مع أن «مقدّمات» اشتعال التنافس المباشر في منطقة القطب الشمالي، بين روسيا والصين من جانب، والولايات المتحدة وشريكاتها في حلف شمال الأطلسي «ناتو» من جانب آخر، كانت متوافرة منذ وقت طويل، لكن تسارع تطورات الوضع في المنطقة ارتبط بشكل وثيق بتداعيات «حرب أوكرانيا» من خلال تأثير العمليات الجيوسياسية والاقتصادية في المنطقة على المواجهة.
روسيا تستخدم مشاريع النفط والغاز في القطب الشمالي (وخاصةً طريق بحر الشمال ومحطات الطاقة الجديدة) لتوليد إيرادات تُستخدم لدعم الحرب المطوّلة ضد أوكرانيا. ثم إن بُعد البنية التحتية في القطب، وعلى سبيل المثال، مشروع فوستوك النفطي في تايمير، ساعد روسيا كثيراً على تقليل المخاطر التشغيلية والعسكرية للهجمات على الموانئ في البحر الأسود وبحر البلطيق، ما ضمن تصدير المواد الخام إلى الأسواق الآسيوية.
وأيضاً، سهّل ظهور طرق الإمداد الجديدة عمليات الالتفاف على العقوبات الغربية ضد روسيا، ومنحها هامشاً واسعاً للتحرك بتعاون وثيق مع الصين، في مواجهة سعي الدول الغربية، بما فيها الولايات المتحدة، إلى الحد من التغلغل التكنولوجي والعسكري الروسي في القطب الشمالي. ولقد ربط ذلك باحتواء موسكو بشكل عام في ظل الحرب على أوكرانيا وتزايد المخاطر على البلدان المحيطة بروسيا، وبالذات النرويج والسويد وفنلندا القريبة من القطب، وبلدان حوض البلطيق (إستونيا ولاتفيا وليتوانيا) المحاذية للمنطقة.
قبل ثلاثة عقود تقريباً، وفي ظلّ فترة من الانفراج الدولي والتعاون، أنشأت ثماني دول (الدنمارك وآيسلندا وكندا والنرويج وروسيا والولايات المتحدة وفنلندا والسويد)، التي تُشكّل سواحلها وجزرها المحيط المتجمد الشمالي، «مجلس القطب الشمالي». وإلى جانب الدول، تُشارك جمعيات السكان الأصليين في المنطقة بشكل مستقل في المجلس. وهو الهيئة الدبلوماسية الرئيسية الوحيدة التي يجلس فيها شيوخ السكان الأصليين على طاولة واحدة مع ممثلي الدول.
بعدها، انتقلت رئاسة «مجلس القطب الشمالي» الدورية من آيسلندا إلى روسيا قبل سنة من اندلاع الحرب في أوكرانيا، ما أدى إلى جمود أنشطة المنظمة حتى اليوم. ومن بين الدول الثماني الأعضاء في «مجلس القطب الشمالي» خمس دول هي أعضاء مؤسسون في «ناتو»، ودولتان أخريان (فنلندا والسويد) انضمتا إلى الحلف بعد اندلاع الحرب بسبب ما اعتبرته «السلوك العدواني» للعضو الثامن... أي روسيا.
استباق روسي لتحركات الغرب
لا شك أن روسيا كانت قد سبقت شركاءها في هذا «المجلس» بخطوات واسعة لتنشيط تحركاتها في المنطقة. ووفقاً لتقارير غربية، حوّلت روسيا القطب الشمالي منذ زمن طويل إلى ساحة تجارب عسكرية. فمنذ منتصف القرن العشرين، أجرت روسيا تجارب نووية جوية سامة على أرخبيل نوفايا زيمليا. وقبل سنوات، اختبرت صاروخاً يعمل بالطاقة النووية في الشمال، ما أسفر عن حادث وتلوّث إشعاعي. وفي الوقت عينه تُجري روسيا تجارب على أنظمة أسلحة متطوّرة بشكل متزايد في القطب الشمالي، الذي لطالما كان ساحة اختبار للأسلحة الفتّاكة، بما فيها النووية. وكذلك، تُعطي روسيا الأولوية لتحديث قواتها العسكرية في القطب الشمالي، وإعادة بناء قواعد عسكرية سوفياتية سابقة، وتطوير مدارج الطائرات.
بيد أن الجديد والأبرز في هذا الملف، تمثّل في تسريع وتائر التحركات الروسية في القطب الشمالي، بالتعاون مع الصين خلال العامين الأخيرين، بشكل أثار حفيظة الغرب ودعاه لإطلاق نشاط متسارع في المنطقة.
وجاء التحرك الأبرز خلال الإعلان قبل أسبوعين عن إطلاق استثمار مشترك واسع في منطقة القطب الشمالي. وحمل تدشين صادرات النفط من المنطقة رسالة مهمة على هذا الصعيد، فضلاً عن إطلاق استراتيجية للاستثمار والتطوير في مشاريع المنطقة لمدة 10 سنوات بالتعاون مع الصين. وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مشاركته في «منتدى الشرق الأقصى» أخيراً، أن الممرّ يمثل أولوية استراتيجية لتعزيز القدرات اللوجستية الروسية.

تحتاج الصين
بقوة إلى روسيا
للعمل في القطب
الشمالي؛ إذ
تسيطر موسكو
على معظم جوانب
طريق بحر الشمال
أمن الإمدادات الدولية
وأشار بوتين إلى أن هذا الممر يهدف إلى ضمان مرونة وأمن الإمدادات الدولية، وهو يمتد من سان بطرسبورغ ومورمانسك (شمال شرقي الأطلسي) عبر طريق الشمال البحري إلى فلاديفوستوك (على شمال شرقي المحيط الهادئ)، ومن ثم إلى دول منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وفي ظل المخاطر التي تهدد الملاحة العالمية والتجارة، فإن هذا الممر مصمّم لضمان مرونة وأمن الإمدادات الدولية. وحقاً، تعهد الرئيس الروسي بتكثيف التعاون مع الشركاء الصينيين لتطوير حركة الشحن باستخدام ممر الملاحة الشمالي.
ممر الملاحة الشمالي يُعد الممر الملاحي الرئيس في منطقة القطب الشمالي الروسية؛ إذ يمتد على طول السواحل الشمالية لروسيا عبر بحار المحيط المتجمد الشمالي، ويختصر الممر المسافة بين أوروبا وآسيا بنسبة 40 في المائة، مقارنة بالطرق التقليدية عبر قناة السويس، ما يقلل التكاليف التشغيلية واستهلاك الوقود، ويحد من الانبعاثات الكربونية. والشهر الماضي، أطلقت شركة «سيلجيند شيبينغ» الصينية خطاً ملاحياً منتظماً لنقل الحاويات من الصين إلى أوروبا عبر الطريق البحري الشمالي.
يذكر هنا أن أول رحلة تجريبية لنقل الحاويات من الصين إلى أوروبا، عبر ممر الملاحة الشمالي، جرى اختبارها عام 2025، عندما وصلت سفينة حاويات صينية إلى ميناء فيليكسستو البريطاني، ما مهد الطريق لانطلاق هذا المشروع الملاحي المنتظم. وبلغ إجمالي الشحن عبر الطريق البحري الشمالي عام 2025 نحو 37 مليون طن، بانخفاض طفيف عن الرقم القياسي المسجل عام 2024 بواقع 37.9 مليون طن. وللعلم، تشكّل صادرات الغاز الروسي المُسال والنفط الجزء الأكبر من الشحنات حتى الآن، فيما لا تزال الأرقام المنشودة بعيدة عن الأهداف الطموحة البالغة 200 مليون طن حتى عام 2030.
الحضور الصيني
في 15 أغسطس (آب) 2025، غادرت سفينة حاويات صينية الساحل الشرقي للصين متجهةً إلى المملكة المتحدة، سالكةً مساراً لم تسلكه السفن التجارية من قبل. وقد أطلقت شركة «سي ليجند»، المُديرة للمسار، عليه اسم «طريق الحرير الجليدي».
أما اليوم فلدى الشركات الصينية خطط أكثر طموحاً؛ ففي المنتدى الاقتصادي الشرقي في روسيا، أعلنت إحدى شركات الشحن عزمها نقل أكثر من مليون طن من البضائع عبر طريق بحر الشمال الصيف المقبل. كما يجري بحث التعاون مع الشركات الروسية المملوكة للدولة في بناء سفن متخصصة، مما يسمح باستخدام المسار على مدار العام.
يُعدّ هذا الأمر بالغ الأهمية بالنسبة للصين نظراً لاعتمادها الكبير على الطرق البحرية؛ إذ يمرّ نحو 80 في المائة من واردات النفط الصينية و60 في المائة من تجارتها البحرية عبر مضيق ملقا. ويُوفّر الطريق القطبي الشمالي مساراً بديلاً إلى الأسواق الأوروبية.
وتحتاج الصين بقوة إلى روسيا للعمل في القطب الشمالي؛ إذ تسيطر موسكو على معظم جوانب طريق بحر الشمال، بما في ذلك إصدار التصاريح، والبنية التحتية، وكسارات الجليد. وبالتالي، تُساهم الاستثمارات الصينية في مساعدة روسيا على توسيع بنيتها التحتية في القطب الشمالي وتعزيز مكانتها في المنطقة.
البعد العسكري
جدير بالذكر أيضاً أن القطب الشمالي يُمثّل بالفعل عنصراً مهماً في القدرات العسكرية الروسية. ووفق تقديرات الاستخبارات الأميركية، يتركز نحو ثلثي قدرة روسيا على توجيه ضربات نووية انتقامية بحرية في تلك المنطقة.
وتُعارض واشنطن المزاعم الروسية بشأن طريق بحر الشمال، لكنها تفتقر إلى السفن والبنية التحتية القادرة على العمل بكفاءة في ظروف القطب الشمالي، ما يحول دون ترسيخ وجود فعلي لها في المنطقة. وهذا ما دفع واشنطن إلى تنشيط تحركاتها لنشر أسلحة ومعدات في النرويج وكندا، وهو ما رأت فيه موسكو تهديداً مباشراً لأمنها. كما جاء إبرام «اتفاقية غرينلاند» أخيراً ليضع واشنطن مباشرة في مواجهة التمدد الروسي - الصيني المتسارع.
هذا، ووقّع خفر السواحل الأميركي بالفعل عقوداً لبناء 11 سفينة أمنية جديدة للقطب الشمالي. ويتوقع وصول أول سفينة عام 2028، ومن المقرر نشر ثلاث سفن في ألاسكا. وفي الوقت نفسه، يُشير الخبراء إلى أن السفن وحدها غير كافية؛ إذ ثمة حاجة أيضاً إلى قواعد وأنظمة مراقبة، فضلاً عن تعزيز التعاون مع الحلفاء.
من جهة ثانية، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، أجرى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مباحثات مع نظرائه في دول وأقاليم القطب الشمالي، في إطار تحرّك أميركي لتعزيز التعاون الأمني والاستثماري في المنطقة، عشية توقيع اتفاق أمني في شأن غرينلاند. ووفقاً لبيان أميركي، «اتفق الحلفاء على أن أمن القطب الشمالي يتطلب استثمارات متواصلة لحماية هذه المنطقة الحيوية وردع المنافسين الاستراتيجيين».
كذلك ناقش المجتمعون تطوير قدرات كاسحات الجليد والتعاون في مجالات الأمن والاستثمار، في وقت تتزايد فيه أهمية المنطقة مع ذوبان الجليد وفتح طرق بحرية جديدة تتيح الوصول إلى موارد طبيعية ضخمة. وجمع اللقاء وزراء خارجية وممثّلين عن كندا والدنمارك وفنلندا وآيسلندا والنرويج والسويد وجزر فارو وغرينلاند.
قبل ذلك مباشرة، كانت القارة الأوروبية نشّطت تحركاتها لمواجهة تمدد النفوذ الروسي في القطب الشمالي. وحمل اجتماع قادة أوروبيين في فنلندا، قبل أسبوع، لتنسيق الجهود الرامية لمواجهة التطوّرات الجارية في منطقة القطب الشمالي، إشارات إلى تصاعد مستوى التوترات في المنطقة.
وجاء الاجتماع بعد مرور أيام على عقد قمة جمعت الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ في أقصى الشرق الروسي، وركزت على الاستثمارات المشتركة في منطقة القطب الشمالي والنشاط الثنائي لتنشيط ممرات الشحن.
ووضع الاجتماع الأوروبي على رأس أولوياته ملف طرق الشحن الجديدة التي بدأت تظهر مع انحسار الجليد البحري في القطب الشمالي، إلى جانب مناقشة رواسب المواد الخام غير المستغلة والتهديدات الأمنية الناجمة عن الأنشطة العسكرية الروسية والصينية.
اتفاق غرينلاند في الحسابات الاستراتيجية
نشّطت واشنطن تحركاتها لإجراء مناورات عسكرية مشتركة في منطقة القطب الشمالي، وبالفعل أُجريت خلال الشهرين الماضيين وحدهما سلسلة تدريبات وصفتها موسكو بأنها تشكل تهديداً مباشراً، وتؤجج خطر اندلاع مواجهة مباشرة. ووفقاً لمدير إدارة الشؤون الأوروبية بوزارة الخارجية الروسية فلاديسلاف ماسلينيكوف، فإن أي مناورات يُجريها «ناتو» في القطب الشمالي «تزيد من مخاطر وقوع حوادث قد تؤدي إلى مواجهة، وتُشكل تهديدات مباشرة لأمن روسيا». لكن التطور الأبرز الذي دفع روسيا إلى رفع درجة التأهب في القطب الشمالي، جاء مع توقيع الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند «اتفاقاً أمنياً» دائماً. وبموجب بنود الاتفاق، يحق لواشنطن نشر قواتها فوراً، وإعادة بناء قاعدة نارسارسواك التي تعود إلى حقبة «الحرب الباردة» جنوب الجزيرة، وبناء قاعدة جديدة في ميسترسفيغ شرقها. كذلك يحق لـ«البنتاغون» إنشاء قواعد طيران، والقيام بطلعات جوية، وبناء منشآت على أراضي غرينلاند من دون مقابل. ويبقى الاتفاق سارياً حتى في حال إعلان الجزيرة استقلالها التام عن الدنمارك. ويشير محللون روس إلى أن الاتفاق الجديد موجّه بشكل مباشر ضد روسيا وحليفها الصيني، وليس - كما يبدو في ظاهره - استجابة فقط لطموحات الرئيس دونالد ترمب المعلنة في غرينلاند. الواقع أن أقصر مسارات الصواريخ العابرة للقارات بين الولايات المتحدة وروسيا يمر عبر القطب الشمالي. ويُشكّل نشر رادارات الإنذار المبكر وأنظمة الدفاع الصاروخي في غرينلاند تهديداً مباشراً للردع النووي الروسي. أيضاً سيشهد عمق الماء اضطراباً؛ إذ يتعين على غواصات أسطول الشمال الروسي، المتمركزة في شبه جزيرة كولا، عبور بحر بارنتس وبحر النرويج سراً للوصول إلى المحيط الأطلسي. ومع إضافة قواعد أميركية جديدة في غرينلاند، ستتعزز قدرات «ناتو» في مجال الدفاع ضد الغواصات؛ لذا أعلن سفير روسيا في كوبنهاغن، فلاديمير باربين، أن الاتفاق بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند يكرّس مساراً نحو المواجهة في القطب الشمالي. وفي هذا الإطار، تنطلق موسكو من أن الاتفاق وضع عملياً أمن القطب الشمالي تحت إشراف «ناتو» بدلاً من اقتصاره على الولايات المتحدة والدنمارك. ويضاف إلى حسابات روسيا والغرب في ملف التنافس على النفوذ في منطقة القطب توسيع الانتشار العسكري في المنطقة بشكل متزايد. وفي هذا الإطار، فإن النرويج وفق مسؤولين روس تحوّلت عملياً إلى «قاعدة عسكرية جديدة لـ(ناتو) على حدود روسيا»، وخصوصاً مع نشر المدافع الذاتية الدفع الكورية الجنوبية ومنظومات «Mk 70» الأميركية. وبحسب الخبير العسكري أليكسي أنبيلوغوف، فإنه «تكمن الميزة الرئيسة لمنظومة (Mk 70) ومنظومة (K9) في تعدّد استخداماتهما؛ إذ يمكنهما إطلاق أنواع عديدة من الصواريخ، بينها صواريخ (توماهوك). ونظراً لأن لكل ذخيرة مدى ثابتاً، فإن السؤال الأهم في الوضع الراهن هو تحديد مواقع نشر هذه المنظومات بدقة، فإذا نُشرت بالقرب من ترومسو فستكون على مقربة من قواعد غواصات أسطول الشمال الروسي وقواعد طائرات (توبوليف) الاستراتيجية». أمّا الخبير العسكري يوري كنوتوف فيرى أن التوتر المتزايد على حدود روسيا الشمالية قد يكون حرجاً؛ ذلك أنّ نشر مثل هذه الأسلحة على أراضي الغرب كان مقيّداً سابقاً بأحكام معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى، التي انسحبت منها واشنطن. وهكذا «يتضح سبب تخلي واشنطن سابقاً عن فكرة نشر أسلحة على الأراضي الألمانية؛ فالنرويج هي المكان الأمثل لذلك». واللافت أن خرائط نشرتها أخيراً وسائل إعلام أظهرت مستوى التمدّد العسكري لروسيا والولايات المتحدة في القطب الشمالي والمناطق المحيطة به. ووفقاً لبعضها، فإن روسيا تنشر حالياً 25 قاعدة عسكرية في القطب، منها 5 قواعد قرب الحدود مع النرويج، و7 محاذية لآلاسكا، في حين ينشر «ناتو» 24 قاعدة في المنطقة، بينها 8 في النرويج وحدها. وتتأهب واشنطن لتطوير قاعدتين جديدتين في غرينلاند بموجب الاتفاق الأخير.
