الراية السعودية رمز الهوية الوطنية الجامعة على مدى قرون

تفاصيل قرار عدم تنكيس العلم... تقليد راسخ حتى اليوم

الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (الشرق الأوسط)
الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (الشرق الأوسط)
TT

الراية السعودية رمز الهوية الوطنية الجامعة على مدى قرون

الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (الشرق الأوسط)
الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (الشرق الأوسط)

يحل، الاثنين 11 مارس (آذار)، يوم «العلم السعودي» الذي أصدر الملك سلمان بن عبد العزيز أمراً ملكياً باعتماده يوماً خاصاً للعَلم من كل عام.

وكان الملك عبد العزيز أصدر في الحادي عشر في شهر مارس عام 1937، أمره بالموافقة على قرار مجلس الشورى، وأقرّ فيه مقاس العلم السعودي وشكله الحالي.

وبحلول هذا اليوم، يستذكر السعوديون رمز هويتهم الوطنية ودلالة الراية الخضراء، التي رفرفت طيلة قرون ثلاثة، حاملة المضامين والدلالات والخصوصية والتفرد نفسها.

الملك عبد العزيز يشارك بالعرضة النجدية وتظهر خلفه الراية السعودية عام 1935 (الشرق الأوسط)

واستحضرت «الشرق الأوسط» هذه المناسبة لإجراء حوار مع الباحث عدنان بن صالح الطريّف، الذي غاص عميقاً في تاريخ الوطن وإرثه الحضاري، وما قامت عليه الدولة السعودية بمراحلها الثلاث. وكشف الطريّف ما يملكه من مجموعة نادرة من الأعلام تجاوزت المائة، أهمها العلم الأصلي للدولة السعودية الأولى، وأعلام تمتد على مراحل الدولة السعودية الثلاث، كلها أصلية ولم تتعرّض للبلى. كذلك نفض الغبار عن مقتنيات متاحفه الثلاث، وتحدث عن مناسبة يوم العلم ودلالته، راصداً تاريخ العلم السعودي منذ 300 عام وحتى اليوم، وخصّ «الشرق الأوسط»، بأعلام ووثائق وصور وخطابات تُنشر للمرة الأولى. وقد تتبع الطريّف مراحل تطوير الراية السعودية وتاريخها، وقام بإعداد كتاب ضخم عنها، رصدَ فيه كل ما له علاقة بالعلم أو شعار المملكة.

راية الدولة السعودية الأولى وهي قطعة أصلية من مجموعة الطريّف (أرشيف عدنان الطريف)

ويتحدث الطريّف عن مراحل تطور العلم السعودي على مدى 3 قرون، فيقول إن الراية السعودية أو «العلم»، أو «البيرق» التي ترفرف خضراء منذ 3 قرون، مرّت بعديد من المراحل إلى أن استقرت على ما هي عليه في أواخر عهد الملك عبد العزيز. ويقول إنه وفقاً للمصادر التاريخية كانت الراية «خضراء مشغولة من الخز والإبريسم، وقد كُتبت عليها عبارة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وكانت معقودة على سارية بسيطة». وبقيت هكذا في عهود المؤسس الأول الإمام محمد بن سعود، وابنه الإمام عبد العزيز بن محمد، وابنه الفاتح العظيم الإمام سعود بن عبد العزيز المعروف بـ«سعود الكبير»، وابنه الإمام عبد الله بن سعود.

الأمير سلطان والملك سلمان يؤديان العرضة النجدية عام 1965

ومع تصاعد الصراع البريطاني - الفرنسي، جاء دومنغو باديا ليبيلخ (رحالة ومستشرق إسباني تبيّن لاحقاً أنه جاسوس) فتظاهر بالإسلام وتخفّى تحت اسم «الحاج علي باي العباسي» ليعمل لحساب نامليار الثالث، وليسبر غور الدولة السعودية. فوصل إلى مكة المكرمة في شهر يناير (كانون الثاني) 1807، قادماً من المغرب مروراً بشمال أفريقيا، فأُتيحت له فرصة رؤية دخول جيش الإمام سعود إلى مكة المكرمة. وسجّل دومنغو أو «علي بك العباسي»، دخول 45 ألفاً من أتباع سعود، وهم في ثياب الإحرام، ليؤدوا المناسك، يتقدمهم عَلَم أخضر طُرزت عليه بحروف كبيرة بيضاء عبارة «لا إله إلا الله محمد رسول الله».

في المقابل، ذكر الرحالة السويسري جون لويس بوركهارت، واسمه بعد أن أعلن إسلامه «إبراهيم عبد الله» في ملاحظاته حول البدو التي دوّنها خلال رحلاته في الشرق في عام 1810 تقريباً، عندما تحدث عن الشؤون العسكرية للإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود، وسلطته الراسخة في الجزيرة العربية وغزواته، ذكر أن «لدى كل أمير راية خاصة، وأن سعود يمتلك عدداً من الرايات المختلفة».

الملك فهد والملك سلمان وبينهما العلم السعودي بمناسبة تولي الملك سعود مقاليد الحكم عام 1953 (أرشيف عدنان الطريف)

ويشار إلى أن أول راية سعودية رُفعت عام 1139هـ، أي 1727م، على يد الإمام المؤسس محمد بن سعود، الذي استمر حكمه 40 سنة، وكان يعقد الراية لأحد أبنائه أو يتولاها هو بنفسه. وذكر ابن بشر في تاريخه، أن الإمام عبد العزيز بن محمد، الحاكم الثاني في الدولة السعودية الأولى، وابنه الإمام سعود، كانا يبعثان برسلهما إلى رؤساء القبائل، ويحددان لهم يوماً ومكاناً معلومَين على ماء معين، وتتقدمهما الراية، فتنصب على ذلك المورد، فلا يتخلف أحد من رؤساء القبائل. ويقول ابن بشر أيضاً «إن الإمام سعود قد أُعطي السعادة في مغازيه فلم تهزم له راية» وحينما عرض ابن بشر لسيرة الإمام تركي بن عبد الله، مؤسس الدولة السعودية الثانية، قال: «كان إذا أراد الغزو يكتب إلى أمراء البلدان ورؤساء القبائل يحدد لهم الخروج في يوم معين وموقع معلوم، ثم يُخرج آلاته الحربية ومعدات الجيش وأعلاف الخيول قبل مسيره بـ15 يوماً، ثم يُخرج الراية فتُنصَب قريباً من باب القصر قبل خروجه بيوم أو يومين أو ثلاثة، وكان الإمام تركي يأمر بحمل الراية، فحذا ابنه فيصل حذوه في نظام إخراج الراية وتقديمها أمامه أو نصبها أمام القصر».

المؤسس الثالث صاغ شكلاً جديداً للعلم

أصل العلم الذي ظهر بين الملك فهد والملك سلمان في الصورة السابقة (أرشيف عدنان الطريف)

وأما الملك عبد العزيز، فيقول الطريّف إنه استخدم في البداية العَلَم أو الراية نفسها المستخدَمة في الدولة السعودية الأولى والثانية، ثم وجّه بإدخال تغييرات عليها. وذكر أمين الريحاني في تاريخه أنّ «الراية التي حملها الملك عبد العزيز في أول عهده كان الجزء الذي يلي السارية منها أبيض اللون، وكان فيها جزء أخضر، وكانت مربعة الشكل تتوسطها عبارة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ويعلوها سيفان متقاطعان»، ثم تَغيّر شكلها بعد ذلك فضمت سيفاً واحداً تحت الكلمات.

صورة من قرار مجلس الشورى رقم 354

وفي 1925 أمر الملك عبد العزيز بصياغة شكل عَلَم جديد. وفي 1937، صدر قرار مجلس الشورى بإقرار مقاس للعلم بطول 150 سنتيمتراً وعرض 100 سنتيمتر، ثمّ صدر في العام ذاته قرار مماثل بشأن العَلَم الوطني وتخصيص عَلم: الملك وولي العهد، والجيش، والطيران، والعَلَم الداخلي، والعَلَم البحري الملكي السعودي، والعَلَم البحري التجاري.

وعام 1952، صدر قرار مجلس الشورى بمقاسات أخرى للأعلام وتعديلاتها. وفي 1973، صدر قرار مجلس الوزراء بإقرار نظام العَلَم، وفي عهد الملك فهد ومع صدور النظام الأساسي للحكم عام 1991، حدد النظام طبيعة العَلَم: أن يكون لونه أخضر، وعرضه يساوي ثلثي طوله، وتتوسطه عبارة «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وتحتها السيف.

صورة من قرار الموافقة على نظام العلم السعودي في 1973

وحول ما يتداول مع كل مناسبة وطنية حول مَن قام بتصميم العلم السعودي بوضعه الحالي، يقول الطريّف: «هناك كثير من المعلومات المغلوطة المتداولة، لكن تصميم العلم السعودي متطور منذ أيام الدولة الأولى، ثم أعده مجلس الشورى بشكله الحالي وأقره الملك عبد العزيز في ذلك الحين».

ويتابع الطريّف شرحه أنه «أُشيع كثيراً، وتناقلت كثير من وسائل التواصل والإعلام أن علم إمارة نجد أو المملكة في بدايتها يحمل هلالاً بداخله، وهذه المعلومة غير صحيحة أيضاً، ولم يكن هناك أي ارتباط للهلال بأي علم من أعلام الدولة السعودية في أي فترة تاريخية».

دلالات العلم: العدل والقوة والنماء

جيش الملك عبد العزيز عام 1911 (الشرق الأوسط)

حول رمزية العلم ودلالته، يرى الطريف أن «العلم بشكله الحالي يشير إلى التوجيه والعدل والقوة والنماء والرخاء، حيث ترمز شهادة التوحيد التي تتوسطه إلى رسالة السلام والإسلام التي قامت عليها هذه الدولة المباركة، ويرمز السيف إلى القوة والألفة وعلو الحكمة والمكانة وإلى الأمن والأمان».

ويضيف: «أما اللون الأخضر، فيرمز إلى لون راية الإسلام كون اللون الخضر يرمز إلى السلام والعطاء والتسامح والماء، واللون الأبيض يرمز إلى النقاء الذي تتسم به المملكة العربية السعودية».

حاملو العلم عبر الزمن

حمل الراية في الدولة السعودية الأولى إبراهيم من طوق، وعبد الله أبو نهيه الذي قتل في أثناء حصار الدرعية عام 1818، وفي الدولة الثانية الحميدي بن سلمة، وصالح بن هديان، وإبراهيم الظفيري. أما مع الملك عبد العزيز، فأول مَن حمل الراية عبد اللطيف المعشوق في معركة استرداد الرياض عام 1902، وشارك فيما تلاها من المعارك، وقُتل في معركة البكيرية عام 1904، وحمل الراية بعده ابنه منصور المعشوق الذي قُتل في المعركة نفسها، ثم تسلم الراية عبد الرحمن بن مطرف وأبناؤه من بعده. وإلى هذا اليوم أوكل لبيت آل مطرف حمل الراية، علماً بأن هناك أفراداً وأسراً كثيرة تشرفت بحمل العلم السعودي في معارك وأماكن مختلفة.

خادم الحرمين الشريفين خلال العرضة وإلى يمينه الأمير تركي الفيصل وإلى يساره حامل الراية غالي بن مطرف

حالة خاصة

وحول مقولة اشتهر بها بأن «العلم السعودي حالة خاصة» أجاب الطريّف: «هو حالة خاصة؛ لأنه العلم الوحيد الذي لا يتم تنكيسه أو إنزاله إلى نصف السارية في حالة الحداد أو الكوارث والأحداث الكبيرة، كما أنه لا يستخدم في الرعاية والعلامات التجارية. كذلك تحظر ملامسته للأرض أو الماء، والدخول به لأماكن غير طاهرة، أو الجلوس عليه، كما أنه لا ينحني لكيان الضيوف عند استعراض حرس الشرف وفي حالة الحداد (المادة 16)، وهناك عقوبات حددها النظام لمخالفة نظام العلم».

خياطة العلم بين الداخل والخارج

وعن خياطة العلم السعودي والكتابة عليه، يشير الطريّف إلى أن المؤرخ الراحل عبد الرحمن الرويشد قال في كتابه عن الراية السعودية: «كان يوكل بهما لبعض الأفراد من أسر الرياض المعروفة، ومَن تولاه في العصر الحديث عبد الله بن محمد بن شاهين وسعد بن سعيد»، وكان بن سعيد يوكل عملية تجهيز متطلبات العلم ولم يقوموا بخياطته. وتشير بعض الوثائق إلى أن الملك عبد العزيز، طيب الله ثراه، كان يوكل للشيخ عبد الرحمن الطبيشي شراء وتأمين بعض متطلبات الراية، كما أنه في مرحلة متقدمة في عهد الملك عبد العزيز صُنع العلم في عدد من الدول بطريقة قماش على قماش في أميركا وباكستان وبعض الدول العربية.

الحسني أول مَن خطّ العلم

وعن أول مَن خطّ العلم في عهد الملك عبد العزيز، يقول الطريّف: «من خلال البحث في هذا الموضوع لفترة طويلة امتدت أكثر من 36 عاماً، وقفت على أن من أوائل مَن خطّ العلم السعودي، هو الشيخ عمر عاصم الحسني وهو من الجموم في وادي فاطمة بمكة المكرمة، والذي ارتحل للعمل مع أسرته في الكويت وعمل في المدرسة المباركية ثم مديراً لها، وهو مَن خطّ علم الكويت القديم، الذي كان يحمل كلمة (كويت)، كما خطّ لوحة المدرسة المباركية وكونه خطاطاً طُلب منه أن يخطّ العلم السعودي في عهد الملك عبد العزيز في عام 1911 تقريباً».

وعندما أمر الملك عبد العزيز بافتتاح مصنع الكسوة الخاص بالكعبة المشرفة في عام 1926، كان من أوائل العاملين فيه الخطاط عبد الرحيم أمين عبد الله بخاري، الذي أوكلت له مهمة خط كسوة الكعبة المشرفة، ووضع خطوط بابها، والمدوّن اسمه عليه حتى اليوم. وكان طُلب منه أيضاً خط العلم السعودي في ذلك التاريخ والزخارف الخاصة به، وكان بخط الثلث العربي.

علماً بأن أنواع الخطوط على كثير من الأعلام التي عُرضت في مناسبات شرفها الملك عبد العزيز كانت مختلفة عن خط الثلث الرسمي كونها أُنجزت لدى خطاطين غير عرب، أو لدى مصانع في الخارج.

خطاط كسوة الكعبة المشرفة عبد الرحيم أمين (من أرشيف عدنان الطريف)

100 علم في يد الطريّف

وتحدّث الطريّف عن الرصيد الكبير من الأعلام السعودية القديمة، فقال: «أحمد الله أن من أبرز مقتنياتي هي الأعلام السعودية، فأنا أملك أكثر من مائة علم قديم ونادر بمقاسات وأشكال وخامات مختلفة ولمراحل عمرية مختلفة، من أهمها أعلام الدولة السعودية الأولى والثانية، التي استُخدمت في مراحل نشر الوحدة والأمن لهذه البلاد المباركة». وأضاف: «عملت جاهداً على رصد أكبر عدد من الأعلام النادرة الخاصة بالملك عبد العزيز منذ دخوله مدينة الرياض، التي استخدمت خلال مناسبات أو فعاليات أو استقبالات حضرها جلالة الملك عبد العزيز طيب الله ثراه، إضافة إلى عدد من الأعلام الخاصة بسيارة جلالته. كما أنني امتلك أعلاماً خاصة استُخدمت في عهد الملك سعود بن عبد العزيز، رحمه الله، وداخل مقره وعلماً خاصاً بسيارته، بالإضافة إلى أعلام استُخدمت في زيارة الملك فيصل لأميركا عام 1945 وأعلام قديمة في عهد الملك خالد والملك فهد في زيارات خارج المملكة».

الملك عبد العزيز خلال حفل أقامته شركة «أرامكو» تكريماً لجلالته وتظهر مجموعة من الأعلام السعودية خلفه في1947

وأكمل: «ومن الأعلام المهمة لدّي العلم الذي كان بين الملك فهد والملك سلمان بن عبد العزيز خلال الحفل الذي أُقيم لجلالة الملك سعود بمناسبة توليه مقاليد الحكم في عام 1953. فقمت برصد الصور الخاصة بهذه الأعلام وقمت بفحص هذه الأعلام لدى أكبر المراكز في العالم لمعرفة صحتها وتاريخها وأصالتها، كما تم توثيقها لدى عدد من المهتمين، وكذلك الذين أوكل لهم حمل العلم (آل مطرف)، إضافة إلى ما يوضع أعلى السارية (الطاسة)، حيث أملك أكثر من 10 قطع من فضة ونحاس ومعدن استُخدمت جميعها في عهد الملك عبد العزيز. ومن أبرز وأهم مقتنياتي المتعلقة بالعلم (الراية) وثيقة نادرة ووحيدة ممهورة بختم الملك عبد العزيز بعد دخوله مدينة الرياض بـ7 سنوات ذات علاقة بتفاصيل كثيرة عن العلم السعودي».

مقتنيات نادرة ومتاحف وإرث

يتحدث الطريّف عن محتويات متحفه النادرة فيقول: «خلال مسيرتي البحثية استطعت، ولله الحمد، أن أكوّن متحفاً خاصاً بالإبل وآخر للخيل، وثالثاً للصقور، وهذه المتاحف تشتمل على قطع نادرة وقديمة أعمار بعضها تتجاوز 300 سنة، إضافة إلى الطوابع المتعلقة بكل فرع من كل دول العالم وكل ما كُتب عنها بالصحف الأجنبية والعربية منذ عام 1850 وجميعها أصول. وكذلك الصور المتعلقة بالإبل والخيل والصقور من مائة سنة وإلى الآن، كما أنني جمعت قطعاً متحفية من الأواني والأطباق والمباخر والدلال والساعات ولوحات السيارات الخاصة بمرحلة الملك عبد العزيز والملك سعود والملك فيصل والملك خالد، واستخدمت من قبلهم، كذلك قمت بجمع أبرز وأهم الهواتف التي استُخدمت في القصور الملكية منذ عهد الملك المؤسس مروراً بملوك المملكة والعدد الكبير من القطع النادرة المتعلقة بتاريخ المملكة العربية السعودية وملوكها».

ولدى الطريّف تفاصيل قصة رفض السعودية تنكيس العلم بعد وفاة ملك العراق فيصل الأول، وهو ما أثار غضب البريطانيين.

مصنع كسوة الكعبة المشرفة بمكة المكرمة

والحال أنه بعد تعيين الشيخ إبراهيم بن معمر وزيراً مفوضاً للمملكة لدى العراق في 1923 بعد فترة وجيزة من افتتاح المفوضية، وكان اصطفاؤه في هذا المنصب الدبلوماسي في واحدة من أهم العواصم العربية المؤثرة في مصالح السعوديين أي بغداد، أظهر ثقة العاهل السعودي بكفاءته. والمعروف أن جاليات سعودية كبيرة كانت تقيم في العراق، وأن قبائل وعشائر عربية كانت تنتشر على المناطق الحدودية بين البلدين، فكان من مهامه الأساسية العناية بالرعايا السعوديين، فضلاً عن إشرافه على تطبيق اتفاقيات الحدود الموقّعة حديثاً بين الدولتين، وتطبيق إجراءات الحج للراغبين فيه.

وأشرف ابن معمر خلال عمله في بغداد على تنظيم الزيارة الأولى التي قام بها ولي العهد الأمير «الملك» سعود عام 1926. وعن ذلك يقول الدكتور عبد الرحمن الشبيلي: «يذكر له ـ في تلك الفترة ـ تفكيره في عدم تنكيس العلم السعودي على هامش الحداد العام على وفاة ملك العراق، فيصل الأول، عام 1923، وهو تقليد تبنته الحكومة السعودية بعد ذلك التاريخ احتراماً للفظ الشهادة التي يحملها العلم». وأدى احتجاج البريطانيين على ترويج ابن معمر لزعامة الملك عبد العزيز في الجزيرة العربية وعلى صلاته القوية مع رؤساء العشائر، إلى نقله من بغداد بعد 5 سنوات من العمل الدبلوماسي.

انتقام من بريطانيا

وخصص إبراهيم الحسون في كتابه «خواطر وذكريات» (3 أجزاء 2003)، حيزاً كبيراً تطرق فيه إلى أسلوب ابن معمر وخصاله، نظراً لكون الحسون عمل سكرتيراً خاصاً له في قائم مقامية جدة، فأورد في هذا الصدد حادثاً يؤكد موقفه الحازم من عدم مخالفة أوامر الدولة من أي كائن حتى لو صدرت من سفراء أو سفارات. فقد أصدر ابن معمر عندما كان يعمل «قائمقام جدة»، أوامره لرئيس بلدية جدة بضرورة قيام أصحاب بعض المنازل في شمال جدة بطلاء واجهاتها بالنورة البيضاء خلال مدة لا تزيد على أسبوعين، وبالفعل شرع أصحاب المنازل في تنفيذ الأمر وأصبح منظرها جميلاً يرتاح إليه النظر إلا منزلاً واحداً ظل على حاله ولم يتغير فيه شيء، وهو المنزل الذي يشغله مقر السفارة البريطانية. هنا استدعى ابن معمر رئيس البلدية علي سلامة مرة أخرى، وسأله عن عدم طلاء البيت الذي تشغله السفارة البريطانية، وهل تم إبلاغهم بذلك، فأجاب بأنه أبلغ مالك المبنى وعندما بدأ في التنفيذ رفض المسؤولون بالسفارة السماح للعمال بالعمل. وعند الاتصال بالمسؤولين في السفارة، أوضحوا أن امتناعهم، هو إنفاذ لأمر السفير البريطاني الذي قال إن المبنى يعدّ أرضاً بريطانية، وإنه لا يسمح بتلقي أي أمر بشأنه ما دامت السفارة تشغله. وعندما سمع ابن معمر هذا الكلام، انتفض صارخاً في وجه رئيس البلدية، طالباً منه أن يذهب في الحال ويبلغ المسؤولين في السفارة بضرورة تنفيذ الأمر؛ لأن الحكومة السعودية دولة مستقلة، ولا تسمح لأي إنسان بأن يخالف أوامرها داخل بلادها، وأنّ على رئيس البلدية إمهالهم 3 أيام لكي ينفذوا الأمر، وإلا فإن القائمقام سيأمر بتنفيذه بالقوة وليفعل السفير ما يشاء. خرج رئيس البلدية من المقابلة ساخطاً، لأنه سمع من ابن معمر ألفاظاً حادة، كلها لوم وتوبيخ. وفي اليوم الثالث لهذا الحدث، نصبت «السقالات» على مبنى السفارة وبدأ العمل بطلائه على الفور.


مقالات ذات صلة

العلم والنشيد... روح التاريخ السعودي وشجن المناسبات الوطنية

الخليج الملك سعود يتسلم العَلَم السعودي في إحدى المناسبات (واس)

العلم والنشيد... روح التاريخ السعودي وشجن المناسبات الوطنية

ارتبطت المناسبات السعودية المختلفة سواء الحملات العسكرية أيام التأسيس خلال مراحل الدولة المختلفة، أو المناسبات الوطنية على مدى 3 قرون، بحضور العَلَم السعودي.

بدر الخريف (الرياض)
الخليج راية الدولة السعودية الأولى وهي قطعة أصلية من مجموعة الطريّف (أرشيف عدنان الطريّف)

قصة باحث يمتلك 100 علم وراية نادرة من مراحل الدولة السعودية

في يوم العلم السعودي، يكشف الباحث عدنان الطريف قصته مع العلم والرايات التي جمعها وسر احتفاظه بالقكع النادرة منها.

بدر الخريف (الرياض)
الخليج عروض عسكرية احتفالاً بالعلم السعودي خلال العام 2023 (وزارة الثقافة السعودية) p-circle

عَلَم المملكة... تاريخ يرفرف بالهوية السعودية الراسخة

في كل خفقة للراية الخضراء، تعيد قصة العلم سرد حكاية وطن تأسس على التوحيد وانطلق نحو المجد فكان علمه شاهداً على عزته، ورمزاً لا يُطوى في صفحات النسيان

بندر بن عبد الرحمن بن معمر (الرياض)
الخليج الملك سلمان مقبّلاً العلم السعودي (واس) p-circle

العَلَم السعودي... حضور في المناسبات من الإمام محمد بن سعود إلى الملك سلمان

حضر العَلَم السعودي في مناسبات مختلفة، على مدى 3 قرون، وسجلت المصادر التاريخية أن الراية والبيرق المتعارف عليهما آنذاك كانا يحملان اللون الأخضر.

بدر الخريف (الرياض)
تحقيقات وقضايا العلم مرفوعاً منذ قيام الدولة الأولى

العَلم بيرق الشرعية الدستورية السعودية ورايتها

تكتسب المناسبات الوطنية السعودية أهمية خاصة، خصوصاً لجهة تفرد العلم السعودي بشكله وتصميمه ودلالاته ومضامينه؛ فهو يعكس عمق الدولة وعراقتها.

بندر بن عبد الرحمن بن معمر (الرياض )

هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

حطمت «حرب الإسناد» التي خاضها «حزب الله» اللبناني دعماً لحركة «حماس»، أواخر عام 2023، نظرية «الردع» التي تمسك بها الحزب المدعوم من إيران لنحو عقدين من الزمن، وروّج لها في مواجهة عدوه التقليدي، إسرائيل، التي ساهمت بدورها في بناء هذه «الفرضية» التي ثبت في العام التالي أنها كانت خاطئة تماماً، ثم أتت الجولة الجديدة من الحرب في عام 2026، بمثابة الفرصة للطرفين لتثبيت قواعد جديدة للحرب.

إسرائيل... هدوء ومكر

لم تندفع الدولة العبرية إلى الحرب مع «حزب الله» مباشرة، بعد إطلاقه موجة من الهجمات «الاستعراضية»، التي بدأت بصواريخ استهدفت أطراف مواقع جيشها في مزارع شبعا. في المقابل، كانت تأخذ المواجهة نحو بُعد آخر، بهدوء لافت وكثير من المكر. هذا المكر تبدى في مساعٍ دبلوماسية قامت بها تل أبيب عبر واشنطن، لإقناع الحزب بفك المسار اللبناني عن الفلسطيني، حتى إن الموفد الأميركي، آموس هوكستين، بادر قادة لبنانيين، في يوليو (تموز) 2024، بالقول إنه مستعد لأن يمنح أمين عام الحزب، حسن نصر الله، انتصاراً، إذا ما أوقف الحزب عملياته.

رفض نصر الله العرض الأميركي فوراً.

قال لمن أبلغوه به إن المطلوب أولاً وقف الحرب في غزة، وبعدها... لكل حادث حديث.

صورة تجمع نصر الله وصفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)

لم يكن هذا الخطأ الأول في التقدير من قبل الحزب؛ فمعالم الحرب الجديدة التي تدور في قرى الحدود اللبنانية سريعاً ما كشفت تفوقاً تكنولوجياً وعسكرياً لصالح إسرائيل. وكان مسؤول كبير في الحزب أفصح عن أن مقاتليه في السابق كانوا يطلقون الصاروخ ويجمعون أغراضهم بهدوء بعد إبلاغ القيادة بنجاح الإطلاق، ثم يغادرون الموقع قبل وصول الطائرات الإسرائيلية.

أما في المواجهة الجديدة، فهامش الضربة يتراوح بين 5 و20 ثانية فقط. وبالتالي، يضيف المسؤول أن المقاتلين كانوا يحفرون الأرض ويقفزون فيها فور إطلاق الصاروخ على أمل النجاة، فبات كل إطلاق بمثابة «عملية استشهادية».

لاحقاً، أتت الإشارة التالية على التفوق الإسرائيلي بشكل أوضح؛ فالإسرائيليون نفذوا اغتيالات دقيقة لقيادات الحزب العسكرية، توَّجوها بغارة أطاحت بمعظم قادة «الرضوان»، فرقة النخبة لدى الحزب، قبل أن يقتلوا قائده العسكري، ثم يطلقون الحرب بعملية «البيجر» التي أخرجت الآلاف من عناصر الحزب من الخدمة بكبسة زر، ليغتالوا نصر الله بغارة عنيفة في ضاحية بيروت الجنوبية، ثم يغتالوا خليفته هاشم صفي الدين.

انفجار أجهزة البايجر أدّى إلى تصاعد الحرب (أ.ف.ب)

أدوات القتال

تشير أدوات القتال التي يتبعها الطرفان إلى أنهما استعدَّا لمعركة طويلة، تقوم على حرب استنزاف، ولا تحسم المعركة، بحسب ما تقول مصادر ميدانية؛ فمنذ الأسبوع الأول لاتفاق وقف إطلاق النار، تراجع «حزب الله» عن استخدام الصواريخ، وخفف من كثافة المسيرات الانتحارية التي يطلقها، كما تراجع عن استخدام الصواريخ الموجهة التي غالباً ما كان يطلقها لاستهداف المدرعات والدبابات لسهولة كشف مُطلِقها، وأدخل المحلقات الانقضاضية (FPV)، التي يجري تسييرها وتطييرها على مسافة تتراوح بين 10 و15 كيلومتراً في الجنوب، عبر تقنية الألياف الضوئية التي توصل المسيرة بجهاز التحكم، عبر سلك دقيق مربوط بين قاعدة التحكم مع الرامي وجسم المحلّقة الحامل للقذيفة، وذلك يتخطى التشويش الإلكتروني.

الجيش الإسرائيلي يطلق قذائف موجهة باتجاه جنوب لبنان من موقع بالجليل الأعلى شمال إسرائيل مارس الماضي (أ.ف.ب)

«حزب الله» 2026... «حرب المحلقات»

حاول «حزب الله» استعادة زمام المبادرة في الفصل الجديد من المواجهة الذي اندلع في مارس (آذار) الماضي، بالتحديد في موعد الحرب، لتتزامن مع الحرب على إيران. إسرائيل بعثت برسالة تقول إنها غير معنية بحرب مع لبنان، ما دام الحزب لا يتدخل. طمأن الحزب المسؤولين في بيروت بأنه لن يبادر إلى الحرب، لكنه فاجأ الجميع بصواريخ أُطلِقت باتجاه الشمال الإسرائيلي، لكن رد الفعل الإسرائيلي أتاه عنيفاً وشرساً.

خلافاً للصورة الأولى التي ظهر بها الحزب؛ بإطلاقه ستة صواريخ بدائية، كان في المواجهة التي اندلعت بعدها أكثر تنظيماً وقوة، كاشفاً عن أسرار لم يُبَح بها خلال 15 شهراً من توقف القتال. بلغت عملياته اليومية ضد الإسرائيليين نحو 100 عملية يومياً، كما قدم أسلحة جديدة نوعية إلى ساحة المعركة. استراتيجية القتال على الأرض اختلفت، ولم يعد يعتمد الدفاع الثابت، ولم يحاول إيقاف التقدم الإسرائيلي، بل سعى لإلحاق القدر الأكبر من الأذى بالقوى المتقدمة.

جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيرة (الجيش الإسرائيلي)

تراجع الصواريخ وصعود المسيّرات

لم تعد الصواريخ وحدها تختصر مشهد المواجهة الدائرة بين إسرائيل و«حزب الله»؛ فبعد أشهر من القتال المتواصل الذي اندلع في ربيع 2026، برز تحول لافت في طبيعة العمليات العسكرية، تمثل في صعود المسيّرات الهجومية والانتحارية إلى واجهة المعركة، لتصبح أحد أبرز العوامل المؤثرة في مسار العمليات على جانبي الحدود.

فعلى مدى سنوات، ارتبطت صورة «حزب الله» العسكرية بترسانته الصاروخية الكبيرة التي شكَّلت مصدر القلق الرئيسي لإسرائيل. لكن الحرب الحالية أظهرت أن الحزب لم يعد يعتمد حصراً على الصواريخ، بل انتقل إلى توظيف واسع النطاق للمسيّرات بمختلف أنواعها. وبحسب تقديرات إسرائيلية، فإن نسبة كبيرة من الهجمات التي نفذها الحزب خلال الأسابيع الأخيرة اعتمدت على المسيّرات الهجومية والانتحارية، في وقت تراجعت فيه أهمية الصواريخ التقليدية نسبياً مقارنة بالمراحل السابقة من الصراع.

ويرى باحثون إسرائيليون أن هذا التحول يعكس تأثراً واضحاً بالتجارب العسكرية الحديثة، لا سيما الحرب في أوكرانيا؛ حيث أثبتت المسيّرات الصغيرة منخفضة التكلفة قدرتها على إلحاق خسائر كبيرة بقوات تمتلك تفوقاً جوياً وتقنياً.

صورة ملتقطة من فيديو وزّعه «حزب الله» يظهر مسيرة انتحارية تتجه إلى هدف إسرائيلي على الحدود مع لبنان (متداول)

وبحسب التقارير الإسرائيلية والأبحاث العسكرية المنشورة منذ اندلاع الحرب الحالية في مارس 2026، فإن السلاح الأبرز لدى «حزب الله» لم يعد الصواريخ وحدها، بل المسيّرات الهجومية والانتحارية التي أصبحت تشكل التهديد الرئيسي للقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. أبرز هذه الأسلحة كان المسيّرات الانتحارية «FPV» التي تعمل بكابل رفيع من الألياف الضوئية جعلها عصية على التشويش الإلكتروني، كما أن حجمها الصغير وتحليقها المنخفض المتعرج يشكل تحدياً إضافياً لرادارات إسرائيل وأنظمة دفاعها الجوي.

تحمل هذه المسيرات في المقابل، حشوات صغيرة الحجم لا تتجاوز الخمسة كيلوغرامات. ويقول مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن الحزب اعتمد ثلاثة أنواع من الحشوات المتفجرة، تبعاً للهدف المقصود. وما إذا كان الهدف دبابة، أو آلية عادية، أو أفراداً. ويقول ضباط إسرائيليون سابقون إن التهديد الذي تمثله هذه المسيّرات لا يقتصر على إصابة أهداف عسكرية ثابتة، بل يشمل أيضاً ملاحقة القوات المتحركة واستهداف الدبابات والآليات ومراكز القيادة الميدانية، ما يجعلها عاملاً ضاغطاً على الوحدات البرية المنتشرة داخل جنوب لبنان. ولا توجد أرقام رسمية نهائية بشأن عدد المسيّرات الانتحارية التي استخدمها الحزب منذ بداية الحرب، إلا أن تقديرات إسرائيلية غير رسمية تتحدث عن مئات عمليات الإطلاق، وربما أكثر من ألف عملية خلال الأشهر الأخيرة.

مراسم تشييع جندي إسرائيلي قُتل بنيران «حزب الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وقالت إسرائيل أخيراً إن «حزب الله» أطلق ما يزيد على 120 محلقة من هذا النوع، كما بث الحزب عشرات المقاطع التي تظهر استهداف المحلقة لآليات ومدرعات وأجهزة إلكترونية وأفراد في الميدان. وقالت إسرائيل إن عمليات حزب الله أسفرت عن مقتل 20 جندياً، وإصابة العشرات منذ تاريخ انخراط الحزب بالقتال في 2 مارس الماضي.

إضافة إلى ذلك، أعلن «حزب الله» عن تفجير عبوات ناسفة بآليات إسرائيلية في العمق، كما أعلن عن التصدي لمحاولات توغل إسرائيلي بالأسلحة الرشاشة المتوسطة والخفيفة، إضافة إلى القذائف الصاروخية، أي «آر بي جي».

صواريخ مضادة للدروع

الصواريخ المضادة للدروع لا تزال تشكل العمود الفقري للقتال البري للحزب، وقد استخدمت ضد الدبابات والآليات والتحصينات الإسرائيلية. ومن أبرز الأنظمة التي تشير إليها المصادر الإسرائيلية الصواريخ من عائلة: «الماسّ» المشتقة من «سبايك» الإسرائيلي، التي نسختها إيران بعد سيطرة مقاتلي الحزب على صاروخ إسرائيلي في حرب عام 2006 وفقاً لأسلوب الهندسة العكسية، إضافةً إلى منظومات كورنيت الروسية وغيرها.

أما السلاح الثالث، فهو الصواريخ والقذائف القصيرة والمتوسطة المدى التي استخدمت بكثافة لاستهداف المواقع العسكرية والتجمعات والقواعد في الجليل وشمال إسرائيل. لكن نسبة استخدامها تراجعت مقارنة بالمسيّرات خلال مراحل عديدة من حرب 2026.

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

مسيّرات استطلاعية وهجومية

تحل في المرتبة الرابعة المسيرات الاستطلاعية والهجومية، وهي ليست كلها انتحارية؛ فبعضها يُستخدم للاستطلاع وتصحيح النيران وتحديد الأهداف. وبعضها يحمل ذخائر صغيرة ويعود إلى قاعدته بعد المهمة.

وتحدثت مصادر إسرائيلية عن استخدام محدود لصواريخ مضادة للطائرات ونيران دفاع جوي ضد الطائرات الإسرائيلية.

لكنها ليست السلاح الحاسم في المعركة الحالية مقارنةً بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع.

تطوير أساليب القتال لا أدواته فقط

طوَّرت إسرائيل أساليب القتال التي كانت تعتمد على الزج بالمدرعات بتغطية جوية، للتخفيف من الخسائر، والتحرك بخفة أكبر. وتقول مصادر أمنية لبنانية إن الجيش الإسرائيلي اعتمد أسلوب المجموعات الخاصة الصغيرة التي تتحرك على الطرقات غير المعبَّدة لتجنب العبوات والاستهداف، ثم تتراجع مع أول بوادر مقاومة ليتدخل الطيران الحربي، مستهدفاً مصادر النار المعادية.

صورة تجمع لقطات من الفضاء لقرية يارون الحدودية مع إسرائيل قبل وبعد تدميرها (أ.ف.ب)

وبالنسبة لإسرائيل، وإلى جانب الغارات الجوية الثقيلة التي تنفذها المقاتلات الحربية، والصواريخ التي تطلقها المسيرات، غالباً ما تكون للاستهدافات الدقيقة ولملاحقة الأفراد على متن السيارات والدراجات النارية، أدخل الجيش الإسرائيلي سلاحين إلى المعركة، ظهر أولهما، وهو المحلقات الانقضاضية أيضاً، في مقاطع فيديو لاستهداف دراجات نارية أو أفراد في الميدان. كما يستخدم بكثافة قذائف المدفعية الموجهة من عيار 155 ملم وعيار 240 ملم، بحسب ما تقول مصادر ميدانية في جنوب لبنان، وذلك لاستهداف قرى بعيدة عن الحدود. وتضيف المصادر أن القذائف التي تطلقها المدفعية: «موجهة بالليزر، مما يمنحها الدقة، فضلاً عن أن أعيرتها تدفعها إلى مسافات أطول تصل إلى 30 كيلومتراً داخل الحدود».

جندية فرنسية من قوات حفظ السلام «يونيفيل» على تلة تطل على كفركلا وهي قرية حدودية لبنانية مع إسرائيل جنوب لبنان يوم 20 أغسطس 2025 (أ.ب)

وبحسب ما أعلنته إسرائيل وما رصدته مراكز أبحاث عسكرية خلال حرب 2026، فإن الطائرات من دون طيار كانت أكثر الأسلحة والأنظمة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في لبنان، والتي تمتلك الدولة العبرية منها شبكة فعالة تغطي الميدان والخطوط الخلفية، وفي مقدمتها طائرات «هيرمس 900» و«هيرمس 450» كما مسيّرات استطلاع صغيرة من عائلة «Skylark». وقد استخدمت للاستطلاع، تحديد الأهداف، توجيه النيران، وتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف متحركة وثابتة.

ذخائر دقيقة وصواريخ موجهة

واستعملت إسرائيل أيضا صواريخ بعيدة المدى من عائلة «Spike NLOS»، كما استخدمت ذخائر جوية موجهة تُطلق من الطائرات والمسيّرات ضد مراكز القيادة ومنصات الإطلاق.

وتحل الدبابات والقوات المدرعة في صلب العمليات البرية داخل جنوب لبنان، كما تعرض عدد منها لهجمات بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع، بالإضافة إلى المدفعية والصواريخ الأرضية وراجمات صواريخ بعيدة المدى. ومدفعية ذاتية الحركة لقصف أهداف داخل العمق اللبناني. كما استخدمت صواريخ أرض - أرض دقيقة ضد أهداف محددة مسبقاً.

جندية إسرائيلية تشغّل طائرات مسيّرة (موقع الجيش الإسرائيلي)

أنظمة الدفاع الجوّي

وتمتلك إسرائيل أنظمة دفاع جوي مهمة، أبرزها منظومة القبة الحديدية و«مقلاع داود» ومنظومة «آرو». لكن التقارير الإسرائيلية نفسها أقرَّت بأن هذه الأنظمة واجهت صعوبة أمام المسيّرات الانتحارية الصغيرة التي استخدمها «حزب الله»، خصوصاً المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية.

وأعلنت وسائل إعلام إسرائيلية، في وقت سابق، أن الجيش أدخل مدفع «روعم» إلى الخدمة في جنوب لبنان، وهو منظومة مدفعية من عيار 155 ملم صُنع في إسرائيل، ويمتاز بسهولة التحرك لأنه مدفوع بعجلات، مع تلقيم آلي للقذائف، ويشغله طاقم من ثلاثة أفراد بدلاً من سبعة، مع مدى رمي قد يصل إلى 40 كيلومتراً؛ وتقنيات قيادة وسيطرة متقدمة.

قلعة الشقيف ذات الموقع الاستراتيجي وقد لحقها دمار جراء القصف الإسرائيلي عليها في مايو الماضي (أ.ب)

قواعد الاشتباك

حاول «حزب الله» منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ، فرض قواعد اشتباك تحصر مساحة القتال في المنطقة المحتلة، عبر تحييده للمستوطنات والبلدات الإسرائيلية في الشمال، لكن الجيش الإسرائيلي كان يوسع ساحة القتال تدريجياً إلى تخوم صيدا، عبر الغارات الجوية والقصف المتواصل.

ويرى العميد المتقاعد سعيد قزح، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «حزب الله» يحاول، منذ وقف إطلاق النار، فرض معادلة ميدانية جديدة مع إسرائيل، تقوم على مبدأ «أن تضرب إسرائيل فيُرد عليها، إلا أن تل أبيب لا تزال ترفض الاعتراف بهذه المعادلة أو التعامل معها باعتبارها قواعد اشتباك متبادلة».

ويوضح قزح أن توصيف ما يجري بـ«قواعد اشتباك» ليس دقيقاً بالكامل «لأن هذا المصطلح يُستخدم عادة بين جيشين نظاميين أو ضمن إطار عسكري واضح»، مضيفاً أن الحزب «يحاول عملياً تكريس قواعد لعبة جديدة، مفادها أن أي استهداف إسرائيلي سيقابله رد، سواء عبر استهداف مواقع إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية المحتلة أو عبر إطلاق صواريخ باتجاه الداخل الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «(حزب الله) نفّذ خلال الفترة الماضية عمليات ضد مواقع إسرائيلية داخل المنطقة الحدودية، بعضها تم بواسطة المسيّرات، وبعضها الآخر عبر محاولات تسلل أو عمليات مباشرة»، لافتاً إلى أن «إطلاق الصواريخ نحو الداخل الإسرائيلي تراجع في الأيام الأخيرة، كما أن جزءاً كبيراً منها جرى اعتراضه بسبب محدودية الأعداد المستخدمة».

عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب محملة بالأغراض وعلى السيارة صورة مجتبى خامنئي (د.ب.أ)

ويرى قزح أن الحزب «يسعى من خلال هذه العمليات إلى تثبيت مشروعية استمرار سلاحه، تحت عنوان مقاومة الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية»، لكنه أضاف أن الحزب «يتجنَّب في الوقت نفسه الدخول في نقاش الأسباب التي أوصلت الأمور إلى هذا المستوى من التصعيد والاحتلال».

وعن مدى نجاح الحزب في فرض هذه المعادلة، يقول قزح إن «المؤشرات الحالية تدل على أن إسرائيل هي التي لا تزال تفرض قواعد اللعبة الميدانية»، موضحاً أن الجيش الإسرائيلي «لا يكتفي بالتحرك داخل المنطقة العازلة أو ما يُعرف بـ(الخط الأصفر)، بل يواصل تنفيذ عمليات وتجريف واستهدافات تمتد إلى قرى تقع شمال هذا الخط؛ ما يعني أنه يرفض عملياً مبدأ التوازن الذي يحاول الحزب فرضه».


المسيّرات مقابل الغارات... كيف تبدّلت معادلة الردع بين إسرائيل و«حزب الله»؟

كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

المسيّرات مقابل الغارات... كيف تبدّلت معادلة الردع بين إسرائيل و«حزب الله»؟

كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)

تتقدّم إسرائيل بالنار والإنذارات والتوغلات المحدودة، فيما يردّ «حزب الله» بالمسيّرات والاشتباكات المباشرة في محاور متقدمة شمال الليطاني. لكن خلف هذا التصعيد المتبادل، تبدو معادلة الردع التي حكمت الحدود طوال السنوات التي أعقبت حرب 2006 أمام اختبار غير مسبوق، مع اتساع رقعة العمليات ووصولها إلى مناطق كانت تُعد حتى وقت قريب خارج دائرة الخطر المباشر.

فالغارات التي باتت تلامس الزهراني، والاشتباكات الدائرة في محيط زوطر الشرقية، والتقدّم الإسرائيلي التدريجي نحو تخوم النبطية، كلها مؤشرات، وفق تقديرات عسكرية لبنانية، على أن المواجهة دخلت مرحلة مختلفة، لم تعد فيها المسيّرات قادرة وحدها على فرض توازن ردع، فيما تعتمد إسرائيل سياسة ضغط ميداني متصاعد هدفها تغيير الوقائع على الأرض قبل أي تسوية أو تفاوض محتمل.

المسيّرات لا تصنع ردعاً

في السياق، اعتبر رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد د. هشام جابر أن المسيّرات التي يستخدمها «حزب الله» لا تحقق ردعاً فعلياً في مواجهة التوسع المستمر في الغارات والعمليات الإسرائيلية، قائلاً: «المسيّرات لا تشكّل ردعاً. قد تُربك إسرائيل وتكبّدها خسائر، لكنها لا تمنعها من متابعة عملياتها العسكرية».

ورأى جابر أن استمرار إسرائيل في الغارات والتوغلات البرية يعني أن معادلة الردع لم تعد قائمة، مضيفاً: «لو كان الردع موجوداً لما كانت إسرائيل تواصل عملياتها بهذا الشكل. ما نراه اليوم أن إسرائيل تغيّر تكتيكاتها وتتابع تقدّمها رغم الخسائر التي تتكبدها في الجنوب».

تصاعُد الدخان من بلدات جنوب لبنان بعد غارات إسرائيلية كما بدا من مدينة النبطية (رويترز)

كما ربط أيضاً بين هذا المسار الميداني وتراجع الردع الذي كان قائماً بعد حرب عام 2006، معتبراً أن «الردع الذي استمر من 2006 إلى 2023 كان فعلياً موجوداً»، لكنه رأى أن دخول «حزب الله» في حرب استنزاف منذ فتح جبهة الإسناد المرتبطة بغزة أدى إلى سقوط هذه المعادلة. وقال: «منذ دخول (حزب الله) في حرب الإسناد عام 2023، اكتشفت إسرائيل الحقيقة العسكرية للحزب، ومنذ تلك اللحظة بدأ الردع يزول». وحذر جابر من أن الهدف الإسرائيلي لا يقتصر على زوطر أو محيطها، بل قد يتوسع وصولاً إلى جنوب الزهراني، قائلاً: «أخشى ما أخشاه أن نكون أمام مرحلة لا تكتفي بجنوب الليطاني، بل تمتد إلى جنوب الزهراني».

سياسة تفريغ واستنزاف طويل

وأشار جابر إلى أن سياسة الإنذارات والإخلاءات التي تعتمدها إسرائيل تهدف إلى تفريغ المناطق من سكانها، موضحاً: «كلما أخلت إسرائيل منطقة من سكانها، باتت قادرة على ضرب أي حركة داخلها. عندها يصبح أي شخص يتحرك بسيارة أو دراجة هدفاً محتملاً».

وأضاف: «أخشى ما أخشاه أن يكون جنوب لبنان قد دخل فعلاً في حرب استنزاف طويلة، لأن المؤشرات الميدانية الحالية لا توحي بوجود أفق سريع لوقف هذا التصعيد أو العودة إلى قواعد الاشتباك السابقة».

وفي قراءته للمشهد الميداني والسياسي، رأى جابر «أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن يوقف الحرب على لبنان في الوقت الراهن مهما تكبّد من خسائر»، لافتاً إلى أن إسرائيل «لم تحقق حتى الآن أياً من أهدافها العسكرية أو السياسية المعلنة».

وأضاف أن «تل أبيب لم تتمكن من نزع سلاح (حزب الله)، كما لم تستطع فرض الشروط التي تريدها على لبنان».

وأشار جابر إلى أن المعطيات الحالية تدل على أن «الأمور لن تعود كما كانت في السابق»، معتبراً أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة ستنعكس على واقع الجنوب اللبناني والتوازنات القائمة فيه.

وفيما يتعلق بـ«حزب الله»، رأى جابر أن الحزب أيضاً «لا يستطيع وقف الحرب في منتصفها، في ظل تعقيدات الميدان وتشابك الحسابات الإقليمية والدولية».

لا وجود لتوازن ردع

بدوره، رأى العميد المتقاعد خليل الحلو أن «المسيّرات التي يستخدمها (حزب الله) لا تنجح في فرض توازن ردع مقابل الغارات الإسرائيلية المكثفة»، مؤكداً أن «إسرائيل تُوقع أضراراً وخسائر أكبر بكثير مما تتلقاه».

رجل يتفقد الأضرار في موقع غارة إسرائيلية بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأوضح الحلو أن «المسيّرات المرتبطة بالألياف البصرية (FPV) تعاني من محدودية تقنية تتعلق بالمدى والحمولة»، قائلاً: «مدى هذه المسيّرات يتراوح عملياً بين 3 و15 كيلومتراً، وقد يصل إلى نحو 20 كيلومتراً كحد منطقي، لأن الكابل الذي يربط المسيّرة يضيف وزناً عليها ويؤثر على قدرتها التشغيلية». معتبراً «أن الحديث عن استخدامها لمسافات تصل إلى 60 كيلومتراً غير واقعي عسكرياً».

وأشار إلى أن «(حزب الله) يستخدم هذه المسيّرات لاستهداف القوات الإسرائيلية داخل المنطقة العازلة التي أنشأتها إسرائيل، والتي تمتد لنحو 10 كيلومترات، لكن ذلك لم يغيّر في الواقع الميداني».

وقال: «إذا نظرنا إلى الخريطة نرى أن الإسرائيليين باتوا قريبين جداً من النبطية، فيما تتوسع الغارات والإنذارات والإخلاءات حتى شمال الزهراني، وهذا بحد ذاته دليل على غياب توازن الردع».

وأضاف الحلو أن «(حزب الله) يحاول تحقيق إصابات وتأثير ميداني عبر المسيّرات، لكن ما يحصل على الأرض يُظهر أن إسرائيل تُنزل بالحزب وبلبنان أضراراً أكبر بكثير».


كيف دخلت طهران إلى الملف الفلسطيني؟

صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار
صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار
TT

كيف دخلت طهران إلى الملف الفلسطيني؟

صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار
صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار

تكفي قصة مثيرة لاستدراج الصحافي إلى البحث عن حاملها. ويزداد إلحاح البحث حين يكون الرجل حاملاً لقصتين مثيرتين. هذا ما حصل قبل سنوات طويلة. بدأت البحث عن أنيس النقاش. باكراً انتسب هذا الشاب اللبناني إلى «الكتيبة الطلابية» في حركة «فتح» وعمل لاحقاً تحت رعاية خليل الوزير «أبو جهاد» عضو اللجنة المركزية في الحركة.

شعرت بالفضول حين عرفت أن النقاش كان مساعد الفنزويلي الشهير كارلوس في عملية خطف وزراء «أوبك» في فيينا في 21 ديسمبر (كانون الأول) 1975. لم يسبق أن شهد العالم عملية من هذا النوع. تحول كارلوس نجماً عالمياً ما أثار غضب معلمه الذي أرسله في المهمة (وأقصد وديع حداد مسؤول «المجال الخارجي» في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»). وراودني شعور أن التحدث إلى النقاش سيسهل أيضاً الوصول إلى كارلوس، وهذا ما حصل.

لم يكتف النقاش بدوره في عملية فيينا. حين اندلعت التظاهرات المعارضة في إيران في 1978 حصل من «أبو جهاد» على إذن بتدريب إيرانيين معارضين لنظام الشاه في مراكز أقامتها «فتح» في لبنان. سيذهب النقاش أبعد من ذلك. قال في الحوار الذي أجريته معه إن فكرة إنشاء «الحرس الثوري» ولدت في لقاء جمعه في شقة في بيروت بحفنة من الأشخاص، وأن الفكرة نقلت إلى قادة الثورة فتبنوها على قاعدة «عدم الوثوق بالجيوش النظامية».

بعد انتصار الثورة ذهب النقاش إلى طهران. ذات يوم وفي حلقة ضيقة ناقش المشاركون خطورة الدور الذي يمكن أن يلعبه شهبور بختيار آخر رئيس وزراء في عهد الشاه من منفاه. تحدث مشاركون عن احتمال لجوء جهات معادية للثورة إلى دعم بختيار لزعزعة النظام الجديد أو إطاحته. روى النقاش أن فكرة التخلص من بختيار طُرحت. وكشف أن محكمة كانت قضت بإعدامه وأن الخميني أقر حكم المحكمة من دون إعلان ذلك، ما جعل الحكم شبيها بفتوى تبيح القتل.

كان بختيار مقيماً في فرنسا ويحظى بحراسة وحماية. ولم تكن طهران في تلك الأيام استكملت إعداد فرق للعمليات الخارجية. يقول النقاش إنه تطوع للقيام بالمهمة مع فريق صغير. حصل النقاش على رقم مقر إقامة بختيار وزعم أنه صحافي يريد إجراء مقابلة وفوجئ بإعطائه موعداً. ذهب إلى العنوان وأجرى الحوار الصحافي واستطلع المكان ونقاط ضعف الحراسات.

رئيس الوزراء الإيراني الأسبق شابور بختيار يصل إلى وزارة الخارجية في باريس غداة محاولة اغتياله في 1980 (أ.ف.ب)

في 18 يوليو (تموز) 1980، توجه النقاش مع فريقه لاغتيال بختيار. حال الباب المصفح دون مقتل بختيار وأدت العملية إلى مقتل شرطيين وسيدة فرنسية وإصابة النقاش واعتقاله.

وفي عقد الثمانينات ستتداخل مطالبة إيران بالإفراج عن النقاش بإقدام «منظمات مجهولة» على خطف فرنسيين في لبنان بغرض مقايضتهم بالنقاش. وبعد عشر سنوات أمضاها في السجن ستبرم فرنسا صفقة يفرج بموجبها عن النقاش.

سألت النقاش يومها عمن كان يعرف في إيران بخطة الاغتيال، فأجاب: «أطلعت محسن رفيق دوست مسؤول الأركان الإداري في الحرس ومحسن رضائي عضو الأركان».

التداخل اللبناني - الفلسطيني - الإيراني سيظهر في حالات أخرى. فعماد مغنية المكنى «الحاج رضوان» الذي اتهم بالضلوع في هجمات ضد الإسرائيليين والأميركيين وجهات عربية مر لفترة في حراسة ياسر عرفات قبل أن ينتقل إلى «حزب الله»، صلب البرنامج الإيراني في لبنان والمنطقة. ويقول النقاش إنه تولى تدريب مغنية بناء على طلب الأخير.

كان النقاش يتحدث بانبهار وثقة عن المشروع الإيراني وكنت مهتماً بالاستماع إلى شهادة هذا الرجل. قال إن المنطقة ستشهد تغييرات كبرى وإن إيران الثورة تعتبر أن مسؤوليتها تبدأ بـ«تحرير الشرق الأوسط من الاحتلال الأميركي صريحاً كان أم مقنعاً». قال إن «قادة الحرس يعتقدون أن الخيط الأميركي هو الذي يضمن استقرار واستمرار كثير من أنظمة المنطقة، وأن قطع هذا الخيط سيغير ملامح المنطقة وتوازناتها».

سألته إن كان الجنرال قاسم سليماني من هؤلاء فأجاب بأنه في طليعتهم وهو يعمل على تقويض الحضور الأميركي في المنطقة. استوقفني قوله إن الثورة الإيرانية لم تخف رغبتها في طرد أميركا من إيران والمنطقة وإن «الرسالة الأولى كانت احتجاز الأميركيين في سفارة بلادهم في طهران. أما الرسالة الثانية فكانت تفجير مقر المارينز في بيروت، وساهم الحاج عماد (مغنية) في إيصال رسائل أخرى».

قال النقاش وقتها أيضاً إن برنامج الأنفاق والصواريخ والمسيّرات يرمي إلى «خفض القيمة الاستراتيجية لحلفاء أميركا في المنطقة بإظهار أن خرائطهم مهددة وأن التحالف مع أميركا لا يكفي لإنقاذها، بل هو السبب في تعرضها للأخطار». وأضاف: «إذا كانت إسرائيل حاملة طائرات أميركية فماذا يبقى من هيبتها حين يتبين أن كل شبر منها يمكن أن تصل إليه صواريخ محور المقاومة؟».

فلسطنيون في خان يونس أعلى مركبة عسكرية إسرائيلية تم الإستيلاء عليها ضمن عملية «طوفان الأقصى» (د.ب.أ)

وأشار إلى أن «شخصية حسن نصر الله أكسبته ثقة المرشد علي خامنئي وأعطته دور الشريك في رسم سياسات إيران حيال العرب، خصوصاً في الدول المتاخمة لفلسطين... نصر الله وسليماني هما الأقرب إلى قلب المرشد».

ولعل أهم ما سمعته من النقاش هو أن «الضربة الكبرى آتية مهما تأخرت. ستنهمر الصواريخ على إسرائيل من كل الجهات وسيندم عدد من الذين هاجروا إليها على قرارهم، وهذه الشكوك ستفتح الباب لنهاية هذا الكيان».

الكلام الذي سمعته من النقاش كان أكثر صراحة من الذي سمعته في مكاتب زعماء «الجهاد الإسلامي» و«حماس» و«حزب الله»، وإن كان يصب في الاتجاه نفسه. رمضان شلح الأمين العام لـ«الجهاد» كان واثقاً أن الضربة آتية، في حين كان خالد مشعل أكثر تحفظاً في الحديث عن الدور الإيراني. أما حسن نصر الله فلم يكن يشعر بالحاجة إلى إخفاء أن إيران هي مصدر تسليح «حزب الله» وتمويله وهي وسادته المضمونة.

إيران الثورة والهاجس الفلسطيني

كانت إيران الخميني تتطلع إلى الامساك بملفات عدة في المنطقة وكان الملف الفلسطيني هاجسها الأول.

لم يكن ياسر عرفات في وارد وضع القضية الفلسطينية في عهدة نظام الثورة الإيرانية. ولم يكن في وارد تسليم القرار الفلسطيني لأي قوة على وجه الأرض. من أجل إنقاذ استقلالية هذا القرار كان يحالف ويخاصم ويهاجر من عاصمة إلى أخرى هرباً من وطأة الذين يحاولون تحويل القضية الفلسطينية ورقة في مفاوضاتهم مع القوى الكبرى. معركته الطويلة مع الرئيس حافظ الأسد تندرج تحت هذا العنوان. وهو كان يردد: «فلسطين عندي قضية. أما عند الأسد فهي ورقة للاستخدام».

ياسر عرفات أول زائر رسمي لطهران بعد الثورة إلى جانب الخميني أمام حشد في جامعة طهران (غيتي)

لم يتأخر عرفات في إدراك أن الثورة الإيرانية تفتقر إلى «الواقعية والحسابات الدقيقة والكوابح»، على حد ما قال لبعض مساعديه. شعر أن أحلام بعض قادتها من قماشة الأوهام، خصوصاً لجهة إساءة تقدير قوة أميركا والاتحاد السوفياتي معاً. ولم يكن عرفات في وارد وضع «الثورة الفلسطينية» في عهدة «ثورة الخميني» لأنه شعر أن إيران الجديدة لن تتأخر في الاصطدام بجيرانها وبدول أبعد.

إطلالة عرفات من طهران بعد ستة أيام من انتصار ثورة الخميني كانت تاريخية، لكنها لن تدفع القائد الفلسطيني إلى مبايعة الخميني على غرار ما فعل آخرون. ابتعد عرفات عن التطابق. وحين احتجز الإيرانيون الأميركيين رهائن في سفارة بلادهم في طهران استكشف الزعيم الفلسطيني محاولات التوسط، لكن طهران لم توافق على دور له من هذا النوع. تماماً كما كان موقفها حين حاول التوسط بعد اندلاع الحرب مع العراق. ولهذا ستبحث إيران عن أصدقاء فلسطينيين آخرين وستقدم مساهمتها في تقويض سلطة عرفات.

لاحقاً كان المشهد أكبر من قدرة إيران الخمينية على الاحتمال. في 13 سبتمبر (أيلول) 1993 وقع اتفاق أوسلو وصافح ياسر عرفات رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في حديقة البيت الأبيض وبرعاية الرئيس بيل كلينتون.

المصافحة التاريخية برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد توقيع اتفاق «أوسلو» بواشنطن في سبتمبر 1993 (غيتي)

أطلق عرفات الزلزال الثاني وكان الرئيس أنور السادات أطلق الأول. كانت شرعية ياسر عرفات كاملة وصورته مرتبطة بالرصاصة الأولى التي أطلقتها «فتح» في منتصف الستينات معيدة إيقاظ القضية الفلسطينية.

شعرت إيران بتهديد جدي للجسر الذي كانت تراهن عليه لمخاطبة الشارع السني وتأليبه ضد «الشيطان الأكبر» وليس فقط ضد إسرائيل. ولهذا ضاعفت طهران رهانها على «الجهاد الإسلامي» و«حماس». افترقت حسابات عرفات عن حسابات أهل «الصمود والتصدي» وعن حسابات طهران أيضاً. بلغ الحقد على عرفات حد الرغبة العلنية في شطبه. كنت أحاور الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية - القيادة العامة» أحمد جبريل في دمشق حين اتهم عرفات بالخيانة. سألته هل أرسلت أحداً لاغتياله فأجاب: «لا لكنني أفتح الإذاعة كل صباح آملاً أن تعلن ولادة إسلامبولي فلسطيني»، في إشارة إلى خالد الإسلامبولي الذي اغتال الرئيس المصري أنور السادات.

«عشت أكثر مما تصورت»

لم تستطع الثورة الإيرانية استدراج عرفات للإقامة تحت عباءتها لكنها لن تعدم فرصة العثور على حلفاء في وسط الإسلاميين الفلسطينيين. كان الدكتور فتحي الشقاقي الأمين العام لـ«الجهاد الإسلامي» في فلسطين أول من فتح النافذة. جاء جاهزاً إلى طهران التي احتاجت إلى جهود لإقناع «حماس» بالاندراج في برنامج الأنفاق والمسيّرات والصواريخ الذي هندسه قاسم سليماني.

كانوا حفنة طلاب في جامعة الزقازيق في مصر وكانوا يقيمون داخل تيار «الإخوان» أو على أطرافه. في 1978 راحت إيران تغلي بالتظاهرات والشعارات. تمنى أفراد المجموعة على الرجل الأبرز بينهم، أي الشقاقي، أن يعد عرضاً من عشر صفحات عن الثورة في إيران. استهوت المهمة الشقاقي فغاص في المراجع الإسلامية وتعاليم الخميني والفكر «الإخواني». عاد الشقاقي من بحثه باستنتاج قاطع مفاده أن الثورة في إيران ثورة إسلامية وليست شيعية. وهكذا بدلاً من ملخص من عشر صفحات طلبه رفاقه منه عاد الشقاقي بكتيب عنوانه «الخميني... الحل الإسلامي والبديل».

نزل الكتيب إلى الاسواق بعيد انتصار الثورة الإيرانية فاستدعى الأمن المصري الشقاقي وأدخله السجن. وسيدخل الشقاقي السجن المصري مرة أخرى، وفي 1981 سيغادر مصر سراً بعدما كان مطلوباً مجدداً. وسيعتقل الشقاقي هذه المرة في غزة في 1983 ومرة أخرى في 1986 قبل أن تبعده السلطات الإسرائيلية إلى خارج فلسطين في أول أغسطس (آب) 1988.

غاب عن بال أجهزة الأمن الإسرائيلية أن إبعاد الشقاقي من فلسطين سيمكنه من الذهاب أبعد في العلاقة مع إيران و«حزب الله» اللبناني. ولم تبخل طهران على الشقاقي بالاهتمام، فقد استقبله الخميني في 1988 وأبلغه التزاماً بدعم «الجهاد» تسليحاً وتمويلاً. وهكذا شكلت «الجهاد الإسلامي» أول اختراق إيراني فعلي للحالة الفلسطينية.

رئيس تحرير «الشرق الأوسط» غسان شربل خلال إحدى مقابلاته مع قائد «الجهاد الإسلامي» الراحل رمضان شلح في ديسمبر 2002 (الشرق الأوسط)

إثر مشهد عرفات ورابين حصل تواصل بين الشقاقي ورمضان عبد الله شلح الذي سيتولى قيادة التنظيم بعد مقتله. كان شلح في أميركا مرتدياً ثوب الأكاديمي وفهم من اتصال الشقاقي أن «الوقت قد حان». شرح لي العبارة بأنها تعبير عن قرار «بالذهاب أبعد في العمل الجهادي». وستدوي لاحقاً أصداء العمليات الانتحارية.

في 21 يناير (كانون الثاني) 1995 وجهت «الجهاد الإسلامي» بقيادة أمينها العام الشقاقي ضربة موجعة إلى إسرائيل. نفذت عملية انتحارية مزدوجة في بيت ليد قرب تل أبيب أسفرت عن مقتل 20 جندياً إسرائيلياً. ورداً على العملية تعهد رئيس الوزراء إسحق رابين بمعاقبة من يقف وراء العملية حتى وإن كان وراء الحدود. ولم يكن سراً أن رابين أمر باغتيال الشقاقي. بعد أيام فقط دخلت مكتب الشقاقي في شقة متواضعة في دمشق. سارع إلى القول: «أنا ما زلت شاباً ولم يحن وقتي بعد لسلسلة يتذكر. أمامنا الكثير من العمل».

سألت الشقاقي عن تهديدات رابين فأجاب: «على المستوى الشخصي لا تهمني هذه التهديدات. أنا اعتقدت بأنني عشت أكثر مما أتصور. دم الشهداء هو الذي ينجب المزيد من المقاتلين ويصعد المواجهة ضد الاحتلال. لذلك نحن لسنا قلقين من مثل هذه التهديدات. وأقول في النهاية ما قاله الإمام علي، كرم الله وجهه، حارس العمر الأجل».

سألت الشقاقي عن التمويل الإيراني للحركة فأجاب: «هناك مساعدة من أصدقاء من أكثر من جهة ولا داعي لتحديد الجهات». كررت السؤال فقال: «قبل نحو أربع سنوات أصدر مجلس الشورى الإيراني قراراً بنصرة الانتفاضة الفلسطينية وتقديم مساعدة إليها وإلى شهدائها».

استوقفتني عبارة «عشت أكثر مما تصورت»، ومثلها عبارة «حارس العمر الأجل». خالجني شعور أن الحوار الأول مع الشقاقي قد يكون الأخير. فإسرائيل لا تغفر لمن يستهدف جنودها ويد «الموساد» طويلة ورابين لن يفرط بصورته وأوسمته.

في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1995، سيتمكن رابين من تصفية حسابه مع الشقاقي. اصطاد «الموساد» الشقاقي في مالطا وخلال عودته من ليبيا التي دعته إلى مؤتمر وتمنت عليه تمديد إقامته. وقد سمعت لاحقاً من رمضان شلح أن الشقاقي اغتيل بسبب اختراق إسرائيلي للأجهزة الليبية أتاح لـ«الموساد» معرفة الاسم الذي يستخدمه، وهو إبراهيم الشاوش، الذي كان سراً مغلقاً بين الشقاقي وشلح.

«إذا عاش فسيكون خميني العرب»

في بيروت عرف الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله باغتيال الشقاقي فسارع إلى دمشق. التقى شلح «ونصحنا أن نختار أميناً عاماً كما فعل الحزب حين اغتالت إسرائيل أمينه العام عباس الموسوي وأن يعلن الاسم الجديد في بيان نعي الأمين العام السابق. وكانت حجة نصر الله المحافظة على معنويات بيئة المقاومة». لكن نصر الله «لم يتدخل في عملية الاختيار فهذه مسألة تخص (الجهاد)، وحلفاء الحركة يثقون بخياراتها».

حسن نصر الله إلى جانب علي خامنئي (مكتب المرشد الإيراني)

وروى شلح أن الشقاقي كان معجباً بنصر الله. يقول: «كنت في زيارة لبيروت في نهاية 1989، وكان الدكتور فتحي، رحمه الله، عائداً من احتفال لحزب الله خطب فيه نصر الله. كان الدكتور فتحي يتحدث عنه بانبهار شديد ولم يكن نصر الله يومها أميناً عاماً بل مسؤولاً في المقاومة. أبديت للشقاقي استغرابي لفرط إعجابه بنصر الله فقال وبحضور عدد من الإخوة إن هذا الرجل إذا قدر له أن يعيش فسيكون خميني العرب».

سألت شلح عن النموذج الذي استوحته الفصائل الفلسطينية حين بدأت تنفيذ عمليات انتحارية فأجاب أنها استوحت النموذج الذي بدأته المقاومة اللبنانية حين نفذ «أبو زينب» عملية تفجير مقر المارينز في بيروت.

«حماس» وطريق طهران

لكن رغم هذه الاختراقات في الملف الفلسطيني، لا مبالغة في القول إن النجاح الكبير الذي حققته إيران تمثل في اجتذابها حركة «حماس» إلى برنامجها الإقليمي مستفيدة من حاجة الحركة إلى التسليح والتمويل.

كانت إيران تبحث عن فرصة لبناء علاقة مع «حماس» وسترتكب إسرائيل خطأ يسهل مهمة طهران. في الشهر الأخير من عام 1992 وإثر قيام عناصر من «كتائب القسام» بخطف ضابط إسرائيلي وقتله، نفذت إسرائيل عملية إبعاد جماعي لناشطين فلسطينيين من غزة والضفة. شملت عملية الإبعاد نحو 415 شخصاً أكثريتهم الساحقة من «حماس» وبينهم أسماء ستتولى لاحقاً مناصب قيادية مثل عبد العزيز الرنتيسي وإسماعيل هنية.

رفضت السلطات اللبنانية بالتنسيق مع «حماس» استقبال المبعدين فأقاموا طويلاً في منطقة مرج الزهور الحدودية وحولوا خيامهم إلى أماكن للندوات والصلوات واستقبال المتضامنين.

مبعدو مرج الزهور بينهم إسماعيل هنية (المركز الوطني الفلسطيني للإعلام)

سارع «الحرس الثوري» الإيراني إلى التقاط الفرصة بالتعاون مع «حزب الله» وأمّن للمبعدين أغذية وأدوية وخياماً. وبعد بناء جسور التعارف تولى «الحرس» و«الحزب» تدريب عدد من المبعدين على صناعة المتفجرات والاتصالات الآمنة وتكتيكات قتالية.

في سبتمبر (أيلول) 1992 أعدت إيران استقبالاً لائقاً وعلى أرفع المستويات لوفد من المكتب السياسي لحركة «حماس» برئاسة موسى أبو مرزوق. رأى «الحرس الثوري» أن «حماس» تشكل فرصة لأن تمثيلها الشعبي أوسع بكثير من تمثيل «الجهاد». شابت العلاقة في البداية شكوك وحساسيات. لم تغب حساسيات سنية - شيعية عن ذهن أطراف في «حماس». وترددت «حماس» في البداية في قبول الدعم المالي خوفاً من أن يلزمها ذلك بالاندراج في البرنامج الإيراني الوافد من القاموس الشيعي. تراجعت الشكوك لاحقاً وانتظم الدعم الإيراني.

في 14 يونيو (حزيران) 2007 سيطرت «حماس» على قطاع غزة وطردت السلطة الفلسطينية منه. طرفان سيلتقطان الفرصة. إيران وتحديداً قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني و«حزب الله» اللبناني بقيادة حسن نصر الله. استقلال غزة عن «سلطة أوسلو» فرصة لإدماج «حماس» في «وحدة الساحات» والرهان على إشراكها في «الضربة الكبرى» ساعة حدوثها.

ستمر علاقة «حماس» مع إيران باختبارات ليست بسيطة خصوصاً بعدما فضلت قيادة الحركة مغادرة سوريا على التجاوب مع ضغوط نظام الأسد الابن لاتخاذ موقف معاد للثورة. وحملت أوساط إيرانية وسورية في تلك المرحلة على رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» خالد مشعل واتهمته بالسعي إلى الخروج من خط المقاومة الممانعة. خفضت إيران المساعدات لكنها لم تقطعها تماماً عن «كتائب القسام».

ظهر تباين آخر هو الدور الإيراني في اليمن وما قيل عن عمليات التشيع هناك. لكن حرص سليماني ونصر الله على الضلع الفلسطيني في «محور المقاومة» ساهم في عودة المياه إلى مجاريها. وكافأ سليماني الحركة ببرنامج تمويل وتسليح تضمن تصنيع أسلحة في قطاع غزة وعمليات تدريب مكثفة.

إيرانية تحمل ملصقاً يتصدره إسماعيل هنية خلال تشييعه في طهران وإلى جانبه قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وفي طرفيه الأمين العام الراحل لـ«الجهاد الإسلامي» فتحي الشقاقي ومؤسس «حماس» الشيخ أحمد ياسين إضافة إلى القيادي الراحل في «حزب الله» عماد مغنية والعالم النووي الإيراني الراحل محسن فخري زاده (أ.ف.ب)

في 2012 انتخب يحيى السنوار الذي خرج قبل عام من السجن الإسرائيلي عضواً في القيادة السياسية في غزة. وبعد خمسة أعوام سيتولى رئاسة المكتب السياسي للحركة في القطاع. وفي العام نفسه (2017) تولى إسماعيل هنية رئاسة المكتب السياسي للحركة خلفاً لخالد مشعل الذي تولى هذا المنصب على مدى 21 عاماً. رجحت كفة الجناح العسكري خصوصاً في ضوء العلاقة التي ربطت السنوار بـ«كتائب القسام» وقائدها محمد الضيف.

«طوفان السنوار»

في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 سيحقق السنوار والضيف حلمهما. أطلقا ما سمياه «طوفان الأقصى». وفي اليوم التالي لم يجد زعيم «حزب الله» اللبناني خياراً غير التجاوب مع رسالة «قادة الطوفان» فانضم إلى «إسناد غزة». فوجئ العالم بهشاشة إسرائيل في الساعات الأولى خصوصاً بعدما تبين أن الهجوم أدى إلى سقوط أكثر من ألف قتيل إسرائيلي واحتجاز عدد من الرهائن.

لكن بعد ساعات من الضياع استيقظت آلة القتل الإسرائيلية لإطلاق حرب على جبهات متعددة. اعتبر بنيامين نتنياهو أن «الطوفان» يحمل بصمات إيرانية ولهذا كان الثأر شديداً من «حزب الله» اللبناني وصولاً إلى المرشد الإيراني نفسه.

غيرّ «طوفان السنوار» ملامح غزة ولبنان، وتسبب أيضاً في اقتلاع نظام بشار الأسد. وللمرة الأولى انهالت القذائف الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية وسيطرت الطائرات الإسرائيلية على أجواء طهران فيما سقطت الصواريخ الإيرانية على أهداف في الدولة العبرية. تجمع الهدير الإيراني وتحول حرباً أقلقت المنطقة والاقتصاد العالمي ولا تزال ذيولها مفتوحة.