الكويت تطوي آثار الغزو العراقي... و«خور عبد الله» سحابة صيف

باحثون كويتيون يشدّدون على تعزيز الحوار لبناء الثقة

جانب من احتفالات الكويت بالعيد الوطني وعيد التحرير (كونا)
جانب من احتفالات الكويت بالعيد الوطني وعيد التحرير (كونا)
TT

الكويت تطوي آثار الغزو العراقي... و«خور عبد الله» سحابة صيف

جانب من احتفالات الكويت بالعيد الوطني وعيد التحرير (كونا)
جانب من احتفالات الكويت بالعيد الوطني وعيد التحرير (كونا)

يمثل «شارع بغداد» أحد أهمّ الشوارع التجارية في منطقة السالمية المطلة على الخليج العربي في الكويت. ومع موجة الفرح التي غمرت الكويت عشية يوم 26 فبراير (شباط) 1991؛ ابتهاجاً بتحرير البلاد من القوات العراقية التي اجتاحتها فجر الثاني من أغسطس (آب) 1990، اندفع شباب متحمسون إلى شارع بغداد وشطبوا اسمّ المدينة وأبدلوه باسم «شارع بوش» في إشارة إلى الرئيس الأميركي الأسبق (جورج بوش الأب) الذي قاد التحالف الدولي لتحرير الكويت، لكن ما أن بدأت الكويت تنفض عنها غبار الغزو، وتستعيد بناء مؤسساتها، حتى أعيدت مجدداً اللافتة التي تحمل اسم الشارع دون تغيير. ورغم الجرح والدمار الذي خلّفه الغزو العراقي بقي شارع بغداد يشير إلى أن العلاقات بين البلدين أكثر عُمقاً من الأزمات مهما كانت عاصفة وبحجم الاحتلال.

شارع بغداد (أ.ب)

اليوم، بعد 34 سنة، وعشية ذكرى الغزو العراقي للكويت، يستعيدُ أكاديميون وباحثون سياسيون هذه القصة للتعبير عن رسوخ العلاقات التي تفرضها الجغرافيا والتاريخ المشترك، وللتدليل أيضاً على قدرة البلدين على تجاوز مشكلة جديدة ألقت بظلالها أخيراً على أجواء العلاقات بين البلدين، وهي مشكلة اتفاقية ترسيم الحدود في خور عبد الله.

المراقبون في الكويت والعراق يخشون أن يتطور الخلاف الجديد بشأن الخور إلى أزمة تمثل أحد عناصر الشدّ السياسي بين البلدين، حيث تتفاعل عناصر الجغرافيا وعوامل السياسة في إبقاء شعلة الأزمات متوقدة في منطقة تعاني من التوترات.

وبوجود أطراف في العراق توظف ملف خور عبد الله لأغراض سياسية، يلفت مراقبون النظر إلى أن الأزمة ربما تكون في مكان آخر. وهم يشيرون تحديداً إلى المساعي الإيرانية لتحريك هذا الملف بغرض فرض تسوية على الكويت بشأن ملف آخر هو حقل الدرّة البحري الغني بالغاز، الذي تدّعي إيران المشاركة في ملكية الحقل الذي تطلق عليه اسم أرش.

وكانت الكويت قد وقَّعت في 21 مارس (آذار) 2022 وثيقة مع المملكة العربية السعودية لتطوير حقل الدرّة، لاستغلال الحقل الغني بالغاز لإنتاج مليار قدم مكعبة قياسية من الغاز الطبيعي يومياً و84 ألف برميل من المكثفات يومياً، تتقاسمها البلدان.

وفي 13 أبريل (نيسان) 2022، وجَّهت السعودية والكويت في بيان مشترك صدر عن وزارتي الخارجية في كلا البلدين دعوتهما الحكومة الإيرانية لعقد مفاوضات مع الدولتين الخليجيتين كطرف تفاوضي واحد حول تعيين الحد الشرقي من المنطقة المغمورة المقسومة، وأكد البلدان حقهما في استغلال الثروات الطبيعية في حقل الدرّة.

خور عبد الله (أ.ب)

خور عبد الله... بين الجغرافيا والسياسة

خور عبد الله ممر مائي يقع في أقصى شمال الخليج العربي، ويفصل شبه جزيرة الفاو العراقية عن جزيرة بوبيان الكويتية. وبعد اجتياح العراق للكويت عام 1990، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 687 لعام 1991، الذي شكّل الأساس القانوني لإخراج العراق من الكويت ووضعه تحت طائلة عقوبات دولية، تبعه القرار 773 لعام 1992، الذي دعم عمل لجنة ترسيم الحدود بين العراق والكويت، ثم القرار 833 لعام 1993، الذي أقرّ رسمياً نتائج اللجنة، واعتبر ترسيم الحدود بين البلدين نهائياً وملزماً للطرفين. وشمل هذا الترسيم المياه الإقليمية بما فيها الخور الذي اعتُبر بموجب القرار «منطقة حدودية مشتركة»، لا تخضع لسيادة كاملة لأي من الطرفين، بل يتعين تنظيم استخدامها عبر اتفاق مشترك.

العراق امتثل في عهد النظام السابق، للقرار الدولي من خلال مجلس قيادة الثورة العراقي في الخامس من مارس 1991، وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 1994، أصدر مجلس قيادة الثورة العراقي (المنحل) قراراً رسمياً ينصّ في البند الثاني منه على امتثال العراق لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 833 (1993)، واعتراف العراق بالحدود الدولية مع دولة الكويت كما رسمتها لجنة الأمم المتحدة لترسيم الحدود بين العراق والكويت. واستناداً إلى قرارات مجلس الأمن، دخل العراق والكويت في مفاوضات لترسيم حدود المياه الإقليمية وتنظيم الملاحة البحرية في خور عبد الله، وانتهت هذه المفاوضات إلى توقيع اتفاقية في 29 أبريل 2012 بين العراق والكويت. وصادق عليها البرلمان العراقي في عام 2013 بالقانون رقم 42 لسنة 2013.

خبراء قانونيون ومسؤولون عراقيون رأوا أن «الاتفاقية لا تتضمن أي تنازل عن السيادة العراقية، بل تنظّم الملاحة المشتركة في الخور لضمان حرية الوصول إلى الموانئ العراقية، خصوصاً ميناء أم قصر من الجانب العراقي. كما تنصّ على وضع قواعد لعبور السفن وإنشاء ممرات ملاحية آمنة دون المساس بالسيادة أو الحقوق الثابتة لأي من الطرفين».

ولكنّ، في تطوّر لافت ومفاجئ، قضت المحكمة الاتحادية العليا في العراق في 4 سبتمبر (أيلول) 2023 بلا دستورية القانون 42 لسنة 2013، وهو قانون تصديق الاتفاقية بين حكومة العراق وحكومة دولة الكويت بشأن تنظيم الملاحة البحرية في «الخور، وأرجعت المحكمة قرارها إلى أن التصديق لم يحصل على غالبية الثلثين المطلوبة لمصادقة البرلمان على المعاهدات الدولية، خلافاً لما تنص عليه المادة 61 من الدستور».

الدكتور عايد منّاع (الشرق الأوسط)

ما وراء التصعيد

بحسب رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق، القاضي فائق زيدان، فإن اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله المُبرَمة بين العراق والكويت دخلت حيّز التنفيذ وأصبحت مُلزِمةً استناداً إلى قاعدة «pacta sunt Servando»، وهي من المبادئ الأساسية في القانون الدولي، وتعني حرفيّاً «يجب احترام المعاهدات... أو...يجب الوفاء بالالتزامات». وقال في مقال نشرته «الشرق الأوسط» إن المحكمة العليا في العراق بقرارها لا دستورية قانون تنظيم الملاحة في الخور «أحدثت فراغاً تشريعياً واضطراباً دبلوماسياً». ولذا؛ يخشى المراقبون في الكويت والعراق أن يتطور الخلاف الجديد إلى أزمة بين البلدين.

من جهة ثانية، في 15 أبريل 2025 تقدّم الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد ورئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني بطعنين منفصلين أمام المحكمة الاتحادية العليا في العراق؛ لمطالبتها بالعدول عن قرارها إبطال اتفاقية تنظيم الملاحة بين العراق والكويت في خور عبد الله وإعادة الاعتبار للاتفاقية المبرمة بين البلدين.

ويوم 7 يوليو (تموز) الماضي، التقى الرئيسان محمد شياع السوداني وعبد اللطيف رشيد ومعهما رئيس مجلس النواب محمود المشهداني؛ للتباحث بشأن معالجة ملف الخور واتفق الرؤساء الثلاثة على «ضرورة قيام مجلس النواب بحسم الإجراء التشريعي المطلوب، حسب قرار المحكمة الاتحادية الذي أوجب إعادة تشريع قانون التصديق على الاتفاقية أصولياً». وأكدوا ضرورة إتمام ذلك مع «تأكيد التزام العراق بالاتفاقيات الدولية والمواثيق الأممية وقرارات مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة»، وذلك وفق مكتب رئيس الوزراء العراقي، الذي أكد أن الرؤساء الثلاثة شدَّدوا على «ضرورة التعاطي بحرص وحذر مع الملفات الدولية، وعدم استغلالها للجدل والمزايدات السياسية والإعلامية؛ لأن ذلك يعرّض حقوق العراق وسمعته الخارجية ومصالحه للضرر». والفقرة الأخيرة تكشف جوهر التصعيد السياسي بشأن ملف الخور، وهي المزايدات السياسية.

يذكر أن العراق على موعد يوم 11 نوفمبر المقبل، مع إجراء الانتخابات البرلمانية التي ينظر إليها باعتبارها تنافساً انتخابياً واستقطاباً سياسياً على وقع التطورات المحلية والإقليمية. وتأتي إثارة ملف الخور بنظر مراقبين، كأحد عناصر التوظيف السياسي الداخلي. وللعلم، في أبريل الماضي، نظم ناشطون وبرلمان عراقيون وقفة احتجاجية وسط بغداد، دعماً لقرار المحكمة العليا، وطالبوا الحكومة بـ«عدم التنازل» للجانب الكويتي عن الخور، وبإلغاء الاتفاقية، ويوم 12 يوليو الماضي جمعت تواقيع أكثر من 100 نائب في البرلمان، داعين إلى رفض الاتفاقية.

د. عبد الله سهر (الشرق الأوسط)

لا بدّ من حوار

برأي باحثين سياسيين في الكويت، فإن اثارة ملف خور عبد الله يُعبّر عن أزمة داخلية في العراق، أكثر من كونه يشكل عنواناً لأزمة مع الكويت. فالأكاديمي والباحث الكويتي الدكتور غانم النجار، أستاذ العلوم السياسية جامعة الكويت، لا يرى أزمة حقيقية بين الكويت والعراق حيال تنظيم الملاحة في الخور، ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن مشكلة تنظيمِ الملاحة في خور عبد الله ليست واقعية، بل مجرد «إثارة» أُريد لها أن تشكل هاجساً في العلاقة بين البلدين؛ لأن هذه الاتفاقية أصبحت مبرمة وجرى اعتمادها في الأمم المتحدة ولا يمكن إبطالها، «لكنّ المشكلة الحقيقية تكمن في انعدام التواصل والحوار بين النخب غير الرسمية في كلا البلدين».

النجار دعا إلى حوار كويتي - عراقي، تتولى إدارته النخب الشعبية من مفكرين ومثقفين وأكاديميين، واستعاد الدور الذي قام به أمير الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد، في بناء شبكة علاقات مع الجانب العراقي، وتقديم مختلف أنواع الدعم لمشاريع خدمية وتنموية في العراق، رغم وجود تيار عريض في الكويت يدفع باتجاه القطيعة مع العراق.

ولكن إذا كانت اتفاقية تنظيم الملاحة في الخور مبرمة ولا يمكن إبطالها من طرف واحد، لماذا يستعر القلق بشأنها في الكويت؟ هنا يجيب الدكتور النجار بأن القلق الكويتي له جانب نفسي؛ «لأن الذاكرة الكويتية ما زالت مجروحة ولم تتعافَ بالكامل فيما يخصّ العراق»، وهذا ما يتطلب تكثيف الجهود لتعزيز الحوار والتفاهم بين أبناء البلدين.

د. غانم النجار (حسابه على منصة إكس)

من جانب آخر، يرى النجار أن وجود قوى سياسية وإعلامية في العراق تمارس «شحناً سياسياً نحو الكويت سيستمر لأن الكويت هي الطرف الأضعف من بين جميع جيران العراق».

الاقتصاد يعالج الأزمات

الدكتور عبد الله يوسف سهر، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الكويت، يتفق مع الدكتور النجار في الحاجة إلى الحوار، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه على الرغم من أن المحكمة الاتحادية العليا في العراق أصدرت حكماً بعدم دستورية قانون التصديق على اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله، فإن حكومتي الكويت والعراق، خاضتا حواراً هادئاً ومسؤولاً، أدّى إلى تقديم طعن من قِبل الحكومة العراقية ضد الحكم القضائي، وأرجأت المحكمة العراقية النظر فيه مرات عدة؛ ما يعدّ مؤشراً على قدرة الدبلوماسية على تنظيم الخلافات وحلّ الأزمات الطارئة.

ويضيف سهر: «بالنسبة للكويت، فإنها تظل ملتزمة بالاتفاقية وتنظر إلى ما يجري في العراق على أنه شأن داخلي لا يمس بجوهر العلاقة الثنائية التي ينبغي أن تبقى على مسارها الإيجابي». ويصف العلاقة بين البلدين بأنها تسير بين مدّ وجزر، وتتأثر بالمواقف المتباينة داخل الساحة العراقية، لكن الموقف الرسمي للحكومة العراقية يبقى متمايزاً وإيجابياً بالمقارنة مع بعض الخطابات الشعبوية.

الدكتور سهر يعتقد أن احتواء التباينات بين البلدين يجب أن يتحقق عبر الحوار الدبلوماسي الهادئ والمسؤول. ويضيف: «من الضروري أن تجري المباحثات بعيداً عن الأضواء والمزايدات؛ لتفادي التأثير السلبي من قِبل الجهات التي تسعى إلى استثمار الخلافات في سياق شعبوي أو إعلامي. وعبر التفاهم المشترك، يمكن تفعيل القرارات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة وتنفيذها، بما يحفظ مصالح الطرفين».

ومن ثم يلحظ الدكتور سهر أن «لدى البلدين فرصاً واعدة للتعاون الاقتصادي، من خلال تفعيل اتفاقيات الملاحة والموانئ، وتأسيس مناطق حرة، وربط شبكات التجارة، فضلاً عن مجالات بيئية وزراعية واستثمارية. وهذا التعاون يتطلب دبلوماسية إيجابية تتحرّر من أعباء الماضي، وتنظر إلى المستقبل كمساحة للتكامل، لا الصراع... فالعلاقة مع العراق ذات طابع استراتيجي، ليس فقط لأسباب تاريخية أو جغرافية، وإنما أيضاً لما تحمله من إمكانيات اقتصادية وتنموية يمكن البناء عليها... وتؤمن الكويت بأن الاستقرار السياسي يمر عبر بوابة التعاون الاقتصادي. ومن هذا المنطلق، تندرج مبادراتها ضمن رؤية تنموية أوسع». ثم يتابع: «تقوم الدبلوماسية الكويتية على مقاربتين مترابطتين: الأولى، أن الاقتصاد هو الحافز لعقلنة القرار السياسي؛ والأخرى، أن المبادرات الإنسانية تمثل الوجه الحضاري للدولة. وبناءً عليه؛ فإن استقرار العلاقة مع العراق ليس فقط مصلحة كويتية، بل هو ضرورة استراتيجية تعود بالنفع على عموم المنطقة».

أزمة داخلية

أخيراً، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال الباحث والمحلل السياسي الدكتور عايد منّاع، إن إثارة ملف تنظيم الملاحة في خور عبد الله لا تعبّر عن حقيقة العلاقة بين الحكومة العراقية والكويت، بل هي في حقيقتها «إثارة حزبية» لأغراض انتخابية أو لأجندات أخرى.

ويرى منّاع أن العلاقات الثنائية قطعت مراحل مهمة في بناء الثقة، وأصبحت منذ سقوط النظام السابق في 2003 علاقات يمكن وصفها بـ«الطبيعية». ومن ثم، يشدد على أن الحوار الإيجابي بين البلدين كفيل بحلّ المشاكل المتعلقة بحرية الحركة في المياه الإقليمية، ومعالجة أي شكاوى تتعلق بالملاحة والصيد من دون الوصول إلى أزمة، ويردف: «لو كان هناك ضرر حقيقي من هذه الاتفاقية، فإن الانفتاح الكويتي على العراق منذ 2003 يبرّر معالجة أسباب هذا الضرر بالحوار والتواصل، وليس بالتصعيد وإلغاء الاتفاقية».

أخيراً، يذكر أن الكويت تعهدت في يوليو 2016 خلال مؤتمر المانحين في واشنطن بتقديم 176 مليون دولار مساعدات إنسانية للعراق، وفي فبراير 2018 نظمّت الكويت مؤتمراً دولياً لإعادة إعمار العراق عقب تحرير مدينة الموصل من سيطرة تنظيم «داعش»، وبلغت تعهدات المشاركين في المؤتمر نحو 30 مليار دولار أميركي على شكل قروض ومنح وتسهيلات مالية.


مقالات ذات صلة

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

حصاد الأسبوع الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان

«الشرق الأوسط» ( مدريد)
حصاد الأسبوع مناورات بحرية أميركية في بحر الصين الجنوبي (أ.ب)

أميركا والصين... تحوّلات في ميزان القوى بين الاقتصاد والدفاع

تتصاعد في السنوات الأخيرة النقاشات حول لحظة التحول الحاسمة في ميزان القوى العالمي بين الولايات المتحدة والصين، وسط تنامي المؤشرات على انتقال مركز الثقل الدولي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع «مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

تعود التركيبة السكانية إلى طبيعتها بوتيرة متسارعة في منطقة «السيدة زينب» جنوب دمشق، بعد عام على إسقاط حكم بشار الأسد وإنهاء الوجود الإيراني وميليشياته في سوريا،

موفق محمد (دمشق)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.