والبلاغات الجديدة الصادرة عن صلاح الدين السالمي، الأمين العام لاتحاد نقابات العمال «الاتحاد العام التونسي للشغل»، ورفاقه، تعترض وتؤكد أن الأرقام الاقتصادية تكون فعلاً إيجابية إذا ما انعكست على الحياة اليومية للمواطنين عموماً والطبقات الشعبية، سواءً عبر تحسين الخدمات أو القدرة الشرائية أو العدالة الاجتماعية.
هذه بالتحديد هي «المعضلة الكبرى» في تونس خلال 2026، وفق خبراء اقتصاد مستقلين في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، بينهم رضا الشكندالي وعبد الباسط السماري وماهر القلّال، الذين رأوا أن بعض المؤشرات تحسّنت، لكن ظروف العيش تدهورت.

نمو نسبي... لكن الوظائف لم تعد
حسب آخر تقديرات «المعهد الوطني للإحصاء»، وأيضاً الحكومة في تونس، بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 2.6 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الأول من 2026، ثم 2.3 في المائة في الربع الثاني. وهي أرقام تسمح بالكلام عن «انتعاش نسبي بعد سنوات صعبة وأزمات إقليمية أثرت سلباً على البلاد». غير أن هذه المؤشرات الإيجابية تبقى أقل من أن تسهم في تحسين فرص التوظيف وإحداث موارد رزق محترمة لمئات آلاف الشباب والكهول العاطلين عن العمل؛ إذ إن الاقتصاد الذي يحمل نسبة رسمية للبطالة تقارب 15 في المائة يحتاج إلى معدلات نمو أعلى وأكثر استدامة، ولا سيما، إذا كان الهدف استيعاب الشباب وخريجي الجامعات.
حصيلة صيف 2026... تفاؤل حكومي وتحذير نقابي
اعتراف الحكومة
الحكومة تبدو واعية لهذه الفجوة، وخلال فعاليات «منتدى تونس للاستثمار» في يونيو (حزيران) الفائت، قالت رئيستها سارة الزعفراني إن الاقتصاد أظهر «قدرة على الصمود» على الرغم من «تعقيد السياق العالمي»، واستدلت على ذلك بتحسن النمو وتطور الاستثمار الدولي بوصفهما مؤشرين إلى استعادة الديناميكية.
لكن أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي ينظر إلى المسألة من زاوية أكثر تحفّظاً. فهو في قراءته لمخطّط التنمية 2026 - 2030، اعتبر أن المخطّط «يحتاج إلى مراجعة لأن بعض فرضيّاته سبقتها التطورات الاقتصادية والجيوسياسية». وانتقد الإخفاق في ترتيب التحديات بوضوح بين المديونية والاستثمار والبطالة والأمن الغذائي. وهذا في حين أن الخبراء والأكاديميين الجامعيين المستقلين يرون أن تراجع النسب الرسمية للتضخم المالي يمثل، بلا شك، أحد أهم عناصر الاستقرار الحالي في البلاد رغم الصعوبات.
التضخم يتراجع... لكن القدرة الشرائية لا تتحسَّن
الخبير الاقتصادي عبد الباسط السماري اعتبر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأرقام تخفي أحياناً تجربة اجتماعية مختلفة». وأوضح أن الانتقال من تضخّم تجاوز 10 في المائة في السنوات السابقة إلى نحو 5 في المائة لا يعني أن الأسعار عادت إلى الوراء، بل يعني واقعياً أن سرعة ارتفاعها أصبحت أبطأ.
ولقد لخّص الشكندالي هذه المفارقة عندما قال إن «تراجع التضخم لا يعني بالضرورة تحسن المعيشة». وأشار إلى أن المواطن راكم خسارة في قدرته الشرائية طوال سنوات، ولا يمكن قياس وضعه الحالي «بمجرد مقارنة معدل التضخم بين شهر وآخر». وهذا الطرح يجد صداه لدى «الاتحاد العام التونسي للشغل». ويُذكر أنه بعد انتخاب صلاح الدين السالمي أميناً عاماً لـ«الاتحاد» في مارس (آذار) الماضي، وضعت القيادة النقابية الجديدة مسألة الحوار الاجتماعي والأجور والقدرة الشرائية في مقدمة الملفات.
ثم في أبريل (نيسان)، حذّرت الهيئة الإدارية الوطنية لـ«الاتحاد» من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وطالبت بتغييرات «عادلة» تحمي القدرة الشرائية، وباستئناف الحوار وزيادة الأجور.
ثم ذهب السالمي أبعد خلال يوليو الماضي، حين اعتبر، خلال تجمّعات عمالية بمناسبة إضرابات واسعة في البنوك أزمة، أن غياب «الحوار الاجتماعي والسياسي» غدا أحد أسباب التوتر في قطاعات عدة. وشدد على أن «المطالب النقابية لا تُختزل في الأجور، وإنما تتّصل أيضاً بمصلحة المؤسسات والاقتصاد والعاملين وتحسين مناخ الأعمال ومناخ الحريات في البلاد».
هذا الأمر يضع الحكومة أمام معادلة دقيقة؛ إذ إن المالية العمومية تحتاج إلى الانضباط، «لكن الأمن الاجتماعي يحتاج إلى تحسين القدرة الشرائية بما يحمي الطبقة الوسطى والفئات الضعيفة من التآكل»، حسب ما أورده الخبير الاقتصادي والسياسي ماهر القلّال في تصريح لـ«الشرق الأوسط».
حين تقترض الدولة لتدفع ديونها
ثم إنه، إذا كان ملف الأسعار هو الوجه الاجتماعي للأزمة، فإن الدَّين يمثل أحد أكثر وجوهها المالية تعقيداً. وهنا يستخدم الخبير الاقتصادي عبد الباسط السماري عبارة لافتة في توصيف الوضع، إذ يقول: «نقترض لنُسدّد، ونُسدّد لنقترض من جديد!».
وفي قراءته لميزانية 2026، يرى السماري أن تخصيص أكثر من ثلث الميزانية لخدمة الدَّين يعني أن موارد ضخمة أصبحت تتجه إلى الماضي بدلاً من بناء قدرة إنتاجية للمستقبل. ومن ثم، يحذّر بصورة خاصة من الاعتماد الكبير على الدَّين الداخلي، لأنه يسحب السيولة من النظام البنكي ويرفع تكلفة التمويل على الشركات، وبالتالي يمكن أن «يخنق الاستثمار الوطني».
هذه النقطة تلتقي، على الرغم من اختلاف المقاربات، مع تحذيرات رضا الشكندالي. فالأخير يرى أن الاعتماد المتزايد على الاقتراض الداخلي لم يكن خياراً اقتصادياً مثالياً بقدر ما كان نتيجة محدودية الوصول إلى التمويل الخارجي، وذلك بحجة «رفض شروط صندوق النقد العالمي والبنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية، مقابل الموافقة على التداين من مؤسسات دولية خاصة بنسب فائدة أعلى».
وفي تحليل الشكندالي للوضع المالي، فهو يحذِّر من حلقة يصبح فيها جزءٌ متزايد من موارد الدولة موجَّهاً لسداد التزامات سابقة، بينما يضيق الهامش المتاح للاستثمار. وهنا يرى أن المشكلة ليست محاسبية فقط، فعندما تتجه البنوك بكثافة إلى تمويل الدولة، يصبح شراء سند حكومي أكثر أماناً وأقل مخاطرة من إقراض مصنع أو شركة صغيرة.
وهكذا - والكلام للشكندالي - يمكن أن تنجح الدولة في تمويل الميزانية لكنها تفعل ذلك جزئياً على حساب الاقتصاد، الذي يفترض به أن يولّد الضرائب والوظائف والنمو مستقبلاً.
وهنا تظهر مفارقة أخرى هي أن الدولة تحتاج إلى البنوك كي تموّل عجزها، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى أن تموِّل البنوك القطاع الخاص كي يخرج الاقتصاد من العجز.
البنك المركزي... والخط الأحمر النقدي
بالتوازي، يتحول النقاش إلى مستوى أكثر حساسية عندما يتعلق بالتمويل المباشر للخزينة من البنك المركزي. وهنا يحذّر الشكندالي من أن ضخّ كميات كبيرة من السيولة في اقتصاد لا ترتفع فيه كمية السلع والخدمات بالوتيرة نفسها، يمكن أن يعيد الضغط على الأسعار وقيمة الدينار. ورأى أن «الحل على المدى الطويل لا يكمن في طباعة المزيد من النقود، بل في خلق المزيد من الثروة».
في أي حال، وعلى الرغم من كل المخاوف، يبدو أن تونس تجاوزت سيناريو «الانهيار النقدي» و«الأزمة الاقتصادية الاجتماعية الأمنية الشاملة»؛ إذ تؤكد الحكومة أن التضخم الفعلي حتى صيف 2026 ظل أدنى بكثير من المستويات التي كان يخشاها بعض الاقتصاديين. غير أن التحذيرات تتزايد من أن تصبح بعض القرارات المالية والنقدية الاستثنائية آلية اعتيادية وسياسة دائمة، فالتمويل من المصرف المركزي والبنوك التجارية يمكن أن يمنح الخزينة متنفّساً قصير الأجل، لكنه لا يستطيع أن يحلّ محل الاستثمار والإنتاجية والصادرات.
5 مليارات دولار فجوة التجارة الخارجية
على الجبهة الخارجية، يقدّم العجز التجاري صورة أخرى للاختلال الهيكلي. وخلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، قاربت صادرات تونس 40.6 مليار دينار، مقابل واردات بنحو 55.6 مليار. أي أن الفجوة اقتربت من 15 مليار دينار، أو ما يزيد قليلاً على خمسة مليارات دولار إذا ما احتُسب الدولار في حدود 2.92 دينار خلال أغسطس (آب).
وهنا يلفت السماري إلى أن «الطاقة تقع في قلب المشكلة»، وهو يعتبر في تحليله لبيانات التجارة أن أكثر من نصف العجز التجاري التونسي مصدره الطاقة. وعليه، فهذا يحول ملف الطاقة المتجددة من قضية بيئية إلى قضية سيادة اقتصادية.
فكل محطة شمسية أو ريحية تعوّض جزءاً من الغاز المستورد، عملياً، تعني تقليص الطلب على العملة الصعبة وتحسين الميزان التجاري، فضلاً عن تأمين الكهرباء للصناعة. أما تأجيل الاستثمار في الطاقة، فيعني بقاء الاقتصاد عرضة لأسعار الغاز والنفط وتقلبات الخارج.
انقطاعات غير مسبوقة للتيار الكهربائي
أمر آخر يستحق الإشارة إليه هو أن اضطرابات الكهرباء خلال الصيف أظهرت أن المسألة لا تتعلق فقط بأسعار الطاقة. وهنا يرى رضا الشكندالي في الانقطاعات المتكررة مؤشراً إلى «أزمة هيكلية» في حوكمة القطاع، وينتقد توجيه جانب من التمويلات إلى سداد الديون وشراء الغاز بدلاً من تجديد الإنتاج والشبكات. ثم إنه يدعو إلى تسريع الاستثمار في الطاقة الشمسية وتسوية ديون المؤسسات العمومية تجاه شركة الكهرباء والغاز. ولكن هنا تبرز قضية أكبر: ذلك أن تونس لا تعاني من نقص التمويل فقط، بل تعاني أيضاً مشكلة تحويل التمويل المتاح إلى استثمار فعلي.
وهذا ما أقرّت به رئيسة الحكومة نفسها، حين قالت في يونيو إن الاعتمادات المخصّصة للاستثمار العمومي ارتفعت من 4.7 مليار دينار عام 2023 إلى 6.5 مليار في 2026، لكنها شدّدت على أن التحدي الأساسي لم يعد فقط توفير الأموال، بل تحويلها إلى مشاريع منجزة في آجالها.

المعارضة: الأزمة ليست اقتصادية فقط
ولكن قراءة المشهد ستظل ناقصة إذا ما اقتصرت على الحكومة والاقتصاديين والنقابات. فالمعارضة التونسية تنظر إلى التدهور الاجتماعي من زاوية سياسية أيضاً، وترى أن غياب التوازن السياسي والحوار والمساءلة جزء من أزمة الحوكمة الاقتصادية.
وبالفعل، شنّت بلاغات من عشرات المنظمات غير الحكومية والأحزاب المعارضة انتقادات حادة لسياسات السلطة وحملتها مسؤولية ما وصفته بـ«التدهور المريع» في ظروف العيش. ونظمت هذه الأطراف مسيرات وتجمعات احتجاجية في العاصمة تونس وفي عدة مدن داخلية.
في المقابل، تقدّم الحكومة تفسيراً معاكساً يقوم على القول إن السياسة الحالية «أعادت للدولة استقلال القرار الوطني» ومكّنتها من تحسين المؤشرات رغم الأزمات الخارجية.
لكن، في الحصيلة النهائية، أضحى التوتر الاجتماعي والسياسي جزءاً من المشهد الاقتصادي نفسه... وبات التحدي الأكبر بالنسبة لكل الأطراف هو التوصل إلى «توازن صعب جديد» لامتصاص الآثار السلبية للصدمات المالية والاقتصادية والأمنية الإقليمية والدولية.
تونس أمام ثلاثة سيناريوهات اقتصادية اجتماعية
تبدو تونس وهي تستعد لافتتاح السنة الإدارية والسياسية الجديدة بعد أسابيع أمام ثلاثة سيناريوهات: - السيناريو الأول، مبني على استمرار «الصمود الحالي»: نمو بين 2 و3 في المائة، وتضخم يمكن التحكم فيه، واستمرار السياحة والتحويلات والصادرات، وقدرة الدولة على سداد التزاماتها. وهذا سيناريو يمنع الانهيار، لكنه لا ينهي البطالة ومعضلات ارتفاع الأسعار والبطالة، ولا يعيد بناء الطبقة الوسطى. - السيناريو الثاني، عودة الضغوط المالية إذا ما استمر نمو الدَّين والتمويل الداخلي واتسع العجز التجاري، وخصوصاً في حال حدوث صدمات جديدة في أسعار الطاقة وكلفة الإنتاج. وعندها تصبح تحذيرات الخبراء المستقلين من التضخم والتمويل النقدي أكثر إلحاحاً. كما تتأكد الحاجة إلى التفاعل إيجاباً مع التحذيرات من التمادي في سياسة «الاقتراض لسداد الاقتراض». - السيناريو الثالث، تحويل الاستقرار النسبي إلى دورة استثمار. ويتطلب ذلك تسريع الطاقة المتجددة، وإصلاح الموانئ، وتبسيط الإدارة، وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية من دون تحويل الإصلاح إلى مجرد خصخصة، وتوجيه النظام المالي بصورة أكبر نحو تمويل الشركات، وخلق فرص للاستثمار أمام الجالية التونسية في الخارج.


