أوروبا... بين «حاجتها للمهاجرين» و«شعبوية اليمين المتطرف»

البُعد السياسي لمُعضلة ديمغرافيتها

بحراً إلى أوروبا (أ ف ب)
بحراً إلى أوروبا (أ ف ب)
TT

أوروبا... بين «حاجتها للمهاجرين» و«شعبوية اليمين المتطرف»

بحراً إلى أوروبا (أ ف ب)
بحراً إلى أوروبا (أ ف ب)

تواجه أوروبا اليوم تحوّلاً ديمغرافياً جذرياً يهدد بإعادة تشكيل مستقبلها الاجتماعي والاقتصادي؛ ففي مطلع عام 2025 بلغ عدد سكان الاتحاد الأوروبي 450 مليون نسمة. وهذا رقم يخفي وراء ثباته الظاهري اتجاهات مُقلقة تُنذر بتحوّلات جيوسياسية عميقة. وتكمن خطورة الوضع في تآكل الوزن الديمغرافي الأوروبي على المستوى العالمي؛ إذ تقلّصت حصّة الاتحاد الأوروبي من سكان العالم بشكل مثير للقلق من 12.9 في المائة في عام 1950 إلى 5.7 في المائة فقط اليوم، ومن المتوقع أن تهبط إلى 3.7 في المائة بحلول 2070. وفي المقابل، تشهد القارة الأفريقية، خاصة منطقة الساحل، انفجاراً ديمغرافياً معاكساً؛ إذ ستقفز نسبتها من 14 في المائة إلى 27.4 في المائة خلال الفترة نفسها. الإحصاءات الأخيرة لمعهد «أوروستا للدراسات الأوروبية» تشير إلى «نمو متواضع» لا يعكس حيوية ديمغرافية حقيقية، بما أنه يعتمد كلياً على الهجرة؛ إذ تتجاوز الوفيات المواليد بانتظام منذ عام 2012.

الأزمة الديمغرافية ليست، حقاً، حكراً على أوروبا وحدها، بل تشمل معظم الدول المتقدمة مثل اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، غير أن حدّتها في القارة الأوروبية تبدو أكثر وضوحاً بسبب التباين الجغرافي الحاد بين الدول؛ إذ تعاني بلدان أوروبا الشرقية والجنوبية من تراجع أكبر مقارنةً بدول الشمال والغرب، بجانب أن التفاوت في السياسات الوطنية وغياب استراتيجية أوروبية موحّدة يفاقمان من تعقيد التحدي.

ألمانيا والتحدي الديمغرافي

تمثّل ألمانيا، البالغ تعدادها السكاني 83.6 مليون نسمة، أكبر اقتصاد أوروبي، وتعكس خطورة الأزمة الديمغرافية بشكل بيّن حيث تسجل معدل نمو سلبي يصل إلى 0.56 في المائة سنوياً، وهي خسارة تقدّر بنحو 477 ألف نسمة سنوياً؛ إذ وصل معدل الخصوبة عام 2024 إلى 1.35 طفل لكل امرأة، وهو أدنى مستوى منذ 1994. وفي المقابل، تصل شيخوخة السكان الألمان إلى نسب حرجة؛ فنحو 24 في المائة منهم تجاوز سن الـ65، ويُتوقع تجاوز هذه النسبة إلى 30 في المائة بحلول عام 2050. وعليه، تسبّبت هذه الوضعية في نقص حاد في اليد العاملة؛ إذ وصلت الوظائف الشاغرة في قطاع التكنولوجيا وحده إلى 96 ألف وظيفة خلال عام 2024 وفق الإحصاءات التي نُشرت على موقع «أوروستا للدراسات الأوروبية»، ثم إنها أجبرت الحكومة الألمانية على اتخاذ حزمة من الإجراءات المتكاملة، أهمها: تغيير نظام التقاعد برفع سن التقاعد إلى 67 سنة بحلول 2031 للحفاظ على كبار السن كقوة عاملة لأطول فترة ممكنة، مع تحسين ظروف العمل والتكثيف من برامج التدريب المستمر. ويضاف إلى ذلك تطوير استراتيجيات متنوعة لضمان استقطاب 200 ألف مهاجر مؤهّل سنوياً، مع تسهيل قوانين الهجرة وتقليص مدة الحصول على الجنسية.

الحكومة الألمانية تنشط أيضاً في مجال الدعم الأُسَري عبر الاستثمار في خدمات رعاية الأطفال، وتشجيع العمل عن بُعد لتسهيل التوازن بين الحياة الأُسَرية والمهنية، إضافة إلى إصلاح النظام الاجتماعي وتقديم دعم أفضل للأسَر.

صحيفة «لوموند» الفرنسية كانت قد نقلت في موضوع بعنوان «ألمانيا تتحمّل دورها بالكامل كدولة مستقبلة للهجرة لمواجهة احتياجاتها من العمالة»، كلاماً للمستشار الألماني السابق أولاف شولتس دعا فيه صراحةً صنّاع القرار وأرباب العمل في «قمة دافوس» الأخيرة؛ إذ قال: «إلى كل من يريد التشمير عن ذراعه والعمل، مرحباً بكم في ألمانيا...».

فون دبر لاين (آ ف ب)

المشهد الإيطالي مثير للقلق

أما إيطاليا ذات الـ58.9 مليون نسمة عام 2025، فتقدم المشهد الديمغرافي الأكثر إثارة للقلق في أوروبا الغربية؛ إذ تجاوزت حدّة الأزمة أكثر التوقّعات تشاؤماً، وباتت تهدد أسس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.

هذا الحال ليس مجرد أرقام، بل هو واقع يومي يعيشه الملايين من الإيطاليين في قرى وضواحٍ تفرّغ من سكانها، ومدارس تغلق أبوابها، ومستشفيات تكافح لتوفير الرعاية لعددٍ متزايد من المسنين.

إيطاليا سجّلت أدنى معدل ولادات في القارة الأوروبية بـ6.5 ولادة فقط لكل ألف نسمة خلال عام 2024، وهو رقم يضعها في ذيل الترتيب العالمي لمعدلات الخصوبة التي لم تكن بهذا المستوى منذ القرن التاسع عشر؛ إذ بلغت الولادات نحو 370 ألفاً فقط في عام 2024، في حين كانت تسجل أكثر من مليون ولادة سنوياً خلال عقدَي الستينات والسبعينات. بيد أن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو التسارع الحاد لنسب الشيخوخة؛ إذ تقدّم متوسط العمر بأربع سنوات كاملة خلال عقد واحد فقط؛ ما يشكل شاهداً على شيخوخة سريعة بشكل استثنائي.

من جهة ثانية، تتوقع الدراسات الديمغرافية كارثة حقيقية لإيطاليا على المدى الطويل؛ فقد تخسر البلاد 23.8 مليون نسمة بحلول عام 2100؛ ما يمثل أكبر التراجعات المتوقعة في أوروبا، وأحد أسوأ السيناريوهات الديمغرافية في العالم المتقدم؛ وذلك لأن هذا يعني أن عدد السكان قد ينخفض إلى أقل من 35 مليون نسمة بنهاية القرن؛ أي ربما يتراجع بأكثر من 40 في المائة من العدد الحالي، ثم إن هذا التراجع لن يكون موزّعاً بالتساوي على الأراضي الإيطالية؛ إذ بينما تواجه المناطق الريفية والجنوبية خطر «الانقراض» ديمغرافياً، يتوقع أن تحتفظ المدن الكبرى والمناطق الصناعية في الشمال بقدر أكبر من الاستقرار بفضل الهجرة الداخلية والخارجية.

للحدّ من هذه الأزمة اتخذت الحكومة الإيطالية بقيادة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني سلسلة من الإجراءات لمواجهة الأزمة الديمغرافية، من أهمها: خفض ضريبة القيمة المضافة بنسبة النصف على الحفاضات وحليب الأطفال، في محاولة لتقليل العبء المالي المرتبط بتربية الأطفال. وأيضاً وضعت الحكومة برنامجاً شاملاً للتعويضات العائلية يتضمّن مساعدات مالية مباشرة للأسَر التي لديها أطفال، بالإضافة إلى تخفيضات ضريبية معتبرة للعائلات الكبيرة.

الهدف من هذه السياسات تخفيف الضغط الاقتصادي الذي يُعد أحد أبرز العوائق أمام الإنجاب في إيطاليا، ثم إن الحكومة تحضّر أيضاً لرفع سن التقاعد؛ لأن نفقات المعاشات تشكّل أكثر من 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن تصل إلى 17 في المائة بحلول عام 2042. واللافت أنه على الرغم من التوجه المحافظ اليميني للحكومة الحالية، فإنها تعترف بضرورة الهجرة كعامل تعديل - أو تعويض – ديمغرافي؛ فقد اقترحت الحكومة استفتاءً لتقليص مدة الإقامة المطلوبة للحصول على الجنسية من عشر إلى خمس سنوات، في محاولة منها لتسهيل اندماج المهاجرين الموجودين فعلاً في البلاد.

مفارقات إسبانيا...والحلول الابتكارية

أيضاً على شواطئ المتوسط، تعيش إسبانيا مفارقة ديمغرافية لافتة؛ فعلى الرغم من نمو سكاني ظاهري يقدّر بـ458.300 نسمة خلال 2025 (+0.94 في المائة)، ووصول تعداد السكان إلى 49 مليون نسمة، فإن إسبانيا ما زالت تواجه أزمة ولادات حقيقية؛ إذ انخفض العدد الإجمالي للمواليد بنسبة 25 في المائة بين 2014 و2024، بالغاً 156.202 مولود فقط في النصف الأول من 2024. الإحصاءات تفيد بأن هذا النموّ ينتج حصرياً من أجيال الهجرة، بالذات من دول أميركا اللاتينية وأفريقيا، مخفياً تراجعاً طبيعياً مقلقاً. وللتصدّي لهذه الأزمة، بدأت الحكومة الإسبانية خطّة أسمتها خطة «الخصوبة الطموحة»، وهي تتمثل في برنامج بقيمة 4.5 مليار يورو يمنح 500 يورو شهرياً للأمهات دون الـ30 سنة حتى بلوغ الطفل سن السنتين (للدخل الأقل من 30 ألف يورو سنوياً) مع تمديد إجازات الأمومة والأبوة من 16 إلى 19 أسبوعاً، وتقديم تعويضات بقيمة 100 يورو شهرياً للأمهات العاملات اللواتي لديهن أطفال دون ثلاث سنوات. وشرعت الحكومة أيضاً في تسهيل تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين ابتداء من مايو (أيار) 2025.

كيكل (غيتي)

فرنسا: استراتيجية شاملة

أخيراً، يمكن القول إن فرنسا تحتفظ بأفضل وضع ديمغرافي مقارنةً مع «جاراتها» الأوروبيات؛ إذ يبلغ تعداد سكانها 68.6 مليون نسمة مع نمو إيجابي بـ168.600 نسمة عام 2025 (+0.25 في المائة). ولكن مع أن معدل الخصوبة الفرنسي يُعد من الأعلى في أوروبا (1.8 طفل لكل امرأة)، فإنه يظل دون عتبة التجديد الطبيعي للسكان المحددة بـ2.1 طفل.

هذا الانخفاض التدريجي، المصحوب بارتفاع متوسط العمر وتزايد نسبة كبار السن الذين يمثلون اليوم نحو 21 في المائة من السكان، يضع فرنسا أمام تحديات اقتصادية واجتماعية معقّدة. وتتجلى تداعيات هذه الأزمة في الضغوط المتزايدة على نظام التقاعد الفرنسي؛ إذ يتقلص عدد المساهمين النشطين مقابل ارتفاع عدد المتقاعدين. وأيضاً، تواجه أنظمة الصحة والرعاية الاجتماعية تحدِّيات مالية جسيمة لتلبية احتياجات شيخوخة المجتمع المتسارعة. ولذا، في مواجهة هذا الواقع، تبنّت الحكومة الفرنسية استراتيجية متعددة المحاور؛ فعلى صعيد السياسات الأسرية أطلقت فرنسا ما يسمى بـ«الخطة 2050» الديمغرافية التي تهدف إلى وقف تراجع الخصوبة وضمان تجديد الأجيال، بتعزيز نظام المساعدات العائلية، وتوسيع شبكة رياض الأطفال العامة، إضافة إلى تمديد إجازة الأبوة وتحسين التوازن بين الحياة المهنية والعائلية.

أما في مجال الهجرة، فقد اعتمدت فرنسا نهجاً انتقائياً يهدف إلى جذب المواهب والكفاءات المطلوبة. وتشمل هذه المبادرات تبسيط إجراءات الحصول على تأشيرات العمل للمهنيين المهرة، وإطلاق «جواز مرور الكفاءات» الذي يسهّل على الخرّيجين «الدوليين» والمستثمرين الاستقرار في فرنسا. وكذلك طوّرت برامج لجذب الباحثين والمُبتكِرين من خلال تأشيرات خاصة متعدّدة السنوات.

أيضاً، تركّز استراتيجية الإدماج الفرنسية راهناً على تعزيز تعلّم اللغة الفرنسية وتطوير آليات الاعتراف بالشهادات الأجنبية، مع التشديد على احترام القيَم الجمهورية. ولكن، رغم هذه الجهود، تواجه السياسات الحكومية تحدّيات الرأي العام المنقسم حول الهجرة والحاجة لموازنة الفوائد الاقتصادية مع التماسك الاجتماعي، في مجتمع يبحث عن هويّته وسط التحولات الديمغرافية السريعة.

واقع يومي يعيشه ملايين الإيطاليين في قرى وضواحٍ تفرّغ من سكانها

الهجرة كحل للأزمة الديموغرافية

يرى الخبير الديموغرافي الفرنسي البروفسور فرانسوا هيران أن «الهجرة المنظمة تمثل الحل الوحيد المتاح لمواجهة هذه الأزمة»، مؤكداً أن أوروبا تحتاج إلى استقبال مليوني مهاجر سنوياً للحفاظ على التوازن الديموغرافي. ويوضح أنه في ألمانيا وحدها، يتقاعد 400 ألف شخص سنوياً مقابل 300 ألف داخل جديد إلى سوق العمل، ولهذا السبب أطلقت «المفوضية الأوروبية» مبادرة «الميثاق الجديد للهجرة واللجوء» عام 2020، كما وضعت استراتيجية «المواهب والمهارات» لجذب العمالة الماهرة. وفي حين أشارت رئيسة «المفوضية» أورسولا فون دير لاين في خطاب عام 2023 إلى أن «أوروبا تحتاج للهجرة القانونية لسّد النقص في القوى العاملة»، قال المستشار الألماني السابق أولاف شولتس في سبتمبر (أيلول) 2024 في خطاب أمام البرلمان الألماني: «لا يمكن لأي دولة في العالم تملك قوة عاملة في تراجع أن تحقق نمواً اقتصادياً. وهذه هي الحقيقة التي نواجهها اليوم... الانفتاح على العالم ضروري إذن. لكن الانفتاح على العالم لا يعني أن أي شخص يريد المجيء يمكنه ذلك. يجب أن نكون قادرين على اختيار من يأتي إلى ألمانيا. وفي هذا السياق اتفقت دول المجموعة الأوروبية على تطوير خطة لاستقبال المهاجرين، تستهدف استقبال 1.2 مليون مهاجر سنوياً حتى 2030. وهذه الوضعية التي تفرض نفسها على القارة الأوروبية تخلق معادلة بالغة التعقيد، حيث تبدو الهجرة تارة حلاً منقذاً وتارة أخرى خطراً وجودياً حسب الانتماء السياسي والقناعات الآيديولوجية».

 

 

مواقف اليسار واليمين من الهجرة والتراجع الديموغرافي

بالنسبة لقوى اليسار الأوروبية، وريثة التقليد الإنساني، تبدو مسألة الهجرة استجابة طبيعية للتراجع الديموغرافي الذي يهدد التوازنات الاجتماعية للقارة. ووفق جماعات التقدميين منهم، تتجاوز المسألة الاعتبارات الديموغرافية المحضة، لأن الأمر يتعلق بالضرورات الاقتصادية، فشيخوخة سكان الاتحاد الأوروبي تؤدي إلى تراجع القوى العاملة وزيادة تكاليف المعاشات التقاعدية ورعاية المسنين والقيم الإنسانية التي تؤسس للهوية الأوروبية. في الطرف المواجه، من الطيف السياسي، تطوّر الأحزاب اليمينية الأوروبية خطاباً مقاوماً لما تعدّه «تهديداً حضارياً». وبينما يستثمر معظمها في الخوف من الآخر ويَعِدُ بحلول وهمية، يفرض الواقعان الاقتصادي والديموغرافي اعتماداً متزايداً على الهجرة بوصفها ضرورة وجودية لا مفرّ منها، وهو ما يجعل أوروبا في مفترق طرق، مُجبرة على ابتكار نموذج جديد يوفق بين الضرورات الديموغرافية والحفاظ على الهوية والقيم الإنسانية. وهنا، تجسّد إيطاليا بامتياز المفارقة الأوروبية الراهنة بين الخطاب السياسي المعادي للهجرة والحاجة الاقتصادية الملحة إليها. ففي إيطاليا، تقود جورجيا ميلوني - التي ينحدر حزبها «إخوان إيطاليا» اليميني من جذور فاشية - سياسة متناقضة جداً، إذ بينما أنفقت حكومتها 800 مليون يورو على إنشاء مراكز احتجاز في ألبانيا لمعالجة طلبات اللجوء خارج الأراضي الأوروبية - بتكلفة فلكية تصل إلى 72.461 يورو لكل سرير - تظل إيطاليا في أمسّ الحاجة إلى المهاجرين لسدّ النقص الحاد في قطاعات حيوية كالزراعة والبناء والرعاية الصحية. وهذا المشروع، الذي واجه فشلاً قانونياً متكرراً وأبقى المراكز شبه فارغة منذ افتتاحها في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، حقق مع ذلك هدفاً سياسياً: تعزيز شعبية ميلوني محلياً وجعلها «نموذجاً» يُحتذى على المستوى الأوروبي، حتى إن المفوضية الأوروبية اقترحت في مارس (آذار) 2025 تعميم فكرة «مراكز الإعادة» خارج الاتحاد. من ناحية أخرى، في النمسا، مثلاً، يبدو التناقض أكثر حدّة، فحزب الحرية (FPÖ) اليميني المتطرف بقيادة هربرت كيكل، الذي فاز بنسبة 28.9 في المائة في انتخابات سبتمبر (أيلول) 2024 يعِدُ صراحةً بـ«إعادة هجرة الغرباء غير المدعوّين» وخفض طلبات اللجوء إلى الصفر، بل وترحيل مواطنين نمساويين من أصول مهاجرة «غير مندمجين». لكن النمسا، التي يبلغ متوسط عمر سكانها 44.7 سنة ومعدل خصوبتها أقل بكثير من مستوى الإحلال السكاني، تحتاج بشدة إلى تدفّقات هجرة منتظمة للحفاظ على نظامها الاقتصادي والاجتماعي. وحالياً، يروّج كيكل، الذي يصف نفسه بـ«مستشار الشعب» (مستخدماً مصطلحاً نازياً)، لمفهوم «قلعة النمسا» المنغلقة تماماً، متجاهلاً الواقع الديموغرافي القاسي الذي يهدّد مستقبل البلاد.


مقالات ذات صلة

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

حصاد الأسبوع مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً»

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي،

«الشرق الأوسط» (بغداد)
حصاد الأسبوع ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)

إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

في جنوب لبنان، لا يبدو الدمار مجرّد نتيجة جانبية لحربٍ مفتوحة، بل هو أقرب إلى مسارٍ متكامل يعيد رسم الجغرافيا والواقع الديموغرافي معاً. قرى تُمحى تدريجياً من

بولا أسطيح (بيروت)
حصاد الأسبوع تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس

تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

لم يكن صعود تود بلانش إلى رأس وزارة العدل الأميركية، ولو بالوكالة حتى الآن، انتقالاً إدارياً عادياً في واشنطن. فالرجل الذي بدأ حياته المهنية داخل الوزارة نفسها،

إيلي يوسف ( واشنطن)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».