سياق جيوسياسي لافت للتقارب الصيني ــ الروسي ــ الهندي

مع تزايد الكلام عن تمهيد لـ«نظام عالمي جديد» بديل

لقطة جامعة للقادة المشاركين في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في تيانجين (إ.ب.أ)
لقطة جامعة للقادة المشاركين في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في تيانجين (إ.ب.أ)
TT

سياق جيوسياسي لافت للتقارب الصيني ــ الروسي ــ الهندي

لقطة جامعة للقادة المشاركين في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في تيانجين (إ.ب.أ)
لقطة جامعة للقادة المشاركين في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في تيانجين (إ.ب.أ)

شهدت قمة «منظمة شنغهاي للتعاون»، التي استضافتها أخيراً مدينة تيانجين الصينية، لعبة «لفت أنظار»، حيث استعرض كل من «مستضيف القمة» الرئيس الصيني شي جينبينغ، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، أمارات الألفة والمودة والصداقة... ما يوحي بوجود محاولة لإعادة تشكيل الوضع الجيوسياسي العالمي. لقد كانت هناك ابتسامات ومصافحات بين شي وبوتين ومودي، فهم مراقبون منها رغبة في إظهار إمكانية تشكيل جبهة موحدة باعتبار أنها بديل للقيادة الأميركية على رأس النظام العالمي، وهذا رغم ما بين القوى الثلاث من اختلافات جوهرية. وبالفعل، قال الزعماء الثلاث الكلمات المناسبة التي تحمل ما أرادوا إعلانه وإبداءه لشعوبهم في أوطانهم، وللعالم بوجه عام.

تضم «منظمة شنغهاي للتعاون»، التي أسست على أيدي ست دول عام 2001، راهناً، عشر دول تتمتع بعضوية كاملة، ودولتين مراقبتين، إلى جانب 14 دولة شريكة في الحوار من آسيا وأوروبا وأفريقيا. وتجمع «المنظمة» دولاً ذات اقتصاديات ناشئة، ودولاً نامية، مثل الصين وروسيا والهند، وتمثل نحو نصف سكان العالم، وربع الاقتصاد العالمي.

قمة تيانجين جاءت على خلفية تغيّرات متصاعدة في النظام العالمي، بينها عودة التنافس بين القوى العظمى، وتشرذم سلاسل الإمداد العالمية، واستخدام الاعتماد الاقتصادي المتبادل على أنه سلاح، وخلقت هذه التغيرات ضرورات جديدة بالنسبة إلى القوى المتوسطة تلزمها بتنويع شراكاتها الاستراتيجية، والحد من الاعتماد على أي مركز قوة واحد.

ديبيكا فوهرا، الدبلوماسية الهندية السابقة، قالت معلقة: «كانت القمة استعراضاً لقيادة عالمية بديلة، في مواجهة الولايات المتحدة، وهيمنة الغرب، وخاصة بعد التعرفات الجمركية التي فرضتها واشنطن أخيراً، والهجمات التنظيمية، واتجاه كل من الهند وروسيا والصين نحو إعادة تأكيد وتوطيد علاقاتها. وفي حين يمثل قادة الدول الثلاث أنظمة سياسية مختلفة، ويحتفظون بعلاقات متنوعة مع القوى الغربية، قد يكون لهذا التطور تداعيات كبيرة على السياسة الخارجية الأميركية».

وأضافت فوهرا أن دور بوتين البارز في القمة يؤكد «التوجه الروسي الاستراتيجي نحو آسيا بعد إقصاء روسيا عن المؤسسات الغربية. كذلك تسلّط اللقاءات الثنائية، التي عقدها بوتين مع كل من مودي وشي، الضوء على رغبة موسكو في استغلال علاقاتها مع دول كبرى آسيوية من أجل الحفاظ على وجودها العالمي، ونجاحها الاقتصادي، رغم استمرار فرض العقوبات عليها بسبب الصراع مع أوكرانيا».

الهند والصين

من جهة ثانية، يوضح أداء الهند الحذر خلال «القمة» سعي نيودلهي الحذر الهادف إلى التوازن. فللمرة الأولى منذ سبع سنوات، يطأ مودي بقدميه أرضاً صينية، أو يشارك في دبلوماسية تتضمن مخاطر عالية بالأساس مع نظيره الصيني. وجاء اللقاء في وقت تشهد العلاقات الثنائية توترات منذ المواجهات العسكرية عام 2020، ما يعطي زيارة مودي للصين -هي الأولى منذ اندلاع الأزمة- أهمية خاصة.

بل التقى شي بمودي بشكل شخصي، واتفقا على اعتبار كل من الصين والهند شريكين لا خصمين. ونُقل عن شي دعوته كلا البلدين إلى أن «يصبحا دولتي جوار متوافقتين وصديقتين وشريكتين تسهم كل منهما في نجاح الأخرى»، في إشارة إلى التعاون مثل «تنين وفيل يرقصان معاً»، بوصفهما رمزين للصين والهند على التوالي.

في المقابل، استخدم مودي مصطلح «الجنوب العالمي»، مشجعاً على إجراء إصلاحات في مؤسسات عالمية مثل الأمم المتحدة. وأوضح قائلاً: «إن تقييد طموحات الجنوب العالمي داخل إطار عتيق عفّى عليه الزمن ظلماً بيّناً للأجيال المستقبلية». ودعا رئيس الوزراء الهندي الرئيس شي إلى حضور قمة مجموعة «بريكس» التي تستضيفها الهند العام المقبل. وشكر الرئيس شي رئيس الوزراء مودي على تلك الدعوة، وعرض دعم الصين لرئاسة الهند لـ«بريكس».

من جانبها، لاحظت سنا هاشمي، الزميلة في مؤسسة التبادل التايواني الآسيوي، أن مشاركة مودي شخصياً خلال العام الحالي في قمة «منظمة «شنغهاي للتعاون» تبعث بإشارة أوضح عن نية نيودلهي تحسين علاقتها مع بكين، وكذلك مع أطراف إقليمية أخرى على نطاق أوسع. وتابعت: «إن ما يدفع هذا التقارب الواقع الجيوسياسي القاهر، حيث تواجه الدولتان ضغوطاً متصاعدة بسبب حروب التجارة الأميركية المتجددة، وسياسات الاحتواء الاستراتيجية تحت حكم إدارة دونالد ترمب... لقد أوجد التحدي المشترك، المتمثل في التعامل مع «واشنطن الماضية قدماً في سياسة الحماية الجمركية»، أرضية مشتركة بين أكبر دولتين عالمياً من حيث تعداد السكان، رغم النزاعات الحدودية العالقة، والتنافس الاستراتيجي.

العلاقة بين مودي وبوتين

أما فيما يخص العلاقات الهندية–الروسية، فإن لقاء بوتين ومودي في تيانجين حصل بينما تمر علاقات نيودلهي وواشنطن بتوتر كبير، بدأ أساساً نتيجة مواصلة الهند شراء النفط الروسي، إلى جانب المفاوضات المتجمدة بشأن الاتفاق التجاري الثنائي. وحقاً أعلنت كل من نيودلهي وموسكو خلال الشهر الماضي اتفاقهما على الشروط المرجعية الخاصة باتفاق تجارة حرة بين نيودلهي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي بقيادة روسيا. وفي المقابل، استهدفت واشنطن مشتريات الهند من النفط من روسيا، والمقدرة بـ56 مليار دولار، إذ فرض الرئيس ترمب زيادة نسبتها 25 في المائة في الرسوم الجمركية على الهند، لتبلغ نسبة التعرفة على السلع الهندية حالياً 50 في المائة، وهي الأعلى بين كل الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.

بحسب دبلوماسي هندي كان في الصين: «انتظر بوتين مودي لمدة عشر دقائق لينضم إليه في سيارته الرئاسية من أجل لقاء ثنائي، وواصل نقاشه الشخصي معه في السيارة لمدة ساعة تقريباً بعيداً عن آذان الآخرين». وأعقب ذلك ساعة إضافية ضمن لقاء ثنائي رسمي بين الزعيمين، وبعده غادر مودي تيانجين عائداً إلى الهند.

في الواقع، حافظ كل من مودي وبوتين على تواصل قوي خلال الأسابيع القليلة الماضية، خاصة بشأن الحرب ضد أوكرانيا. وتحدث كل من الزعيمين مرتين على الأقل قبل «قمة ألاسكا» وبعدها بشأن الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب الأوكرانية. وقبل مغادرة مودي متجهاً إلى اليابان والصين، أجرى مكالمة هاتفية مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

في المقابل، من المقرر أن يزور الرئيس الروسي الهند في ديسمبر (كانون الأول) لحضور القمة الثنائية السنوية. وكان مودي قد زار روسيا عام 2024 من أجل الهدف ذاته.

أهمية البعد الياباني

على صعيد آخر، في حين تواجه كل من الهند واليابان ضغوطاً مزدوجة بسبب النفوذ الصيني، والتهديدات الأميركية، تعد زيارة مودي إلى اليابان لمدة يومين قبل التوجه إلى الصين لحضور «قمة منظمة شنغهاي للتعاون» رمزية، ومهمة استراتيجياً، كونها تمثل نموذجاً للتعاون بين القوى المتوسطة، خاصة في مواجهة التوترات التجارية المتصاعدة بين الهند والولايات المتحدة. وتجمع العلاقة بين تعاون أمني كبير، وتكامل اقتصادي، وتعاون تكنولوجي، وتبادل ثقافي في إطار شراكة شاملة توفر استقلالاً استراتيجياً للدولتين.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الهند واليابان دولتان عضوان في مجموعة الـ«كواد» (الحوار الأمني الرباعي)، ومن المقرر أن تستضيف الهند قمتها المقبلة بحلول نهاية العام الحالي. بالتالي، وسط هذه البيئة الجيوسياسية المعقدة، يُعد تعزيز العلاقات الهندية-اليابانية أمراً مهماً، إذ توفر اليابان للهند شريكاً يُعتمد عليه، ويدعم استراتيجيتها الخاصة بمنطقة «حوض المحيطين الهندي والهادئ».

أين «كواد» من نظام عالمي جديد؟

بناء على ما حصل في تيانجين، توقف مراقبون ومحللون طويلاً عند متابعة الرؤساء شي وبوتين ومودي وهم يتصافحون ويتبادلون الضحكات خلال القمة. وأيضاً شهدت مواقع التواصل الاجتماعي صخباً، إذ وصف كثيرون الوضع بـ«نقطة تحول» تبشر بـ«نظام عالمي جديد».

ولكن، هل سيظهر التجمّع الاستراتيجي المتجدد أو «الشراكة الثلاثية»، التي كثيراً ما يشار إليها باسم «الترويكا الروسية–الصينية-الهندية»، على أنها قوة كبرى على الساحة الجيوسياسية العالمية خلال 2025؟

المعلق السياسي الهندي سوشانت سارين قال إن مفهوم «ترويكا روسية–صينية-هندية» باعتبارها قوة استراتيجية مواجهة للهيمنة الأميركية يعود إلى نهاية تسعينات القرن الماضي. ولقد طرحه السياسي الروسي الكبير يفغيني بريماكوف.

وأردف سارين: «بدأت روسيا تتكلم عن تلك الترويكا على أنها قطب بديل للتحالفات التي تقودها الولايات المتحدة، مثل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، والحوار الأمني الرباعي (كواد)، وبفضل ترمب عادت رائجة». وتابع: «لم يؤسس محور الترويكا على أساس الصداقة، بل تأسس خوفاً من النهج الأميركي غير المحسوب، والعقوبات الاقتصادية، والاضطراب العالمي. لم يعد الاستقلال الاستراتيجي خياراً فلسفياً للهند، بل ضرورة اقتصادية، ودبلوماسية. وقد جعل نهج كرة التحطيم المدمر، الذي يتبعه ترمب، الأمر واضحاً بشكل مؤلم. إن التقارب الثلاثي رمزي بدرجة كبيرة، والأفعال المنسقة محدودة، خاصة فيما يتعلق بقضايا الأمن والمسائل الاقتصادية».

مع ذلك، أوضح المعلق الهندي: «طبعاً، لا أحد يدعي أن هذا مثلث محبة، لكن العامل المشترك المتمثل في ترمب لم يجعل الحوار ضرورة فحسب، بل صار أمراً استراتيجياً. إنها ليست صداقة، بل إنها سعي للبقاء. لا يوجد تحالف هندي-روسي-صيني، ولا يوجد اتفاق دفاع متبادل، ولا اتحاد اقتصادي موقّع. تظل التوترات الحدودية بين الهند والصين حقيقية، ولانعدام الثقة جذور عميقة. مع ذلك ما صنعه ترمب هو ضغط مشترك، والضغط يصنع التحالف، حتى ولو كان مؤقتاً».

ولكن، ما مستقبل الـ«كواد» في أعقاب الظروف الجيوسياسية الحالية؟ لقد قرر ترمب التغيب عن قمة الـ«كواد» المقبلة في الهند، ما يشكل مؤشراً جيوسياسياً مهماً على حقيقة التوتر بين واشنطن ونيودلهي، إلى جانب الشكوك المتنامية إزاء مستقبل تحالف الـ«كواد» الذي يضم اليابان وأستراليا، إضافة إلى الهند والولايات المتحدة.

يذكر هنا أن ترمب قال في البداية إنه سيحضر القمة المقررة في نيودلهي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لكنه تراجع عن قراره بعد أشهر من تدهور العلاقات مع نيودلهي بشأن التجارة والتعرفات الجمركية، ومزاعم ترمب المتكررة -التي نفاها- عن التوسط في صراع مايو (أيار) الهندي-الباكستاني.

سياسات واشنطن الحمائية ــ الجمركية أسهمت في تقارب بين الصين والهند رغم نزاعاتهما الحدودية

التعرفات الجمركية الأميركية

فرض إدارة ترمب تعرفات أو رسوماً جمركية مرتفعة جداً على الصادرات الهندية إليها، وانتقادها الهند لشرائها النفط من روسيا، أحدثا -بلا شك- صدعاً في العلاقات دفع نيودلهي إلى البحث عن استقلال استراتيجي بعيداً عن واشنطن. وزاد ذلك الضغوط على تماسك ووحدة الـ«كواد»، وقوّض قوة التحالف بوصفها جبهة موحدة ضد نفوذ الصين الإقليمي.

ثم إن رد فعل الرئيس ترمب على «استعراض الوحدة» بين شي وبوتين ومودي في تيانجين تضمن انتقاداً حاداً، وتحذيراً. إذ رأى ترمب في «تقارب» القادة الثلاثة خلال القمة تحدياً مباشراً للمصالح الأميركية، خاصة بعد فرض تعرفة جمركية نسبتها 50 في المائة على السلع الهندية قبيل الاجتماع.

لقد أدان الرئيس الأميركي علناً القمة، وحذّر كلاً من الهند والصين وروسيا من إنشاء كتلة من شأنها تقويض القوة الأميركية، وقال إن العلاقات الهندية الودودة مع روسيا والصين كانت «أحادية الجانب»، وليست من الجانب الهندي على المدى الطويل.

كذلك انتقد ترمب الهند على مواقع التواصل الاجتماعي لتعاونها مع «دول استبدادية»، وأشار إلى اعتماد الهند الكبير على النفط الروسي، والمعدات العسكرية الروسية. وسواء كان المشهد في تيانجين عفوياً، أو مخططاً له بعناية، «تظل الرسالة واحدة»، بحسب تصريح كير جايلز، الزميل البارز في مركز معهد تشاثام هاوس البريطاني المرموق في لندن لـ«إن بي سي نيوز». ومما قاله جايلز: «العلاقة الوطيدة التي سعى ترمب إلى بنائها مع بوتين مطروحة حالياً بين بوتين وآخرين... والولايات المتحدة هي التي منحت الهند سبباً واقعياً للبحث عن صداقة وشراكة في موقع آخر».

رسالة الصين خلال احتفالاتها بعيد النصر

على جانب آخر، أشرف الرئيس الصيني شي جينبينغ على أكبر احتفال للبلاد بالنصر في 3 سبتمبر (أيلول)، وانضم إليه، بجانب فلاديمير بوتين، الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، ما يوضح تضامناً دبلوماسياً مع الزعيمين، ومعارضتهما للضغط الغربي.

بالمناسبة، يشهد العام الحالي الذكرى الثمانين لهزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، ولقد حضر العرض العسكري أكثر من 50 ألف متفرج في ساحة تيانانمن. وفيه استعرض «جيش التحرير الشعبي» الصيني أسلحة متطورة، بينها صواريخ فوق صوتية كُشف عنها حديثاً، ومقاتلات سرية، وطائرات مسيّرة متطورة، وأنظمة رادار. وجاء العرض العسكري على خلفية تدريبات عسكرية تجرى قرب تايوان، وخلافات بشأن بحر الصين الجنوبي، الأمر الذي يوضح نهج بكين القوي فيما يتعلق بالوضع الجيوسياسي.

وحول هذا الجانب رأى المحلل سارين أن «الوجود القوي لقادة استبداديين، أبرزهم بوتين وكيم، يعبر عن بزوغ (محور الانقلاب) الذي يتحدى الهيمنة الغربية، ويطرح سرداً بديلاً لإرث الحرب العالمية الثانية». وأضاف المعلق: «العرض العسكري لم يوضح القوة العسكرية الصينية فحسب، بل أيضاً عزمها الجهر بتحديها، والتصدي للنفوذ الغربي في آسيا... العرض العسكري -احتفالاً بعيد النصر الصيني- جاء استعراضاً متعمداً للقوة العسكرية، والوحدة الدبلوماسية مع روسيا وكوريا الشمالية، والطموح لإعادة تشكيل توازن القوى الإقليمية، ويرسل إشارة قوية محلياً ودولياً...».


مقالات ذات صلة

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

حصاد الأسبوع ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع

محمد الريّس ( القاهرة)
حصاد الأسبوع "عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025،

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع كبكو فوجيموري، مرشحة اليمين تحيي مناصريها (أ ب)

البيرو: لا حسم حتى الآن في السباق الرئاسي بين اليمين واليسار

للمرة التاسعة في أقل من عشر سنوات ذهبت جمهورية البيرو، في أميركا الجنوبية، نهاية الأسبوع الأول من هذا الشهر لانتخاب رئيس جديد لها في أجواء من التوتر السياسي

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع البرتو فوجيموري (1938-2024) - (رويترز)

فوجيموري ... سلالة يابانية على عرش البيرو

في عام 1990 وصل إلى رئاسة البيرو ألبرتو فوجيموري، وهو مهندس زراعي مولود من أبوين يابانيين، قاد حملة واسعة من التغييرات الاقتصادية الليبرالية، التي تسببت بموجا


ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
TT

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق الأميركي - الإيراني بوصفه وعداً بعودة التدفق، لا مجرد خبر دبلوماسي. وفي عواصم الخليج، خصوصاً التي تعيش جغرافيتها الاقتصادية على رئة هرمز، بدا الارتياح مفهوماً: العراق والكويت وقطر والبحرين، ومعها بقية دول الخليج، لا تريد حرباً مفتوحة في الممرّ الذي يعبر منه جزء حيوي من طاقة العالم. بيد أن الصورة لم تكن وردية في كل مكان. ففي تل أبيب، كان الصمت أقرب إلى الغضب المكتوم. وفي «الكابيتول هيل»، لم يكن السؤال: هل انتهت الحرب بل بأي ثمن؟ ومن يضمن أن هدنة الستين يوماً لن تتحول إلى فخ تفاوضي جديد؟ هكذا دخلت «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران حيّز السياسة الفعلية: وقف عمليات، إعادة فتح هرمز، إعفاءات نفطية، بحث في الأصول المجمّدة، صندوق إعادة إعمار ضخم، ومفاوضات نووية مؤجلة إلى ستين يوماً قابلة للتمديد. ليست «وثيقة استسلام إيراني»، كما وعد ترمب في ذروة الحرب، ولا نصراً صافياً لطهران. بل الأدق أنها «طريق خروج» أميركي من حرب كادت تتحول إلى كارثة اقتصادية عالمية، وامتحان إيراني قاسٍ: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تبدأ التحول إلى «دولة طبيعية»، أم يعيد «الحرس الثوري» تدوير الاتفاق كهدنة تكتيكية؟

من واشنطن، تُروى القصة على طريقة ترمب: ضغط عسكري هائل، ضربات موجعة، حصار بحري، ثم اتفاق أعاد إيران إلى الطاولة من دون غرق أميركا في حرب شاملة.

هذه الرواية ليست بلا أساس. فالولايات المتحدة دمّرت حقاً أجزاء واسعة من القدرات العسكرية الإيرانية، وألحقت أضراراً بمنشآت دفاعية وصاروخية، وحوّلت الحشد العسكري الأكبر في المنطقة منذ عقود إلى رافعة تفاوضية. لكن المشكلة أن الهدف المعلن كان أكبر بكثير: «استسلام غير مشروط»، وتفكيك نووي وصاروخي كامل، وربما تغيير في بنية النظام... وما تحقق حتى الآن أقل من ذلك بكثير.

براعة... وخطورة

وفق محللين، هنا تكمن براعة الاتفاق وخطورته معاً.

براعة واشنطن أنها وجدت سُلّماً للنزول من حافة الحرب، بعدما اكتشف ترمب أن استمرار المواجهة قد يضرب الاقتصاد الأميركي والعالمي قبل انتخابات التجديد النصفي. وخطورته أن إيران خرجت من تحت الضربات، وقد أثبتت أن بإمكانها تحويل الفوضى الاقتصادية إلى سلاح ردع: إغلاق هرمز، واستهداف منشآت حساسة في الخليج، ورفع كلفة الحرب إلى مستوى لا تتحمله الأسواق طويلاً.

لذلك لا تبدو «مذكرة التفاهم» نصراً إيرانياً بقدر ما هي «بداية مساومة كبرى» على شكل إيران ومكانها. فقد تلقت طهران هزيمة عسكرية قاسية، لكنها لم تُسحق سياسياً. وواشنطن حققت وقفاً للنزيف، لكنها تنازلت عن جزء من الضغط الاقتصادي قبل أن تنتزع الاتفاق النووي النهائي.

وبين هذين الحدين تتشكل المعادلة: ترمب يريد بيع الاتفاق كإنجاز اقتصادي وانتخابي، وطهران تريد بيعه كدليل صمود بوجه القوة الأميركية.

من يربح رواية النصر؟

كل اتفاق مؤقّت يولد بروايتين.

في واشنطن، يقول ترمب إنه أمّن مضيق هرمز، وخفّض أسعار الطاقة، وجنّب العالم كساداً نفطياً، وأجبر إيران على التعهّد بألا تمتلك السلاح النووي. وأضاف أن أي أموال أو استثمارات لن تصل إلى طهران إلا مقابل «سلوك جيد». هذه لغة انتخابية بامتياز: فالنفط يتدفق، والأسواق تهدأ، والرئيس لا يظهر ضعيفاً لأنه يلوّح بالعودة إلى القصف إذا أخلفت إيران.

لكن في طهران، تُروى القصة بعكس ذلك. فإيران «صمدت أمام أقوى جيش في العالم»، وفرضت رفع الحصار، واستعادت القدرة على تصدير النفط، وفتحت الباب أمام أموال مجمّدة واستثمارات بمئات المليارات.

محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وصف المذكرة بأنها «هزيمة للولايات المتحدة»، وهذا جزء من معركة داخلية لا تقل أهمية عن التفاوض مع الأميركيين. فالنظام يحتاج إلى إقناع جمهوره ونخبه بأن الضربات لم تكسر الجمهورية، بل دفعت واشنطن إلى الاعتراف بدور إيران الإقليمي وحقوقها السيادية في هرمز.

لكن بين الروايتين تقف حقيقة ثالثة هي: لا أحد ربح بعد. ترمب اشترى ستين يوماً من الهدوء، وإيران اشترت ستين يوماً من التنفّس الاقتصادي. أما النتيجة النهائية فستتحدد في الملف النووي، وفي لبنان، وفي طريقة إدارة هرمز بعد انتهاء فترة «المرور بلا رسوم».

لماذا غابت عُمان وصعدت باكستان؟

من التحوّلات اللافتة أن الوساطة لم تحمل الختم العُماني التقليدي.

لعقود، لعبت مسقط دور الممرّ الدبلوماسي الهادئ بين واشنطن وطهران. لكن هذه المرة تقدمت باكستان، بدعم إقليمي من الرياض والدوحة وأنقرة، بينما عادت عُمان من باب آخر: إدارة مستقبلية أو تقنية لحركة المرور في مضيق هرمز بالتفاهم مع إيران ودول الساحل.

هذا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل تغيراً في ديناميكيات الوساطة الإقليمية. فباكستان تملك علاقة مركّبة مع إيران، وقنوات أمنية مع واشنطن والخليج، وقدرة على التكلّم بلغة «خفض التصعيد» من دون أن تظهر كجزء من «محور عربي» ضد طهران. أما دول الخليج، التي دفعت ثمن الشلل البحري، فوجدت في الوساطة فرصة لإعادة ضبط المنطقة بلا انهيار شامل في أمن الطاقة.

لكن غياب عُمان عن صدارة المشهد يطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام دبلوماسية خليجية - إسلامية جديدة تتجاوز القنوات التقليدية، أم مجرد ترتيب اضطراري فرضته الحرب؟

الأرجح أن الجواب سيتوقف على بند هرمز. فإذا تحولت «إدارة المضيق» إلى نظام رسوم أو خدمات إيرانية، فستغدو الوساطة نفسها جزءاً من معركة السيادة البحرية.

«عقدة» تل أبيب... في لبنان

في المقابل، أخطر ما في الاتفاق أنه يتكلم عن وقف العمليات «على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان»، بينما لا إسرائيل ولا «حزب الله» طرفان موقعان عليه.

هنا تبدو العقدة: إيران وباكستان تستطيعان القول إن الهدنة تشمل لبنان، لكن بنيامين نتنياهو يقول إن إسرائيل غير ملزمة بنص لم توقعه، وإن قواتها لن تنسحب من الجنوب قبل نزع سلاح «حزب الله» أو ضمان أمن الحدود.

بالنسبة لنتنياهو، الاتفاق ليس مجرد تفاهم أميركي - إيراني، بل إنه تهديد سياسي داخلي. فهو وعد الإسرائيليين بـ«نصر كامل» على إيران ومحورها، لكنه وجد نفسه أمام مذكرة تمنح طهران فرصة للتنفس، وتضغط عليه لوقف حملة يرى أنها ضرورية في لبنان. والأسوأ بالنسبة له أن ترمب، الحليف الذي كان يُفترض أن يكون أكثر رؤساء أميركا «تفهّماً لأولويات إسرائيل»، أخذ ينتقد علناً أساليبها في لبنان، قائلاً إن «إسقاط مسيّرتين في الصحراء لا يبرّر تدمير مبانٍ في بيروت».

لكن قدرة البيت الأبيض على الضغط لها حدود؛ فترمب يحتاج إلى رأس مال سياسي كبير كي يقول لنتنياهو: توقّف الآن!

هذا صعب في عام انتخابي إسرائيلي، وصعب أيضاً في واشنطن حيث يراقب «صقور» الكونغرس الاتفاق بعين الشك. ثم إن بعض الجمهوريين يطالبون بإحاطات سرّية ورقابة تشريعية، وآخرون يرون أن إعفاءات النفط وفتح الأموال المجمّدة يمنحان النظام الإيراني «طوق نجاة». وإذا واصلت إسرائيل عملياتها في لبنان أو غزة، فستتحوّل الهدنة من اتفاق إقليمي إلى اختبار يومي للانضباط الأميركي والإسرائيلي والإيراني معاً.

مصير اليورانيوم... تحت الركام

«الملف النووي» يظل قلب الاتفاق، لكنه أيضاً أكثر أجزائه غموضاً. و«مذكرة التفاهم» تعيد تأكيد أن إيران لن تطور أو تحوز سلاحاً نووياً، لكنها تترك التفاصيل الصعبة للمفاوضات النهائية: مصير المخزون المخصّب، ومستقبل التخصيب، ونظام التفتيش، والمنشآت المتضررة، وجدول رفع العقوبات. في «اتفاق 2015» استغرقت هذه التفاصيل مفاوضات طويلة ومعقّدة شاركت فيها القوى الكبرى. أما الآن، فيُطلب إنجاز ما هو أشدّ تعقيداً خلال ستين يوماً، وبعد حرب وضربات ومنشآت مدمّرة.

المعضلة التقنية ليست نظرية. فجزء من المخزون الإيراني من اليورانيوم العالي التخصيب موجود، بحسب التقديرات، في منشآت تحت الأرض تعرضت لأضرار. والاتفاق يتكلم عن «تخفيف» أو «مزج» المواد المخصبة داخل إيران، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، لكنه لا يفرض منذ البداية إخراج المخزون إلى الخارج.

هذا فارق جوهري عن تجربة 2015، حين أرسلت إيران قسماً هائلاً من مخزونها إلى روسيا. لذا يطرح خبراء الانتشار النووي في واشنطن سؤالاً مباشراً: كيف يمكن التحقّق من المواد تحت الركام؟ ومَن يضمن أن التفتيش لن يتحوّل إلى مفاوضة على كل باب ونفق وكاميرا؟

قد تلعب روسيا مجدّداً دور «المستودع البديل»، لكن إدخال موسكو إلى قلب الاتفاق سيخلق تعقيدات جيوسياسية إضافية في ظل توترها مع الغرب.

أيضاً، «الحرس الثوري»، الذي أشرف تاريخياً على أجزاء حسّاسة من البرنامج، قد يرى في الغموض فرصة للاحتفاظ بـ«عتبة» نووية. وهنا يكمن الرهان الأميركي الحقيقي: ليس فقط تعطيل القنبلة، بل دفع إيران إلى التخلي عن منطق «الاقتراب من السلاح من دون امتلاكه»؛ فالحرب أظهرت أن قدرة «العتبة» لم تردع الضربات، لكنها قد تدفع بعض المتشدّدين إلى استنتاج معاكس: أن النموذج الكوري الشمالي، لا النموذج الإيراني، هو ما يمنع القصف.

أيضاً، حصر الاختبار المقبل في مصير اليورانيوم وحده سيكون خطأً استراتيجياً. فواشنطن مطالبة بالموازنة بين الخطر النووي المتبقي، وتهديدات أخرى لا تقلّ حساسية: برنامج الصواريخ الباليستية، وتطوير الطائرات المسيّرة، وشبكة الأذرع. لذلك لا تبدو المفاوضات المقبلة نووية فقط، بل محاولة أوسع لإعادة تعريف «حدود» القوة الإيرانية في المنطقة. ومع ذلك، تدخل واشنطن هذه الجولة من موقع أكثر تماسكاً إذا نجحت الهدنة في إعادة الملاحة البحرية في الخليج إلى طبيعتها؛ فعودة السفن إلى هرمز لا تهدئ الأسواق فقط، بل تمنح واشنطن هامشاً أوسع للضغط من دون أن تبدو رهينة ابتزاز النفط والممرات البحرية.

وهنا، لا ينفصل الملف النووي عن معادلة هرمز؛ فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل صار ورقة تفاوض على مستقبل إيران ودورها وحدود سيادتها الإقليمية.

هرمز مقابل الأصول

اقتصادياً، أعاد الاتفاق هرمز إلى قلب الجغرافيا السياسية العالمية. فالنص يمنح السفن التجارية مروراً آمناً «بلا رسوم» لمدة ستين يوماً فقط، ثم يفتح الباب أمام ترتيبات إيرانية - عُمانية لإدارة الحركة البحرية.

هذه العبارة الصغيرة قد تكون من أكثر بنود الاتفاق قابلية للانفجار. فقبل الحرب، كانت القاعدة الغربية واضحة: حرية مرور لا رسوم عليها. أما الآن، فتقول طهران إن المضيق «لن يعود إلى ما كان عليه»، وإن لها حقاً سيادياً في جباية رسوم مقابل خدمات.

وبالنسبة إلى الخليج، فالأولوية الآن هي عودة السفن لا الجدل القانوني. لكن على المدى الأبعد، أي نظام رسوم إيراني سيبدو تحويلاً لأزمة عسكرية إلى دخل سيادي دائم. وهذا ما يقلق لندن وباريس ودوائر التفكير في واشنطن التي ترى أن إيران اكتشفت قدرتها عبر الحرب على ابتزاز الاقتصاد العالمي، ليس بإغلاق المضيق فقط، بل بجعله أيضاً ممراً مشروطاً.

مع ذلك، حذّر علي لاريجاني - الذي قتل خلال الحرب - من أن طهران لا تستطيع استخدام ورقة هرمز سوى مرة واحدة، دفاعاً عن بقاء النظام. والغرب والعالم لن يبقيا مكتوفي الأيدي وسيقفان صفاً واحداً ضد إيران إذا كرّرت إغلاقه.

ثم تأتي الأموال... أصول مجمدة بمليارات الدولارات، وإعفاءات نفطية، و«صندوق إعادة إعمار» لا يقل عن 300 مليار دولار، تقول واشنطن إنها لن تموله مباشرة، بل عبر شركاء واستثمارات.

هذا البند يضع ترمب أمام مفارقة سياسية حادة؛ فهو هاجم لسنوات اتفاق أوباما؛ لأنه منح إيران أموالاً مقابل قيود نووية، لكنه الآن يقبل مبدأ الحوافز الاقتصادية قبل حسم التفاصيل النهائية. لهذا يندفع «صقور» مراكز الأبحاث، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» إلى كتّاب الرأي المحافظين، إلى التحذير من أن واشنطن تتخلّى عن أقوى أوراقها قبل انتزاع التنازلات النووية.

«دولة طبيعية»... أم «قضية ثورية»؟

جوهر الاتفاق، حقاً، ليس في بنوده الـ14 فقط، بل في السؤال الذي يحاول البيت الأبيض دفع إيران إلى الإجابة عنه: هل تريد أن تكون دولة أم ثورة دائمة؟

نائب الرئيس جي دي فانس صاغ ذلك بوضوح بالقول: إذا تصرّفت إيران كدولة طبيعية، يمكن التعامل معها كدولة طبيعية وإدخالها إلى الاقتصاد العالمي. لكن هنا المجازفة الكبرى. فأنصار الاتفاق يرون أن الهزيمة العسكرية، والأزمة الاقتصادية، وتعب المجتمع، وتراجع قدرة المحور الإقليمي، كلها قد تدفع طهران إلى خيار «الدولة» على حساب «الحرس الثوري».

المشككون يردون بأن النظام، منذ 1979، استخدم كل انفراج اقتصادي لتقوية أدوات النفوذ لا لتطبيع سلوكه. وبين التفاؤل والتشاؤم توجد حقيقة صلبة: الـ60 يوماً المقبلة لن تختبر فقط نيات إيران، بل ستختبر أيضاً قدرة ترمب على إدارة التناقضات التي فتحها بنفسه.

بناءً عليه، لا تبدو مذكرة التفاهم نهاية للحرب بقدر ما تبدو بداية امتحان أصعب من الحرب نفسها؛ فإيران خرجت مكسورة عسكرياً لكنها لم تُهزم سياسياً، وترمب خرج منتصراً في الخطاب لكنه لم ينتزع بعد اتفاقاً نهائياً يمكن التحقّق منه. وبين هرمز واليورانيوم ولبنان والكونغرس، ستقرر الأسابيع الستة المقبلة ما إذا كان الاتفاق «بوابة» إلى «شرق أوسط جديد»، أم مجرد هدنة قصيرة تعيد الجميع، بعد انقضاء الوقت، إلى شفير الهاوية. بين روايتي واشنطن وطهران حقيقة ثالثة هي أنه لا أحد ربح النزاع بعد


عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
TT

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه حال دخل في مفاوضات لالتئام الجسد الصومالي، وينال ترحيباً عربياً واسعاً، إلا أن الرجل سلك طريقاً آخر، فاقم به عواقب انفصاله، وجلب له الإدانات العربية والإسلامية المتوالية منذ تأسيسه العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وصولاً لزيارة تل أبيب في يونيو (حزيران) 2026 وفتحه سفارة مزعومة بالقدس المحتلة.

ولد عبد الرحمن عبد الله «عرّو» في مدينة هرجيسا، عاصمة الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» (الصومال البريطاني إبان الحقبة الاستعمارية) وكبرى مدنه، يوم 29 أبريل (نيسان) 1955، في عائلة مكوّنة من 7 فتيات و3 أولاد، وبينما هو طفل في الخامسة من عمره تحرّرت بلاده من الاستعمار البريطاني. وحقّاً، طيلة شبابه وصعوده كان لسلطة الصومال المركزية في مقديشو فضل كبير عليه، إذ التحق بأروقتها الرسمية قبل أن يتحوّل إلى خصم لدود لها، ويفتح الأبواب لإسرائيل بترؤسه الإقليم الانفصالي طمعاً في اعتراف تعتبره دوائر عربية معارضة «عاراً».

البداية والمسيرة

بدأ عبد الرحمن عبد الله «عرّو» تعليمه الابتدائي في مدينة بربرة، ثاني كبرى مدن الإقليم -الواقع شمال الصومال- وأهم موانئه. وتابع تعليمه الثانوي في هرجيسا، منتقلاً إلى المدرسة الثانوية عام 1977، وبعد ذلك، انتقل إلى العاصمة الصومالية الفيدرالية مقديشو؛ حيث حصل على درجة البكالوريوس في المحاسبة. وتضم شهاداته أيضاً درجة الماجستير في إدارة الأعمال ودبلوماً في حل النزاعات.

بين عامي 1978 و1981، عمل «عرّو» في منظمة معنية بالتنمية الاجتماعية في مقديشو. وبين عامي 1981 و1988 شغل منصباً دبلوماسياً في وزارة الخارجية الصومالية بإدارة التعاون الاقتصادي، ومن مايو (أيار) 1988 إلى عام 1996، عمل مستشاراً للسفارة الصومالية في موسكو ثم نائب السفير والقائم بالأعمال.

ثم إنه إبّان وجوده في أروقة مقديشو الرسمية انفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية الصومالية عام 1991، ولم يتضّح على الفور ما إذا كان لـ«عرو» موقف معارض لهذه الخطوة أم لا.

لكن المعروف أن الرجل انتقل عام 1996 إلى فنلندا، التي كانت عائلته تُقيم فيها منذ سنوات عدة وحصل على جنسيتها، وظل مقيماً فيها حتى عام 1999. وخلال عامي 1997 و1998 كان مساعد المنظمة الدولية للهجرة في فنلندا، قبل أن يعود إلى إقليم «أرض الصومال» عام 1999.

أجندات مثيرة للجدل

لقد عاد «عرّو» إلى الإقليم الصومالي قادماً من الخارج، حاملاً رؤية سياسية أثارت لاحقاً انتقادات عربية وإسلامية، واختار منذ عودته الانخراط في صفوف المعارضة. وبعد أقل من عامين، أصبح أحد مؤسسي حزب «العدالة والتنمية (UCID)»، أحد أبرز أحزاب المعارضة، إلى جانب فيصل علي وارابي، وتولى حينها منصب نائب الأمين العام للحزب.

وشهد الإقليم الانفصالي انتخابات لمجلس النواب، المكوّن من 82 نائباً، في 29 سبتمبر (أيلول) 2005. وكانت تلك أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب تُنظَّم في الإقليم منذ انفصاله عن جمهورية الصومال. وانتخب «عرّو» نائباً عن منطقة ساحل بربرة، ثم انتُخب لاحقاً رئيساً للبرلمان (مجلس النواب)، وإبّان فترة ولايته سُنّت معظم قوانين الإقليم وتشريعاته.

لكن، بعد نحو 6 سنوات، وإثر خلاف تفجّر مع وارابي، أسس «عرّو»، الذي يتكلم اللغات الإنجليزية والعربية والروسية، «الحزب الوطني»، أو حزب «وداني» (الوطني) المعارض.

ويوم 2 أغسطس (آب) 2017، استقال من رئاسة البرلمان بعدما شغل المنصب لمدة 12 سنة، وهي أطول فترة لرئيس برلمان في تاريخ الإقليم الانفصالي، معلناً أنه يتهيأ لدور أكثر أهمية بوصفه رئيساً لـ«أرض الصومال». غير أن آماله تحطمت على صخرة موسى بيحي عبدي، مرشح حزب «السلام والوحدة والتنمية» في المرة الأولى.

ولكنه حقق مراده لاحقاً، بعدما أعاد الكرَّة وترشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحصل فيها على 63.92 في المائة من الأصوات، متغلباً على عبدي الذي حل ثانياً بـ34.81 في المائة.

انتخابات عام 2024 كانت الانتخابات المباشرة الرابعة منذ عام 2003، ومع فوز «عرّو» غدا الرئيس الرابع حسب الانتخابات الرئاسية المباشرة لفترة تمتد إلى 5 سنوات، وكذلك أصبح الرئيس السادس في المجمل منذ انفصال الإقليم 18 مايو 1991.

عهود السلطة الانفصالية

جدير بالذكر هنا، أنه عقب إعلان انفصال إقليم «أرض الصومال»، انتخب السفير عبد الرحمن أحمد علي، رئيس الحركة الوطنية بالبلاد حينها، ليكون أول رئيس للإقليم عبر انتخابات غير مباشرة. وعام 1993 انتخب السياسي محمد إبراهيم عقال رئيساً، وفي عام 1997 جدّد له لفترة ثانية.

وبعد وفاة عقال عام 2002، أثناء رحلة علاج في جنوب أفريقيا، انتُخب نائبه طاهر ريالي كاهن رئيساً للبلاد لتكملة الفترة الانتقالية. ثم في عام 2003، أجريت أول انتخابات رئاسية مباشرة في الإقليم، أسفرت عن فوز حزب «اتحاد الأمة» بقيادة الرئيس طاهر ريالي كاهن على السياسي أحمد محمد سيلانيو.

وفي يونيو (حزيران) 2010، أُجريت ثاني انتخابات رئاسية مباشرة، وتمكن سيلانيو من الفوز بالرئاسة لفترة 5 سنوات. وانتهت الانتخابات الثالثة التي أجريت في 13 نوفمبر 2017، بفوز موسى بيحي عبدي، الذي حصل على 55 في المائة من الأصوات.

وكان من المقرر أن تُجرى انتخابات الرئاسة الرابعة في الإقليم عام 2022، لكن لجنة الانتخابات الوطنية أجّلتها إلى 2023، ثم إلى نوفمبر 2024 بعد تمديد نيابي لولاية الرئيس عبدي الذي يتولّى الرئاسة منذ 2017. وأرجعت اللجنة التأجيلات إلى «قيود زمنية وتقنية ومالية»، وسط انتقادات من المعارضة، قبل أن يفوز «عرّو».

لقد كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز، وخرج بعد أشهر من وصوله إلى أعلى سلطة بالإقليم، وقال في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» نهاية مايو 2025، إن الاعتراف بإدارته بات وشيكاً، معتبراً أن الأمر أصبح «مسألة وقت». وبالفعل، لم يمضِ 6 أشهر حتى فاجأت إسرائيل العالم باعترافها بالإقليم الانفصالي وسط ترحيب «عرّو»، واستنكار من الصومال، الذي قال رئيسه حسن شيخ محمود قبل أيام إنه رفض الاستجابة لطلبات من تل أبيب لإقامة علاقات دبلوماسية مع مقديشو.

لقد اختار «عرّو» المُضي في هذا الطريق الذي رسمته إسرائيل، وأغضب مقديشو ودولاً عربية وإسلامية، واستقبل في هرجيسا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يناير (كانون الثاني). وفي فبراير (شباط)، قال لـ«رويترز» إن المنطقة تأمل في تعاون عسكري مُستقبلي مع إسرائيل، لكن مسألة إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية لم تُناقش بعد.

ولم يكتفِ الرئيس الانفصالي بذلك، بل سمّى محمد حاجي سفيراً للإقليم الانفصالي لدى إسرائيل، في فبراير الماضي قبل أن يُعلن بعد شهرين تعيين مايكل لوتم أول سفير إسرائيلي بالإقليم، وسط كلام في مايو الماضي عن قرب تبادل افتتاح السفارات.

زيارة لإسرائيل وسط الإدانات العربية

وعلى الرغم من الإدانات العربية والإسلامية المتواصلة لذلك الموقف، اختار «عرّو» زيارة إسرائيل يوم 14 يونيو الحالي، وهناك التقى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الأحد، في القدس قبل أن يفتتح سفارة للإقليم في القدس المحتلة، الاثنين.

وحسب بيان صادر عنه وقتها، قال إن بلاده «على مدى السنوات الـ35 الماضية، كانت تتواصل مع قادة العالم، وكان لديها مطلب واحد فقط: أن يرونا. دولة واحدة فقط رغبت في رؤيتنا والاعتراف بأرض الصومال، وهي حكومة إسرائيل وشعبها».

في المقابل، رأى هرتسوغ أن إسرائيل وأرض الصومال «تواجهان معاً تهديد التطرف المتشدد. ونسعى معاً إلى الأمن والاستقرار في المنطقة وفي القرن الأفريقي. وندرك معاً أهمية حماية حرية الملاحة البحرية».

وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن إسرائيل أجرت منذ سنوات سلسلة من الأنشطة «السرية» مع «أرض الصومال»، خلال استقباله الأربعاء رئيس الإقليم الانفصالي. وأضاف كاتس في بيان أصدره مكتبه: «نحن عازمون على الارتقاء بتعاوننا الأمني إلى آفاق جديدة، لما فيه مصلحة الشعبين واستقرار المنطقة».

احتمال القواعد العسكرية

أيضاً، أشار «عرّو»، الأربعاء، خلال مقابلة مع قناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية إلى أنه لا يستطيع استبعاد احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضي أرض الصومال في المستقبل، وذلك خلال إعلانه أن الرحلات المباشرة بين إسرائيل والعاصمة هرجيسا ستبدأ «قريباً جداً».

وفي تلك الزيارة التي جاءت بعد أشهر من توقيف «أرض الصومال» مواطنين رفعوا علم فلسطين، طوى «عرّو» خلف ظهره مطالب القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها إقامة دولة مستقلة، ولم يلتفت للتحذيرات العربية من تغول إسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الهشة أمنياً وذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة على البحر الأحمر.


«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
TT

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025، ووصولاً إلى زيارة رئيسه عبد الرحمن عبد الله «عرّو» لتل أبيب الأسبوع الماضي.

كان الإقليم إبان الحقبة الاستعمارية - أو فترة الحماية - يُعرف بـ«الصومال البريطاني» ويخضع لبريطانيا، بينما خضعت جمهورية الصومال الحالية في حينه للاستعمار الإيطالي وعرفت بـ«الصومال الإيطالي»، وجمهورية جيبوتي للاستعمار الفرنسي وعرفت بـ«الصومال الفرنسي».

من جهة ثانية، يتمتع الإقليم بمقوّمات كبيرة أغرت إسرائيل بأن تغدو أول دولة تعترف به. فهو يتمتع بساحل يبلغ طوله 740 كيلومتراً ويمتد على خليج عدن، وبموقع استراتيجي عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي.

مدينة هرجيسا هي العاصمة وكبرى المدن، بينما تُعد بربرة الميناء الأكبر والأهم في إقليم «أرض الصومال»، الذي يحده كل من إثيوبيا من الجنوب والغرب وجيبوتي من الشمال الغربي و‌خليج عدن من الشمال ومن الشرق ولاية بونتلاند الصومالية. وبينما تبلغ مساحته نحو 177 كيلومتراً مربعاً، يصل عدد سكانه إلى 3.5 مليون وفق تقديرات لعام 2017، وأخرى حديثة بين 5.7 و6 ملايين نسمة ويتكلم سكانه اللغات الصومالية والعربية والإنجليزية.

على صعيد التقسيمات الإدارية الداخلية، يضم الإقليم 6 مناطق إدارية هي: ووكوي جالبيد وتجدير وسول وسناج وأودال والساحل. وبالنسبة لنظام الحكم فيه فإنه جمهوري، ولديه رئيس وحكومة وبرلمان (سلطة تشريعية) بمجلسين؛ هما مجلس نواب (الغرفة الأولى) ومجلس شيوخ (الغرفة الثانية) ويضم كلٌّ منهما 82 عضواً.

استقل الإقليم عن بريطانيا عام 1960 واندمج مع «الصومال الايطالي» ليكوّنا معاً جمهورية الصومال.

ويوم 18 مايو (أيار) 1991 أعلن الإقليم استقلاله عن جمهورية الصومال بعد نحو 3 أشهر من انهيار الحكم المركزي في الجمهورية عقب الإطاحة بالرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري.

وفي أغسطس (آب) 2000، طرحت حكومة «الإقليم» نسخاً من دستور مقترح ينص على الانفصال النهائي عن الصومال، وأقر الانفصال في استفتاء يوم 31 مايو 2001، بعدما صوت لصالحه 97.1 في المائة، وعام 2016 احتُفل بمرور 25 سنة على تلك الخطوة.

لقد انخرطت سلطات مقديشو و«أرض الصومال» بمباحثات للعودة عن الانفصال بدأت في عام 2012، وتواصلت وكان أحدثها في 2020، وأواخر 2023 ولكن من دون اتفاق.

وفي مطلع 2024 سلّطت الأضواء على الإقليم لدى توقيعه «مذكرة تفاهم» مع إثيوبيا تتيح للأخيرة - التي لا تطل على البحر - باستئجار 20 كيلومتراً حول ميناء بربرة لمدة 50 سنة، ما يوفر لها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر ويؤمّن أغراضها البحرية والتجارية، مقابل الاعتراف باستقلال «أرض الصومال». ويومذاك رُفضت المذكّرة عربياً وتدخّلت تركيا بوساطة قادت لتجميد تنفيذ المذكرة حتى الآن.

ولكن في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف باستقلال «أرض الصومال»، بخلاف تسمية سفراء في أبريل (نيسان) الماضي. وعيّنت إسرائيل في الشهر نفسه مايكل لوتم أول سفير لها في الإقليم الانفصالي، وذلك بعدما أعلنت «أرض الصومال»، في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.