العَلم بيرق الشرعية الدستورية السعودية ورايتها

العلم مرفوعاً منذ قيام الدولة الأولى
العلم مرفوعاً منذ قيام الدولة الأولى
TT
20

العَلم بيرق الشرعية الدستورية السعودية ورايتها

العلم مرفوعاً منذ قيام الدولة الأولى
العلم مرفوعاً منذ قيام الدولة الأولى

تفتح الأيام الوطنية نوافذ للمشتغلين بالتاريخ لإعمال أدواتهم في سبر تلك المناسبات، والتنقيب في أبعادها ورمزيتها، واستنطاق المصادر بحثاً وتدقيقاً لاستكشاف ما قد يكون مغيباً؛ لأن وعي أي أمة بحاضرها وإدراك مكانتها يتطلب معرفة عميقة بماضيها وأسسها وجذورها. وليس التاريخ السعودي هامشياً في الحضارتين العربية والإسلامية، بل هو متن صُلب كوَّنه الامتداد والعمق التاريخي فيها. من هنا تكتسب المناسبات الوطنية السعودية أهمية خاصة، خصوصاً لجهة تفرد العلم السعودي بشكله وتصميمه ودلالاته ومضامينه؛ فهو يعكس عمق الدولة السعودية وعراقتها، ويجسد هويتها، ويمثل القيم والمبادئ التي قامت عليها؛ وإذ ذاك ندرك أهمية صدور أمر الملك سلمان بن عبد العزيز بتخصيص يوم للعلم في الحادي عشر من شهر مارس (آذار)، مشيراً في ديباجته إلى قيمة العلم الوطني عبر تاريخ الدولة السعودية منذ تأسيسها عام 1727.

رسم إيضاحي من موقع دارة الملك عبد العزيز
رسم إيضاحي من موقع دارة الملك عبد العزيز

نتناول هنا الرمزية الدستورية للعلم من ناحية وصله وربطه بين مراحل الدولة السعودية، ودلالته على استمرارية الشرعية السياسة في فترات غياب الدولة أو ضعفها؛ فالعلاقة بين العلم والشرعية السياسية تحظى بأهمية كبيرة، وترتبط بشكل وثيق بالتطور الاجتماعي والسياسي؛ لذا فإن البحث في هذا الارتباط مهم لمعرفة تأثير العلم في الشرعية السياسية والعكس. يدل على ذلك حضور رمزية الدولة «العلم» مع «الحكام الشرعيين» بغض النظر عن مكانهم. ويفيد هنا تكرار ما أشار إليه المؤرخ عبد الرحمن الرويشد «أنه أثناء غياب البيت السعودي المالك فترة من الزمن تشبثوا بحمل تلك الراية حتى وهم غرباء وظاعنون تتقاذفهم الأوطان...». ويضيف: «كان آل سعود في غيبتهم يحملون الراية السعودية، ولا يتخلون عنها»، وأورد قصصاً عدة عن ذلك، منها ما رواه عن القبطان البريطاني آي. آر. بيرس، ووصفه لراية آل سعود قرب الكويت عام 1901: «كانت راية آل سعود خضراء اللون... كتب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله».

وإذا كان مفهوم الشرعية متعدد الأبعاد والعناصر، ويرتكز على مبادئ ومعايير بعينها، فإن القاعدة الأساسية لنظرية العقد الاجتماعي تستند إلى أن «شرعية الدولة تقوم على أساس رضا المحكومين»، يقول عالم الاجتماع ماكس فيبر: «يكون النظام الحاكم شرعياً عند الحد الذي يشعر فيه المواطنون بالرضا عنه»، ويتفق جان جاك روسو وجون لوك وغيرهما من فلاسفة علم الاجتماع على أن «رضا المحكوم بالحاكم هو مصدر شرعية الحكم».

وقد يجادل البعض في أن السيطرة أو بسط سلطة النظام على الإقليم لم تتوافر لآل سعود بوصفهم حكاماً شرعيين في فترات من تاريخ الدولة السعودية الممتدة 3 قرون، وكانت هناك سلطة أمر واقع؛ فهل انتفت الشرعية حينئذ؟ لا أعتقد ذلك؛ لأن «السيطرة» لم تكتمل للقوى التي حاولت بسط نفوذها على الإقليم، ولم تستقر لها الأوضاع، كما كان دور آل سعود حاضراً، وشعبيتهم باقية، ومحاولاتهم لاسترداد الحكم لم تنقطع. ولو تمعَّنَّا في مثالين من عصرنا الحالي حول تطبيقات مفهوم «الشرعية» لأدركنا المقصود، الأول: حالة الكويت أثناء الغزو العراقي، والثاني: الحالة اليمنية المستمرة منذ سنوات.

أما إذا حاولنا تطبيق معيار «الرضا الشعبي» على الحالة السعودية في سنوات ضعف أو غياب الدولة - لا الدول - في مرحلتيها «الأولى أو الثانية»، لوجدنا أن الأسرة الحاكمة، حتى وهي بعيدة، كانت حاضرة في وجدان الناس، وهو ما حدا بكثير من تجار نجد إلى إرسال زكاة أموالهم إلى الإمام عبد الرحمن في الكويت؛ لأنهم يرونه الحاكم الشرعي، فكان هذا الرضا الشعبي أحد أسس استمرار الدولة. ومن هنا، فإن النقطة التي أحاول إثباتها من خلال هذه القراءة تفيد بأن «الشرعية» لم تسقط خلال سنوات غياب آل سعود عن الحكم، ومن ثم فإن الدولة مستمرة، والدليل هو استعادة الحكم أكثر من مرة، واستمرار التفاف المجتمع حولهم، ورضاه بهم. ومن هنا علينا ألا نزن ما درج عليه المؤرخون من تقسيمات للدولة على اعتبار «سقوطها» بميزان أو معيار التاريخ فقط؛ بل لا بد من أخذ موازين السياسة والقانون... وغيرهما في الحسبان. وهنا أتوجه لمراكز التاريخ ودارسيه لإعادة النظر في تقسيم تاريخ الدولة السعودية كأنه تاريخ 3 دول يقوم على معيار «السقوط»، بينما هو في الحقيقة تاريخ دولة ممتدة، وإعادة قراءة هذا الموضوع ودراسته بشكل شمولي لجميع أبعاده وعناصره.

النقطة الأخرى هنا، المتعلقة بالعلم والذي حرص حكام الدولة السعودية طوال تاريخها على أن يبقى خفاقاً عالياً معبراً عن عقيدتهم ومبادئهم ورمزاً لدولتهم وشرعية حكامها الدستورية، أنه استمر - وفقاً للمصادر التاريخية - دون تغيير يذكر لنحو 180 عاماً أو أكثر، فما الذي دعا الملك عبد العزيز لإدخال تعديلات، بدأت بإضافة سيفين متقاطعين أعلى عبارة «لا إله إلا الله محمد رسول الله».

تتطلب الإجابة عن هذا السؤال النظر إلى مراحل توحيد البلاد وسياقاتها التاريخية، وهذا يستحق بحثاً مستقلاً، لكن الإجابة المختصرة يمكن أن تدل على رؤية الملك عبد العزيز لبناء الدولة التي كانت تدور في ذهنه أثناء توحيده الأقاليم المختلفة. تلك الرؤية هي التي تفرد بها عمن سبقه من سلف، وهي التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه اليوم. وكانت تحولات العلم أو الراية السعودية حاضرة مع مختلف مراحل التوحيد وتطورات البناء نظامياً ودستورياً ومؤسساتياً.

يقول الباحث والمؤرخ البريطاني روبرت ليسي: «إن النزعة اليوم هي ضد بناء التاريخ حول الأبطال؛ ولهذا فمن المفترض أن تفسر علوم الإنسان والاجتماع والاقتصاد، من الناحية النظرية، كيف تضافرت مشيخات ومدن وقبائل جزيرة العرب المتفاوتة لتشكل هذه الدولة الشاسعة والفريدة، ولكنها لا تفعل ذلك. إن الجواب المُرضي الوحيد يكمن في مهارات ورؤية الملك عبد العزيز نفسه الفذة. لقد كان مدفوعاً بشرف العائلة، وطموح إعادة بناء الإمبراطورية التي كانت خاضعة لسيطرة أجداده قبل ميلاده بقرن من الزمن. لقد تعلم من الدروس التي لحقت بالعائلة، وأقنعته ذكرى تدمير الدرعية بضرورة تجنب إثارة تدخل أجنبي في الجزيرة مرة ثانية».

كما كتب المؤرخ والصحافي اللبناني عمر أبو النصر في عام 1935 ما يلي: «إن ابن السعود يسعى لتحضير الجزيرة العربية لتكون نواة دولة عربية عظيمة»، وأضاف قائلاً: «إن ابن السعود يسعى اليوم لتوطيد مركزه في الجزيرة العربية، ويعمل لإعادة المجد العربي الغابر، وإن الثورات السياسية والاجتماعية التي يخلقها الأفراد، تحتاج لكي تصبح راسخة في النفوس قوية في القلوب إلى سنوات كثيرة، وإذا كان صاحب الفكرة قد طواه الردى، فيجب لنجاح الفكرة أن يكون بين أنصاره ومن هو مثله قوة وجرأة وذكاءً وإيماناً بالفكرة ليقوم مقام صاحبها».

ويتابع أبو النصر: «ونحن نرجو من الله - سبحانه وتعالى - أن يمد في عمر صاحب الجلالة ليتمكن من تحقيق ما نذره من خدمة العربية وخدمة الإسلام، وأن يرى بنفسه البناء الذي يعمل على إقامته وتوطيده وتثبيته قوياً شديداً عالياً، لا تؤثر فيه الأعاصير ولا تفعل فيه الزوابع». ومن هنا على قارئ التاريخ أن يدرك أن الملك عبد العزيز لم يكتفِ باسترداد مُلك آبائه وأجداده تحت راية التوحيد، وإنما فعل ما هو أعظم وأكثر استدامة، ألا وهو بناء الدولة بعد توحيدها على أسس دستورية، وتطوير مؤسساتها وأنظمتها وهياكلها، بل حتى رمزها حيث شمل التطوير شكل العَلم السعودي، وصدور عدد من الأنظمة المتعلقة به.

وكان تحدي بناء الدولة وإدارتها أحد أكبر التحديات التي واجهت الملك المؤسس، ناهيك عن استمراريتها وتطورها، وضبط أهم عناصر استقرارها ألا وهو نظامها الملكي؛ هذا النظام الفريد الذي وحَّد جزيرة العرب بعد قرون من الشتات، وصمد في وجه كثير من الأطماع والمؤامرات، واستطاع أن يتجاوز كثيراً من الأزمات والتحديات.

ويقول السياسي والحقوقي الدكتور منير العجلاني: «لنذكر أن آل سعود هم الذين أنشأوا الملك، وأنهم كانوا في أول الأمر العمال الذين بنوا البيوت بسواعدهم، وغرسوا الأشجار بأيديهم، والجنود الذين قاتلوا دفاعاً عن حوزتهم بسيوفهم، وبذلوا عرقهم ودمهم في سبيل إنشاء الملك الصغير في الدرعية، ثم وسعوا هذا الملك بجهدهم ودمهم أيضاً، واستعادوه 3 مرات بعد أن تآمر الأجانب عليه، ووطدوا الأمن بعد أن كان يتخطفه قطَّاع الطرق، ونصروا الدين، وأعلوا كلمته، ووحدوا البلاد بعد أن كانت متفرقة، وأعزوها بعد أن كانت ضعيفة».

لقد أعيا ذلك المنجز العظيم للملك عبد العزيز كل محاولات التدوين والتأريخ، فقد أسس عبد العزيز نهجاً دستورياً للمحافظة على النظام الملكي، صانه أبناؤه من بعده، وطوروا آلياته وأدواته، وصنعوا منه نموذجاً فريداً لأنظمة الحكم الملكية، ونسخة معاصرة للتراث السياسي العربي والإسلامي. لقد كانت أدوار أبنائه الملوك من بعده لا تقل أهمية وصعوبة مع الظروف والتطورات المحيطة بكل عهد عن دور عبد العزيز العظيم، وفي هذا يقول المفكر والسياسي السعودي الشيخ عبد العزيز التويجري: «هذا هو الملك عبد العزيز الذي استحق حبنا وعشقنا، ونال إعجاب الأبعدين قبل الأقربين، فلقد ملأ فراغاً واسعاً في شبه الجزيرة العربية، وحقق بذلك لنفسه وشعبه مكاناً في عالم المتغيرات، ولعلي لا أكون مبالغاً إذا قلت إن الأدوار التي تتابعت من بعده لا تقل أهميتها ولا صعوبتها، مع تبدلات العصر وتداخلاته، عن دوره التاريخي»، إلا أنه، في كل هذه العهود ومع كل التحولات والتطورات، بقي العلم السعودي يرفرف بشموخ على المملكة العربية السعودية مهبط الوحي، ومنبع الرسالة، ومهد حضارة العرب، رمزاً للدولة وشرعيتها الدستورية وسلطتها السياسية، حيث يمثل وحدة الأمة، وهوية الوطن، وسيادة الدولة؛ لذا ليس مقبولاً رفع أعلام تنازعه مكانته، ومتى وجدت كانت موجبة للمساءلة ومؤدية للعقوبة، وفقاً لما تنص عليه الأنظمة السعودية.

بقي أن أضيف أن أبناء عبد العزيز أثبتوا على مدى العقود الماضية متانة نظام حكمهم وصلابته في مواجهة الأزمات والتحديات، واليوم يعمل أحفاده للحفاظ على هذا الإرث العظيم، وتعزيزه وترسيخه، تأكيداً لمتانة نظام الحكم السعودي الذي يستمد أحكامه من مبادئ الشريعة الإسلامية، ويقوم على أساس العدل والشورى والمساواة وخدمة الشعب الذي يلتف خلف قيادته، ويقف صفاً واحداً تحت الراية السعودية مردداً:

موطني عشت فخر المسلمين

عاش الملك للعلم والوطن

إنها الخلطة السرية السعودية، وكفى.


مقالات ذات صلة

عَلَم المملكة... تاريخ يرفرف بالهوية السعودية الراسخة

الخليج عروض عسكرية احتفالاً بالعلم السعودي خلال العام 2023 (وزارة الثقافة السعودية) play-circle

عَلَم المملكة... تاريخ يرفرف بالهوية السعودية الراسخة

في كل خفقة للراية الخضراء، تعيد قصة العلم سرد حكاية وطن تأسس على التوحيد وانطلق نحو المجد فكان علمه شاهداً على عزته، ورمزاً لا يُطوى في صفحات النسيان

بندر بن عبد الرحمن بن معمر (الرياض)
الخليج الملك سلمان مقبّلاً العلم السعودي (واس) play-circle

العَلَم السعودي... حضور في المناسبات من الإمام محمد بن سعود إلى الملك سلمان

حضر العَلَم السعودي في مناسبات مختلفة، على مدى 3 قرون، وسجلت المصادر التاريخية أن الراية والبيرق المتعارف عليهما آنذاك كانا يحملان اللون الأخضر.

بدر الخريف (الرياض)
تحقيقات وقضايا راية الدولة السعودية الأولى وهي قطعة أصلية من مجموعة الطريّف (أرشيف عدنان الطريف)

الراية السعودية رمز الهوية الوطنية الجامعة على مدى قرون

يوافق، الاثنين، يوم العَلَم السعودي الذي أصدر الملك سلمان بن عبد العزيز أمراً ملكياً باعتماده في 11 مارس 1937، وأقرّ فيه مقاس العلم السعودي وشكله الحالي.

بدر الخريف (الرياض)

هدنة 10 سنوات والتخلي عن حكم غزة... عرض حماس «الملحّ» بعد حرب 7 أكتوبر

أطفال مع أهليهم يُلوِّحون بعد سريان اتفاق الهدنة في مخيم النصيرات (أ.ف.ب)
أطفال مع أهليهم يُلوِّحون بعد سريان اتفاق الهدنة في مخيم النصيرات (أ.ف.ب)
TT
20

هدنة 10 سنوات والتخلي عن حكم غزة... عرض حماس «الملحّ» بعد حرب 7 أكتوبر

أطفال مع أهليهم يُلوِّحون بعد سريان اتفاق الهدنة في مخيم النصيرات (أ.ف.ب)
أطفال مع أهليهم يُلوِّحون بعد سريان اتفاق الهدنة في مخيم النصيرات (أ.ف.ب)

لم تكن مجرد مزاعم أو بالونات اختبار أطلقها في مقابلات مع وسائل إعلام عبرية مطلع الشهر الحالي تلك التصريحات المفاجئة التي صدرت عن المفاوض الأميركي السابق لشؤون الرهائن آدم بوهلر، إذ قال إن حركة «حماس» اقترحت تبادل جميع الأسرى وهدنة من 5 إلى 10 سنوات تتخلى فيها عن سلاحها، وتكون الولايات المتحدة ودول أخرى ضامنة ألا تشكل الحركة تهديداً عسكرياً لإسرائيل، وألا تشارك في السياسة مستقبلاً، وضامنة أيضاً لعدم وجود أنفاق.

فقد أكدت مصادر داخل حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط» أن قيادة الحركة طرحت بالفعل هذه الفكرة، وليس لعشر سنوات فحسب، بل مع احتمال تمديدها أكثر من ذلك.

وشرح مصدر مسؤول أن الحركة منفتحة على هذا الخيار منذ قبل الحرب، وليس بعدها، لا بل إن الفكرة كانت مطروحة في سنوات سابقة، لكن إسرائيل هي من كانت ترفضها.

وأعادت المصادر التأكيد على أن قيادة الحركة لم تلتزم لأي طرف بأنها ستقبل بنزع سلاحها، وعدت هذا الأمر شأناً فلسطينياً، وأنه فقط يمكن ذلك في حالة واحدة، ضمن مسار سياسي واضح يسمح بإقامة دولة فلسطينية.

موقف تاريخي متكرّر

قبل نحو عام ونصف العام من اغتيال الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة «حماس»، في الثاني والعشرين من مارس (آذار) 2004، ظهر ياسين أمام منزله في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، مؤكداً أن حركته منفتحة على هدنة لمدة 10 سنوات أو أكثر، شريطة انسحاب إسرائيل من كل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، والإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين، وعدم التدخل في الشأن الفلسطيني الداخلي.

مسلحو «حماس» يسلمون رهينة إسرائيلية إلى أعضاء اللجنة الدولية للصليب الأحمر ضمن اتفاق الهدنة (رويترز)
مسلحو «حماس» يسلمون رهينة إسرائيلية إلى أعضاء اللجنة الدولية للصليب الأحمر ضمن اتفاق الهدنة (رويترز)

جاءت تصريحات ياسين لتؤكد جدلاً حول تصريحات سابقة له، تعود إلى عام 1997، عندما عاد إلى قطاع غزة عام بعد إطلاق سراحه من السجون الإسرائيلية إلى الأردن، وأكد خلالها استعداد حركته لهدنة تستمر عدة سنوات مع إسرائيل بعد هجمات «انتحارية» نفذتها حركته في داخل المدن الإسرائيلية.

وطرح ياسين لم يكن رأياً شخصياً، فقد تبنى عبد العزيز الرنتيسي الذي قاد «حماس» لنحو شهر بعد اغتيال ياسين، قبل أن تغتاله إسرائيل في أبريل (نيسان) 2004، النهج نفسه، وأكد موافقة حركته على هدنة طويلة الأمد تمتد لعشر سنوات، حتى أنه صرح بذلك لوكالة «رويترز» في السادس والعشرين من يناير (كانون الثاني) 2004، أي قبل اغتياله، واغتيال أحمد ياسين، وفي خضم سلسلة هجمات كانت تقودها الحركة من جانب، وأخرى تنفذها إسرائيل ضد قيادات الحركة في الضفة وغزة من جانب آخر.

ولم تتخل «حماس» عن الفكرة حتى بعدما تغيرت واشتد عودها وحكمت قطاع غزة الذي سيطرت عليه في عام 2007 بعد اشتباكات داخلية دامية مع السلطة الفلسطينية.

وتظهر تصريحات لقادة الحركة، بينهم رئيسا المكتب السياسي السابقان، خالد مشعل، وإسماعيل هنية، موافقة حركتهم على هدنة طويلة الأمد، تقابلها إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967، وعدم الاعتراف بإسرائيل.

لم تكن إقامة الدولة الفلسطينية ضمن رؤية «حماس» التي كانت تطرح على الدوام تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وتهاجم السلطة الفلسطينية التي وقعت اتفاقية أوسلو «الخيانية»، قبل أن تحول الحركة الأقوال إلى أفعال، وتغير عام 2017 ميثاقها الذي كان ينص على إقامة دولة فلسطينية على حدود 1948، معلنةً التزامها بإقامة دولة على حدود 1967. وأكد الميثاق على التخلي عن باقي الأراضي الفلسطينية، وضمان عودة اللاجئين للأراضي التي هجروا منها، وأنه لا تخلٍ عن المقاومة المسلّحة واعتبارها مشروعة، إلى جانب التأكيد على عدم اعتراف الحركة بإسرائيل، وهو الموقف الذي عاد وتبناه إسماعيل هنية بشكل أكبر خلال توليه منصب رئيس وزراء حكومة «حماس» ورئاسة مكتبها السياسي لسنوات.

 

فلسطينيون في سوق أُقيمت في الهواء الطلق قرب أنقاض المباني التي دمرتها الضربات الإسرائيلية وسط هدنة مؤقتة في مخيم النصيرات بقطاع غزة (رويترز)
فلسطينيون في سوق أُقيمت في الهواء الطلق قرب أنقاض المباني التي دمرتها الضربات الإسرائيلية وسط هدنة مؤقتة في مخيم النصيرات بقطاع غزة (رويترز)

براغماتية العرض

حسب مصادر في الحركة، فإن البراغماتية التي أظهرتها «حماس» عندما غيّرت الميثاق وقبلت بدولة فلسطينية كانت جزءاً من رؤية الحركة ضرورة إقامة هدنة طويلة.

ولكن على الرغم من أن أي جولة من المفاوضات بين إسرائيل وحماس لم تصل إلى هدنة طويلة، ولكن إلى هدن مفتوحة، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أن المسألة كانت على طاولة المفاوضات فعلاً.

وكان ضابط كبير في جهاز الموساد الإسرائيلي كشف لـ«القناة 13» العبرية، في ديسمبر (كانون الأول) 2013، خلال برنامج تناول الكواليس التي سبقت محاولة اغتيال خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» آنذاك، في الأردن عام 1997، وهي التي أفضت في النهاية للإفراج عن الشيخ ياسين، أنه التقى بصفته مسؤولاً عن العلاقات مع الأردن، العاهل الأردني حينها الملك حسين، الذي نقل له طرحاً من «حماس» بالتوصل لهدنة طويلة الأمد تستمر 10 سنوات، توقف فيها الحركة هجماتها التفجيرية العنيفة في تلك الحقبة داخل المدن الإسرائيلية، لكن تل أبيب لم تأخذ ذلك على محمل الجد، وتجاهلت الرسالة التي علم بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو آنذاك، بعد أيام من مصادقته على قرار تنفيذ العملية ضد مشعل.

وحسب الرئيس السابق لجهاز الموساد الإسرائيلي، أفرايم هليفي، في مقابلة سابقة مع «القناة 12»، فإن إسرائيل رفضت، قبل 7 سنوات من اغتيال ياسين، اقتراحاً بإعلان هدنة مع الحركة لمدة 30 عاماً، كان عرضه ياسين بنفسه عبر وساطة الأردن وجهات أخرى، وهو ما لم تؤكده الحركة أو أي مصادر أخرى.

فلسطينيون يتفقدون موقع غارة إسرائيلية على مرفأ الصيادين بدير البلح وسط قطاع غزة يوم السبت (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون موقع غارة إسرائيلية على مرفأ الصيادين بدير البلح وسط قطاع غزة يوم السبت (أ.ف.ب)

ويبدو أن طرح «حماس» الذي لم يلق قبولاً جعل الحركة تطمع في تثبيته عبر مفاوضات مباشرة، وهو ما يفسر تصريح موسى أبو مرزوق حين كان نائباً لمشعل في رئاسة المكتب السياسي لحركة «حماس»، بعد حرب عام 2014 مقترحاً إجراء مفاوضات مع إسرائيل.

وظهر أبو مرزوق، وهو يقول في تصريحات متلفزة لفضائية «القدس» رداً على سؤال حول إمكانية إجراء «حماس» مفاوضات مع إسرائيل: «من الناحية الشرعية، لا غبار على مفاوضة الاحتلال، فكما تفاوضه بالسلاح تفاوضه بالكلام. أعتقد إذا بقي الحال على ما هو عليه فلا مانع من ذلك، لأنه أصبح شبه مطلب شعبي عند كل الناس، وقد تجد (حماس) نفسها مضطرة لهذا السلوك».

وتقول مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا الطرح، أي المفاوضات المباشرة مع إسرائيل حول اتفاق هدنة طويلة، كثيراً ما نُوقش داخل أطر الحركة المختلفة. وأشارت المصادر إلى أنه في بعض الفترات كان يتم طرح ذلك من قبل الوسطاء، كما في مفاوضات وقف إطلاق النار عام 2005، وعام 2014 بعد الحرب الإسرائيلية، ثم أعيد طرحه عام 2016، لكن من دون التوصل إلى أي نتائج.

وحسب المصادر، فإن سياسات الحركة وأفكارها ليست منغلقةً بل منفتحة وتطورت كثيراً مع الوقت.

فلسطينيون نازحون يسيرون عبر طريق موحل وسط الدمار في جباليا شمال قطاع غزة خلال الهدنة بين إسرائيل و«حماس» (أ.ف.ب)
فلسطينيون نازحون يسيرون عبر طريق موحل وسط الدمار في جباليا شمال قطاع غزة خلال الهدنة بين إسرائيل و«حماس» (أ.ف.ب)

الهدنة التي أصبحت ملحَّة

لكن إذا كانت رؤية الحركة تجاه هدنة طويلة ثبتت على ما هي عليه منذ عقود، فإن أسباب الهدنة ومسببات المطالبة بها تغيرت بعد السابع من أكتوبر 2023، فلا يمكن إخفاء حجم الضرر الذي تعرضت له الحركة في الحرب الحالية على قطاع غزة، وليس سراً أنها تلقت أكبر ضربة قاسية منذ تأسيسها على جميع الصعد.

وقال الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم إن حركة «حماس» تتميز بأنها حركة فتية ومتجددة في أفكارها، وقد غيَّرت سياساتها خلال حقبات زمنية مختلفة.

ويرى إبراهيم أن ذلك ميَّز «حماس» وجعلها متفوقة، لكن ذلك بقي صحيحاً حتى السابع من أكتوبر، عندما تغير كل شيء.

يؤكد إبراهيم على أن نتائج هجوم السابع من أكتوبر على الحركة نفسها وشعبيتها شكّلت عاملاً مهماً في قرارات الحركة المستقبلية على كافة الأصعدة.

وحسب إبراهيم، يمكن تلمس أول تأثير مهم في الحركة حتى الآن، وهو تنازلها عن حكم القطاع.

ولا تخفي «حماس»، وبشكل واضح، أنها ترغب في التخلي عن حكم غزة، في إطار المفاوضات الجارية حالياً، لكنها تشترط أن يكون ذلك ضمن وفاق وطني، وأن يتم إجراء انتخابات عامة فلسطينية في غضون عام، وهو أمر تنص عليه المبادرة المصرية التي تبنتها القمة العربية الأخيرة.

وإلى جانب التخلّي عن الحكم أعادت «حماس» طرح هدنة طويلة الأمد.

 

استراحة محارب ورصّ صفوف

قالت مصادر من داخل «حماس» إنه منذ طرح الشيخ أحمد ياسين هذه الفكرة، كانت تقوم بالأساس على وقف القتل، لكن اليوم هناك الكثير من الأهداف الأخرى وراء هذا الطرح، من بينها «أخذ نفس لإعادة ترتيب أوضاع الحركة بعد الحرب الحالية، وإجراء مراجعة شاملة، بما في ذلك العلاقة مع السلطة والفصائل وإسرائيل».

أفراد من حركة «حماس» في مخيم النصيرات مع بدء الهدنة مع إسرائيل (أ.ف.ب)
أفراد من حركة «حماس» في مخيم النصيرات مع بدء الهدنة مع إسرائيل (أ.ف.ب)

وأضافت المصادر: «ستحاول الحركة خلال ذلك التوصل لاتفاق وطني جامع مع جميع الفصائل لإعادة بناء منظمة التحرير والمجلس الوطني وانضمام الحركة إليهما».

وأقرت المصادر بأن «حماس» بعد الحرب الحالية بحاجة لتجديد دماء القيادة فيها، وكذلك العناصر المقاتلة، بعد أن فقدت الآلاف منهم في قطاع غزة.

وأوضحت المصادر: «خلال الحرب استمرت الحركة في سد الفراغات، وفق الظروف الميدانية، وضمن عمل منظم اتبعته وفق ما تنص عليه اللوائح الداخلية في تولي المناصب، لكن ما زلنا بحاجة لضبط الوضع».

وتابعت: «الحركة تأثرت بشدة، وهي بحاجة حالياً لهدنة طويلة الأمد من أجل إعادة بناء نفسها».

وخلال فترة وقف إطلاق النار التي امتدت في مرحلتها الأولى لـ58 يوماً فعلياً قبل أن تستأنف إسرائيل ضرباتها بقوة، استغلت الحركة وقف إطلاق النار المؤقت لإعادة ترتيب صفوفها ومحاولة إعادة هيكلة التنظيم سياسياً وحكومياً وعسكرياً.

وكانت الحركة حاولت إظهار قوتها أثناء إجراء صفقات التبادل، وأرسلت رسائل تحدٍ لإسرائيل.

لكن إسرائيل ردت بضربات متتالية باغتيال القيادات القائمة على محاولة إعادة ترتيب صفوفها، منهم أعضاء مكتب سياسي مثل محمد الجماصي، وياسر حرب، أو شخصيات حكومية مثل عصام الدعاليس، أو عسكرية مثل أحمد شمالي نائب قائد «لواء غزة» في «كتائب القسام» الذي كان يقود إعادة هيكلة الكتائب، علماً بأن «حماس» تعتبر «القسام» درة التاج.

 

مقاتلون جدد

خلال سنوات مضت عملت الحركة على تخريج جيل جديد من المقاتلين وضمهم لصفوفها، خصوصاً الجيل الفلسطيني الصاعد من الشباب الذين كانت تسعى دوماً لاستقطابهم وتعمل على تدريبهم عسكرياً، وشارك عدد منهم في هجوم السابع من أكتوبر، فيما استخدم آخرون لسد الفراغ وقد أعيد تنشيطهم لكي يشاركوا في هجمات ضد القوات الإسرائيلية البرية، وهو ما حصل في مخيم جباليا وبلدتي بيت لاهيا وبيت حانون في الأشهر الأربعة الأخيرة قبل وقف إطلاق النار.

وكانت «الشرق الأوسط» انفردت بتقرير خاص عن نجاح «حماس» في تجنيد أولئك، ونشرت صوراً لمطوية وكتيب حول تعليمات إطلاق القذائف المضادة للدروع تجاه الآليات الإسرائيلية.

صورة ملتقطة 15 فبراير 2025 في خان يونس بقطاع غزة تُظهر مقاتلين من حركة «الجهاد الإسلامي» و«كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس» يقفون خلال تسليم 3 رهائن إسرائيليين لممثلي الصليب الأحمر (د.ب.أ)
صورة ملتقطة 15 فبراير 2025 في خان يونس بقطاع غزة تُظهر مقاتلين من حركة «الجهاد الإسلامي» و«كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس» يقفون خلال تسليم 3 رهائن إسرائيليين لممثلي الصليب الأحمر (د.ب.أ)

وقال المحلل السياسي مصطفى إبراهيم: «بالتأكيد تسعى (حماس) بعد هذه الحرب الإسرائيلية الطاحنة لتجديد الدماء فيها بعدما فقدت الآلاف من قياداتها وعناصرها، وهذا سيكون أحد أهم أهداف الهدنة طويلة الأمد في حال تم التوصل لاتفاق بشأنها».

وفي حال نجحت الجهود الرامية للتوصل لوقف إطلاق نار دائم، وربما لسنوات طويلة، وهو أمر تنخرط به الولايات المتحدة، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحاً، حول قدرة «حماس» على البقاء وعلى إعادة تشكيل نفسها في مواجهة إصرار إسرائيلي وقناعة فلسطينية رسمية وعربية على إخراج الحركة من المشهد.

لم تستطع إسرائيل بعد عقود من المواجهة وحرب دموية طاحنة مستمرة منذ أكثر من عام ونصف العام هزيمة الفكرة، وتريد هزيمة التنظيم نفسه، وهو أمر لن يحصل أغلب الظن بإعطاء الحركة سنوات طويلة من الراحة.