نواف سلام... رئيساً لمحكمة العدل الدولية ويبقى مرشحاً بارزاً لرئاسة حكومة لبنان

وسط ترحيب وطني وقلق إسرائيلي

نواف سلام... رئيساً لمحكمة العدل الدولية ويبقى مرشحاً بارزاً لرئاسة حكومة لبنان
TT

نواف سلام... رئيساً لمحكمة العدل الدولية ويبقى مرشحاً بارزاً لرئاسة حكومة لبنان

نواف سلام... رئيساً لمحكمة العدل الدولية ويبقى مرشحاً بارزاً لرئاسة حكومة لبنان

هو القاضي اللبناني نواف سلام... رئيس «محكمة العالم»، الذي اختار العمل بهدوء بعيداً عن ضوضاء السياسة الداخلية وزواريبها، لكنه حمل من حيث هو في الأمم المتحدة، حيث شغل منصب سفير لبنان، وفي محكمة العدل الدولية التي انضم إليها منذ عام 2018، لواء الدفاع عن سيادة لبنان واستقراره وعن القضية الفلسطينية والقضايا الإنسانية.

لم تغر الدكتور نوّاف سلام، ابن البيت السياسي البيروتي العريق، المناصب ولا المراتب، لكنه وصل إليها نتيجة جهوده ومثابرته ليعيّن في شهر فبراير (شباط) الحالي رئيساً لـ«محكمة العدل الدولية» لمدة ثلاث سنوات. وبذا يغدو القانوني اللبناني ثاني عربي يترأس هذه المحكمة منذ إنشائها عام 1945، بعد وزير خارجية الجزائر الأسبق محمد بجاوي.

كان سلام، الذي يتبوأ اليوم أعلى سلطة قضائية في العالم، قد انضم عام 2018 إلى هذه المحكمة التي تتألف من 15 قاضياً يُصار إلى انتخابهم من قبل مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة. ولقد لقيت خطوة انتخابه لهذا المنصب الرفيع ترحيباً لبنانياً واسعاً في لبنان، ولا سيما من داعميه الذين سبق أن كانوا قد رشّحوه لرئاسة الحكومة وعدّوا الامتناع عن تسميته لرئاسة الحكومة خسارة وطنية للبلاد. وفي المقابل، شكّل تعيين سلام قلقاً لإسرائيل، التي عبّر إعلامها بشكل واضح عن هذا الأمر انطلاقاً من مواقفه المعلنة المساندة للقضية الفلسطينية. إذ عدّت صحيفة «الجيروزاليم بوست» أن سلام صاحب تاريخ طويل بمناهضة إسرائيل عبر تصريحاته ومواقفه، مذكرة بموقف له على وسائل التواصل الاجتماعي حيث كتب عام 2015 متوجهاً إلى إسرائيل بالقول «عيد ميلاد غير سعيد لك، 48 عاماً من الاحتلال». ورأى كذلك أن «تصوير منتقدي سياسات إسرائيل بأنهم معادون للسامية هو محاولة لترهيبهم وتشويه سمعتهم، وهو ما نرفضه»، داعياً إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية وإلى عضوية فلسطين في الأمم المتحدة.

من القضية الفلسطينية إلى الهم اللبناني

في الواقع شكّلت القضية الفلسطينية محوراً أساسياً في حياة الشاب نواف سلام وأبناء جيله، ولا سيما في مرحلة «منظمة التحرير الفلسطينية» وأيام الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وهو ما ظهر جلياً في ممارساته وحياته الأكاديمية والسياسية والدبلوماسية.

وفي مقابلة سابقة له مع قناة هيئة الإذاعة البريطانية، (البي بي سي)، أكد سلام أنه ناضل خلال فترة دراسته الجامعية من أجل القضية الفلسطينية، وكان لنكسة يونيو (حزيران) 1967 تأثير كبير على شخصيته كما على كل الشباب من أبناء جيله. وأردف أنه إبان ترؤسه مجلس الأمن الدولي في شهر مايو (أيار) 2010 بكى تأثراً عندما تسلم ملف فلسطين لتقديم عضويتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

والواقع أن مؤازرة سلام للقضية الفلسطينية وحراكه وانفتاحه الذي تتميز به شخصيته كانت باباً لعلاقاته الواسعة في لبنان وخارجه. وفي هذا السياق، يصفه صديقه الوزير السابق والنائب الحالي مروان حمادة بـ«السياسي غير التقليدي» على الطريقة اللبنانية.

ويتابع حمادة نواف سلام «يشبه منطقة رأس بيروت المتنوعة والمنفتحة والعابرة للطوائف». ويستطرد «نضاله وانفتاحه أنتجا شخصية هادئة أخذت موقعها الوسطي الذي يميل إلى الأفكار الليبرالية – الاشتراكية، وهو ما ظهر بشكل واضح في كتاباته ومؤلفاته».

وحقاً، شكّل حمله لواء القضية الفلسطينية قاعدة صلبة لحمله لواء القضية اللبنانية منذ أن بدأ مسيرته السياسية والدبلوماسية، وخاصة، عندما شغل مقعد لبنان غير الدائم في الأمم المتحدة بين عامي 2009 و2010.

ومن على منبر مجلس الأمن والأمم المتحدة، حمل سلام الدبلوماسي والقانوني، لواء سيادة لبنان في مواقف قاطعة ضد إسرائيل وانتهاكها للقرارات الدولية، ولا سيما عبر القرار 1559 الذي ينص على احترام سيادة لبنان واستقلاله ووحدة أراضيه، والقرار 1701 الذي أدى إلى وقف إطلاق النار في عام 2006 بين لبنان وإسرائيل. يضاف إلى ذلك العمل على تعزيز «سياسة النأي بالنفس» عن الحرب في سوريا، والسعي إلى إنهاء الإفلات من العقاب من خلال إنشاء «المحكمة الدولية الخاصة بلبنان» للنظر في قضيّة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1757.

وبالفعل، كان الهم اللبناني، أول ما تحدث عنه، سلام - ابن بيروت - عند انتخابه رئيساً لـ«محكمة العدل الدولية»، إذ قال إن ذلك يحمّله «مسؤولية كبرى في تحقيق العدالة الدولية وإعلاء القانون الدولي». وأردف: «أول ما يحضر إلى ذهني في هذه اللحظة هو همي الدائم أن تعود مدينتي بيروت (أمّاً) للشرائع كما هو لقبها، وأن ننجح - نحن اللبنانيين - في بناء دولة القانون في بلادنا، وأن يسود العدل بين أبنائه».

أسرته وولادته ونشأته

ولد نواف عبد الله سليم سلام يوم 15 ديسمبر (كانون الأول) 1953 في العاصمة اللبنانية بيروت. وهو يتحدّر من عائلة سياسية بيروتية معروفة. إذ كان جده لأبيه «أبو علي» سليم علي سلام (1868 – 1938) أحد أبرز زعماء المدينة في مطلع القرن العشرين، وأحد نوابها في البرلمان العثماني (مجلس المبعوثان)، كما تولى رئاسة بلديتها (عام 1908)، وترأس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية (كبرى الجمعيات الخيرية الإسلامية في لبنان). ولكن، بعدما أسقط الاتحاديون الأتراك (جمعية الاتحاد والترقي) السلطان عبد الحميد الثاني، تغيّرت سياسة الباب العالي تجاه أهل الشام نتيجة اعتماد الاتحاديين سياسة «التتريك». وهكذا، بدأت حركات التحرر العربية تلوح بالأفق، وانضم سليم سلام لـ«المؤتمر العربي الأول» في باريس عام 1913. وساهم بتأسيس «جمعية الإصلاح البيروتية» المناهضة للسياسة التركية في الشرق. وعام 1918 بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ونجاح «الثورة العربية»، وتشكيلها «الحكومة العربية الكبرى»، كان سلام أحد أعضائها، ومديراً لمكتبها في بيروت. ثم إنه انضم لـ«المؤتمر السوري العام» في دمشق عام 1919 ممثلاً عن بيروت، وترأس مؤتمرات الساحل والأقضية الأربعة عام 1936. وأصبح عام 1937 رئيساً للمجلس القومي الإسلامي قبل وفاته بستة أشهر.

أما، والد نواف سلام، عبد الله سلام، فكان رجل أعمال بارزاً وأحد مؤسسي شركة طيران الشرق الأوسط. ومن أعمامه رئيس الوزراء اللبناني السابق صائب سلام، الذي تولى رئاسة حكومة لبنان أربع مرات، ما بين عامي 1952 و1973، والوزير السابق المهندس مالك سلام. ومن أبناء أعمامه تمام صائب سلام رئيس الحكومة السابق (بين عامي 2014 و2016).

بالنسبة لدراسته الجامعية والقانونية، يحمل نواف سلام شهادة دكتوراه دولة في العلوم السياسية من معهد الدراسات السياسية (سيانس بو) في باريس، ودكتوراه في التاريخ من جامعة باريس - السوربون، وماجستير في القوانين من جامعة هارفارد، وله مؤلفات عديدة في السياسة والتاريخ والقانون. وعلى الصعيد العملي مارس سلام المحاماة، كما عمل أستاذاً محاضراً في التاريخ المعاصر في السوربون، كما درّس العلاقات الدولية والقانون الدولي في الجامعة الأميركية في بيروت؛ حيث ترأس دائرة العلوم السياسية والإدارة العامة فيها من 2005 إلى 2007. وبالنسبة للمؤلفات والأبحاث، كان بين أحدث مؤلفات سلام «لبنان بين الأمس والغد» الصادر في بيروت عام 2021. ونشير إلى أنه قبل تعيينه رئيساً لمحكمة العدل الدولية، كان قد شغل قبل ذلك منصب سفير لبنان لدى الأمم المتحدة بين 2007 و2017. ومثّله في مجلس الأمن خلال ولايته فيه عامي 2010 و2011 وترأس أعمال هذا المجلس في شهري مايو (أيار) 2010 وسبتمبر (أيلول) 2011.

شدد سلام على أن الهم الأساس هو «إنقاذ لبنان من محنته، وهذا يتطلب التغيير في مقاربة الأزمة نهجاً وممارسة

العائلة وبيروت والجبل

حب لبنان بالنسبة إلى سلام ليس فقط في الكتب ومن على المنابر، فهو البيروتي العتيق الذي بقي على علاقة وثيقة بمدينته بيروت رغم غيابه عنها لفترات بعيدة بسبب عمله. وهو لا يزال يملك في هذه المدينة صداقات من مختلف الطوائف والتوجهات. ويحرص على اللقاء بهم في كل مرة يزور بها العاصمة اللبنانية. وهذه الزيارات لا تقتصر فقط على الإجازات الطويلة إنما قد يأتي إلى بيروت فقط للمشاركة في مناسبة معينة للعائلة وللأصدقاء، ثم المغادرة. وكما لبيروت، كذلك لمنزله في منطقة شملان الجبلية الواقعة في قضاء عاليه (جبل لبنان) حيّز خاص في حياته وحياة زوجته سحر بعاصيري (سفيرة لبنان لدى اليونيسكو)، ولا سيما في فصل الصيف.

وإضافة إلى اللقاءات مع الأصدقاء الكثر، تغري سلام، وهو أب لشابين هما عبد الله ومروان، النوادي ذات الطابع الأكاديمي على غرار نادي هارفارد في نيويورك، الذي هو عضو فيه، إضافة إلى أنه قارئ نهم وشغوف بالموسيقى التي هي بالنسبة له رفيق دائم.

 

«مرشح الانتفاضة الشعبية»

على صعيد آخر، برز اسم نواف سلام بشكل كبير إبان «الانتفاضة الشعبية» عام 2019 وتحديداً بعد استقالة رئيس «تيار المستقبل» سعد الحريري. ويومذاك طرح أفرقاء في المعارضة اسمه على أنه مرشح تسوية حيادي - تكنوقراط، إلا أن «الفيتو» الحاسم من قبل «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل)، وعدّه «مرشّح الولايات المتحدة»، مع ما رافق ذلك من حملات ضدّه، حالت دون وصوله إلى رئاسة الحكومة. مع هذا، حصل سلام حينئذٍ في الاستشارات النيابية على تأييد كل من كتلة «الحزب التقدمي الاشتراكي»، وحزب «الكتائب اللبنانية»، وعدد من النواب المستقلين، لكن «الفيتو» الشيعي ضده أدى إلى تكليف حسان دياب بترؤس الحكومة.

مع هذا، بعد استقالة حكومة دياب إثر انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس (آب) 2019، عاد فطرح اسم سلام لرئاسة الحكومة، لكن التوافق بين معظم الكتل النيابية، بدعم من المبادرة الفرنسية التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أدى إلى تسمية السفير مصطفى أديب بحصوله على 90 صوتاً من النواب، لكن أديب اعتذر عن المهمة في وقت لاحق بعد اصطدام اتصالاته لتشكيل الحكومة بحائط مسدود.

وكان سلام، الذي التزم طوال هذه المرحلة الصمت قد عبّر عن تأثره بالثقة التي أولاها إياه عدد من النواب في الاستشارات النيابية الأولى، مؤكداً أن «حملة التشهير لم تستند أصلاً إلى أي دليل، فضلاً عن التزامي مبدأ التحفّظ لكوني اليوم قاضياً في محكمة العدل الدولية». ومن ثم تابع: «فيما لو صح شيء من هذه التهمة الباطلة، فلماذا سكتوا عنها طوال هذه السنين وأنا في هذا الموقع الحساس معيناً ممثلاً للبنان بإجماع مجلس الوزراء؟ وما يؤكد أيضا كذب كل هذه الافتراءات، هو أن مئات المواقف التي اتخذتها والخطب التي أدليت بها دفاعاً عن لبنان وقضايا العرب وفلسطين موثقة بالكامل».

وفيما يشبه «البرنامج الحكومي» شدد سلام على أن الهم الأساس هو «إنقاذ لبنان من محنته، وهذا يتطلب التغيير في مقاربة الأزمة نهجاً وممارسة، بدءاً بالإصلاح في السياسات المالية، والإصلاح السياسي الذي يبقى عنوانه الأول التصدي لعقلية الزبائنية وثقافة المحاصصة». كذلك شدد على أهمية «تحقيق استقلالية القضاء وتحصين مؤسسات الدولة ضد آفات الطائفية والمحسوبية.... ولا معنى لأي من هذه الإصلاحات إن لم تكن مرتكزة على أهداف ومبادئ الإنصاف والعدالة الاجتماعية وصيانة الحقوق والحريات العامة والخاصة». وتعهد بأنه سيبقى دائماً «يعمل إلى جانب كل الملتزمين قضية التغيير من أجل إصلاح الدولة وبسط سيادتها على كامل أراضيها واستعادة بلدنا موقعه ودوره العربي وثقة العالم به».



 


مقالات ذات صلة

عون: لبنان لم يتبلّغ اقتراحاً لمنطقة خالية من السكان عند الحدود الجنوبية

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبِلاً وفد رؤساء بلديات القرى الحدودية الجنوبية (الرئاسة اللبنانية)

عون: لبنان لم يتبلّغ اقتراحاً لمنطقة خالية من السكان عند الحدود الجنوبية

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن إعادة إعمار القرى والبلدات الجنوبية المتضررة وعودة أهلها إليها تتصدر أولوياته، إلى جانب دعم الجيش اللبناني.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً قائد الجيش العماد رودولف هيكل قبيل مغادرته إلى واشنطن (الرئاسة اللبنانية)

تحليل إخباري لجنة وقف النار بين لبنان وإسرائيل... باقية والمشاركة الفرنسية عسكرية

حسم بيان للسفارة الأميركية في بيروت الجدل اللبناني حول مصير لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل، بعد كثير من التكهنات حولها إثر تأخر اجتماعاتها…

كارولين عاكوم (بيروت)
خاص وزير العدل اللبناني عادل نصار (الوكالة الوطنية للإعلام)

خاص لبنان: التحقق من مصادر الأموال يدخل حيّز التنفيذ رغم اعتراض «حزب الله»

دخل التعميم الذي أصدره وزير العدل اللبناني عادل نصار، ووجهه إلى كتّاب العدل حيز التنفيذ، ويلزمهم عند تنظيم عقود البيع والشراء والوكالات، بالتحقق من مصدر الأموال

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي وزير الداخلية أحمد الحجار (الوكالة الوطنية)

«الداخلية اللبنانية» تدعو للاقتراع يوم 3 مايو… رغم الضبابية بشأن الانتخابات

حرّك وزير الداخلية والبلديات، أحمد الحجار، الجمود الذي أحاط بمصير الانتخابات النيابية اللبنانية نتيجة الكباش المستمر بين القوى السياسية بشأن اقتراع المغتربين.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي كتلة «حزب الله» برئاسة النائب محمد رعد بالقصر الجمهوري بعد لقائها الرئيس جوزيف عون في وقت سابق (رئاسة الجمهورية)

حوار الرئيس اللبناني مع «حزب الله» معلّق... ويصطدم بخطين لا يلتقيان

تُجمع القوى السياسية على أن الحوار بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون ورئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد يصطدم بخطين لا يلتقيان.

محمد شقير (بيروت)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

ترمب (آ ف ب/غيتي)
ترمب (آ ف ب/غيتي)
TT

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

ترمب (آ ف ب/غيتي)
ترمب (آ ف ب/غيتي)

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية، لا سيما الطبقة الحاكمة... وبالذات قوى «الإطار التنسيقي الشيعي»، المتهمة من قبل واشنطن بالولاء لإيران. الرئيس الأميركي أرسل ويرسل المزيد من حاملات الطائرات والبوارج الحربية إلى مناطق الشرق الأوسط القريبة من إيران، ملوّحاً بالعصا الغليظة مرة والدبلوماسية الناعمة بشروط صعبة - بل مستحيلة - مرة أخرى. وهكذا، أوصل أخيراً رسائل عدة إلى الطبقة السياسية العراقية، محذراً إياها من عواقب الوقوف إلى جانب طهران، رافضاً في الوقت نفسه حكومة تشكلها القيادة الإيرانية في بغداد.

المقاربة الأميركية الجديدة حيال العراق، بعد نحو عقدين على تغيير النظام العراقي السابق بإرادة أميركية، تريد الانفراد بالعراق. وهذا بعدما اضطرت الولايات المتحدة طوال العقدين الماضيين، إبان رئاسات كل من جورج بوش (الابن) وباراك أوباما ودونالد ترمب نفسه - في ولايته الأولى - وجو بايدن إلى التعامل مع إيران في العراق كواقع حال، بما في ذلك تقاسم عملية تشكيل الحكومة واختيار، بل وتنصيب رئيس الوزراء.

لكن عهد ترمب «الثاني» يبدو مختلفاً كلياً عن عهده «الأول». فترمب الذي «لم يقصّر» مع إيران عندما اغتال بالقرب من مطار بغداد الدولي عام 2020 «رجل إيران القوي» وقائد «فيلق القدس» قاسم سليماني مع نائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي العراقي» أبو مهدي المهندس، لديه الآن رؤية مختلفة.

رؤية ترمب للمنطقة والعالم في ولايته الثانية مختلفة جذرياً؛ الأمر الذي نقل الصراع مع إيران من «قواعد اشتباك» معروفة إلى صدام مسلح (يونيو/ حزيران) 2025 إلى احتمال صدام جديد سيكون أقوى كما يلوّح دائماً.

عراقياً، وبما أن العراق أجرى بنهاية العام الماضي انتخابات برلمانية، يكثر الكلام الآن عن كيفية تشكيل الحكومة العراقية العتيدة ومن سيكون رئيسها. وفي حين فاز رئيس الحكومة الحالي محمد شياع السوداني بأعلى عدد من المقاعد، فإن قوى «الاطار التنسيقي» الشيعية لم تسمح له بتشكيل الحكومة نتيجة خلافات عميقة، قسم منها مرتبط بالعلاقة مع واشنطن.

إذ يرى العديد من قوى «الإطار التنسيقي»، لا سيما الفصائل المسلحة التي شاركت في الانتخابات الأخيرة وتمكّنت من الفوز بنحو 80 مقعداً في البرلمان، تعمل على تشكيل حكومة مَرضي عنها من إيران وبعيدة عن واشنطن.

ولكي يتحقق هذا الهدف، فإن العقدة تبقى في مسألة مَن سيتولى رئاسة الحكومة المقبلة. لكن المفاجأة التي لم تكن متوقعة البتة جاءت بتنازل السوداني لرئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي، زعيم كتلة «دولة القانون» (أكبر كتل «الإطار»)، بوصفه الفائز الثاني لتشكيل الحكومة... بغية حل الانسداد السياسي في البلاد.

شيّاع السوداني (آ ب)

رسائل واشنطن

هذه المفاجأة لم تستوعبها واشنطن، التي سرعان ما «دخلت على الخط» بقوة بهدف إجهاض هذا التحرك.

فبعد الإعلان الرسمي عن ترشيح المالكي لترؤس الحكومة، كان مقرّراً أن يعقد البرلمان العراقي في اليوم التالي جلسة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية يتولى عملياً تكليف مرشح الكتلة الأكبر عدداً من النواب لتشكيل الحكومة. ولكن، جاءت الرسالة الأولى الغامضة التي أوقفت عقد الجلسة.

إذ قبل نحو ساعة من عقد الجلسة وبدء توافد النواب إلى القاعة إيذاناً ببدء التصويت لاختيار رئيس الجمهورية من بين 16 متنافساً يتقدّمهم وزير الخارجية الحالي فؤاد حسين عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، ووزير البيئة السابق نزار امدي عن الاتحاد الوطني الكردستاني، تقرّر تأجيل الجلسة بطلب كردي لغرض «إجراء المزيد من المشاورات».

طبقاً للمعلومات التي بدأت تنتشر في الأوساط السياسية والبرلمانية، فإن الاتصالات الهاتفية التي أجراها توم برّاك، مبعوث ترمب إلى سوريا، مع زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، والاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو مع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني... من أجل رفض ترشيح المالكي لترؤس الحكومة، هي التي أدت إلى تأجيل الجلسة إلى يوم الأحد.

وفي حين قرّر «الإطار التنسيقي» المضي قُدُماً باعتماد ترشيح المالكي، دخل ترمب على الخط بنفسه عبر تغريدة رافضة هذا التوجه. وهذا التطور أدى إلى إرباك المشهد السياسي العراقي المرتبك أصلاً لأسباب عديدة، من بينها: أزمات داخلية تتقدمها أزمة رواتب الموظفين نتيجة انخفاض أسعار النفط.

ودفع هذا الواقع، بالذات العديد من القوى السياسية الشيعية، فضلاً عن كلّ القوى السنية والكردية إلى إعادة حساباتها من جديد. إذ تأكد حينئذٍ أن المسألة بوجهها الأميركي لم تعُد مجرد ضغط، بل باتت بمثابة تهديد مباشر، لا سيما مع تفاقم الأزمة بين طهران وواشنطن.

المالكي (رويترز)

المالكي يتحدّى

المالكي، في أول رد فعل له أعلن رفضه لتغريدة ترمب. فقد قال زعيم كتلة «دولة القانون» في تغريدة له حُذفت من حسابه لاحقاً: «نرفض رفضاً قاطعاً التدخل الأميركي السافر في الشؤون الداخلية للعراق، ونعتبره انتهاكاً لسيادته ومخالفاً للنظام الديمقراطي في العراق بعد عام 2003، وتعدّياً على قرار (الإطار التنسيقي) لاختيار مرشحه لمنصب رئاسة الوزراء». وأضاف، أن «لغة الحوار بين الدول هي الخيار السياسي الوحيد في التعاطي وليس اللجوء إلى لغة الإملاءات والتهديد». وأردف: «انطلاقاً من احترامي للإرادة الوطنية، وقرار (الإطار التنسيقي) الذي كفله الدستور العراقي، فسوف أستمر بالعمل حتى نبلغ النهاية، وبما يحقق المصالح العليا للشعب العراقي».

في السياق نفسه، فإن حزب الدعوة، الذي يتزعمه المالكي أيضاً، حذّر مما أسماه «فتح ثغرة » من قِبل «الإطار التنسيقي». وقال الحزب في بيان له إن «الكتلة البرلمانية الأكبر، وبوصف ذلك استحقاقاً دستورياً وديمقراطياً لها، استخدمت حقها القانوني والسياسي في ترشيح مَن تراه مناسباً لرئاسة مجلس الوزراء وتشكيل الحكومة الجديدة». وتابع الحزب: «إننا نعتقد أن فتح ثغرة في القرار الإطاري قد جرّ العملية السياسية إلى هذا التعقيد، وسينجم عن ذلك تداعيات على أكثر من صعيد، وهو ما يوجب دعوة القوى السياسية الخيرة من جميع المكوّنات إلى الدفاع عن القرار الوطني العراقي المستقل».

ملفات سافايا

سياسي عراقي مطّلع أبلغ «الشرق الأوسط» أن «الملفات التي يحملها المبعوث الأميركي للعراق مارك سافايا أخطر من تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترمب؛ كون أن ملفات سافايا تستهدف زعامات سياسية بارزة من الخطوط الأول والثاني والثالث بينما تغريدة ترمب، وإن كانت تستهدف هي الأخرى بنية النظام السياسي الذي أُسّس بإرادة أميركية بعد عام 2003، فهي على الأقل تستهدف وبالاسم رجلاً واحداً هو نوري المالكي المرشح لتولي منصب رئيس الوزراء».

السياسي العراقي، أضاف - طالباً إغفال الإشارة إلى اسمه - أن «عملية تأجيل جلسة البرلمان جاءت عقب الاتصال الهاتفي بين توم برّاك وبارزاني؛ الأمر الذي دفع القيادة الكردية إلى طلب التأجيل... الذي تناغم مع رغبة القيادات الشيعية التي رفضت ترشيح المالكي، وهي قيادات معروفة (في كتلتي الحكيم والخزعلي) باختلاف دوافع التأجيل؛ كون الجلسة لو عقدت وانتُخب رئيس جديد للجمهورية فإنه سيكون مضطراً إلى تكليف المالكي تشكيل الحكومة».

وأوضح السياسي أن «المرشحين الكرديين لمنصب رئيس الجمهورية كانا قد أعدا كتاب تكليف مرشح الكتلة الأكبر عدداً في حال جرى انتخابه لمنصب رئيس الجمهورية، غير أن تأجيل الجلسة جاء بأمر خارجي بانتظار موقف مُعلن من قِبل الرئيس الأميركي جرى التنويه عنه من قبل روبيو للسوداني وبرّاك لبارزاني».

تضخيم صورة تغريدة ترمب

في هذا السياق، يقول الدكتور ياسين البكري، أستاذ العلوم السياسية في كلية النهرين، لـ«الشرق الأوسط» إن «تضخيم صورة تغريدة ترمب عن رفض المالكي غير واقعي، وكأن تشكيل الحكومات في العراق يجري بمعزل عن التأثير الخارجي وتحديداً الأميركي والإيراني». ثم يضيف: «الأمر اختلف الآن؛ كون أن الرفض جاء هذه المرة علنياً، وبالتالي لا أعتقد أن هناك مأزقاً بقدر ما هو حرج سوف يصار إلى تبريره».

ويتابع البكري إنه «سيجري التعامل مع الأمر لإدراك الساسة امتلاك واشنطن الملفات الضاغطة على الوضع العراقي، وأهمها حالياً الملف الاقتصادي الذي يعاني أزمة، والذي مفاتيحه في واشنطن... وهذا فضلاً عن تحديات المنطقة الأمنية، وتلك أيضاً ملفات ضاغطة». ويوضح أن الأهم الآن إطارياً الاتفاق على شخصية تتمتع بالقدرة على ترتيب أوراق العراق الدولية والإقليمية، وهي المهمة المستعجلة على ضوء متغيرات الداخل والإقليم...«وليس بين الشخصيات القادرة لا يزيد على شخصيتين لا أكثر، ليس بينهما السوداني»، على حد قوله.

3 مسارات للحل

من جهته، يقول الباحث والأكاديمي الدكتور طالب محمد كريم، لـ«الشرق الأوسط» إن «المأزق الحالي المتعلق بترشيح نوري المالكي وما يُوصف بـ(فيتو ترمب) لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للشرق الأوسط، حيث تعيش المنطقة مرحلة إعادة ترتيب نفوذ، ومحاولة تثبيت توازنات جديدة بعد سنوات من الحروب والاستنزاف».

ويشرح كريم: «من وجهة نظر إقليمية ودولية، هناك قوى لا تزال تفضّل بقاء العراق في مساحة الإدارة الهادئة لا القرار المستقل... ولذلك تتحفّظ عن أي شخصية تمتلك وزناً سياسياً وقدرة على فرض معادلات داخلية أكثر استقلالية. ومن هنا يأتي التضخيم الإعلامي لأي موقف أميركي، حتى لو لم يكن رسمياً أو حاسماً».

وفي المقابل، كما يقول كريم، فإنه «داخل العراق، يتعامل (الإطار التنسيقي) مع ترشيح المالكي بوصفه ورقة قوة تفاوضية، لا مجرد اسم، بينما تحاول أطراف أخرى توظيف العامل الخارجي للضغط وإعادة خلط الأوراق».

ورداً على سؤال بشأن كيفية الخروج من المأزق، يقول كريم إن «عملية الخروج من هذا المأزق، تمرّ عبر ثلاثة مسارات: الأول، تثبيت القرار الداخلي، أي حسم واضح داخل البيت الشيعي، مع تفاهم جدّي مع الأكراد والسنّة، يقلّل تلقائياً من تأثير أي ضغط خارجي. والثاني، إدارة العلاقة مع واشنطن ببراغماتية لا بالصدام ولا بالتنازل، بل بتأكيد أن اختيار رئيس الوزراء شأن عراقي دستوري، مع طمأنة المصالح المشتركة دون الارتهان لها. والثالث، تقديم برنامج حكومي واضح، فحيث يوجد برنامج اقتصادي وأمني وخدمي واقعي، يصبح التركيز على الشخص أقل أهمية، داخلياً وخارجياً...».

... و3 سيناريوهات

وبشأن السيناريوهات المتوقعة، يقول إن «السيناريوهات المتوقعة، أيضاً ثلاثة: الأول، التمرير المشروط - وهو الأرجح - حيث يُمرَّر المالكي ضمن تفاهمات داخلية وضمانات سياسية، مع إدارة هادئة للعلاقة مع الخارج. والثاني، التسوية البديلة في حال تصاعد الضغوط أو تعقّد التفاهمات، وقد يُتَّفق على شخصية وسطية كحل مؤقت. والثالث، الانسداد السياسي... وهو الأخطر، وسيحدث إذا فشلت القوى في التوافق؛ ما سيؤدي إلى تعطيل طويل وتأزيم الشارع».

الخلاصة، كما يرى الدكتور كريم، أن «الشرق الأوسط اليوم يتجه نحو تقليل الصدامات المباشرة وزيادة منطق التسويات. وإذا ما أحسن العراق إدارة هذا الظرف، سيتمكن من تحويل الأزمة فرصةً لتكريس قراره الوطني. أما إذا أُدير الملف بمنطق الانفعال أو الارتهان، فسيبقى رهينة التجاذبات... فالمعيار في النهاية ليس مَن ترضى عنه واشنطن، بل مَن يستطيع إدارة العراق في هذه المرحلة المعقّدة بأقل كلفة وأعلى توازن».

مرحلة القرارات الصلبة

في السياق نفسه، يقول الدكتور إحسان الشمّري، رئيس مركز التفكير السياسي في العراق وأستاذ السياسات الدولية في جامعة بغداد، لـ«الشرق الأوسط» إن «نقطة تحول كبيرة جداً في سياسة الولايات المتحدة حيال العراق كنظام سياسي أو حتى كعملية سياسية أنتجتها الانتخابات الأخيرة. إذ يبدو أن ترمب انتقل من الرسائل الدبلوماسية المرنة، التي وصلت إلى الطبقة السياسية عن طريق وزير خارجيته أو مبعوثه مارك سافايا، إلى القرارات الصلبة».

وأردف: «ذلك يعطي إشارة واضحة على أن الرئيس الأميركي سيعمل على إعادة صياغة العملية السياسية العراقية، لا سيما وأن الموقف الأميركي الأخير موجّه إلى أقوى الفاعلين السياسيين في العراق».

وأوضح الشمري أن «رفض ترمب ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء إنما هو رفض لكل (الإطار التنسيقي) وسياساته. حيث يبدو أن ثمة خطة أميركية لإعادة التموضع في العراق بما لا يسمح لأي وجود إيراني فيه. وهذا، فضلاً عن أنه موقف يحمل في ثناياه توجهاً أميركياً سيعمل على تصحيح الأخطاء التي ارتُكبت في العلاقة مع واشنطن لجهة النظام السياسي الذي كانت قد رعته».

واختتم الشمري مؤكداً أن «النظام السياسي قد لا يكون هدفاً بالنسبة لترمب، لكن بما لا يقبل الشك سيضع في حساباته ترميم هذا النظام، ومن ثم التكيّف معه، بما في ذلك عزل الطبقة السياسية التي لا تريد إصلاح النظام السياسي، بل تواصل السير بمعادلة مغلوطة حتى على صعيد المنظومة الإقليمية والدولية». عهد ترمب «الثاني» يبدو مختلفاً كلياً عن عهده «الأول»


جاكوب فراي... قيادي ديمقراطي واقع بين أزمات حزبه و«دولة ترمب»

في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية
في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية
TT

جاكوب فراي... قيادي ديمقراطي واقع بين أزمات حزبه و«دولة ترمب»

في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية
في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية

فيما يشبه «اختبار ضغط» متواصلاً لمدينة خبرت منذ 2020 كيف يمكن لحدث واحد أن يعيد تعريف صورة الولايات المتحدة عن نفسها، صعد اسم جاكوب فراي، عمدة مدينة مينيابوليس، ليتقدم واجهة المشهد الوطني. ليس فقط لأن المدينة أصبحت منذ أواخر 2025 وبدايات 2026 ساحة مواجهة سياسية وقانونية بين السلطات الفيدرالية وسلطات ولاية مينيسوتا، والمدينة، على خلفية حملات وكالة الهجرة والجمارك الأميركية «آيس»، وما تلاها من احتجاجات، واتهامات متبادلة، بل لأن فراي اختار أن يواجه ذلك بخطابٍ يزاوج بين «مبدئية الحقوق» و«برغماتية الإدارة»، في خليط داخل «حزب ديمقراطي» مأزوم في رسالته، وهويته.

وُلد جاكوب فراي يوم 23 يوليو (تموز) 1981، ونشأ في شمال ولاية فيرجينيا، في ضواحي العاصمة واشنطن (أوكتون بمقاطعة أرلينغتون). وفي مرحلة الدراسة الجامعية حصل على منحة رياضية في كلية وليام أند ماري، ثاني أقدم وأعرق الجامعات الأميركية بعد هارفارد، ودرس الإدارة الحكومية. وبعد التخرج عام 2004 اتجه إلى احتراف جري سباقات المسافات الطويلة، ومثّل المنتخب الأميركي في منافسات دولية. وهذه الخلفية ليست تفصيلاً تزيينياً، فالشاب بنى جزءاً من صورته العامة على «انضباط العدّاء»، و«القدرة على التحمّل»، وهي استعارات يستخدمها سياسيون كثيرون، لكنها عنده تتحول إلى مادة تعريف شخصية متماسكة.

بعد ذلك، التحق فراي بكلية الحقوق في جامعة فيلانوفا، الكاثوليكية العريقة، وتخرج منها مجازاً بالقانون، ثم جاء إلى مينيابوليس عام 2009، حيث عمل في مجال الحقوق المدنية، وقضايا التمييز والعمل قبل دخول حلبة السياسة المحلية. ولقد تزوج من زوجته الأولى، ميشيل ليليينثال عام 2009، وانفصلا في عام 2014. ثم تزوّج عام 2016 من زوجته الثانية، سارة كلارك، الناشطة في مجال الضغط السياسي لدى شركة «هايلدن» للمحاماة والاستشارات، حيث تمثّل الشركات، والمنظمات غير الربحية، ومنظمات المجتمع المدني أمام الهيئة التشريعية، والوكالات التنفيذية في ولاية مينيسوتا.

في العام 2020، رزق الزوجان بطفلهما الأول، ووُلد طفلهما الثاني في 2025. وفي سيرته الرسمية، يقدّم فراي نفسه ابناً لبيئة أميركية نموذجية من الطبقة الوسطى، تشرّب مبكراً فكرة «الخدمة العامة» عبر بوابة الرياضة، ثم القانون. بيد أن عنصر الهوية الدينية يظل حاضراً في مساره السياسي. فهو يهودي ينتمي إلى التيار الإصلاحي، ويرتاد مع زوجته الثانية التي اعتنقت اليهودية «كنيس إسرائيل»، وهو كنيس إصلاحي في مينيابوليس.

ويُستدعى هذا البعد أحياناً بوصفه عدسة أخلاقية أكثر من كونه شعاراً انتخابياً، خصوصاً حين تتقاطع ملفات المدينة مع أسئلة «الاندماج»، و«الحماية»، و«الخطاب العام» في زمن الاستقطاب.

«الانحياز للضعفاء»

يُحسب لفراي أنه لم يدخل السياسة من بوابة الشركات الكبرى، أو «مكاتب واشنطن»، بل من السياسة البلدية: مجلس مدينة مينيابوليس، ثم رئاسة البلدية. وفي السردية التي يكرّرها مقرّبوه، كان دافعه الأساسي الاقتراب من ملفات الإسكان، والحقوق، والخدمات، حيث تُختبر الدولة يومياً في حياة الناس العاديين.

وفي مدينةٍ ذات تاريخ ثقيل مع قضايا العِرق، والشرطة، واللامساواة، يغدو هذا المسار البلدي طريقاً إلى السياسة الوطنية من دون إعلان ذلك صراحة. ففراي «ليس نجماً تلفزيونياً» بقدر ما هو إداري يراهن على تحويل النزاعات الكبرى إلى سياسات محلية قابلة للقياس.

انتخب فراي عمدة في 2017، وتسلّم منصبه مطلع 2018، ثم أُعيد انتخابه في 2021، وفاز بولاية ثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 بنظام التصويت التفضيلي. واعتُبر فوزه الأخير حدثاً مهماً، لأنه عكس داخل «الحزب الديمقراطي» المحلي صراعاً بين جناح «مؤسساتي/ وسطي» يمثله فراي، وجناح «يساري/ ديمقراطي-اشتراكي» صاعد يمثله غريمه -الصومالي الأصل- عمر فاتح، في منافسة جذبت اهتماماً وطنياً واسعاً.

نموذج «العمدة القوي»

أحد التحولات البنيوية في عهد فري كان الانتقال إلى نموذج «العمدة القوي» الذي يمنح رئيس البلدية سلطة تنفيذية أكبر على إدارات المدينة. ووفق وثائق المدينة، أُقرت ترتيبات بنيوية جديدة -منها إنشاء مكتب للسلامة المجتمعية- ضمن هيكل يوسّع صلاحيات العمدة التنفيذية. وهذا التحوّل يفسّر جانباً من صدامه المستمر مع مجلس المدينة: فالنزاع لم يعد فقط على «السياسة»، بل على «مَن يملك مفاتيح التنفيذ».

الشرطة بعد قضية جورج فلويد

مقتل المواطن الأسود جورج فلويد عام 2020، وما تلاه من احتجاجات محلية وعالمية، مثّل لحظة مهمة لفراي، حين أعلن في اليوم التالي للحادثة فصل أربعة ضباط تورّطوا في القضية، وهي خطوة عاجلة لإظهار أن المدينة لن تدافع عن الواقعة.

لكن التحدّي الحقيقي جاء لاحقاً: كيف تُصلح مؤسسة شرطة مُنهكة بالفضائح، والعجز، والثقة المكسورة، من دون الانزلاق إلى فراغ أمني، أو معركة مؤسساتية مفتوحة مع النقابات، والمجلس؟

منذ ذلك الحين، مال فراي إلى مقاربة يمكن تلخيصها بعبارة «الإصلاح لا الإلغاء». وهذا الموقف ظهر أيضاً في النقاشات التي رافقت دعوات إعادة هيكلة الشرطة جذرياً في 2021، وفي الجدل الوطني حول «خفض التمويل».

وفي يناير (كانون الثاني) 2025، وافق العمدة ومجلس المدينة على «مرسوم رضائي» مع وزارة العدل الأميركية لدفع «إصلاحات مؤسسية» أعمق داخل شرطة مينيابوليس، خطوة تُقرأ عادة باعتبارها انتقالاً من «وعود سياسية» إلى «التزام قانوني قابل للرقابة».

وثائق المدينة، الليبرالية سياسياً، تضع «السلامة» في قلب أجندة فراي عبر مزيج من توظيفات، وبرامج استجابة لأزمات الصحة النفسية، ومحاولة بناء منظومة أوسع من الشرطة وحدها. غير أن منتقديه، خصوصاً داخل مجلس المدينة، يرون أن النتائج على الأرض أبطأ من حجم الوعود، وأن الفجوة بين «الخطاب الإصلاحي» و«إدارة مؤسسة شرطة مقاومة للتغيير» لا تزال قائمة.

الإسكان والتشرد وحقوق التصويت

من جهة ثانية، بينما يُحسب لمينيابوليس أنها أصبحت «مختبراً» وطنياً في سياسات تواجه الكثافة السكنية، وتقليص حصرية مناطق السكن الفردي عبر خطة «مينيابوليس 2040» التي سمحت على نطاق واسع بزيادة عدد الطوابق في أحياء كانت مخصّصة لبيت من طابق واحد. لكن الملف الذي يطارد فراي سياسياً هو التشرّد، والمخيّمات. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2025، استخدم حق النقض ضد تشريع كان سيمنح المخيمات حماية زمنية أطول، مبرّراً ذلك بأنه يشجّع على «تضخّم المخيّمات»، ويقيّد التدخّل المبكّر. وشدّد يومذاك على أن المدينة تريد «سكناً وخدمات» لا «ترسيخ العيش غير الآمن في العراء».

في الوقت نفسه، شهدت المدينة -وهي إحدى الأبرد في البلاد- مساومات ميزانية لإبقاء برامج قسائم سكن طارئة لعدد من المعرّضين للتشرّد، في صفقة عكست كيف يتحوّل السكن إلى «عصب سياسي» يومي بين العمدة والمجلس.

أيضاً، في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية، يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية. وصفحات الانتخابات الرسمية في مينيابوليس تتيح «التصويت من السيّارة» لمن لا يستطيعون دخول مركز الاقتراع بسهولة، وإتاحة التسجيل، وتحديثه ضمن الإجراء نفسه. وتُظهر أدلة المدينة الانتخابية وجود أجهزة «وضع علامات اقتراع ميسّرة»، وخيارات مساعدة متعدّدة داخل مركز الاقتراع. تفاصيل قد تبدو تقنية، لكنها في زمن الاستقطاب تُقرأ على أنها مؤشّر على فلسفة «خفض العوائق» أمام المشاركة، في مواجهة سياسات جمهورية مناقضة.

«مدينة ملاذ»... والهوية الجندرية

على صعيد الهجرة، لا يكتفي فراي بوصف مينيابوليس «مدينة ملاذ» ليبرالية، بل يستند إلى نصوص تشريعية محلية تقيّد تعاون موظفي المدينة مع إنفاذ قوانين الهجرة الفيدرالية، وتمنع الاستفسار عن الوضع القانوني للهجرة إلا عندما يفرض القانون ذلك.

ومع تصاعد «النشاط الفيدرالي» أواخر 2025 وبدايات 2026، تعزّز في الأسابيع الأخيرة حضور فراي وطنياً بسبب المواجهة المفتوحة مع السلطات الفيدرالية حول عمليات «آيس». إذ طالبت بيانات المدينة الرسمية الوكالة بالمغادرة، وشرحت أن مينيابوليس لا تطبق قوانين الهجرة المدنية.

وعلى المستوى الإعلامي، صعد فراي خطابه بعد حوادث عنف مرتبطة بالعمليات، والاحتجاجات، مقدماً نفسه مدافعاً عن «سلامة المجتمع»، و«الحقوق» في مواجهة ما يصفه منتقدو الإدارة بأنه «عسكرة» للفضاء المدني.

وتنسحب فكرة «الملاذ» على ملفات أخرى، حيث أصدر فراي في 2022 أمراً تنفيذياً يمنع تعاون أجهزة المدينة مع ملاحقات تتعلق بالرعاية الصحية الإنجابية، وأصدر أمراً آخر يجعل مينيابوليس «ملاذاً» للرعاية الصحية المُؤكِّدة للنوع الاجتماعي.

وهنا يظهر فراي بوصف أنه سياسي ديمقراطي يحاول تحويل القيم إلى «أدوات إدارية» لا مجرد مواقف.

في المقابل، علاقة فراي مع ملفات العمل والاقتصاد الحضري معقّدة، ففي عام 2024 اصطدم بمجلس المدينة الذي دعا إلى حد أدنى لأجور سائقي «أوبر»، و«ليفت». واستخدم حق النقض (الفيتو)، محذّراً من تبعات اقتصادية، وتشغيلية، وبينما مضى المجلس لتجاوز «الفيتو»، هدّدت الشركتان بتعليق الخدمة. وهذا الملف قدّمه خصومه دليلاً على انحيازه لـ«البرغماتية المائلة للأعمال»، بينما قدّمه أنصاره على أنه اختبار صعب بين إنصاف العمال والحفاظ على خدمات يعتمد عليها سكان كثيرون.

وفي أواخر 2024، عاد التوتر مع المجلس حول فكرة «مجلس معايير العمل»، حيث استخدم فراي «الفيتو»، محاججاً بأن الصيغة المقترحة لا تعطي تمثيلاً كافياً للقطاع التجاري، ما يعكس رغبته الدائمة في لعب دور «الموازن» بين قوة النقابات وخشية هروب الاستثمار.

إشكالية «حرب غزة»

الملف الأكثر حساسية لشخصية يهودية في رئاسة مدينة تقدّمية ليبرالية كان ملف غزة. ففي يناير 2024، كتب فراي في رسالة اعتراض أن قرار مجلس المدينة الداعي لوقف النار «يُبرز تاريخ الفلسطينيين، ويكاد يمحو تاريخ اليهود الإسرائيليين»، منتقداً اللغة التي رأى أنها «أحادية»، وتفاقِم الانقسام. لكن المجلس تجاوز اعتراضه، وأقر القرار بغالبية 9 مقابل 3 أصوات. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، اعترض على قرار يدعم محتجين مؤيدين لفلسطين في جامعة مينيسوتا، معتبراً أن الرسالة «تضع سابقة خطيرة»، إذ «مدحت أفعالاً غير قانونية لمجرّد توافقها مع تفضيلات سياسية».

هذان الملفان يُظهران حدود «المدينة التقدّمية»، حين تتحول السياسة الدولية إلى سياسة محلية، ويصبح العمدة مطالباً بأن يقرّر: هل يلعب دور «الناشط» أم «الحَكم»؟

صعود فراي اليوم لا يُقرأ فقط بوصفه صعود «عمدة مدينة»، بل إشارة إلى بحث الديمقراطيين عن لغة جديدة بعد سنوات من ارتباك الرسالة بين جناح يساري يطالب بإعادة تعريف الدولة، وجناح وسطي يريد إصلاحات معتدلة بلا صدامات.

فراي يقف في الوسط: إذ يرفع راية الملاذ والحقوق المدنية، لكنه يتراجع حين يرى أن السياسة تتحوّل إلى شعار يهدّد قدرة المدينة على الإدارة، أو يفتح الباب لفوضى مؤسساتية.وفي مدينة أصبحت مرادفاً لجرح أميركا المفتوح منذ حادثة جورج فلويد، ومرآةً لصراع الهجرة (وبالأخص الجالية الصومالية)، والسلطة في 2026، يحاول جاكوب فراي أن يقدّم نموذجاً مختلفاً، لكنه لا يزال بعيداً عن تقديم جواب شافٍ لأزمة الحزب «الديمقراطي».


مينيابوليس «مدينة البحيرات» الباردة... غدت ساحة صراع سياسي

اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
TT

مينيابوليس «مدينة البحيرات» الباردة... غدت ساحة صراع سياسي

اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)

تكتسب مينيابوليس أهميةً تتجاوز كونها أكبر مدن ولاية مينيسوتا، ذات الكثافة السكانية الاسكندنافية بشمال وسط الولايات المتحدة، ومركزها الاقتصادي والثقافي، و«توأم» عاصمتها السياسية سانت بول.

في السنوات الأخيرة تحوّلت «رمزاً سياسياً» تختصر فيه الولاية تناقضات أميركا بين حالة ديمقراطية ليبرالية تقدّمية وسلطة فيدرالية جمهورية أكثر صدامية في عهد دونالد ترمب.

مينيابوليس تشتهر بكونها مدينة «الطبيعة داخل المدينة». إذ تحتضن شبكة بحيرات ومستنقعات وجداول داخل حدودها، إلى جانب نهر المسيسيبي، ومسارات مشي ودرّاجات تمتد لأميال ضمن منظومة حدائق تُقدَّم كميزة فريدة.

وبجانب هذا الوجه الطبيعي، لدى مينيابوليس حضور ثقافي لافت في الغرب الأوسط، من «ووكر آرت سنتر» وحديقة المنحوتات، إلى «غاثري ثياتر» الذي يُعدّ مؤسسة مسرحية مركزية في المدينة. وتضم عدداً كبيراً من مقار الشركات والمؤسسات، مثل شركة «تارغت» و«يو إس بان كورب» وغيرهما؛ ما يعزّز ثقلها كعقدة أعمال ومال وخدمات في مينيسوتا.

لكن شهرة مينيابوليس اليوم ليست سياحية فقط؛ فهي تُصنَّف مدينة تقدّمية؛ لأن سياساتها المحلية تراكمت لسنوات على قاعدة «خفض العوائق» أمام المشاركة والخدمات، والتوسّع في الحماية الاجتماعية. تعتمد المدينة «التصويت التفضيلي» في كل الانتخابات البلدية منذ 2009، وهو ما يُقدَّم كإصلاح ديمقراطي يعزز التمثيل ويحد من الاستقطاب داخل السباقات المحلية. وفي الاقتصاد الاجتماعي، كانت من أوائل مدن الغرب الأوسط التي أقرّت مسار رفع الحد الأدنى للأجور وصولاً إلى 15 دولاراً، مع مراحل تطبيق امتدت حتى 2024. وفي يناير (كانون الثاني) 2026 برزت المدينة مسرحاً مباشراً للصراع بين ترمب والديمقراطيين عبر ملف الهجرة.

عمليات «آيس» في مينيابوليس، وما ارتبط بها من حوادث مثيرة للجدل، من مقتل الأميركية رينيه نيكول غود (37 سنة)، ثم أليكس بريتي، الممرّض الأميركي (37 سنة) أيضاً، ومحاولة عناصر «آيس» دخول القنصلية الإكوادورية وما أثارته من احتجاج دبلوماسي، قدمت للبيت الأبيض فرصة لإظهار «قبضة إنفاذ» أمام الجمهور المحافظ. في المقابل، منحت الديمقراطيين مادة تعبئة حول «تغوّل السلطة الفيدرالية» وحدودها داخل المدن الملاذ. وحقاً، لم تعُد المدينة ساحة مواجهة بين ترمب والديمقراطيين فقط، بل غدت مرآة انقسام الديمقراطيين: بين تيارٍ مؤسساتي - براغماتي يركز على الأمن والخدمات وإدارة المدينة، وتيار يساري يرى أن زمن «الترقيع» انتهى. وإعادة انتخاب العمدة جاكوب فراي في 2025 عبر التصويت التفضيلي بوجه تحدٍ يساري بارز، بيّنت أن المدينة، ولو أنها أكثر تقدمية، لا تمنح تفويضاً تلقائياً للشعارات، بل تبحث عن توازن صعب بين العدالة والسلامة.

لهذا كله؛ تبدو مينيابوليس (مع سانت بول) بالنسبة لمينيسوتا «عاصمة سياسية» بقدر ما هي عاصمة اقتصادية. وإذا أراد ترمب أن يثبت أن الدولة الفيدرالية قادرة على فرض أجندتها داخل المدن، فهي المكان الأكثر رمزية. وإذا أراد الديمقراطيون أن يبرهنوا على أن الدفاع عن الحقوق لا ينفصل عن قدرة الحكم المحلي على إدارة الأزمات، فهي أيضاً مختبرهم الأكثر شهرة.