ويليام روتو... الرئيس الكيني الحالم بقيادة «القارة السمراء»

انتعل أول حذاء في الـ 15 من عمره... وخطابه أغرى ملايين الشباب

ويليام روتو... الرئيس الكيني الحالم بقيادة 
«القارة السمراء»
TT

ويليام روتو... الرئيس الكيني الحالم بقيادة «القارة السمراء»

ويليام روتو... الرئيس الكيني الحالم بقيادة 
«القارة السمراء»

تمثل كينيا واحدة من الدول الأفريقية القليلة التي تُصنف من جانب العديد من القوى الدولية «نموذجاً جيداً للتطبيق التدريجي للديمقراطية»، وهذا رغم ما تواجهه من تهديدات عرقية وقبلية.

ولكن بالنظر إلى تجاوز كينيا العديد من موجات الاضطراب التي تجتاح منطقة القرن الأفريقي، وشرق أفريقيا عموماً، تبدو كينيا بالفعل صاحبة تجربة لافتة، ولقد مر مسار التجربة السياسية في كينيا بالعديد من المحطات، من أبرزها:

- ظلت كينيا تحت الاحتلال البريطاني لثمانية عقود، من عام 1895 قبل أن تنال استقلالها عام 1963 بعد ثورة شعبية، وقيادة من حركة التحرير التي عُرفت باسم حركة «الماو ماو» في خمسينات القرن الماضي.

أوهورو كينياتا

- في 12 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1963، أصبح جومو كينياتا أول رئيس للبلاد بعد الاستقلال. وكان أبرز مساعديه وأركان حكمه أوغينغا أودينغا.

- في عام 1964 أصبحت كينيا دولة جمهورية.

- في عام 2007، شهدت كينيا مصادمات واسعة عقب اتهام مرشح الحركة الديمقراطية البرتقالية (يسار معتدل) رايلا أودينغا (ابن أوغينغا أودينغا)، المرشح الفائز بمنصب الرئيس مواي كيباكي بالتزوير، الأمر الذي تسبب في اندلاع مواجهات بين الطرفين استمرت لمدة شهرين، راح ضحيتها أكثر من 1500 شخص.

- في أواخر فبراير (شباط) 2008، رعت الأمم المتحدة مفاوضات سلام بين الطرفين، بقيادة الأمين العام السابق كوفي عنان، نتج عنها اتفاق لتقاسم السلطة، شغل بموجبه أودينغا منصب رئيس الوزراء، الذي استحدث بغرض تسوية النزاع، كما تضمن اتفاق تقاسم السلطة أجندة إصلاحات واسعة، كان جوهرها الإصلاح الدستوري.

- في أغسطس (آب) 2010، نظّم استفتاء وطني على الدستور الجديد، ووافق عليه غالبية الكينيين، وقد أقر إقامة نظام رئاسي للحكم، لتحقيق مبدأ الفصل والتوازن في توزيع السلطات، وقُسّمت كينيا بموجبه إلى 47 محافظة، يتمتع كل منها بسلطة وموارد كبيرة، ويحكم كل إقليم حاكم منتخب.

- بموجب الدستور الجديد أيضاً، أُلغي منصب رئيس الوزراء، وبات رئيس الجمهورية يشغل منصبي رئيس الدولة ورئيس الحكومة، ويجري انتخابه بالاقتراع الشعبي لفترة رئاسية مدتها خمس سنوات، يحق للرئيس الترشح لفترة ثانية.

- طبقت التعديلات الجديدة اعتباراً من الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 4 مارس 2013، وفاز بها أوهورو كينياتا، نجل الرئيس المؤسس جومو كينياتا، في الجولة الأولى وبفارق قليل، وأعيد انتخابه في 2017.

- في عام 2018، تصالح كينياتا بشكل مفاجئ وغير متوقع مع خصمه السابق أودينغا، وسعيا طوال سنة كاملة لتغيير الدستور من أجل تمرير ترشح كينياتا لفترة رئاسية ثالثة، وهو ما رفضه ويليام روتو نائب الرئيس، وعقب الحكم بلا أحقية الرئيس في تعديل الدستور، ارتفعت أسهم روتو في الانتخابات التالية.

- في 5 سبتمبر (أيلول)، وبعد نحو شهر من الانتخابات الرئاسية التي جرت في 9 أغسطس، أيّدت المحكمة العليا بالإجماع فوز روتو على رايلا أودينغا (77 سنة) ليصبح الرئيس الخامس في تاريخ كينيا بعد الاستقلال.

عندما استقبل الرئيس الكيني ويليام روتو عدداً من القادة الأفارقة المشاركين في قمة منتصف العام للاتحاد الأفريقي، التي استضافتها كينيا، لم يتردد في شن هجوم قوي على المؤسسات المالية الدولية. وفيه حمّل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مسؤولية أزمة الديون في القارة الأفريقية، وطالب بـ«نظام مالي عادل» للقارة التي تتكبد أعباء الفوائد أكثر من غيرها.

روتو الذي كان يتكلم بحماسة شديدة مستخدماً قدراته الخطابية التي ضمنت له فوزاً صعباً في انتخابات رئاسية احتشدت فيها ضده عائلات سياسية عتيدة، لم يكن يمثل في تلك اللحظات فقط ذلك المرشح الرئاسي الذي اجتذب بخطابه عن «الإصلاح من القاعدة إلى القمة» أصوات الشباب... بل ربما بدا أقرب ما يكون إلى ذلك الشاب الذي كان يبيع الدجاج على طرقات كينيا الفقيرة، حالماً بتغيير واقعه.

أكثر من هذا، لعل الرئيس رأى أن الوقت قد حان ليمدّ حلمه إلى نطاق أوسع في قارة سمراء، تعج بعشرات الملايين من الشباب الذين يحملون الحلم ذاته الذي سكن قلب الشاب ويليام روتو قبل أربعة عقود.

النشأة وبداية المسيرة

من رحم الطفولة الصعبة، بدأت أحلام الشاب الكيني الفقير ويليام روتو، المولود في عام 1966 لأسرة كينية بسيطة من شعب الكالينجين، أكبر الشعوب النيلية في منطقة «الانهدام الكبير» بغرب كينيا.

في تلك الأيام ما كانت الأسرة قادرة على تأمين قوت أطفالها بسهولة، فكان الصغير ويليام يذهب إلى مدرسته حافي القدمين؛ إذ إنه لم يعرف انتعال الحذاء إلا عندما بلغ سن الـ15.

أيضاً اضطر ويليام، في صغره، إلى البحث عن أي وسيلة لتوفير بضعة «شلنات» كينية؛ كي يعين أسرته على تحمّل تكلفة الحياة، فباع الدجاج والفول السوداني على الطرقات المقفرة في المناطق الريفية. وعانى ويليام روتو مبكراً من قسوة الحياة، وأدرك أن تحقيق أحلامه الكبيرة يتطلب كفاحاً أكبر، ومن ثم، كان العمل السياسي هو السبيل الذي اختاره ليحقق أحلام طفولته في السلطة والثروة. كذلك، أتيح له الاهتمام بالدراسة، فتخرّج في جامعة نيروبي، وتابع فيها دراساته العليا.

من ناحية ثانية، في عام 1992، بينما كان روتو في منتصف عقده الثالث، وجد فرصة لاقتحام المعترك السياسي، فانضم إلى الجناح الشبابي لحزب «كانو» الذي يتزعمه رئيس البلاد (آنذاك) دانيال أراب موي، الذي يتشارك مع روتو الانتماء إلى شعب الكالينجين، الذي يشكل ثالث أكبر مجموعة عرقية - قبلية في كينيا.

وبسرعة اكتشف رجال «كانو» القدرات الخطابية الواعدة لذلك الشاب الآتي من الريف، وقدرته على حشد الجماهير، وبخاصة الفقراء الذين جاء من صفوفهم، وهو العالِم بأحلامهم البسيطة، والقادر على دغدغة مشاعرهم بما يريدون سماعه، وتحريكهم في الاتجاه الذي يريد.

«تلميذ» آراب موي

ولم يطل الوقت حتى وقع على روتو الاختيار ليكون أحد الذين عُهدت إليهم مهمة تعبئة الناخبين للمشاركة في أول انتخابات متعددة الأحزاب تشهدها كينيا، ولقد أجريت بالفعل في العام ذاته. ويبدو أن صيته وصل إلى الرئيس آراب موي شخصياً، فقرّبه منه، ليغدو - كما وصفه روتو - «أول أساتذة السياسة» الذين تعلّم منهم كيف يسير بثبات ويشق طريقه في دهاليز السياسة الكينية المعقدة.

في مواجهة «السلالات الحاكمة»، لم يتنكر روتو يوماً لأصوله الفقيرة، بل كثيراً ما تباهى بها، وبما حققه من نجاح في عالمي السياسة والمال، ليصبح واحداً من أكثر الكينيين ثراء. ولاحقاً، يصل في أغسطس (آب) من العام الماضي إلى قيادة البلاد بعد فوزه بمنصب الرئاسة. مع هذا، فإن روتو يدرك أكثر من غيره كم كانت تلك الرحلة صعبة ومليئة بأشواك في طريق غير معبدة، على الأقل بالنسبة لرجل لا تقف وراءه عائلة سياسية قوية، كتلك التي جاء منها حلفاؤه وخصومه على حد سواء.

مع أودينغا... ثم كينياتا

في انتخابات عام 2007، برز اسم روتو بوصفه واحداً من أبرز مناصري مرشح المعارضة (في ذلك الوقت) رايلا أودينغا، في حين كان أوهورو كينياتا يدعم رئيس الجمهورية مواي كيباكي، الذي كان يسعى إلى الحصول على فترة رئاسية ثانية.

بعدها، ستمضي الأيام وتتبدّل أشكال العلاقة بين أضلاع ذلك «المثلث» (روتو - أودينغا - كينياتا) ما بين منافسة وتحالف وعداء. لكن نجم روتو ظل في صعود وتولي عدة مناصب وزارية، بما فيها وزارتا التعليم والزراعة.

وفي عام 2013، انتخب روتو نائباً للرئيس عندما خاض المنافسة إلى جانب الرئيس أوهورو كينياتا، الأمر الذي أذهل كثرة من الكينيين؛ لأن الرجلين كانا على طرفي نقيض سياسياً إبّان الانتخابات السابقة، وبدت العلاقة بين الرجلين تطبيقاً للمقولة الشهيرة: «في السياسة لا صداقات أو عداوات دائمة، بل مصالح دائمة».

ما حصل، وفق كثيرين «تحالف منفعة»؛ إذ كانت المحكمة الجنائية الدولية قد وجّهت إلى كينياتا وروتو تهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية تتعلّق بمزاعم تأجيجهما أعمال العنف السياسية - القبلية (بالذات بين شعبي الكيكويو، الذي ينتمي إليهم كينياتا، واللوو الذين ينتمي إليهم أودينغا والرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما). هذا، واندلعت أعمال العنف عام 2007 إثر المعركة الانتخابية الشرسة، وأسفرت يومذاك عن مقتل نحو 1500 شخص. وبالنتيجة، أفلح التحالف في توصيل الرجلين إلى السلطة، بعد الإفلات من اتهامات «الجنائية الدولية»، حين أسقطت المحكمة الاتهامات عن الرئيس كينياتا ونائبه روتو عام 2014.

في سدة الرئاسة

الأمر اختلف في انتخابات العام الماضي، التي اختار روتو الترشح فيها للمرة الأولى إلى مقعد الرئيس، بعد 10 سنوات أمضاها نائباً لكينياتا. غير أن الأخير، نتيجة للخلافات التي عصفت بعلاقته مع نائبه روتو، ولا سيما في سنوات حكمه الأخيرة - بسبب رغبته في تعديل الدستور لتمديد حكمه لفترة ثالثة ورفض روتو ذلك - اختار أن يقف مع «غريمه القديم» أودينغا.

وبالفعل، شكّك كينياتا، الذي هو ابن جومو كينياتا أول رئيس استقلالي لكينيا، علناً في قدرة نائبه وجدارته في تولي الرئاسة، ولم يتردد في مهاجمة روتو شخصياً ووصفه بأنه «لا يستحق» قيادة البلاد.

في هذه التجربة «الدرامية»، لم يكن الفوز سهلاً وسط تبدل مواقع الحلفاء والخصوم. وهنا استعان روتو بقدراته الخطابية القديمة وقدرته على حشد الفقراء والشباب، ولم يتردد في أن يبني حملته الانتخابية على كونه مرشحاً من خارج «المؤسسة الحاكمة»، رغم شغله منصب نائب الرئيس 10 سنوات. ولم يتردّد كذلك في مبادلة كينياتا الهجوم بأقوى منه، قائلاً إن الأخير يريد أن يخلفه أودينغا لأنه يرغب في «رئيس دمية».

ومن ثم، صاغ روتو شعارات حملته لتبدو الانتخابات في إطار صراع بين «الكادحين»، في إشارة إلى الكينيين الفقراء، و«السلالات الحاكمة»، في إشارة إلى العائلات «المتنفذة» مثل عائلتي كينياتا (التي جاء منها رئيسا جمهورية) وأودينغا (التي جاء منها رئيسا وزراء)، اللتين كانتا أبرز اللاعبين المؤثرين في سياسة كينيا منذ الاستقلال.

الشباب... والتغيير

لعب روتو على أوتار التغيير، مداعباً أحلام الشباب والفقراء من أجل مستقبل مغاير لما عاشوه عبر عقود تحت مظلة العائلات التي تتبادل الحكم فيما بينها. ورغم ثروته الشخصية الطائلة، وجّه خطاباته القوية إلى «أمة المكافحين»، متعهداً بأن تركز سياساته الاقتصادية على تحسين أوضاع الفئات الأكثر فقراً أولاً، «لأنها كانت الأكثر تحملاً للأعباء»، إبان أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة التي ضربت العالم بأسره في أعقاب جائحة «كوفيد - 19» والحرب في أوكرانيا.

واستخدم روتو سيرته الشخصية مصدرَ إلهام لملايين الشباب، معرباً عن رغبته بتوفير الفرص للجميع ليكونوا مثله، عندما استطاع التحوّل من شاب فقير إلى أحد أكبر ملاك الأراضي في كينيا، بعدما استثمر في زراعة الذرة وإنتاج الألبان وتربية الدواجن. وللعلم، يملك روتو اليوم مساحات شاسعة من الأراضي في مناطق الغرب ومناطق الساحل الكيني، وكذلك لديه استثمارات في قطاع الضيافة.

لقد وضع روتو تلك الانتخابات في إطار تغيير الأجيال الذي «حان وقته»، مروّجاً لرسالته من خلال استخدامه لغته البليغة وشعاراته الرنانة، وهو ما منحه المصداقية والقبول في أوساط العديد من المواطنين الكينيين.

بل حتى اختلافه الديني استخدمه كنقطة قوة له. فويليام روتو هو أول رئيس مسيحي إينفانجيلي (المسيحيون المولودون من جديد) لكينيا، التي تحظى بتنوّع ديني إضافة إلى تنوّعها العرقي. والجدير بالذكر، أنه رغم كون نحو 85 في المائة من الكينيين مسيحيين وفقاً لآخر تعداد سكاني أجري عام 2019، فإنهم يتوزعون بين الطوائف (33 في المائة بروتستانت، و21 في المائة كاثوليك، و20 في المائة إيفانجيليون و7 في المائة يتبعون الكنائس الأفريقية)، بينما نحو 11 في المائة من السكان. وتضاف إلى هذا الخليط أعداد من الوثنيين والملحدين. وكان «التسامح الديني» من الشعارات التي ركز عليها روتو لكسب المتعاطفين من طوائف وديانات مختلفة، جاعلاً نداء حملته «كينيا كوانزا»، الذي يعني «كينيا أولاً» باللغة السواحلية.

في أي حال، كسب روتو الانتخابات بنسبة 50.5 في المائة من أصوات الناخبين. ورغم الارتباك الذي سعى خصومه إلى إثارته نتيجة هامش الفوز الضئيل للتشكيك في نزاهة الانتخابات، فإن اعتماد المحكمة العليا النتيجة حسم الأمر لصالح «صبي من القرية أصبح رئيساً لكينيا»، على حد تعبير روتو خلال احتفاله بالفوز وسط أنصاره.

تحديات ما بعد الوعود

التحديات الآن صعبة، وإذا كانت القدرات والوعود قد أمنت لروتو الفوز بالرئاسة، فإنها لم تستطع أن تضمن له الهدوء طويلاً على الجبهة الداخلية؛ إذ سرعان ما حاول غريماه أودينغا وكينياتا الرد على الهزيمة القاسية التي مُنيا بها حتى في معاقلهما الانتخابية التاريخية، مستغلَّيْن استمرار الأزمات الاقتصادية الداخلية، ومتهمَين «الرئيس» بالتنكر لتعهداته.

وبعد بضعة أشهر من تولي روتو السلطة، اندلعت صراعات سياسية ومظاهرات دموية في الساحات والشوارع ضد سياساته. ولقد تفجرت الاحتجاجات منذ العشرين من مارس (آذار) الماضي، عندما دعت قيادات معارضة (يتصدرها أودينغا وكينياتا)، إلى التظاهر للتنديد بتردي الأوضاع الاقتصادية. ومن ثم، أخذت تتصاعد على مدار الأسابيع الماضية، ليرتفع سقف المطالب من خفض الضرائب وتكاليف المعيشة وإعادة الدعم، إلى المطالبة باستقالة الرئيس وفتح تحقيق في انتخابات الرئاسة التي جاءت به رئيساً، وتأجيل إعادة تشكيل اللجنة المستقلة للانتخابات.

التدهور السريع للأوضاع الأمنية بسبب الاشتباكات بين قوات الشرطة والمتظاهرين، وسقوط عشرات القتلى والجرحى سواء من المتظاهرين أو من رجال الأمن، إضافة إلى طلاب وصحافيين، أعاد المخاوف من أن تنتقل حالة الاحتقان من مستوياتها السياسية بين الحكومة والمعارضة لتصل إلى حالة من الاقتتال الأهلي، في دولة لم تزل جراح الحروب العرقية والأهلية فيها لم تندمل بعد.

روتو يدرك أكثر من غيره أن أمامه جملة من التحديات الصعبة، وأن التحدي الاقتصادي يبدو الأكثر ضغطاً في ظل الأوضاع الراهنة. وبالتالي، فإن فشله الاقتصادي يعني مزيداً من الطعنات السياسية من جانب خصومه المتحفزين، لكن حل معضلات التضخم خاصة في أسعار الوقود والمواد الغذائية والأسمدة والبذور، لا تبدو ميسورة في ظل أزمة تجتاح العالم. كما سيكون تحقيق الرئيس الكيني وعوده للشباب مهمة صعبة، فالمعدل الرسمي للبطالة بين أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 سنة يقارب الـ40 في المائة، والاقتصاد المحلي لا يخلق وظائف كافية لاستيعاب 800 ألف شاب ينضمون إلى القوى العاملة كل سنة.

كذلك، تواجهه مشاكل تمويل خططه لنقل العاصمة نيروبي بشكل كامل إلى الاعتماد على الكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الحرارية الأرضية بحلول عام 2030، وخاصة، في ظل انخفاض قيمة العملة الوطنية لمستويات قياسية في مواجهة الدولار الأميركي.

وإذا ما أضيفت مشاكل مثل المخاطر الأمنية كالإرهاب، الذي ينخرط الجيش الكيني في محاربته في الصومال المجاور، والتهديدات البيئية، كالجفاف والتصحر، التي تجتاح العديد من المناطق الأفريقية، ومنها كينيا، علاوة على تفاقم أعباء الديون، التي تصل إلى سبعين في المائة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، فإن الخيارات لا تبدو سهلة، وهو ما يدفع روتو إلى البحث عن حلول إقليمية لمواجهة الضغوط المحلية المتصاعدة.

من هنا يمكن فهم رغبة الرئيس الكيني في لعب دور إقليمي أكبر، سواء من خلال الهيئة الحكومية للتنمية بشرق أفريقيا «الإيغاد»، والدخول كلاعب رئيس في الأزمة السودانية، رغم ما يعترض ذلك من توتر مع مجلس السيادة الحاكم في السودان.

لعب روتو على أوتار التغيير، مداعباً أحلام الشباب والفقراء

من أجل مستقبل مغاير لما عاشوه عبر عقود تحت مظلة العائلات التي تتبادل الحكم فيما بينها


مقالات ذات صلة

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

حصاد الأسبوع باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك،

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي

حصاد الأسبوع كيريكو (آ ف ب)

بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

تُعدّ بنين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم داهومي، والتي يقارب عدد سكانها 14 مليون نسمة، واحدة من أكثر الدول استقراراً نسبياً في أفريقيا. وسياسياً، عاصمة بنين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع صورة جامعة للقادة المشاركين في «القمة» (رويترز)

«القوى التقدمية» في الغرب تسعى لاستعادة الثقة بالنفس

عندما بزغ فجر القرن الحادي والعشرين، كانت كوكبة من القيادات «التقدمية» - الاشتراكية أو من اليسار المعتدل - تتربع على قمم السلطات التنفيذية في أوروبا، من بينها:

شوقي الريّس ( مدريد)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.