كيف تم تطوير تصميم التوسعة الثالثة للمسجد الحرام؟

«الشرق الأوسط» تنشر الحلقة الأخيرة لقصة توسعة الحرم المكي

كيف تم تطوير تصميم التوسعة الثالثة للمسجد الحرام؟
TT

كيف تم تطوير تصميم التوسعة الثالثة للمسجد الحرام؟

كيف تم تطوير تصميم التوسعة الثالثة للمسجد الحرام؟

تناول الفصلان الأولان من قصة تصميم التوسعة السعودية الثالثة للمسجد الحرام، بدايات الموضوع بتشكيل فريق من المختصين من أساتذة الجامعات السعودية وغيرهم من الخبراء العالميين لدراسة المشروع المقترح للتوسعة، وذلك بناء على الأمر السامي الذي صدر في عام 1429هـ - 2008م، مع ذكر أبرز أسماء رؤساء اللجان والفرق الفنية المشاركة في الفريق الذي قام بتقويم وضع الحرم المكي من خلال الدراسات والمسوحات الميدانية، إضافة إلى تقويم التصميم المقترح، علاوة على تقديم رؤية تقنية للمسجد الحرام قام بها فريق من أساتذة وباحثي معهد ماساتشوستس للتقنية (إم آي تي MIT ). كذلك ذكرت أسماء فريق الباحثين الذين قدموا تلك الأبحاث، وكيف تمت الاستفادة من بعض الأفكار والمقاربات التصميمية والرؤى المستقبلية التي قدمها كبار المعماريين والمكاتب الاستشارية العالمية وبعض المكاتب والجامعات السعودية، في تطوير الفكرة التصميمية التي قدمتها جامعة الملك سعود وتم اختيارها من المقام السامي.

تصميم جامعة أم القرى المقترح لرفع الطاقة الاستيعابية للمطاف

يتطرق هذا الفصل إلى إعادة تشكيل اللجان والفرق التخصصية، ومنهجية العمل مع الاستشاري (دار الهندسة) والمقاول (مجموعة بن لادن)، والرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي (رئاسة الحرمين)، إضافة إلى مسارات العمل وآلية عمل الفرق، وتشكيل الفريق المؤقت الذي باشر تطوير التصميم المقترح، وكان غالبية أعضائه من كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود، بحكم أنها الجهة صاحبة الفكرة التصميمية.

وكان الفريق باشر تلك المهمة في مكاتب «دار الهندسة» بالقاهرة، وبالتضامن مع فرقها الفنية، وصولاً إلى اعتماد الملك عبد الله رحمه الله للمسار التطويري (التجزئة على مستوى الكتلة والحيز الفراغي الأصغر)، وصولاً إلى الفكرة التخطيطية والتصميمية لمشروع توسعة الملك عبد الله بصورتها التي انتهت إليها.

ويلفت الفصل إلى عمل فريق الوزارة مع بدء التنفيذ وآلية العمل والتنسيق مع المقاول خلال تلك المرحلة، وتزامن العمل مع طرح فكرة مشروع رفع الطاقة الاستيعابية للمطاف وما تم بعدها، وتشكيل فريق فني ميداني من جامعة أم القرى لتولي بعض المهام، ثم كيفية انتهاء مهمة فريق الوزارة. كذلك سيتم ذكر المشروعات الخمسة الرئيسية التي دشنها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ضمن المشروع الشامل للتوسعة السعودية الثالثة، مروراً ببعض القصص والمواقف المتعلقة بمشروع التوسعة وأعضاء الفريق، والوقوف عند أهمية هذه التجربة وفرادتها وكيف يمكن الاستفادة منها في المشروعات التي تنفذ اليوم.

انطلاق المرحلة الثانية

فور صدور التوجيه السامي بتطوير التصميم المقترح من جامعة الملك سعود، انطلقت أعمال المرحلة الثانية للمشروع في شهر ربيع الأول عام 1430هـ - مارس (آذار) 2009م، من خلال عدد من المهام والأعمال التي تضمنها التوجيه وأوكل تنفيذها إلى فريق الوزارة.

وحدد الفريق الأساس الذي تولى أعمال المرحلة السابقة، وآلية العمل ومنهجيته لهذه المرحلة بما يضمن جودة دراسة المشروع ومستوى تخطيطه وتصميمه وتميزه من الناحية المعمارية والهندسية والتشغيلية والأمنية، فضلاً عن تحقيقه مبادئ الاستدامة ومفهومها، وإحداث نقلة نوعية في عمارة المسجد الحرام ترتقي إلى مستوى تطلعات القيادة السعودية الرامية إلى تيسير أداء العبادة لقاصدي المسجد الحرام، والنهوض بمستوى تقديم الخدمة لهم، وما تحمله هذه التطلعات من مضامين عميقة ورؤية واضحة، ترنو إلى مستوى عالٍ من التميز والجودة لمشروع التوسعة، ووفقاً لما نص عليه التوجيه السامي، وتلخصت آلية العمل في هذه المرحلة كما يلي:

أولاً: اللجنة الثلاثية

حلت بدلاً من اللجنة التوجيهية السابقة، لجنة ثلاثية مكونة من وزير التعليم العالي (د. خالد العنقري)، والرئيس العالم لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي (الشيخ صالح الحصين)، ورئيس «مجموعة بن لادن السعودية» (م. بكر بن لادن)، وهي تعمل كمرجعية للمشروع. وكان ممثلو فريق الوزارة يعرضون مخرجات العمل الجوهرية على هذه اللجنة بين فترة وأخرى، ويطلعونها على وضع المشروع ومساره وتحدياته.

ثانياً: إعادة تشكيل الفرق التخصصية

أُعيد تشكيل الفرق التخصصية للعمل ضمن إطار المشروع وفق الآتي:

أولاً، الفريق الفني في وزارة التعليم العالي الذي ضم عدداً من الفرق الفنية المتخصصة والمتكاملة، من مختلف منسوبي الجامعات السعودية. وتعد هذه الفرق الذراع الفنية لإدارة المشروع المعنية بتحديد وتوجيه الدراسات اللازمة والتصاميم المطلوبة، وكذلك مراجعة واعتماد الدراسات والتصاميم المقدمة من الاستشاري (دار الهندسة)، وجاء تشكيل الفرق على النحو الآتي:

الإدارة الفنية العامة: برئاسة أ.د. صالح بن حامد السيد.

الفريق المعماري: برئاسة د. سمير بن محمود زهر الليالي.

الفريق الإنشائي: برئاسة أ.د. يوسف بن عبد الله السلوم.

فريق الحركة والحشود والخدمات المساندة: برئاسة أ.د. عبد الرحيم بن حمود الزهراني.

فريق الكهروميكانيكا والمرافق الصحية: برئاسة د. إبراهيم بن عمر حبيب الله.

فريق البيئة والاستدامة: برئاسة د. خالد بن محمد الجماز.

ثانياً، هناك الفرق الفنية التخصصية لدى الاستشاري (دار الهندسة) والمقاول (مجموعة بن لادن السعودية)، وتعمل بالتضامن والتنسيق التام مع الفريق الفني في وزارة التعليم العالي على إعداد الدراسات والتصاميم اللازمة بتوجيه من الفريق الفني في الوزارة، الذي يقوم بمراجعتها وتقويمها ومن ثم اعتمادها. وأخيراً ممثل إدارة المشروعات في الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي.

ثالثاً: منهجية تنسيق الفريق مع الاستشاري والمقاول ورئاسة الحرمين

لعله من المناسب إعطاء نبذة عن «دار الهندسة» (استشاري المشروع)، التي ارتبطت بعلاقة استراتيجية مع «مجموعة بن لادن السعودية» وغدت استشاري مشروعات الحرمين الشريفين. تأسست «دار الهندسة» عام 1956 (1376هـ) على يد 4 من أساتذة كلية الهندسة في الجامعة الأميركية ببيروت؛ وهم كمال الشاعر ونزيه طالب وخليل معلوف وسمير ثابت، ونمت وتطورت عبر السنوات لتصبح إحدى كبرى الشركات المهنية والمكاتب الاستشارية الهندسية حول العالم. وفي الثمانينات من القرن الماضي، تشابكت «مجموعة بن لادن السعودية» وترابطت مع «دار الهندسة»، الأمر الذي مكن الأخيرة ومن خلال مكتبها بالقاهرة تحديداً، من أن تصبح «الصندوق الأسود» لمشروعات الحرمين الشريفين، بحيث بات لديها كل المعلومات والخرائط والمخططات والدراسات والتصاميم والمسارات، وغيرها من المعلومات المهمة والمرتبطة بمشروعات الحرمين الشريفين. هذا الكم من المعلومات إضافة إلى كوادرها المهنية المتميزة جعل دورها مهماً ومحورياً في تطوير التصميم.

هيكلية تنظيمية لفرق العمل

وقد انتهج الفريق الفني في وزارة التعليم العالي أسلوب عمل فريداً يعتمد على العمل الجماعي المتكامل داخل فريق الوزارة بتخصصاته المختلفة، وعلى التنسيق المباشر والتكامل مع الاستشاري والمقاول ورئاسة الحرمين خلال مراحل العمل المشترك. واتسم المنهج بالمرونة والكفاءة الفاعلة والعمل بروح واحدة وعقول متعددة، وبالحرص على اقتناص كل فكرة تطويرية واعدة في أي مجال تخصصي بغض النظر عن مصدرها، ومناقشتها وتعزيزها ودعمها وإثرائها من الجميع.

واشتملت منهجية العمل الجماعي هذه على ورش العمل الدورية، حيث نُظمت مجموعة من ورش العمل التخصصية الدورية لتدارس وتنظيم العمل في مشروع تصميم توسعة المسجد الحرام وضبط جودته، ومناقشة المهام الفرعية المرتبطة به، ومتابعة أعمال تطوير التصميم وتوجيهه. وعُقدت ورش العمل هذه بحضور الفرق التخصصية المختلفة في وزارة التعليم العالي والاستشاريين في «دار الهندسة» و«مجموعة بن لادن السعودية» ورئاسة الحرمين، وبحضور خبراء عالميين في الاختصاصات المختلفة، استعين بهم أحياناً بحسب متطلبات مرحلة العمل.

الشيخ صالح الحصين والدكتور صالح السيد والدكتور يوسف السلوم أمام مجسم التصميم قبل تطويره

كذلك، اعتمدت المنهجية على تشكيل فرق عمل تصميم مشتركة لتسريع العمل ودعم تطوير تصميم مشروع التوسعة ولرفع مستوى الجودة ودقة الأداء. وشُكلت فرق عمل موحدة، بحسب ما تقتضيه المرحلة، مكونة من أعضاء بالفرق التخصصية بوزارة التعليم العالي ومن الاستشاري والمقاول ورئاسة الحرمين. وقد أنيط بها مهمة تطوير التصاميم المعمارية والهندسية لمشروع التوسعة المعتمد من المقام السامي الكريم، بحيث يقوم فريق الوزارة بمتابعة وتوجيه ودعم الأعمال المقدمة من الاستشاري (دار الهندسة) عبر التكامل مع فرقه المتخصصة والعمل معها، والمساهمة المشتركة الفاعلة بالأفكار والمقترحات التطويرية، كما أنيط بالفرق التخصصية في فريق الوزارة مهمة اتخاذ القرارات التصميمية والإشراف على مراجعة ضبط وتوحيد منظومات الأنظمة الأخرى في لغة معمارية وهندسية موحدة.

رابعاً: مسارات العمل

لما كانت المرحلة الثانية من المشروع تقتضي مراجعة وتقويم مخرجات تطوير تصميم مشروع التوسعة وتعزيزه بالأفكار الفنية التطويرية، اتخذ العمل في هذه المرحلة المسارات المتتابعة الآتية:

مسار البحث والبرمجة: تضمن هذا المسار إعداد الدراسات اللازمة لمشروع التوسعة ووضع المعايير المرجعية التصميمية العامة والتفصيلية والبرنامج الفراغي للمشروع وتحديد المساحة البنائية التقديرية للتوسعة.

وقد شرع فريق وزارة التعليم العالي ضمن هذا المسار في دراسة وتحليل جميع المقترحات التصميمية (الرؤى المعمارية) التي قدمت في المرحلة الأولى من قبل دور الخبرة المحلية والعالمية بهذا المجال، في ورشة عمل بالتعاون مع الاستشاري (دار الهندسة) و«مجموعة بن لادن السعودية»، وبمشاركة الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي وخبراء محليين تم إشراكهم مؤقتاً في هذا المهمة. وتم استخلاص بعض الأفكار والحلول التصميمية الواعدة من هذه المقترحات.

كذلك حدد فريق الوزارة الدراسات اللازمة للمشروع وصاغ الإطار العام للملخص التصميمي التفصيلي في جميع الجوانب الفنية للمشروع، بالإضافة إلى تحديد نطاق البرنامج الفراغي، وتقدير مساحة البناء، بينما عمل الاستشاري (دار الهندسة) على إعداد المعايير التفصيلية والبرنامج المعماري التفصيلي، وذلك بالتنسيق مع فريق الوزارة الذي تولى مراجعتها واعتمادها.

مسار تطوير تصميم مشروع التوسعة: عني هذا المسار بتطوير تصميم مشروع التوسعة من قبل الاستشاري (دار الهندسة) وبالتعاون والتنسيق المباشر والآني مع الفريق الفني في وزارة التعليم العالي.

وسعى الفريق الفني بالوزارة ضمن هذا المسار إلى توجيه ومتابعة أعمال تصميم مشروع التوسعة والمشاركة الفاعلة والجوهرية في تطويره فكرياً وفنياً؛ منذ البداية وحتى عمل التصاميم المعمارية والهندسية التطويرية وتفاصيلها ومراجعة تطبيقها في أرض الواقع.

ولتنفيذ المهام المتضمنة في هذا المسار بجودة وإتقان، تطلب ذلك تكامل الفريق الفني للوزارة واندماجه أحياناً مع الفرق المتخصصة للاستشاري (دار الهندسة) و«مجموعة بن لادن السعودية» ورئاسة الحرمين، والعمل معاً كفريق عمل موحد متكامل باتباع منهجية التصميم المتكامل لا المتتابع، كالتشاور المستمر والمتبادل بين جميع التخصصات، ما أدى إلى تسريع وتيرة العمل والارتقاء بجودته ونوعيته.

وقد اتسم تشكيل فرق عمل المشروع بالديناميكية والمرونة بما يتوافق مع حاجات العمل وطبيعة مراحل المشروع، بحيث يشارك الأعضاء في مراحل المشروع حسب الحاجة. وتميزت طريقة العمل بروح الفريق الواحد والانسجام بين الأعضاء، وكانوا يتعاملون كزملاء في هذه المهمة السامية، فتتبلور الأفكار والحلول وتطرح من خلال النقاشات الجماعية، دون تمييز بين رئيس ومرؤوس؛ بل إنه كان يُناب بعض الأعضاء في حال غياب المدير الفني العام أو رؤساء الفرق، وكان الجميع يعملون بروح الفريق كما يقال: «الجميع يعمل على طاولة مستديرة».

وأنيط بالفريق خلال انطلاق المرحلة الثانية مهمة ضبط جودة واتجاه تطوير تصميم التوسعة انطلاقاً من الفكرة التخطيطية والتصميمية لمشروع جامعة الملك سعود والمعتمدة من المقام السامي، وكان على الفريق الالتزام بمضامين التوجيه السامي خلال العمل في التطوير، وبالتضامن مع الفريق الفني للاستشاري (دار الهندسة) والرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، وتطلبت هذه المرحلة تكوين فريق عمل مشترك (مؤقت) برئاسة رئيس الفريق المعماري للمشروع، وعضوية عميد كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود، الذي كان رئيساً لفريق التصميم الأساسي، وعدد من أعضاء هيئة التدريس ممن شاركوا ضمن فريق التصميم الأساسي بالكلية، بحكم أنها الجهة صاحبة الفكرة التصميمية، وذلك كاستشاريين غير متفرغين، كما انضم أيضاً إلى هذا الفريق أعضاء آخرون من كليات العمارة في الجامعات الأخرى، وأصبح بعضهم لاحقاً استشاريين متفرغين.

وعقدت اجتماعات هذا الفريق المؤقت بمقر «دار الهندسة» في القاهرة، وذلك خلال الفترة من 17 جمادى الآخرة 1430هـ - 10 يونيو (حزيران) 2009م، إلى 16 رجب 1430هـ - 9 يوليو (تموز) 2009م.

وأسفرت هذه المهمة التعاونية والتكاملية العاجلة التي استمرت لمدة شهر عن تطوير مسارات تطويرية متكافئة انطلقت جميعها من الفكرة التخطيطية والمعمارية للتصميم المقترح من جامعة الملك سعود والمعتمد من المقام السامي أساساً للتطوير، حيث ارتكزت هذه المسارات التطويرية على المبادئ الآتية:

المسار التطويري الأول: القائم على مبدأ التجزئة على مستوى الكتلة والحيز الفراغي الأوسع.

المسار التطويري الثاني: القائم على مبدأ التجزئة على مستوى الكتلة والحيز الفراغي الأصغر.

والمساران متكافئان، أما الفرق الأساسي بينهما ففي التشكيل المعماري الداخلي للتوسعة.

مخططات للتوسعة الثالثة

وقد قُوّمت مخرجات هذين المسارين التطويريين المتكافئين والمطورين من قبل الفريق ذاته باستخدام معايير محددة، وبتفصيل أدق وضعت بهدف التحقق قبل عرضهما على المقام السامي من أن كلا المسارين يمكن أن يعمل بكفاءة في حال اختياره.

أما معايير تقويم مخرجات المسارات التطويرية فهي:

معايير مرتبطة بالأمن والسلامة وحركة الحشود: الأمن والسلامة ضمن المبنى والفراغات الخارجية - حركة الحشود ضمن المبنى والفراغات الخارجية - حركة الحشود من مبنى المسجد الحرام (التوسعتان الأولى والثانية) وإليه - التعرف المكاني (way finding) - ووضوح الإرشاد للمستخدمين.

معايير مرتبطة بالكفاءة التشغيلية:

العبادية، والمتعلقة خصوصاً بأماكن أداء الصلاة؛ ومنها اتجاه الكعبة وانتظام صفوف المصلين وتحفيز الخشوع.

أداء الأنشطة الأخرى: إلقاء المحاضرات والدروس العلمية والوصول إلى المصاحف والوضوء والسقيا وغيرها.

اقتصاديات التوزيع الفراغي: ترشيد مناطق الخدمات التشغيلية وترشيد ممرات الحركة الأفقية وترشيد مناطق الحركة الرأسية والاقتصاد في حجم شبكات الخدمات (مياه، تكييف، كهرباء، حريق... إلخ).

مرونة إدارة المنشأة: تنظيم توزيع الرجال والنساء بعدة خيارات وتنظيم استخدام أجزاء محددة من المبنى وتنظيم إغلاق أو فتح بعض أجزاء المبنى على المستوى الأفقي، كما تنظيم إغلاق أو فتح بعض أجزاء المبنى على المستوى الرأسي، بالإضافة إلى تنظيم الوصول إلى مبنى التوسعة السعودية الأولى دون الحاجة لفتح مبنى التوسعة السعودية الثالثة للاستخدام، وتنظيم صيانة المنشأة وشبكات الخدمات دون الاختلاط بالمستخدمين في جميع الأوقات، بما في ذلك أوقات الذروة.

معايير مرتبطة بعلاقة التشكيل الفراغي بالجوانب البيئية: الاستفادة القصوى من الإضاءة والتهوية الطبيعيتين وحماية محيط المبنى من العوامل البيئية وترشيد استخدام الطاقة غير المتجددة.

معايير مرتبطة بالجودة الجمالية لعناصر مكونات المشروع: مبدأ الوحدة (Unity) - إثراء تجربة المستخدم للمكان من خلال التنوع المكاني (Variety) - التوازن بين المقياس الإنساني (Human Scale) وتحقيق المهابة الشرفية (Formalty) - الانسيابية (Spatial Interpenetration) - الشفافية (Form Transparency).

معايير مرتبطة بمرونة التنفيذ: مرونة تحديد مراحل التنفيذ (Construction Phasing) - توحيد عناصر البناء (Building Components Standardization).

لقطات لتصاميم المسار التطويري الثاني

العرض والموافقة:

في يوم السبت 18 رجب 1430هـ الموافق 11 يوليو 2009، عُرض المساران التطويريان المتكافئان على الملك عبد الله بن عبد العزيز في قصره بمدينة جدة من قبل أعضاء فريق الوزارة، وبحضور عدد من أصحاب السمو الملكي الأمراء والمعالي الوزراء، من بينهم وزير التعليم العالي ونائبه والرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، إضافة إلى رئيس «مجموعة بن لادن السعودية»، حيث اعتمد حينها المسار التطويري الثاني خياراً لتطوير تصميم مقترح جامعة الملك سعود للتوسعة، وصدرت الموافقة السامية بذلك.

المرحلة الثالثة:

استمر فريق الوزارة في ممارسة أعماله بالكفاءة ذاتها والروح الجماعية المتفائلة والمتفانية، ويشهد لها كل من عايش المشروع أو سنحت له فرصة الاطلاع على العمل من مسؤولين وغيرهم.

وانطلاقاً من مبدأ العمل كفريق واحد بين وزارة التعليم العالي والاستشاري (دار الهندسة)، والمقاول (مجموعة بن لادن السعودية)، والرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، سعى الفريق المعماري وجميع الفرق التخصصية الأخرى بالوزارة في فترة تزيد على السنة، وبالتحديد في المدة من 22 رجب 1430هـ الموافق 13 يوليو 2009، إلى 23 رمضان 1431هـ الموافق 2 سبتمبر (أيلول) 2010، في عمل دائب ومتواصل إلى تطوير التصاميم الابتدائية والتصاميم التفصيلية للتوسعة، وذلك من خلال عقد ورش عمل متعددة ومكثفة ولقاءات نقاش ومراجعة متتالية في مقر الاستشاري (دار الهندسة) بالقاهرة أو بيروت حيناً، ومقر فريق الوزارة في كلية علوم البحار بجدة أحياناً أخرى. مع الأخذ في الحسبان تحقيق التكامل في جميع التصاميم المعمارية مع حلول ومقترحات وتصاميم النظم الهندسية (الإنشائية، والكهروميكانيكية، وتغذية المياه والصرف) وغيرها.

وكان العمل في الفريق يسير وفق ما انتهجه منذ بداية تشكيله في المرحلة الأولى؛ على طاولة مستديرة تتلاقح فيها الأفكار والعقول وتسودها روح مهنية واحدة رغم اختلاف الآراء الذي كان يثري العمل ولا يعيقه.

والجدير ذكره في هذه المرحلة أن العمل فيها كان بمنهجية تزامن التصميم والتنفيذ في الموقع (Design-Build Approach)، وهذا احتاج إلى مراعاة عالية للأولويات وضبط دقيق في جدول المهام والوقت وتناسق تام للمهام رغم تعددها وتراكبها وتداخلها.

وبذلك كانت التصاميم والمخططات المعتمدة نهائياً تسلم للمقاول أولاً بأول للتنفيذ المباشر.

جانب من التفاصيل المعمارية الداخلية

يشار هنا إلى أن الحوار الثنائي بين أعمال الموقع وأعمال التصميم كان يغذي بعضها بعضاً، حيث كان تطوير التصميم يستجيب بصورة جادة مع معطيات الموقع، كمسارات زمزم ونحوها مما يستجد ظهوره، كما يستجيب في الوقت ذاته لمتطلبات التنفيذ والتصنيع والتوريد.

نماذج من زخارف وتفاصيل معمارية للتوسعة

ولم يكن العمل في هذه المرحلة مكتبياً أو على الورق أو الرسومات ثنائية الأبعاد، بل كانت التصاميم تمر بـ4 مستويات من العمل المهني التكاملي: التصاميم الورقية والحاسوبية، والمحاكاة الحاسوبية (Digital modeling)، والتجسيم الفيزيائي (physical modeling)، والبناء الفعلي للنماذج التصميمية (mockup) بمقياس 1:1 في ورشة بناء تقع في بحرة بين جدة ومكة المكرمة، خُصصت لاختبارات التصاميم من قبل المقاول المنفذ، ومراجعة ذلك في حركة تغذيات راجعة وتعديلات حتى الوصول إلى التصميم الأكمل، ومن ثم ينفذ على أرض الواقع بصورته النهائية المعتمدة.

وفي هذه المرحلة تمت تغطية جميع جوانب التصاميم الأساسية من مساقط وقطاعات وواجهات داخلية وخارجية وأسقف وأرضيات ونظم صوتية وإضاءة وغيرها، واختيار المواد والعينات، وكثير من الجوانب التصميمية والمواصفات التفصيلية، سواء على المستوى المعماري أو التخصصات الهندسية الأخرى. وسواء كانت التصاميم لمبنى التوسعة الرئيسي، أو لمبنى الخدمات (المصاطب) بكل مكوناتها وعناصرها، أو مبنى الخدمات المركزية للتكييف والمعالجة، الواقع على بعد كيلومترات من التوسعة، أو بما يتعلق بأنفاق المشاة والأنفاق الأخرى تحت جبل الشامية (جبل قعيقعان)، أو الساحات وجسورها وما تحت الساحات من خدمات مواضئ ودورات مياه وغيرها، كل ذلك تمت تغطيته وإنهاء تصاميمه الأساسية وتفاصيلها، وتم اختبارها على أرض الواقع بمقياس 1:1، بل وتنفيذ أهمها فعلياً.

وبعد هذا الإنجاز الضخم من الأعمال والتصاميم، بدا أن مهمة الفريق الفني التابع لوزارة التعليم العالي تقترب من نهايتها، تلك المهمة السامية التي انطلقت بتقويم التصميم المقترح للتوسعة المقدم من «مجموعة بن لادن السعودية»، وانتهت بتطوير التصميم المقترح من جامعة الملك سعود، ومرت خلالها بتكليف الفريق بدراسة عدد من المشروعات النوعية أو الحرجة الإضافية التي أحيلت إليه، وتخص بعض الجهات الحكومية، لكن تلك المشروعات لها قصة ثانية.

كما تزامن عمل الفريق في تطوير تصميم التوسعة مع طرح فكرة دعوة كليات وأقسام العمارة في جامعات الملك سعود، والملك عبد العزيز، وأم القرى، والدمام (الإمام عبد الرحمن الفيصل حالياً)، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، لتقديم مقترحات تصميمية لزيادة الطاقة الاستيعابية للمطاف، وأعد الفريق الأسس والشروط المرجعية لتصميم هذا المشروع.

تصميم جامعة الملك عبدالعزيز المقترح لرفع الطاقة الاستيعابية للمطاف

وأسند إلى جامعة أم القرى تطوير تصميمها المقترح في فترة لاحقة بعد انتهاء عمل الفريق، وذلك بالتضامن مع أحد المكاتب الاستشارية العالمية. وتم عرض المقترح على خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله، في قصر الصفا بمكة المكرمة مساء يوم السبت 27 رمضان 1432هـ الموافق 22 يونيو 2011. وكانت الجامعة شكلت لجنة فنية بإشراف مديرها الأستاذ الدكتور بكري بن معتوق عساس، وتولت اللجنة متابعة أعمال تشييد التوسعة السعودية الثالثة التي تنفذها «مجموعة بن لادن السعودية»، إلى جانب مراجعة دراسات وتصاميم مشروع رفع الطاقة الاستيعابية للمطاف، من خلال فريق فني برئاسة الأستاذ الدكتور فيصل بن فؤاد وفا. لكن تفاصيل تصميم ثم تنفيذ مشروع توسعة المطاف ومراحله تحديداً، وما حصل فعلاً على أرض الواقع، تستحق قصة منفصلة.

تصميم جامعة الدمام (الإمام عبد الرحمن الفيصل حالياً) المقترح لرفع الطاقة الاستيعابية للمطاف

المرحلة الأخيرة

بانتهاء المرحلة الثالثة والاطمئنان على سلامة مخرجات تصاميم تطوير مشروع التوسعة الثالثة، بل وتنفيذ أجزاء منها، لم يتبقَّ حينذاك إلا مهمة مواصلة العمل في متابعة الرسومات التفصيلية لبعض الأجزاء ومتابعة تنفيذ ما تم اعتماده سابقاً في المرحلة الثالثة، مثل منظومة الاهتداء ومنظومة صحة المنشأة التي اعتمدت توجهاتها وبعض متطلباتها، بعد هذا كله رأت الوزارة وجاهة تجديد الدماء في الفريق، فتم إنهاء عمل الفريق الأساسي الذي بدأ منذ اليوم الأول حتى انقضاء المرحلة الثالثة بخطابات شكر خاصة بكل فرد منهم. وحينذاك رجع أعضاء الفريق الأساسي إلى مواقعهم بالجامعات، والبعض رأى الانضمام لـ«مجموعة بن لادن» للعمل هناك.

الأمير نايف والأمير خالد الفيصل يستمعان لشرح من الدكتور سمير زهر الليالي

وتزامناً مع هذا التغيير انتهت أيضاً مهمة اللجنة الثلاثية، وأسندت بعد ذلك بعض مهام فريق الوزارة إلى فريق جامعة أم القرى الذي توسعت مهامه الفنية والإدارية، ليصبح اسمه «اللجنة الفنية لمشروعات توسعة المسجد الحرام والعناصر المرتبطة به».

ومن المهم الإشارة هنا إلى ملخص الفكرة التخطيطية والتصميمية لمشروع التوسعة بصورتها التطويرية التي انتهت إليه، كما يلي:

يتكون مشروع التوسعة السعودية الثالثة للمسجد الحرام من جزأين رئيسيين.

الجزء الأول: ويقع في منطقة الشامية بالجهة الشمالية من المسجد الحرام، ويشتمل على المبنى الرئيسي للتوسعة، والمصاطب المتدرجة والمرافق الخدمية الملحقة بها، إلى جانب الأفنية والساحات المفتوحة.

الجزء الثاني: ويقع في منطقة التيسير على بعد 2 كم في الجهة الشمالية الغربية من المسجد الحرام، ويشتمل على محطة خدمات مركزية لخدمة المشروع تتضمن محطة تبريد مياه التكييف، والمولدات الاحتياطية، ومعالجة المياه الرمادية، والتخلص من النفايات، وورش الصيانة ونحوها.

وقد اعتمدت الفكرة التخطيطية لتصميم مشروع التوسعة السعودية الثالثة على مبدأ «احترام مركزية الكعبة المشرفة وصفوف الصلاة، وتجزئة الحشود». لذا فقد تم تشكيل المشروع عن طريق توظيف محاور إشعاعية منطلقة من الكعبة المشرفة تقسم المشروع إلى أجزاء تتقاطع مع قطاعات حلقية دائرية مركزها الكعبة المشرفة، كالآتي:

القطاعات الحلقية الدائرية: تشكل مكونات المشروع وتتضمن:

المبنى الرئيسي: يتكون من 3 أجزاء رئيسية تقع بين 4 محاور إشعاعية.

الأفنية الخارجية المفتوحة: تقع شمال وجنوب المبنى الرئيسي.

المصاطب المتدرجة ومباني المرافق الخدمية: تقع شمال الأفنية الخارجية المفتوحة.

الساحات الخارجية تقع حول المشروع من الجهات الشرقية (ساحة المسعى ومنطقة المروة) والغربية (ساحة باب العمرة وشارع أم القرى).

المحاور الإشعاعية:

تشكل هذه المحاور الإشعاعية جسوراً وممرات للحركة الأفقية والرأسية. وتقسم هذه المحاور للمشروع إلى أجزاء يمكن لكل منها احتواء عدد محدد من الحشود، مما يدعم من انسيابية وسلاسة حركة الحشود وتدفقهم وتعريفهم ويعمل على تحقيق أمنهم وسلامتهم. كما تحتوي على مجموعة الخدمات المساندة لخدمة تلك الحشود وتربط هذه المحاور بين أجزاء وعناصر المشروع.

وقد اعتمدت الفكرة الأساسية لجامعة الملك سعود التي انطلق تطوير التصميم (المشروع) منها على مبدأ «الوحدة الوظيفية النموذجية» التي تمثل وحدة بنائية متكاملة في وظائفها وخدماتها، ويمكن تكرارها في اتجاه المحاور الإشعاعية، أو في اتجاه القطاعات الحلقية الدائرية لتكوين الكتل البنائية للمشروع التي تكوّن في مجموعها تشكيلاً عمرانياً وظيفياً مترابطاً يلبي المتطلبات الرئيسية للمشروع، ويتجانس مع مبنى المسجد الحرام ويراعي طبوغرافية الموقع. ويمكن من خلال هذه الوحدات البنائية تحقيق ما يلي:

تجزئة الحشود إلى أجزاء محددة يمثل كل منها الحجم الأمثل الذي يمكن التعامل معه بصورة تحقق الأمن والسلامة وتساعد في انتظام صفوف المصلين وتمكنهم من أداء الشعائر التعبدية بسكينة وخشوع.

توفير الخدمات والوظائف الحيوية للمستخدمين بصورة متكاملة من قاعات الصلاة والخدمات الملحقة بها.

توفير المرونة اللازمة لتشغيل المبنى؛ مثل إمكانية استخدام أجزاء من المبنى في كل دور فقط أو استخدام أدوار محددة فقط بحسب الحاجة خلال المواسم المختلفة، مع إمكانية تخصيص مواقع مصليات النساء والرجال بشكل مرن.

تيسر أعمال الصيانة لشبكات النظم الهندسية في مستويات ومسارات منفصلة تماماً للمستخدمين، وصيانة الفراغات الداخلية لكل وحدة بنائية دون التأثير على الأداء الوظيفي للوحدات عن حركة الأخرى.

تصميم مكونات قياسية نموذجية لكل العناصر والتفاصيل المستخدمة بالمشروع المعمارية والنظم الهندسية.

دعم وتيسير استراتيجيات مراحل التنفيذ أو التمدد للمستقبلي.

إثراء التشكيل الفراغي وتحقيق الجودة الجمالية لعناصر المشروع مع إمكانية تميز كل وحدة بنائية بشخصية مستقلة تحقق سهولة التوجيه والإرشاد المكاني في كل منطقة من مناطق المشروع.

البهو الرئيسي للتوسعة في المراحل النهائية

وماذا بعد؟

توفي الملك عبد الله رحمه الله في 3 ربيع الثاني 1436هـ الموافق 23 يناير (كانون الثاني) 2015، وأكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله، فور توليه مقاليد الحكم، مواصلة العمل بواجبات ومسؤوليات خدمة الحرمين الشريفين التي تشرف بها ملوك البلاد السابقون، وتوفير الأمن والراحة والطمأنينة لضيوف الرحمن. وتأكيداً لحرصه على كل ما من شأنه أداء قاصدي المسجد الحرام لمناسكهم بكل يسر وراحة، تفقد الملك سلمان يوم السبت 12 شعبان 1436ه الموافق 30 مايو (أيار) 2015، مراحل مشروع التوسعة السعودية الثالثة للحرم المكي، ووجه بتسخير كل الإمكانات والمتطلبات التي يحتاج إليها المسجد الحرام ومشروع التوسعة. وقال: «سأنفذ وصية الملك عبد الله وقد أوصاني بالمشاريع في مكة».

خادم الحرمين الشريفين يدشن عدد من المشاريع الرئيسية ضمن المشروع الشامل للتوسعة السعودية للحرم المكي(واس)

وفي يوم 24 رمضان 1436هـ الموافق 11 يوليو 2015، دشَّن الملك سلمان 5 مشروعات رئيسية ضمن المشروع الشامل للتوسعة السعودية الثالثة، الذي تشرف على تنفيذه وزارة المالية، وهي: مشروع مبنى التوسعة الرئيسي، ومشروع الساحات، ومشروع أنفاق المشاة، ومشروع محطة الخدمات المركزية للحرم، ومشروع الطريق الدائرية الأول.

قصة تصميم التوسعة ليست قصة أشخاص، أو جامعات، أو شركات أو استشاريين، أسهم كل منهم بدوره وجهده، ولكنها قصة عمل مهني مشرف، وقبل ذلك وبعده قصة قيادة نذرت نفسها لخدمة الحرمين ودولة سخرت مواردها لأمن وسلامة وراحة قاصديهما واستثمرت في الإنسان الذي أسهم في عمارتهما، وقدم الفكرة التصميمية لثالث التوسعات بعد نحو 75 عاماً من تصميم أول توسعة سعودية للحرمين الشريفين.

وبعد، هذا جزء يسير من تاريخ التوسعة الطويل، مما يمكن استلحاقه لاحقاً.

وكان في زوايا القصة وكواليسها جوانب مشرقة ومواقف مقدرة وجهود مشكورة، وقبل ذلك وبعده كثير من التوفيق والتيسير من المولى القدير، رغم التحديات والصعوبات التي تمثلت في ضيق الوقت المحدد لإنهاء الدراسة والجوانب المتعددة والمعقدة المتصلة بطبيعة وضع المسجد الحرام من حيث الإنشاءات والحركة وتباين ثقافات وخلفيات القاصدين وغير ذلك.

أما عن الأعضاء، بل أكثرهم فتلك قصة أخرى. بعضهم رفض تسلم المكافآت رغم حاجته لها، وجلهم كانوا لا يريدون أن تذكر أسماؤهم في سجلات توثيق المشروع ولا غيرها، لأنهم يرون أن مجرد المشاركة في مشروع توسعة الحرم شرف لا يضاهيه شرف، وكل ذلك رغبة فيما عند الله وحده، وبذلك تولوا إلى الظل من دون أن يتباهوا بما قدموا أو يحمدوا بما عملوا.

وتلك ليست مبالغة. فهنا قصتان فيهما خير مثال. أولاً فريق كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود الذي طلب رئيسه تنفيذ استوديو افتراضي ثلاثي الأبعاد مقابل اختيار تصميم الجامعة أساساً لتصميم التوسعة، ليكون مكافأة لمنسوبي الكلية وتعم الفائدة للجميع، وبالفعل تم تنفيذ الاستوديو وتجهيزه في أحد معامل الكلية.

الاستوديو الافتراضي الثلاثي الأبعاد بكلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود

أما القصة الثانية، فقد كانت هناك حاجة ملحة لرئاسة الحرمين لاستشارة فنية حول إحدى المنشآت الإلكتروميكانيكية المرتبطة بالمسجد الحرام، وكانت كل الحلول التي قدمت من مقاول الصيانة تتجه إلى استبدال الأجهزة الموجودة بالكامل؛ بل ونقل المحطة إلى مكان آخر بما يستلزم ذلك من حفر لأنفاق وتكاليف إنشاء وتجهيز، فقرر الشيخ صالح الحصين رحمه الله، أن يستعين بأحد الاستشاريين المختصين في ذات التخصص المطلوب (هذا الاستشاري من جنسية عربية، وعمل لاحقاً ضمن الفريق الأساسي لوزارة التعليم العالي في مشروع التوسعة الثالثة)، وبعد أن عاين الدكتور المشكلة، واطلع على التقارير التي قدمت، اجتمع مع الفريق المسؤول عن تلك المنشأة ودرس بعناية مقترحات الاستبدال وما يقابلها من بديل، ورأى أن مقترح رفع مستوى حجم وطاقة المحطة الحالية في الموقع ذاته أمر ممكن ومجدٍ، وقدم التصور الكامل لإمكانية تحقيق ذلك فنياً، مما حسم الأمر، هذا الحل وفر ملايين الريالات على الميزانية العامة فرأى الشيخ الحصين تقديم مكافأة مالية له تعادل نسبة مئوية من إجمالي قيمة التوفير واستصدر الموافقة على ذلك، وحين قابل الشيخ الدكتور وشكره على جهده قدم له ظرفاً يحوي شيكاً بقيمة الأتعاب الاستشارية المقدرة، فلما علم الدكتور أن في الظرف شيكاً له رفض تسلمه من دون أن ينظر حتى إلى قيمة المبلغ (وكان كبيراً)، وباءت كل محاولات الشيخ لإقناعه بأخذه لأنه حقه الشرعي والنظامي أو ربما هو أقل، وأن عمله كان سبباً للتوفير على خزينة الدولة، وأدى لاختصار الجهد والوقت.

كما صاحب تلك التجربة الفريدة والمعقدة الكثير من التسهيلات والدعم اللامحدود من حكومة خادم الحرمين الشريفين وتوفير جميع احتياجات الفريق وتأمين طلباته وتيسير الإجراءات واستقدام كبار الخبراء في العالم عند الحاجة، وتسهيل التواصل مع مراكز الفكر وبيوت الخبرة العالمية. كل ذلك من أجل توسعة بيت الله الحرام لاستيعاب الأعداد المزدادة من الحجاج والمعتمرين وتيسير أداء نسكهم بكل راحة وسلامة وأمان.

إن المتمعن في هذه التجربة، يجد أنها مختلفة في منهجها عما سبق من توسعات الحرمين وفريدة في مشروعات الدولة الكبرى، عمل عليها مئات المتخصصين من أعضاء هيئات التدريس بالجامعات السعودية والخبراء العالميين في مختلف المجالات، وغيرهم من المهندسين والفنيين تجاوز عددهم المئات من مختلف الجنسيات، هذا عدا بيوت الخبرة والجامعات العالمية والرواد المعماريين، وغيرهم، بتنسيق بديع وتكامل فريد، وأنفق عليها مئات الملايين من الريالات. لذا يجب ألا تتوقف؛ بل يمكن أن تُدرس وتقوم ويستفاد منها ويؤسس عليها؛ ليس في مخرجاتها فحسب، بل وفي كونها تجربة مهنية جماعية نقلت كثيراً من العلوم والمعارف والتجارب والخبرات، وأسهمت في تطوير معارف وتجارب أعضاء الفريق وسن طريقة غير مسبوقة في تنفيذ دراسات المشروعات العملاقة من خلال منظومة عمل فرق تكاملية في جميع التخصصات والعلوم.

ولعل الأهم بعد هذا التوثيق معرفة كيف يمكن تقويم تلك التجربة الفريدة والاستفادة منها ثم البناء عليها...

*كاتب وباحث سعودي

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

من الهجرة النبوية حتى عهد الملك سلمان... كيف تطورت مراسم غسل الكعبة في 1440 عاماً؟

يوميات الشرق خادم الحرمين الشريفين يقوم بغسل جدار الكعبة المشرفة في مناسبة سابقة (واس)

من الهجرة النبوية حتى عهد الملك سلمان... كيف تطورت مراسم غسل الكعبة في 1440 عاماً؟

في منتصف الشهر الأول من كل عام هجري، تُنجز الجهات السعودية المعنيّة، مراسم غسل الكعبة المشرّفة في المسجد الحرام

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق دهن العود لتطييب الحجر الأسود (الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين)

رمضان يرفع إيقاع العطر... 35 مبخرة يومياً و13 ألف لتر لتعطير المسجد الحرام

لا يتلاشى المشهد من الذاكرة ولا الرائحة. هكذا يصف كثير من الحجاج والمعتمرين تجربتهم في المسجد الحرام؛ إذ يرافقهم عبقٌ مميز، ثابت، يعرفونه كلما عادوا بذاكرتهم…

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق توسعة الحرم المكي شاهد على الرعاية السعودية وجدوى الابتكار في التطوير (واس)

توسعة الحرم المكي... رعاية سعودية وريادة في الابتكار المعماري

اعتمد تصميم التوسعة الثالثة على محاور إشعاعية تنطلق من الكعبة المشرفة وكتل حلقية تحيط بها، في رؤية معمارية تراعي قدسية المكان وتستوعب التوسعات المستقبلية.

عمر البدوي (الرياض)
الخليج عدد المُصلين بالمسجد الحرام بلغ 30 مليوناً و16 ألفاً و73 مُصلياً خلال شهر (واس)

أكثر من 68 مليون زائر ومعتمر بالحرمين الشريفين خلال شهر

استقبل المسجد الحرام بمكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، أكثر من 68 مليون زائر خلال شهر.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج الأمير سعود بن مشعل لدى ترؤسه الاجتماع في مكة المكرمة الأربعاء (إمارة المنطقة)

سعود بن مشعل: خدمة المقدسات وقاصديها على هرم أولويات السعودية

أكّد الأمير سعود بن مشعل، نائب أمير منطقة مكة المكرمة، أن السعودية منذ تأسيسها «أولت خدمة المقدسات وقاصديها اهتماماً خاصاً، وجعلتها على هرم الأولويات».

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)

بغداد ساحة جديدة للمواجهة الأميركية- الإيرانية المقبلة

فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)
فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)
TT

بغداد ساحة جديدة للمواجهة الأميركية- الإيرانية المقبلة

فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)
فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)

بعد أكثر من شهر على نيلها ثقة البرلمان، في 14 مايو (أيار) 2026، لا تزال حكومة علي الزيدي غير مكتملة التشكيل، فما يقرب من 10 حقائب وزارية لم تُحسم بعد، من بينها وزارتان تحتلان موقعاً محورياً في بنية الدولة العراقية، هما الداخلية والدفاع.

وفي بلدٍ كثيراً ما تولد فيه الحكومات بعد مفاوضات طويلة بين الأحزاب، والكتل البرلمانية، وشبكات النفوذ، والقوى الإقليمية، قد يبدو هذا البطء مألوفاً، غير أن هذا الانطباع لا يصح إلا ظاهرياً؛ فعدم اكتمال التشكيلة الحكومية لا يعكس الصعوبات المعتادة المرتبطة بتقاسم المناصب فحسب، بل يكشف، قبل كل شيء، أن التسويات التي أتاحت وصول علي الزيدي إلى السلطة لم تُفضِ بعد إلى توازن حكومي حقيقي.

وبذلك، يتمتع رئيس الوزراء بشرعية برلمانية، لكنه لا يسيطر بصورة كاملة على جهازه التنفيذي. وحكومته قائمة قانونياً، لكنها تبقى ناقصة سياسياً. ولم تعد المسألة الأساسية تتمثل في استكمال تشكيل الحكومة، بل في هامش المناورة الذي سيُمنح له لتنفيذ برنامجه السياسي والاقتصادي والأمني.

فهل سيكون علي الزيدي مجرد مدير لتسوية أبرمتها القوى الرئيسية داخل المعسكر الشيعي، أم سيتمكن تدريجياً من تحويل هذه التسوية إلى رافعة حقيقية للعمل السياسي، واستعادة جزء، ولو محدود، من قدرة الدولة العراقية على المبادرة؟

في هذا السياق، تكتسب الزيارة التي يُفترض أن يجريها علي الزيدي إلى واشنطن في منتصف يوليو (تموز) أهمية خاصة؛ فهذه الزيارة تتجاوز بكثير إطار زيارة دبلوماسية تقليدية. وإلى جانب الملفات الاقتصادية والطاقة والقضايا الأمنية التي أُعلن أنها ستكون محور النقاش، فإنها ستمثل أول اختبار حقيقي لولايته الحكومية، كما ستتيح تقييم قدرته على تعزيز شرعيته الدولية، وتوسيع هامش استقلاليته إزاء القوى السياسية التي أوصلته إلى السلطة، وكذلك تحديد طبيعة علاقته بالإدارة الأميركية، في وقت تبدو فيه أولويات واشنطن في العراق آخذة في التغير.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه المبعوث الأميركي توم برَّاك في بغداد 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)

العراق في معادلة إقليمية جديدة

استوقفت كثيرين المفاجأة الاستراتيجية التي فجّرتها طهران، وغيرت بعض موازين القوى في المنطقة، وتمثلت في تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وإدخال تغيير مقلق على القانون الدولي عبر فرض ما سمته «حقها في السيطرة».

وقد أتاح الاتفاق المرحلي الذي جرى التوصل إليه بين واشنطن وطهران وقفاً لإطلاق النار، وفتح مرحلة جديدة من المفاوضات المقبلة. ومن المرجح أن يقلل هذا الاتفاق من احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة على المدى القصير، لكنه لا يحل أياً من الملفات الأساسية التي لا تزال موضع خلاف عميق بين الولايات المتحدة وإيران في الشرق الأوسط، بل إن المنافسة بينهما تميل، على العكس، إلى الانتقال نحو ساحات لا تزال مصالحهما تتقاطع فيها، ويأتي العراق في مقدمتها.

بالنسبة إلى بغداد، ينطوي هذا التطور على مفارقة واضحة. فمن جهة، قد يتيح الانفراج النسبي بين واشنطن وطهران لحكومة علي فالح الزيدي هامشاً إضافياً لمواصلة إصلاحاتها، من دون أن تتحمل بصورة مباشرة تداعيات أي تصعيد إقليمي. ومن جهة أخرى، قد يؤدي هذا الانفراج نفسه إلى نقل ساحة التنافس بين القوتين إلى داخل المؤسسات العراقية، بحيث تصبح الدولة العراقية هي ميدان الصراع الرئيسي.

إضافة إلى ذلك، يعيد الاتفاق بين واشنطن وطهران فتح الملف العراقي على جبهات جيوسياسية أخرى.

فمن المتوقع أن تعمل دول الخليج على تسريع استراتيجياتها الرامية إلى ترسيخ مصالحها الإقليمية، لا سيما في ما يتعلق بالعراق وسوريا ولبنان. وفي الوقت نفسه، ستسعى تركيا، تحديداً عبر استراتيجيتها الجيوسياسية في مجالي الطاقة والربط اللوجستي، إلى تعزيز موقعها في العراق. أما الصين وروسيا، فستحاولان بدورهما تثبيت حضورهما فيما تعدانه «الجبهة الجنوبية» للهجوم الأميركي ــ والغربي عموماً ــ في الفضاء الأوراسي، أي إيران (إلى جانب الجبهة الغربية المتمثلة بأوكرانيا، والجبهة الشرقية المتمثلة بتايوان) وما يحيط بها من فضاءات اتصال وامتداد.

ومن المفترض أن يتمكن العراق من الاستفادة من هذه المنافسة الجديدة على النفوذ الإقليمي، ولا سيما من خلال جذب الاستثمارات الاقتصادية، والحصول على دعم أكبر لمسار التطبيع والاندماج الإقليمي.

وسوف ينعكس هذا التحول الجيوسياسي، بصورة حتمية، على موقع العراق داخل التنافس القائم بين واشنطن وطهران. فعلى امتداد ما يقرب من عقدين، قام النظام السياسي العراقي على توازن ملتبس؛ فلا هو محمية أميركية، ولا تابع مطلق لإيران، بل فضاء مفتوح للتفاوض الدائم بين التأثيرات الخارجية، والنخب المحلية، والأحزاب الطائفية، والفصائل المسلحة، والمؤسسات الهشة، والاقتصاد الريعي.

وأتاح هذا النموذج، رغم هشاشته، قدراً من الاستقرار النسبي طوال سنوات، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأنه يدخل اليوم مرحلة جديدة، يُفترض أن تتجه نحو ترسيخ الدولة ومؤسساتها.

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)

تحول في السياسة الأميركية

يبدو أن إدارة ترمب لم تعد مستعدة للقبول الكامل بالمنطق الضمني الذي حكم الملف العراقي خلال السنوات الماضية، والقائم على نوع من الإدارة المشتركة، المباشرة أو غير المباشرة، بين واشنطن وطهران.

فالرسائل التي صدرت حتى الآن تشير إلى توجه أميركي يقوم على إرساء نفوذ طويل الأمد، يستند إلى تعزيز مؤسسات الدولة العراقية نفسها، بحيث يؤدي هذا التعزيز، عبر أدوات تكنوقراطية، وربما أيضاً من خلال قدر أكبر من الحياد الآيديولوجي، إلى ترجيح كفة المصالح الوطنية العراقية، لا سيما الاقتصادية منها، على حساب النفوذ الإيراني.

ويبدو أن عدداً من المسؤولين داخل الإدارة الأميركية يتبنون هذه الرؤية؛ إذ يؤكدون أن العراق يمكنه أن يتحرر تدريجياً من اعتماده على الدعم الإيراني إذا ما استعادت مؤسسات الدولة العراقية مصداقيتها وفاعليتها.

وفي وقت يقترب فيه موعد الانسحاب العسكري الأميركي، المقرر في سبتمبر (أيلول) 2026، تبدو المقاربة الأمنية البحتة غير كافية لمعالجة الوضع العراقي، لا سيما إذا أخذنا في الحسبان أن عمليات استهداف قادة الفصائل المسلحة وبناها التنظيمية، التي استمرت بصورة متكررة منذ عام 2020، لم تؤدِّ إلى تغيير حقيقي في موازين القوى.

ومن بين أبرز المدافعين عن هذا التوجه يبرز توم برّاك، الذي يحتل موقعاً خاصاً داخل هذه المقاربة. فهو السفير الأميركي لدى تركيا، وأحد المقربين من دونالد ترمب، كما يُعرف بعلاقته الوثيقة بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان واحد أبرز المدافعين عن فاعلية النظم المركزية (بل حتى التسلطية) في أحداث انتقال، وهو اليوم أحد أبرز الفاعلين في الملفين السوري والعراقي.

وينتمي برّاك إلى المدرسة الكلاسيكية التي ترى أن أي نفوذ مستدام في الشرق الأوسط لا يمكن أن يقوم من دون دول مركزية تتمتع بحد أدنى من المصداقية السياسية والمؤسساتية. من هنا، يدعم برّاك في سوريا مساراً براغماتياً لتطبيع العلاقات مع الحكم الجديد في دمشق، بينما ينعكس الأمر في العراق في اهتمام خاص بتعزيز دور بغداد، من دون إغفال أهمية أربيل ومكانتها.

لهذا السبب ينبغي فهم إعادة تنشيط عدد من الملفات خلال الفترة الأخيرة؛ فالمساعي الرامية إلى تخفيف التوتر بين بغداد وأربيل، والرغبة في تشجيع تنسيق أوثق بين بغداد ودمشق، وكذلك الاهتمام المتجدد ببعض المشاريع الإقليمية، لا تعكس مجرد اعتبارات دبلوماسية، بل تندرج جميعها ضمن منطق واحد، يتمثل في تعزيز قدرة الدولة العراقية تدريجياً على استعادة دورها بوصفها الفاعل المركزي في التوازنات الإقليمية. وسيؤدي التوصل إلى تسوية للخلافات المزمنة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان ــ سواء فيما يتعلق بالموازنة، أو صادرات النفط، أو إدارة موارد الطاقة، أو توزيع الصلاحيات ــ إلى تعزيز موقع بغداد، ومن ثم إلى تقوية موقع علي الزيدي نفسه.

وينطبق المنطق نفسه على العلاقات بين بغداد ودمشق؛ إذ يبدو أن السلطات الأميركية (تحت تأثير برّاك) باتت تفضل اليوم قيام تنسيق براغماتي بين العاصمتين، ليس انطلاقاً من تأييدها للسلطة السورية الجديدة بقدر ما ينبع ذلك من رغبتها في تحقيق الاستقرار في منطقة حدودية أصبحت ذات أهمية بالغة للأمن الإقليمي.

فلا تزال الحدود العراقية - السورية تمثل رهاناً استراتيجياً رئيسياً في مكافحة الجماعات المسلحة، وعمليات التهريب، وشبكات العبور غير الشرعي، لكنها، في الوقت نفسه، يمكن أن تستعيد دورها فضاءً للتبادل الاقتصادي ولحركة الطاقة إذا ما توفرت الظروف السياسية المناسبة.

وفي هذا السياق، تستعيد فكرة إعادة تشغيل خط أنابيب كركوك – بانياس أهمية خاصة؛ فهذا المشروع لا يقتصر على أبعاده الاقتصادية، بل يحمل أيضاً دلالات جيوسياسية عميقة، ومن شأنه أن يوفر للعراق منفذاً إضافياً لتصدير نفطه عبر البحر الأبيض المتوسط، بما يقلل، ولو جزئياً، من اعتماده على المسارات الحالية التي تمر عبر الخليج أو تركيا.

والأهم من ذلك أنه سيجسد عودة العراق إلى أداء دوره التاريخي بوصفه حلقة وصل بين الخليج والمشرق العربي والبحر الأبيض المتوسط. ورغم أن هذا المشروع، وحده، لن يكون كفيلاً بحل الأزمة الاقتصادية العراقية، فإنه يعبّر عن إرادة لإعادة تموضع العراق في قلب الديناميات الإقليمية، بدلاً من بقائه مجرد ساحة تتصارع فوقها القوى الإقليمية والدولية.

الصادرات النفطية العراقية تأثرت سلباً بإغلاق مضيق هرمز (رويترز)

الحكم في ظل القيود المالية

غير أن هذا الأفق شديد الهشاشة، بالنظر إلى الوضع الاقتصادي الداخلي؛ فحكومة علي الزيدي ورثت أوضاعاً مالية متدهورة. وتقلصت هوامش حركة الدولة بصورة كبيرة نتيجة الالتزامات التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في عهد حكومة محمد شياع السوداني. وباتت كتلة الرواتب في القطاع العام، والإنفاق الاجتماعي، والديون الداخلية، والالتزامات المالية المختلفة، تستنزف جزءاً كبيراً من موارد الدولة.

يضاف إلى ذلك ما يحيط بصادرات النفط من صعوبات؛ فالمفاوضات مع تركيا بشأن استئناف التصدير عبر ميناء جيهان لم تحسم بعد، ما يحرم العراق من جزء مهم من إيراداته النفطية. وقبل اندلاع هذه الأزمة، كانت الصادرات عبر هذا الخط تبلغ مئات الآلاف من البراميل يومياً.

ومن ثم، فإن الأزمة الحالية لا تعكس مجرد ظرف اقتصادي عابر أو وضع مالي مؤقت، بل تكشف الحدود البنيوية للنموذج السياسي والاقتصادي الذي تأسس في العراق بعد عام 2003؛ فقد تحولت الدولة العراقية تدريجياً إلى آلية واسعة لإعادة توزيع الريع النفطي. وأصبحت رواتب الموظفين، ومعاشات التقاعد، والإعانات الاجتماعية، والعقود الحكومية، والشركات العامة، وشبكات المقاولات الثانوية، تشكل الأدوات الأساسية التي يجري من خلالها تنظيم التوازنين السياسي والاجتماعي.

وفي ظل هذه المعادلة، لم يعد ضمان دفع الرواتب بصورة منتظمة مجرد قضية تتعلق بالإدارة المالية أو بالموازنة العامة، بل أصبح قضية جوهرية تتصل باستقرار النظام السياسي نفسه. ويعتمد بصورة مباشرة على المالية العامة ما يقرب من 5 ملايين موظف حكومي، يضاف إليهم ملايين المتقاعدين والمستفيدين من برامج الرعاية الاجتماعية. وأي اضطراب طويل الأمد في هذا النظام قد يؤدي سريعاً إلى انفجار توترات اجتماعية واسعة، ويزيد من هشاشة حكومة تواجه أصلاً تحديات سياسية متعددة ومتزامنة.

أما الخيارات المتاحة أمام السلطة التنفيذية، فتظل محدودة؛ فقد يوفر إصدار السندات الحكومية سيولة مالية مؤقتة، لكنه لن يعالج الاختلالات البنيوية العميقة، كما أن اللجوء إلى الاقتراض الداخلي يبقى مقيداً بضعف السيولة المتوافرة داخل الاقتصاد العراقي.

ويبقى خيار الاستعانة بالبنك الدولي أو صندوق النقد الدولي قائماً، غير أنه سيقترن بشروط صارمة، من بينها إصلاح الشركات العامة، وترشيد الإنفاق الحكومي، وتحسين إدارة المالية العامة، والحد التدريجي من بعض أشكال الدعم الحكومي.

وقد تسهم هذه الإجراءات في طمأنة الشركاء الدوليين، لكنها تحمل في المقابل مخاطر تغذية حالة من الاستياء الاجتماعي في بلد لا تزال الدولة فيه تمثل صاحب العمل الأكبر، كما تمثل شبكة الأمان الأساسية التي تمتص آثار الأزمات الاقتصادية.

صورة أرشيفية لمقاتلي إحدى الميليشيات العراقية في شمال غربي مدينة تكريت بالعراق (رويترز)

الفصائل بين المأسسة وإعادة التشكل

ترتبط الأزمة الاقتصادية في العراق ارتباطاً وثيقاً بالمسألة الأمنية؛ لأن الدولة لم تعد مجرد دولة ريعية توزع عوائد النفط، بل أصبحت فضاءً تتداخل فيه مؤسسات الدولة مع شبكات سياسية وإدارية واقتصادية وعسكرية متشابكة، تتغذى جميعها، بدرجات متفاوتة، من الريع العام. ومن هنا، لم تعد الفصائل المسلحة تستمد قوتها من قدراتها العسكرية وحدها، بل من عملية مأسسة طويلة شهدتها خلال العقدين الماضيين، جعلتها تمتلك امتدادات داخل البرلمان والسلطة التنفيذية، وحضوراً في أجهزة الإدارة العامة، وموارد مالية، وشبكات ومكاتب اقتصادية، ومكاتب حماية للعمل مع الشركات النفطية، ووسائل إعلام، ومنظمات اجتماعية، فضلاً عن بعض «الشرعية» التي اكتسبها عدد منها خلال الحرب ضد تنظيم «داعش».

وبذلك، فإن النظر إلى هذه الفصائل بوصفها مجرد جماعات مسلحة تقف خارج الدولة لم يعد يعكس الواقع العراقي كما تشكل بعد عام 2003؛ لهذا، فإن التداخل بين الدولة والفصائل لم يعد مجرد اختراق لمؤسسات الدولة، بل أصبح جزءاً من طريقة اشتغالها نفسها.

وهذا الواقع يدعو أيضاً إلى تجاوز تبسيط آخر كثيراً ما يتكرر في الأدبيات الغربية، وهو اختزال هذه الفصائل في كونها «أذرعاً إيرانية»؛ فليست جميعها على الدرجة نفسها من القرب من طهران، ولا تتمتع بالمستوى نفسه من الارتباط السياسي أو العسكري بها؛ فبعضها يمتلك هامشاً معتبراً من الاستقلالية، ويضع حساباته العراقية في المقام الأول، بينما يبقى بعضها الآخر أكثر اندماجاً في الشبكات الإقليمية لطهران؛ ولذلك يبدو أدقّ الحديث عن «فصائل عراقية قريبة من إيران» بدلاً من اختزالها في كونها مجرد امتدادات مباشرة لها؛ لأن هذا الاختزال يحجب التحولات التي عرفتها هذه التنظيمات داخل المجتمع والدولة العراقيين.

وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة لفهم النقاشات الدائرة اليوم حول مستقبل الفصائل؛ إذ يبدو أن قسماً منها أصبح مستعداً لبحث إعادة تنظيم وضعه بصورة تدريجية، بينما لا تدور المفاوضات القائمة مع الحكومة حول نزع السلاح بصورة فورية، بقدر ما تتمحور حول تعميق اندماج هذه التنظيمات داخل «هيئة الحشد الشعبي»، وإقامة فصل أوضح بين النشاط السياسي والقيادة العسكرية.

وفي المقابل، تبدي تنظيمات أخرى، وفي مقدمتها «كتائب حزب الله»، و«حركة النجباء»، و«كتائب سيد الشهداء»، تحفظاً أكبر تجاه أي مسار يمكن أن يؤدي إلى تقليص هامش استقلالها أو إعادة تعريف علاقتها بالدولة.

غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمدى واقعية الفصل بين الجناحين السياسي والعسكري بقدر ما يتعلق بطبيعة الدولة نفسها. فهل يمكن فعلاً الفصل بين السياسة والسلاح، بينما كلاهما يتحرك ضمن البنية المؤسسية نفسها؟ وهل يمكن تطبيق نماذج تقليدية لنزع السلاح، وإعادة الإدماج على تنظيمات لم تعد تقف خارج الدولة؟

واليوم، لم تعد الفصائل تدافع عن ترساناتها العسكرية، بقدر ما تدافع عن مواقعها داخل الدولة، وعن حصتها من الموارد العامة، وعن شبكاتها الاقتصادية، وعن جمهور اجتماعي بات يعتمد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على ما توفره من وظائف، ورواتب، وخدمات، ورعاية. وتشير التقديرات إلى أن عدد المنتسبين إليها يتراوح بين 200 ألف و300 ألف عنصر، وهو رقم يعني، مع احتساب أسرهم، أن ملايين العراقيين أصبحوا مرتبطين بهذه المنظومة بدرجات مختلفة؛ ولهذا، فإن أي مشروع لإعادة هيكلتها أو تقليص دورها سيجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: ضغوط أميركية تدفع باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، ونفوذ إيراني يسعى إلى الحفاظ على جزء من منظومة الردع الإقليمية، ومصالح محلية واسعة أصبحت ترى في استمرار هذه الفصائل ضماناً لمواقعها الاقتصادية والسياسية.

وفي ظل هذا التداخل، لم يعد السؤال: كيف يمكن نزع سلاح الفصائل؟ بل كيف يمكن إعادة بناء دولة؟

الزمن بوصفه عنصراً في ميزان القوى

يضاف إلى هذا التعقيد المؤسسي بعدٌ آخر غالباً ما يجري التقليل من أهميته، هو العلاقة بالزمن. فالولايات المتحدة تفكر عادة وفق أفق زمني سياسي قصير نسبياً، تحكمه مدة الولاية الرئاسية، والبحث عن نتائج سريعة، والاستحقاقات الدبلوماسية القريبة.

أما الفصائل العراقية القريبة من إيران، شأنها شأن طهران نفسها، فتتحرك ضمن أفق زمني مختلف تماماً؛ فهي تعرف كيف تنتظر، وكيف تؤجل اتخاذ القرارات، وكيف تستوعب الضغوط، وتكثر من الوساطات، وتحول الزمن نفسه إلى مورد سياسي.

وفي العراق، يشكل الزمن في حد ذاته أحد عناصر ميزان القوى؛ فالفاعلون الأكثر رسوخاً هم الذين يعرفون كيف يصمدون أمام تغير الحكومات، والعقوبات الدولية، وتبدل التوازنات السياسية، والأزمات الإقليمية.

وهذه القدرة على العمل بمنطق الزمن الطويل تفسر لماذا أسفرت المحاولات المتعاقبة لإعادة هيكلة المجال الأمني عن نتائج متواضعة؛ فالقوى المحلية تدرك أن موازين القوى الدولية تتغير بوتيرة أسرع كثيراً من تغير التوازنات الداخلية العراقية. كما تساعد هذه الفوارق الزمنية على فهم الكيفية التي جرى بها تلقي الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل داخل جزء مهم من المشهد السياسي العراقي.

فقد ترسخ تدريجياً لدى شريحة واسعة من الفاعلين السياسيين الاعتقاد بأن إيران خرجت من هذه المواجهة وهي أكثر قوة من الناحية السياسية، ولا يعني ذلك أن طهران لم تتكبد خسائر، أو أنها لم تتعرض لضغوط كبيرة، بل يعني ببساطة أن النظام الإيراني لم يسقط، ولم يُدفع إلى هامش المعادلة الإقليمية. وبالنسبة إلى كثير من حلفائه، فإن مجرد قدرته على الصمود قدمت شكلاً من أشكال «الانتصار السياسي».

وتؤثر هذه القراءة بصورة مباشرة في سلوك الفصائل العراقية الأقرب إلى طهران؛ فكثير منها يطرح اليوم سؤالاً بسيطاً: إذا كانت إيران نفسها قد حافظت على قدراتها الإقليمية، فلماذا تقدم الفصائل، داخل العراق، تنازلات؟

عناصر من "الحشد الشعبي" يجرون تمريناً تعبوياً في أحد المعسكرات (إعلام الهيئة)

هل هناك عقيدة أميركية جديدة؟

في المحصلة، لا تسمح المرحلة الراهنة بعدُ بالقول إن ثمة عقيدة أميركية جديدة، واضحة المعالم، قد تبلورت تجاه العراق، غير أن جملة من المؤشرات توحي بأن جزءاً من الإدارة الأميركية بات يرى أن الحد من النفوذ الإيراني لا يمر، عبر المواجهة المباشرة مع طهران، بل عبر تعزيز تدريجي لمصداقية الدولة العراقية وقدرتها على العمل.

غير أن هذه المقاربة تصطدم بواقع العراقي الآنف الذكر، كما أن كلاً من الولايات المتحدة وإيران والعراق يتحرك وفق إيقاع زمني مختلف.

وسيجد علي الزيدي نفسه مضطراً إلى مواجهة مجموعة من التحديات المتزامنة. ففي الوقت نفسه، عليه أن يعمل على استعادة التوازن في المالية العامة، وأن يحافظ على التسويات السياسية القائمة، وأن يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل، وأن يوازن علاقات بغداد بكل من أربيل ودمشق، وأن يحافظ على حوار بنّاء مع واشنطن، من دون أن يؤدي ذلك كله إلى إعادة إنتاج حالة الاستقطاب الداخلي.

لذا، فإن تحدي الحكومة الجديدة اليوم ليس في نجاحها في إدارة شؤون البلاد، بل في معرفة ما إذا كان العراق قادراً، على إعادة بناء دولة أكثر مصداقية، ضمن التوازنات السياسية القائمة التي وفرت قدراً من الاستقرار النسبي.

وفي هذه المنطقة الفاصلة، بين الإصلاح والاستمرار، وبين سلطة الدولة وسلطة شبكات النفوذ والهيمنة، وبين الإيقاعات الوطنية والإقليمية المختلفة، سيتحدد، على الأرجح، مستقبل العراق السياسي خلال السنوات المقبلة.

*باحث في الأنثروبولوجيا السياسية

المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي


بين فيضان جارف وجفاف قاتل... هل تتحكم تركيا بمفاتيح دجلة والفرات؟

سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)
سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)
TT

بين فيضان جارف وجفاف قاتل... هل تتحكم تركيا بمفاتيح دجلة والفرات؟

سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)
سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)

فتحت الفيضانات التي ضربت شمال وشرق سوريا مطلع شهر يونيو (حزيران) الحالي، وارتفاع منسوب المياه في نهر الفرات نتيجة الأمطار الغزيرة إضافة إلى زيادة تدفق المياه الواردة من تركيا، الباب من جديد أمام تساؤلات حول أزمة المياه في سوريا والعراق، وما إذا كانت تركيا تستخدم نهري دجلة والفرات ورقة ضغط سياسية وأمنية.

تتمحور أزمة المياه بين تركيا والعراق وسوريا حول تقاسم حصص مياه نهري دجلة والفرات، وتركيا هي دولة المنبع التي تسيطر على الروافد الرئيسية، وتسببت سياساتها المائية وتوسعها في إنشاء السدود على النهرين في التأثير الشديد على التدفقات المائية وتفاقم الجفاف وانخفاض مناسيب المياه إلى مستويات شبه كارثية، لا سيما في العراق الذي ضربته موجة جفاف لم يشهدها منذ أكثر من 80 عاماً.

وتتمسك تركيا بأن دجلة والفرات نهران عابران للحدود، وأن من حقها إدارة مواردهما بناءً على سيادتها الإقليمية، بينما يطالب العراق وسوريا بتصنيفهما نهرين دوليين، واعتماد معايير التقاسم العادل والقوانين الدولية وفقاً للاتفاقيات التاريخية الموقعة، كمعاهدة لوزان 1923، وبروتوكولات التعاون المشترك.

سوء إدارة أم استنزاف موارد؟

واجهت تركيا اتهامات بتوظيف المياه ورقة ضغط ضد العراق وسوريا لأسباب أمنية تتعلق في الأساس بنشاط حزب «العمال الكردستاني» وامتداداته الموجودة على أراضي البلدين، والتي تطورت إلى التدخل العسكري عبر عمليات جوية وبرية في البلدين الجارين خلَّفت وجوداً عسكرياً تركياً، لطالما كان مثار خلاف بين أنقرة وبغداد على وجه الخصوص.

وتتمحور الأزمة حول قضايا رئيسية عدة، أهمها مشروع «جنوب شرقي الأناضول» لتنمية مناطق شرق وجنوب شرقي تركيا، والذي أقامت خلاله تركيا سدوداً وخزانات ضخمة، من أبرزها سدود أتاتورك، وكيبان، وإليسو، بهدف تنظيم الري وتوليد الطاقة، ما أدى إلى تقليص كميات المياه التي تصل إلى دولتي الممر والمصب، سوريا والعراق، بشكل كبير.

أدى شح المياه إلى جفاف شديد في العراق خلال عام 2025 لم يسبق له مثيل منذ 80 عاماً (أ.ف.ب)

وانعكس هذا الأمر بشكل سلبي جداً على العراق تحديداً، حيث أدى شح المياه إلى أزمة حادة في القطاع الزراعي، وتقلص المساحات الزراعية، وتضرر الأهوار الجنوبية المدرجة على لائحة التراث العالمي، بالإضافة إلى اندلاع أزمات اجتماعية واضطرابات بيئية متكررة.

كذلك أثر انخفاض التدفقات، بشكل مباشر، على توليد الطاقة الكهرومائية، ومياه الشرب لملايين الأشخاص، وزيادة مخاطر التلوث وانتشار الأمراض في سوريا في فترات الجفاف.

وجرت محاولات دبلوماسية بين الحين والآخر؛ لتسوية الخلافات، حيث تم التوصل إلى تفاهمات واتفاقيات مشتركة ومذكرات تفاهم ثنائية أحياناً، وثلاثية أحياناً أخرى، لضمان تحقيق الحد الأدنى من الاحتياجات الحيوية لكل دولة، أو الاعتماد في بعض فترات الجفاف الشديد على إقناع تركيا بزيادة التدفقات، في ظل تمسكها بأنها دولة فقيرة مائياً، وإصرارها بأن الأزمة في العراق نابعة من سوء إدارة محلية واستغلال للموارد وليس بسبب سدودها.

وغالباً ما شكلت المياه في بلاد ما بين النهرين عنصراً يتجاوز كونه مورداً طبيعياً، إلى عامل مؤسس للحضارة أو مصدر للصراع، وأحياناً مفتاح لإعادة البناء والتنمية المشتركة، كما انعكس في توقيع العراق وتركيا اتفاقية إطارية في مجال المياه والتنمية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

ما يجمعه دجلة يفرّقه الفرات

بحسب الكاتب الباحث التركي المتخصص في شؤون المياه، بيلجاي دومان، برزت هذه الاتفاقية، التي لم يكشف الطرفان عن بنودها بالكامل بعد، باعتبارها تطوراً مهماً، ليس فقط في العلاقات بين أنقرة وبغداد، بل في إعادة تعريف مفهوم إدارة الموارد المشتركة في الشرق الأوسط.

ولفت دومان إلى أنه مع نشوء تركيا والعراق وسوريا، أصبح تنظيم استخدام الموارد ضرورة سياسية وقانونية، لكنه في الوقت ذاته تحوّل إلى ملف خلافي دائم، وبينما أصبح نهر الفرات قضية ثلاثية، بات نهر دجلة محوراً أساسياً للعلاقات التركية - العراقية.

فيضانات الفرات أغرقت مساحات شاسعة من الأراضي في دير الزور في شمال شرقي سوريا مطلع يونيو الحالي (أ.ف.ب)

وجرت محاولات مبكرة للتوصل إلى تفاهمات حول تقسيم الحصص، كاتفاقية أنقرة عام 1921 واتفاقية 1946 بين تركيا والعراق، اللتين وضعتا أسس تقنية للتعاون، شملت تبادل البيانات والسيطرة على الفيضانات.

ولاحقاً، جاءت الاتفاقية السورية - التركية عام 1987، وهي اتفاقية مؤقتة لتقاسم مياه نهر الفرات بين سوريا وتركيا خلال فترة ملء حوض سد أتاتورك والتي امتدت إلى 5 سنوات.

ووقّعت الاتفاقية في 17 يوليو (تموز) 1987، ونصت على تعهد الجانب التركي بأن يوفر معدلاً سنوياً يزيد على 500 متر مكعب في الثانية عند الحدود التركية - السورية بشكل مؤقت إلى حين الاتفاق على التوزيع النهائي لمياه نهر الفرات بين الدول الثلاث على ضفتيه.

وفي 17 أبريل (نيسان) 1989، وقعت سوريا والعراق اتفاقية تنص على أن تكون حصة العراق الممررة له من الحدود السورية 9.106 مليار متر مكعب، وحصة سوريا 6.627 مليار متر مكعب وحصة تركيا 15.700 مليار متر مكعب في السنة.

وسجلت سوريا اتفاقيتها مع تركيا في الأمم المتحدة عام 1994 لضمان الحد الأدنى من حقها وحق العراق في مياه الفرات، لكن ذلك لم يكن كافياً لحل المشكلة.

المياه مقابل «العمّال الكردستاني»

مع تزايد الاتهامات لتركيا باستخدام المياه ورقة لابتزاز جيرانها، والضغط على الأكراد في سوريا، ودفع العراق إلى اتخاذ موقف من حزب «العمال الكردستاني» وتصنيفه منظمة إرهابية، تم تحديد مبادئ عدم الضرر والعدالة في التوزيع ضمن اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن الاستخدام غير الملاحي لمجاري المياه، وضرورة مراعاة الاحتياجات المائية والاقتصادية والاجتماعية لجميع الدول المشاطئة المعنية، فضلاً عن احتياجات السكان الذين يعتمدون على المجرى المائي، بما في ذلك الآثار المباشرة والمحتملة.

مسلحون من «العمال الكردستاني» في شمال العراق (رويترز)

وعززت هذه الاتفاقية الموقف القانوني للعراق وسوريا في مواجهة تركيا، باعتبارهما دولتين تضمان أراضي واسعة على ضفاف نهري دجلة والفرات، ولذلك كانت سوريا من أولى الدول التي صادقت عليها فور إعلانها، لكن تركيا لم تنضم إليها؛ لأنها رأت فيها إضراراً بمصالحها وحقوقها المائية، وصوتت ضد اعتمادها.

ولم تلجأ سوريا، التي يروي الفرات أكثر من 640 ألف هكتار من أراضيها، إلى التحكيم الدولي للحصول على حقوقها المائية من تركيا؛ لأن القانون الدولي لا يزال غير حاسم في مثل هذه القضايا، فضلاً عن أن القانون الدولي يشترط موافقة طرفي النزاع على الذهاب للتحكيم.

وتسبب الدعم السوري لحزب «العمال الكردستاني»، والسماح لمسلحيه باستخدام شمال سوريا كقاعدة خلفية لعملياتهم، في أن اتجهت تركيا للتعنت أكثر وربطت هذا الدعم بالخلافات المائية.

وعقدت عام 1993 جولة مفاوضات تركية - سورية في أنقرة بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي حول حصص المياه، لم تصل إلى نتيجة مختلفة عن اتفاقية عام 1987، المؤقتة التي ارتبطت بفترة ملء بحيرة أتاتورك فقط.

وشهدت الفترة نفسها توقيع اتفاقية تنمية مشتركة بين سوريا وتركيا على نهر العاصي، الذي ينبع من أعالي سهل البقاع في لبنان، وكانت تركيا قد استُبعدت من تقاسمه مع سوريا ولبنان عام 1994. وجاء تنازلها عن حصتها منه بمثابة ثمن زهيد دفعته مقابل استفادة أكبر من نهر الفرات، فلم يكن يصل إلى ولاية هاتاي التركية سوى 10 في المائة من مياهه بعدما تكون ملوثة وغير صالحة لأي استخدام. ولعقود طويلة، اعتبر سكان الولاية الحدودية مع سوريا، والمعروفة تاريخياً بـ«لواء إسكندرون»، أن سياسات المركز جاءت مجحفة بحقهم، وأسهمت في تهميشهم وحرمانهم من مورد طبيعي نتيجة لاعتبارات سياسية وقومية ودينية.

استهدفت الفصائل السورية الموالية لتركيا سد تشرين في شرق حلب بعد سقوط نظام بشار الأسد لطرد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من المنطقة (رويترز)

الثورة السورية... فرصة تركية

بعد انطلاق الثورة السورية على نظام بشار الأسد، سارعت تركيا إلى استكمال تنفيذ مشروع قنوات مياه شانلي أورفا عام 2012، التي سمحت باستخدام المياه المحتجزة في سد أتاتورك لري السهول الحدودية مع سوريا في حرّان وماردين وجيلان بينار، وكذلك اكتمال حجز المياه في سد سيلوان عام 2011، ولم تتخذ سوريا أي خطوة مقابلة نتيجة انشغال سلطة الأسد بقمع الثورة.

وأظهر التحرك السوري في ملف المياه في مواجهة تركيا أن أهم استراتيجيتها كانت التركيز على استغلال الأمن الداخلي وتهديد «العمال الكردستاني»، الذي انتهى مع توقيع اتفاقية أضنة؛ لأن السبل الأخرى بدت غير ممكنة، بحكم قوة تركيا العسكرية وقدرتها على تعزيز موقفها من خلال التحالفات الخارجية، فضلاً عن سيطرتها على منبع نهر الفرات.

العراق: جفاف واضطرابات

كان العراق، الذي يحصل على 60 في المائة من احتياجاته المائية من تركيا، هو الأكثر تضرراً من نقص المياه، وواجه أزمات حادة متتالية في أجزاء مختلفة من أراضيه، وبخاصة بعد بدء تشغيل سد إليسو، الذي بني في أعلى مجرى نهر دجلة في تركيا، عام 2020، والسدود الأخرى التي بنيت على روافد أصغر، ووصلت التوترات إلى ذروتها مع تركيا بشأن هذه المسألة.

يقول خبراء إن إقامة سد إليسو ضمن مشروع تنمية جنوب شرقي تركيا أثر سلباً على حصة العراق من مياه دجلة وخفضها بنسبة 60 % (موقع ولاية بطمان التركية)

وأدت قضايا بيئية أخرى، مثل قطع الأشجار في شمال العراق وسط حملة عسكرية تركية ضد مسلحي «العمال الكردستاني»، إلى تفاقم التوترات مع أنقرة، ولم تسفر الجهود المبذولة للضغط على الحكومة التركية عن أي تغير بخلاف دفع تركيا إلى تأجيل ملء إليسو قليلاً، أي ترحيل المشكلة قليلاً بدلاً من حلها.

وفي صيف عام 2018، تسبب تضاؤل موارد المياه إلى جانب التلوث في نفوق الأسماك في نهر الفرات، وتحول نقص المياه إلى أحد الأسباب الرئيسية للاضطرابات الاجتماعية في جميع أنحاء البلاد خلال السنوات التي تلت ذلك، وصولاً إلى ذروة الجفاف في 2025 على نحو غير مسبوق منذ 80 عاماً.

وتسبب سد إليسو في انخفاض حصة العراق من مياه نهر دجلة إلى ما يقرب من 60 في المائة بسبب تشغيل مولدات الكهرباء.

وفي يونيو (حزيران) 2025، دعا العراق إلى عدم استخدام ملف المياه ورقة ضغط لتحقيق أهداف سياسية، وطالب بالتوصل إلى رؤية إقليمية مشتركة تعتمد على توزيع عادل للمياه العابرة للحدود، منوهاً في الوقت نفسه بوجود تقدم في المفاوضات وعمل اللجان المشتركة مع الجانبين التركي والإيراني.

وحافظ البلدان، على الرغم من ذلك، على علاقات إيجابية، تطورت بشكل كبير في ظل رئاسة محمد شياع السوداني للحكومة العراقية، حيث تم التوصل إلى تفاهمات أمنية واقتصادية وتجارية وفي ملفات المياه والطاقة، والتركيز على التعاون في مشروع «طريق التنمية».

وتحولت الخلافات المائية، التي ارتبطت أيضاً بالملف الأمني كما في الحالة السورية، إلى سبيل للتعاون بعدما أعلن مجلس الأمن الوطني العراقي حزب «العمال الكردستاني» جماعة محظورة في 2024.

وزيرا خارجية تركيا هاكان فيدان والعراق فؤاد حسين يوقعان اتفاقية آلية التعاون المائي في بغداد بحضور رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني في 2 نوفمبر 2025 (الخارجية التركية)

«طريق التنمية» يمرّ بالسياسة

في 2 نوفمبر 2025، وقّع وزيرا الخارجية التركي، هاكان فيدان، والعراقي، فؤاد حسين، «وثيقة آلية تمويل المشاريع بموجب اتفاقية إطارية للتعاون المائي» كآلية لتنفيذ اتفاقية التعاون الإطارية في مجال المياه الموقعة في عام 2024 خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى العراق.

ورسمت الاتفاقية إطار التعاون المائي في مشروعات تُقدر بمليارات الدولارات، وبموجبها ستقوم شركات تركية بإنشاء بنية تحتية جديدة لتحسين كفاءة استخدام المياه وتخزينها في العراق، ويتم تمويل هذه المشاريع من عائدات النفط العراقي، في محاولة لتحويل صادرات البلاد من النفط الخام إلى أمن مائي.

وحسب ما رشح عن الاتفاقية، التي لم يعلن الجانبان بنودها، تشمل المشاريع الأولية سدوداً لتجميع المياه ومبادرات لاستصلاح الأراضي.

ووصفت أنقرة هذه المبادرة بأنها مفيدة للطرفين من حيث تحقيق الاستقرار الإقليمي والتعاون الاقتصادي. وقال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، خلال مراسم التوقيع: «نحن في تركيا حريصون على دعم أمن العراق وتنميته وسلامته، ودعمنا في هذا الشأن مطلق».

ووصف حسين الاتفاقية بأنها ضرورية لحماية الأمن المائي والإنتاج الغذائي والاستقرار الاقتصادي، لافتاً إلى أن بغداد عانت طويلاً من ضعف موقفها بسبب غياب معاهدات رسمية تنظم استخدام مياه نهري دجلة والفرات.

تثبيت رئاسة إردوغان في 2028؟

وأثارت الاتفاقية شكوكاً ومخاوف لدى بعض السياسيين والخبراء في مجال المياه في العراق، وذهب البعض إلى أنها تخدم مصالح تركيا أكثر من العراق، كما تدعم إردوغان في سعيه إلى البقاء في رئاسة تركيا بعد عام 2028.

وتواجه اتفاقات العراق مع تركيا الرفض من قبل بعض القوى السياسية، التي أعلنت رفضها لعقد الاتفاقات الخاصة بمشروع «طريق التنمية» والتعاون المائي، معتبرة أنه طريقة لجعل العراق تابعاً لتركيا.

كما أن مسألة تخصيص إيرادات نفطية لإبرام عقود مع الشركات التركية تثير العديد من التساؤلات القانونية والدستورية، فضلاً عن تحديات ومخاطر الفساد وعدم الشفافية، فضلاً عن احتمال نشوء عراقيل بسبب الاعتماد على مورد واحد، هو النفط لهذا التمويل، ما يجعله عرضة للمخاطر والتقلبات حسب الأسعار في أسواق النفط العالمية.

مباحثات تركية - عراقية حول المياه والأمن وقضايا التعاون في أنقرة في 2025 (الخارجية التركية)

ويلفت بعض معارضي الاتفاقية إلى عدم وجود إطار قانوني ملزم ونهائي متفق عليه بين الطرفين يحدد الحصة المائية للعراق التي يجب إطلاقها من قبل تركيا لنهري دجلة والفرات.

وعلى الرغم من بدء عملية بين تركيا وحزب «العمال الكردستاني» لإنهاء نشاطه، فإن ملف الحزب ووجود عناصره في شمال العراق في مناطق لا تسيطر عليها حكومة بغداد، يمكن أن يتسبب في عقبة تحول دون تنفيذ الاتفاقية.

يضاف إلى ذلك أن الأمر لا يقتصر على الأوضاع الداخلية للعراق بل يمتد إلى الوضع الإقليمي، ورؤية بعض الأطراف أن تعزيز العلاقات بين العراق وتركيا قد يشكل ضغطاً عليها، وهو ما قد يحول العراق إلى ساحة للتنافس وصراع النفوذ بين القوى الإقليمية.

الإرث العثماني

بحسب الكاتب التركي، بيلجاي دومان، فإن الاتفاقية تحقق مصلحة مشتركة لكل من تركيا والعراق، لافتاً إلى أن إشكالية المياه بين تركيا والعراق لم تكن وليدة العقود الأخيرة، بل تعود إلى مرحلة ما بعد انهيار الدولة العثمانية، حين تحول دجلة والفرات من نهرين داخليين في كيان سياسي واحد إلى نهرين عابرين للحدود بين دول مستقلة.

لكنه أشار إلى أن ما يميز المرحلة الراهنة في العلاقات التركية - العراقية هو التحوّل التدريجي من منطق الصراع حول تقاسم المياه إلى منطق إدارة المنفعة المشتركة، وإعادة صياغة شاملة لكيفية فهم الموارد العابرة للحدود على أنها أداة دافعة للتكامل، لا مصدر دائم للتوتر.

إردوغان ورئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني خلال توقيع مذكرة تفاهم بشأن مشروع طريق التنمية في 22 أبريل 2024 (الرئاسة التركية)

وأوضح أن الملمح الجديد الأبرز في الاتفاقية يتمثل في الربط العضوي بين ملفي المياه والطاقة، حيث تستخدم عائدات النفط الذي تستورده تركيا من العراق في تمويل مشاريع مائية داخل الأراضي العراقية، وهي مشاريع تنفذها شركات تركية متخصصة في مجالات السدود، وشبكات الري الحديثة، ومعالجة المياه، والحد من الهدر، وبذلك يجرى تجاوز أحد أهم عوائق التنمية في العراق، وهو نقص التمويل، دون اللجوء إلى قروض خارجية أو شروط مؤسسات مالية دولية.

وأضاف دومان، في مقال عبر منصة «فكر تورو» التركية، أن هذا النموذج يمنح تركيا دوراً جديداً، لا بوصفها دولة تتحكم بمصادر المياه فحسب، بل كشريك في إعادة بناء البنية التحتية العراقية، وهو ما يعزز نفوذها الإقليمي بأدوات اقتصادية وتنموية بدل الأدوات الصلبة، مع إمكانية التوسع إقليمياً؛ إذ يمكن أن يشكل مرجعاً عملياً للتعاون مع سوريا في المستقبل، خصوصاً فيما يتعلق بإدارة مياه نهر الفرات، وذلك في حال توفرت الظروف السياسية الملائمة، وتحول دبلوماسية المياه في المشرق من مصدر هشاشة وصراع مزمن إلى منصة لبناء الثقة والتكامل الإقليمي، من خلال الربط بين الموارد الطبيعية والتنمية الاقتصادية بدل اختزالها في معادلات السيادة والصراع.

بدورها، قالت الباحثة التركية البارزة في مجال المياه العابرة للحدود، الدكتورة توبا إيفريم مادن، لـ«الشرق الأوسط» إن هناك حاجة للإدارة المشتركة القائمة على حلول تكنولوجية لموارد المياه بدلاً من الصراع أو النزاعات القانونية.

وأضافت أن مشاكل دول المصب تنتج في الغالب عن غياب الاستقرار السياسي وتدمير البنية التحتية، وبالتالي سوء استغلال الموارد وهدرها.

تركيا ليست غنية بالمياه

خلافاً للاعتقاد السائد، فإن تركيا ليست دولة غنية بالموارد المائية، كما أنها ليست دولة بها الكثير من المياه في منطقتها؛ إذ تقع في منطقة مناخية شبه قاحلة، ولديها مياه أقل من حيث نصيب الفرد السنوي من المياه مقارنة بجيرانها وأميركا الشمالية وشمال أوروبا الغنية بالمياه.

في البلدان الغنية بالمياه، يبلغ نصيب الفرد من المياه الصالحة للاستخدام سنوياً أكثر من 10 آلاف متر مكعب، وتبلغ هذه الكمية في تركيا نحو 1350 متراً مكعباً، بحسب بيانات وزارة الخارجية التركية.

ووفقاً للتقديرات بأن عدد السكان سيصل إلى 100 مليون في عام 2030، فمن المتوقع أن تتخفض كمية المياه للفرد في تركيا إلى نحو 1000 متر مكعب، ونظراً لأن موارد المياه في تركيا تختلف جغرافياً وموسمياً، فإنها لا تستطيع تلبية الاحتياجات الحالية والمتوقعة في كل منطقة، وبمعنى آخر، بينما تتمتع بعض مناطق تركيا بموارد مائية وفيرة وغير مناسبة للاستخدام، لا توجد مياه كافية في المناطق الصناعية المكتظة بالسكان.

وتتلقى المناطق القاحلة وشبه القاحلة في تركيا 4 أو 5 أشهر من هطول الأمطار سنوياً، ولذلك فإن مشاريع تطوير موارد المياه، مثل السدود والخزانات التي تسمح بتجميع المياه في أوقات المطر لاستخدامها طول العام، ذات أهمية كبيرة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة.

في الوقت ذاته، يزداد استهلاك الطاقة في تركيا بسبب التحضر السريع والتصنيع، ويتوافق نصيب الفرد من استخدام الطاقة في تركيا مع سدس متوسط ​​الاتحاد الأوروبي فقط، ولا تمتلك موارد كبيرة من النفط والغاز الطبيعي، ويتم تنفيذ مشاريع لاستخدام الموارد المحلية لتلبية احتياجات الطاقة المتزايدة، للاستفادة من إمكانات الطاقة المائية المتجددة والرخيصة والصديقة للبيئة.

تسببت قلة هطول الأمطار في جفاف خزانات المياه في تركيا وأثرت بشكل كبير على الزراعة في عام 2025 (إعلام تركي)

ووضع تقرير «بؤر الجفاف حول العالم 2023 - 2025»، الصادر عن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، تركيا ضمن النطاقات الحرجة الواقعة في حزام الجفاف الممتد من جنوب أوروبا حتى الشرق الأوسط.

وحذر التقرير من أن استمرار الاتجاهات الحالية قد يدفع البلاد إلى حالة ندرة مائية حادة بحلول عام 2030، مع إمكانية تعرض ما يقرب من 80 في المائة من الأراضي الزراعية لموجات جفاف متكررة وشديدة خلال العقد المقبل.

ومع حدة التغيرات المناخية، تجد تركيا نفسها على شفا أزمة تهدد أمنها المائي، وتقترب، بحسب خبراء أتراك ودوليين، من الوصول إلى العتبة الحرجة للفقر المائي» مع احتمالات لتصنيفها رسمياً كدولة فقيرة بالمياه بحلول عام 2030، إذا استمر الحال على ما هو عليه الآن.

وتراجع نصيب الفرد من المياه المتجددة في تركيا من نحو 1650 متراً مكعباً في مطلع الألفية الثانية إلى ما دون 1300 متر مكعب حالياً، مقترباً من الخط الأحمر الذي حددته الأمم المتحدة عند ألف متر مكعب سنوياً، ولا يعكس هذا التراجع، الذي يقدر بنسبة 19 في المائة خلال عقدين فقط، أزمة موارد فحسب، بل يكشف عن نمط استهلاك غير مستدام، ونظام إدارة مائية يواجه تحدياً هيكلياً بالغ الخطورة، كما يقول خبراء المياه.

وشهدت تركيا عاماً من الجفاف الحاد في 2025، تميز بندرة الأمطار وارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، وجفاف بحيرات ومسطحات مائية، وعاشت أكثر شهور ديسمبر (كانون الأول) حرارة منذ أكثر من نصف قرن، مع عجز مطري تجاوز 50 في المائة عن المعدلات الموسمية، وفق بيانات هيئة الأرصاد الجوية التركية.

غياب الاستجابة

يرى خبراء أنه رغم تزايد التحذيرات بشأن الوصول إلى خطر الفقر المائي، فإن الاستجابة الرسمية من جانب السلطات لا تزال دون مستوى التحدي.

ونبه أستاذ المناخ في جامعة البحر الأسود، مصطفى تشاشماز، إلى أن التبخر الناجم عن ارتفاع درجات الحرارة أصبح أحد أبرز أسباب فقدان الموارد المائية، كما أن تخزين المياه في سدود سطحية واسعة، دون مراعاة المعايير المناخية، يجعلها أكثر عرضة للتبخر مع نزايد موجات الحر، ما يتطلب حلولاً تقنية عاجلة، مثل إعادة تصميم الخزانات لتكون أكثر عمقاً وأقل عرضة لأشعة الشمس، وتغطية الأحواض المكشوفة في المناطق الحساسة، إلى جانب حظر استخدام المياه العذبة في أحواض السباحة الخاصة بالمنتجعات الساحلية، واستبدالها المياه المالحة المعالجة بها.

وأشار، في الوقت ذاته، إلى أن مؤسسات الدولة تشكل بدورها جزءاً من المشكلة، بسبب استهلاك المرافق العامة كميات كبيرة من المياه من دون تطبيق فعال لأنظمة الترشيد أو اعتماد تقنيات توفير حديثة.

وتواجه تركيا واحداً من أعقد التحديات البيئية في تاريخها الحديث، يتمثل في اتساع رقعة التصحر وتفاقم موجات الجفاف، وتزايد مظاهر الإجهاد البيئي خلال السنوات الأخيرة، مع تكرار موجات الحر الشديد وحرائق الغابات، وأبرزها حرائق صيف 2025، التي بلغت نحو 3 آلاف حريق.

وتتجاوز أزمة المياه في تركيا حدودها الداخلية لتؤثر على الأمن المائي الإقليمي، خاصة في سوريا والعراق، حيث تتحكم في نحو 90 في المائة من مياه الفرات، وفي قسم كبير من مياه دجلة.

وخلال افتتاح مشاريع مائية في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أكد الرئيس رجب طيب إردوغان أن تركيا ليست بلداً غنياً بالمياه كما يعتقد البعض، موضحاً أن المعدل السنوي للهطول المطري لا يتجاوز 574 ملليمتراً، وهو ما يقل كثيراً عن المعدل العالمي.

يطالب خبراء بإيجاد حلول تكنولوجية لتقليل فائض خزانات مياه الأمطار المكشوفة في تركيا لتقليل التبخر (إعلام تركي)

ويوضح الخبراء أن الزراعة تستهلك ما بين 70 و75 في المائة من إجمالي السحب المائي، فيما تهدر المدن ما بين 20 و35 في المائة عبر فواقد الشبكات، بينما تتأثر كفاءة السدود بعوامل التبخر وتراكم الرواسب.

وأعلنت الحكومة التركية، مؤخراً، عن برنامج لترميم البحيرات المتقلصة أو الجافة، ومن أبرزها بحيرة مرمرة غرب البلاد، إلى جانب الاستثمار في محطات إعادة تدوير مياه الصرف لاستخدامها في الري والزراعة والصناعة، وبناء محطات تحلية جديدة في مناطق تعاني من ندرة مزمنة في الموارد العذبة، لا سيما في غرب الأناضول وسواحل البحر المتوسط.

وتتمثل الأولويات العاجلة في خفض الفواقد الحضرية إلى أقل من 15 في المائة، وتعميم أنظمة الري عالية الكفاءة لتوفير ما يصل إلى 30 في المائة من استهلاك الزراعة، وتقليل التبخر عبر تحسين تصميم الخزانات والتوسع في التخزين الجوفي، ورفع إعادة استخدام المياه المعالجة إلى 20 في المائة من الطلب الحضري، وتعديل التعرفة المائية، والتحول نحو محاصيل أقل استهلاكاً للمياه، ووضع خطط إلزامية لإدارة الجفاف.


«مدن مصغرة» وشقق ذكية تواكب أنماط الحياة المعاصرة في السعودية

وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)
وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)
TT

«مدن مصغرة» وشقق ذكية تواكب أنماط الحياة المعاصرة في السعودية

وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)
وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)

قبل سنوات قليلة كان البحث عن مسكن في الرياض كالسير بين الألغام: أسعار فلكية لمساحات غير مستغلة وسوق تحكمها «التخمينات». ذلك كله تغير بنقرة سريعة على تطبيق ذكي.

في الطابق العشرين من أحد الأبراج المكتبية شاهقة الارتفاع، شمال العاصمة الرياض، يجلس المهندس خالد (38 عاماً) يتأمل في شاشة هاتفه الذكي تطبيق «إيجار». بضع نقرات سريعة كانت كافية لتجديد عقد شقته السكنية في إحدى الضواحي الحديثة، دون الحاجة لزيارة مكتب عقاري تقليدي، أو مواجهة الاختناقات المرورية في شوارع العاصمة، ودون قلق من «مفاجآت» المؤجر التقليدية التي طالما أرَّقت المستأجرين في سنوات مضت.

قبل خمس سنوات فقط، كانت رحلة البحث عن مسكن للمواطن السعودي تشبه السير في حقل ألغام: أسعار فلكية لمساحات شاسعة غير مستغلة، وسوق تحكمها «العلاقات والتخمينات» الشخصية، وغياب للتنظيم. اليوم، يمثل خالد الجيل الجديد من السعوديين الذين لم يعودوا يبحثون عن مجرد «جدران وأربعة حوائط»، بل عن «جودة حياة»: مجمع سكني متكامل، وممرات مشجرة للمشاة، وموثوقية رقمية كاملة، وجوار شركات عالمية اختارت الرياض مقراً إقليمياً لها.

ما يمر به خالد في يومياته ليس مجرد تغيير اعتيادي في عنوان السكن، بل هو الانعكاس الحي لـ«زلزال» تنظيمي واقتصادي واجتماعي صامت تقوده «رؤية 2030»، يعيد تشكيل أعرق وأكبر الأسواق العقارية في المنطقة، ويحوّلها من بيئة تقليدية غير رسمية، إلى منظومة مؤسسية شفافة تجذب رؤوس الأموال كـ«ملاذ آمن»، وسط عالم مضطرب. هذا المشهد الفردي يعكس بدوره مساراً أوسع تشهده السوق العقارية السعودية، التي تدخل مرحلة إعادة تشكيل شاملة، تقودها مشاريع كبرى، وإصلاحات تنظيمية متتابعة، وتوسع عمراني واقتصادي متسارع في مختلف مناطق المملكة، لا سيما في المدن الرئيسة، وعلى رأسها الرياض.

مشهد عام لمساحات مخصصة لمشاريع الإسكان الحديثة في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

تحول هيكلي ضمن «رؤية 2030»

إن هذا التحول الهيكلي اللّافت الذي تترجمه شاشة هاتف خالد، يختصر الجهود المرتبطة بـ«رؤية 2030»، التي لم تعد تستهدف توفير وحدات سكنية مجردة، بل رَفْع جودة الحياة، وزيادة نسب التملك، وتطوير بيئة عمرانية معاصرة تستوعب النمو السكاني والاقتصادي المتسارع.

ويؤكد مختصون عقاريون أن القطاع لم يعد يعتمد فقط على النمو السكاني الطبيعي، بل أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة ترتبط بجذب الاستثمارات الأجنبية، واستقطاب المقرات الإقليمية للشركات العالمية، وتطوير المدن الكبرى كمراكز اقتصادية إقليمية، مع إصلاحات تنظيمية غير مسبوقة. ويضيف الخبراء أن المؤشرات الحالية تؤكد أن القطاع العقاري يتجه نحو مزيد من الاحترافية والشفافية والاستدامة، بما يجعله أحد أهم المحركات الاقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة، مشيرين إلى أن هذه الجهود المتناغمة أعادت رسم ملامح القطاع العقاري السكني والاستثماري، ومنظومة الإسكان بأسرها في أربعة محاور أساسية هي الأسعار، والتمويل، والتشريع، والذوق المعماري، إلى جانب تنظيم علاقة المالك بالمستأجر.

أحد المجمعات السكنية الحديثة في الرياض وقد بدت مواقف السيارات والفسحة الخضراء المشتركة (الشرق الأوسط)

صحيح أن السوق العقارية لم تصل بعد إلى نقطة التوازن الكامل، وما زال الطلب أقوى من العرض في المدى المنظور؛ ما يسهم في احتفاظ الأسعار ببعض زخم الارتفاع مع تفاوت حسب المدينة ونوع السكن، إلا أن التشريعات الجديدة وزيادة المعروض المنظم وتوسع أدوات التمويل المدعوم، تُشير جميعها إلى مستقبل أكثر استدامة واتزاناً.

وكان القطاع العقاري قد شهد نقلة تنظيمية غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، عبر مجموعة من الأنظمة واللوائح التي أسهمت في تعزيز شفافية وحوكمة القطاع، ومن أبرزها: نظام الوساطة العقارية، وترخيص الوسطاء والمنصات العقارية، وإطلاق المؤشرات الإيجارية، وتوثيق العمليات العقارية إلكترونياً؛ ما انعكس في الحد من الممارسات غير النظامية، ورفع موثوقية البيانات العقارية، ورفع كفاءة السوق وشفافيتها.

ويبرز هنا دور تفعيل وتطوير منصة «إيجار» وتعزيز دورها في تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، ورفع موثوقية السوق الإيجارية، حيث تتحدث لغة الأرقام الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للعقار لتؤكد هذا النجاح التاريخي؛ إذ تجاوز عدد العقود الإيجارية المسجلة عبر المنصة حاجز الـ10 ملايين عقد منذ إطلاقها، تشكل العقود السكنية منها النسبة الأكبر بنحو 8.3 مليون عقد، تمثل 82.3 في المائة من إجمالي العقود، فيما بلغ عدد العقود التجارية نحو 1.7 مليون عقد، مع تسجيل طفرة توثيقية بلغت أكثر من 1.5 مليون عقد خلال عام 2024 وحده.

أحد مشاريع «الوطنية للإسكان» وقد بدت الوحدات السكنية المتوسطة والمستقلة (الشرق الأوسط)

مدن مصغرة ومجتمعات مكتفية

عند الغوص في تفاصيل هذه المجمعات السكنية الجديدة، يتضح أنها لم تعد مجرد كتل خرسانية متراصة للنوم، بل تحولت إلى «مدن مصغرة» مكتفية ذاتياً ومصمَّمة هندسياً لتلبية احتياجات الحياة المعاصرة دون عناء. فالمجمع الذي يقطنه خالد يضم في محيطه نادياً صحياً متطوراً (جيم) منفصلاً، وصيدلية، وميني ماركت متكاملاً، ومقاهي ومغاسل ملابس؛ ما يجعل الساكن في غنى عن مغادرة أسوار المجمع لقضاء احتياجاته اليومية الأساسية.

وتتخذ الحياة داخل هذه المشاريع شكلاً اجتماعياً جديداً يرتكز على «المساحات المشتركة»؛ حيث توفر الحدائق الداخلية المفتوحة، والملاعب الرياضية، والمجالس العامة المخصصة لساكني المجمع بيئة خصبة تتيح للأطفال اللعب بأمان وللكبار التلاقي العفوي. هذا النمط المعماري قدم بدوره بديلاً عصرياً ومنظماً تخلل مكان فكرة «الحي التقليدي» أو «الحارة والشارع القديم» (ما يُطلق عليه «الفريج»). فبدلاً من التفاعل العشوائي السابق في الأزقة، باتت هذه المساحات المشتركة تخلق شبكة علاقات اجتماعية آمنة بين العائلات والوافدين من مختلف الثقافات، تلائم تماماً إيقاع الحياة العصري والسريع.

وهنا يبرز تحول سيكولوجي لافت يفرضه هذا النمط المعماري الجديد، وهو الانتقال نحو مفهوم «العزلة الاختيارية» أو «الخصوصية المشروطة»؛ فخلافاً لـ«الفريج» القديم الذي كان يفرض تفاعلاً اجتماعياً دائماً ومستقراً قد لا يحبذه جيل الشباب اليوم، تمنح المجمعات الحديثة قاطنيها مرونة كاملة في اختيار أوقات الراحة وأوقات التفاعل الاجتماعي.

رجل سعودي يعبر زقاقاً في أحد الأحياء التراثية السياحية في الرياض (غيتي)

الأسرة الصغيرة وغياب «بيت الجد»

هذا التحول المعماري واكبه تحوّل اجتماعي أعمق في بنية الأسرة السعودية التقليدية؛ فلو سألت والد خالد قبل عقدين من الزمن عن مسكن العمر، لقال دون تردد: «فيلا رئيسية كبرى بأسوار عالية ومساحات هائلة تجمع الأبناء والأحفاد». في ذلك الوقت، كان مفهوم «بيت الجد» هو المحور الأساسي الذي يتوزع الأبناء في شقق فوقه أو ملاحق حوله في سكن مشترك ممتد. أما اليوم، فقد انفرط عقد هذا النمط التقليدي لصالح استقلالية كاملة للأسرة النواة الصغيرة. جيل خالد بات يفضل العيش المستقل في شقق معاصرة ومجمعات ذكية تمنحه الخصوصية والراحة وتتناسب مع قدراته المالية، مبتعداً عن أعباء الفيلات السكنية الضخمة والمتهالكة التي باتت تمثل إرثاً معمارياً يصعب على جيل الشباب إدارته أو تحمل تكاليف صيانته وتشغيله بشكل منفرد.

مرونة وعناية بلا «عمالة»

لم يتوقف التغيير عند حدود حجم المسكن، بل امتد ليعيد صياغة تفاصيل الحياة اليومية من الداخل وطبيعة الصيانة المنزلية؛ فالشقق والمجمعات الحديثة بتصاميمها المدروسة والذكية ألغت تماماً الحاجة للأنماط المعمارية السابقة، مثل «الملاحق الخارجية المنفصلة» أو «مجالس الضيوف الضخمة المعزولة» التي كانت تلتهم مساحات شاسعة دون استخدام حقيقي؛ حيث استبدلت بها جلسات داخلية مفتوحة وعملية.

هذه الكفاءة في المساحة وسهولة العناية بالموقع أدَّت تلقائياً إلى تخلي كثير من الأسر المعاصرة عن مفهوم «العاملة المنزلية المقيمة» أو «السائق الخاص»؛ إذ وفرت شركات إدارة المجمعات خدمات صيانة مركزية دورية تشمل النظافة والترميم بضغطة زر عبر التطبيقات، مما قلَّص التكاليف والالتزامات الأسرية المعتادة في البيوت الكبيرة القديمة.

ركاب على متن مترو الرياض في محطة جامعة الملك سعود (أ.ف.ب - غيتي)

النقل وثقافة المترو

على مستوى التخطيط الحضري، ارتبطت هذه الضواحي والمجمعات السكنية الجديدة بشبكة طرق وشرايين نقل حديثة صممتها الدولة لفك الاختناقات المرورية. هذه المشاريع لم تعد تُحدِث ازدحامات عشوائية في محيطها بفضل المداخل والمخارج الذكية، بل على العكس تماماً، بدأت في بث ثقافة جديدة كلياً في المجتمع العقاري، وهي ثقافة الاعتماد على المواصلات العامة.

وجرى ربط معظم هذه المجمعات المعاصرة بمسارات حافلات الرياض ومحطات «مترو الرياض» الذكي، مما دفع موظفين، مثل خالد وجيرانه من الوافدين التنفيذيين، إلى ترك سياراتهم الخاصة في مواقف المجمع، وتفضيل المترو للوصول إلى مقار عملهم في الأبراج المكتبية، شمال ووسط العاصمة، متجاوزين عناء القيادة اليومية.

المرأة... وافد جديد إلى ملعب العقار

لعل التحول الاجتماعي الأكثر دلالة في المجمعات السكنية لعام 2026 هو قدرة الفتيات والمستقلات على السكن بمفردهن والعمل في السعودية كعازبات؛ فقد تلاشت إلى حد بعيد النظرة الفاصلة بين مجمعات «العزاب» ومجمعات «العائلات»، لتصبح الكفاءة والأمان والالتزام بالأنظمة هي المعيار الوحيد الذي يحكم الجميع في مجمعات مختلطة وراقية تحتضن الجميع دون تمييز.

وفي هذا السياق، تروي ريم العبد الله (29 عاماً)، وهي اختصاصية تسويق في إحدى الشركات العالمية بالرياض، تجربتها لـ«الشرق الأوسط»، قائلة: «انتقلت من المنطقة الشرقية إلى الرياض قبل عامين، بعد حصولي على فرصة عمل، وكان أكبر مخاوفي هو العثور على مسكن آمن ومستقل يعكس نمط حياتي المعاصر كفتاة عازبة تركز على مسيرتها المهنية، لكن الواقع هنا تجاوز كل توقعاتي».

وتستطرد ريم في حديثها عن تفاصيل حياتها اليومية داخل المجمع قائلة: «المجمع الذي أقطنه ليس مجرد مكان للنوم، بل هو نظام حياة متكامل وخالٍ من التعقيد؛ فلم أعد بحاجة لاستقدام عاملة منزلية مقيمة أو الاعتماد على سائق خاص كالسابق؛ حيث تتيح لي إدارة المجمع، عبر تطبيقها الذكي، جدولة خدمات التنظيف والصيانة الدورية بضغطة زر وبموثوقية عالية تمنحني طمأنينة كاملة أثناء غيابي في العمل. وحتى نمط تسوقي واهتمامي بصحتي تغير؛ فالجيم والصيدلية والميني ماركت تقع كلها على بُعد خطوات من مصعد شقتي، مما وفر عليَّ عناء القيادة والبحث عن مواقف بعد يوم عمل طويل».

سعوديتان تمشيان أمام جامع الإمام تركي بن ​​عبد الله في الرياض (أ.ف.ب)

وعن البُعد الاجتماعي وثقافة التنقل الجديدة في العاصمة، تضيف ريم لـ«الشرق الأوسط»: «المساحات المشتركة والمقاهي الملحقة بالمجمع خلقت بديلاً حضارياً وذكياً عن الحي التقليدي؛ حيث ألتقي بجيراني من السعوديين والوافدين وسط أجواء يملأها الاحترام المتبادل والاهتمامات المشتركة». وتضيف: «الأجمل من ذلك، أن المجمع مرتبط مباشرة بشبكة النقل الحديثة؛ إذ تفصلني دقائق معدودة مشياً عن محطة المترو، مما جعلني أتخلى تماماً عن قيادة سيارتي في ساعات الذروة الصباحية، لأصل إلى مكتبي، شمال الرياض، براحة تامة وبثقافة نقل عام لم نكن لنتخيلها قبل سنوات؛ فالأنظمة العقارية والأمنية والتحول الحضري هنا منحني أماناً واستقلالية جعلت من سكني في الرياض مكاناً لتحقيق طموحي العملي والشخصي».

حركة حيوية للمارة والمتسوقين في شارع التحلية التجاري النابض بالحياة بوسط العاصمة السعودية (أ.ف.ب)

العاصمة تشعل «ثورة الطلب»

من شرفة مجمّعه السكني، يلاحظ خالد تنوعاً كبيراً في وجوه جيرانه؛ فبينهم الموظف التنفيذي القادم من جدة، والخبير التقني الأوروبي، والمستثمر الآسيوي. وفي قراءة تحليلية لعمق هذا المشهد، يقول الخبير والمسوِّق العقاري، صقر الزهراني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إنّ القطاع يعيش مرحلة تحول استثنائية تقودها مستهدفات الرؤية، حيث لم يعد الطلب على السكن مرتبطاً بالنمو الديموغرافي التقليدي، بل بات انعكاساً مباشراً للتحول الاقتصادي الكبير الذي تشهده المدن الرئيسية، وفي مقدمتها الرياض.

ولفت إلى أن خطط تحويل العاصمة إلى مركز اقتصادي عالمي، واستقطاب المقرات الإقليمية للشركات الدولية، أطلقت موجة هجرة داخلية وخارجية واسعة شملت موظفين تنفيذيين ومتخصصين وطلاباً ورواد أعمال - كحالة المهندس خالد وزملائه - مما خلق طلباً غير مسبوق على الوحدات السكنية، سواء للتملك أو الإيجار.

وفي المقابل، يرى الزهراني أن المعروض السكني يواجه تحدياً طبيعياً في مواكبة هذا التدفق المتسارع؛ فالمشاريع الجديدة تتقدم بوتيرة عالية، غير أن هندستها الإنشائية تحتاج إلى وقت لتنعكس بالكامل على السوق، بينما يستمر توافد السكان والأنشطة الاقتصادية بوتيرة أسرع، ما يفسر جانباً من فجوة الأسعار الحالية وارتفاع الإيجارات في بعض المناطق الحيوية التي يقطنها الجيل الجديد.

شقق سكنية في «كافد» بالعاصمة السعودية الرياض (الموقع الإلكتروني)

ميزان التمويل وتحديات الفائدة

هذه الفجوة بين العرض والطلب ترافقت مع تبدل في حسابات الأسر التمويلية. فالمهندس خالد، كغيره من أبناء جيله، يتابع بدقة تحركات السياسات النقدية. ويشير الزهراني إلى أن أسعار الفائدة ما زالت عند مستويات مرتفعة نسبياً مقارنة بسنوات الطفرة التمويلية السابقة، وذلك في إطار التوجهات الهادفة إلى كبح موجات التضخم والارتفاعات السعرية التي شهدتها الأسواق العالمية، خلال الأعوام الماضية.

هذا الارتفاع انعكس تلقائياً على القوة الشرائية للأفراد، ودفع كثيراً من الأسر إلى إعادة حساباتها التمويلية وتأجيل بعض قرارات التملك أو البحث عن خيارات أكثر مرونة، كالإيجار المؤقت الذكي.

يقول الزهراني هنا: «الحكومة السعودية تدرك تماماً هذه التحديات وما تفرضه من ضغوط على المستهلكين، لذلك بادرت بإطلاق حزمة واسعة من الحلول المرنة عبر وزارة البلديات والإسكان وصندوق التنمية العقارية وبرنامج (سكني)، بالشراكة مع المطورين، لتخفيف أثر تكلفة التمويل وزيادة المعروض».

وتتجلى هذه الحلول التي تتبناها المملكة في حزمة تدابير تشريعية وتنظيمية وتمويلية شاملة يترجمها «برنامج الإسكان» أحد أبرز برامج «رؤية 2030»، التي وضعت نصب عينيها هدفاً استراتيجياً برفع نسبة تملك المواطنين للمساكن إلى 70 في المائة بحلول عام 2030 (وصلت النسبة حالياً إلى 66.2 في المائة من 47 في المائة في 2016)، مدعومة بـ4 محاور استراتيجية تلامس تفاصيل يوميات مواطنين مثل خالد.

التمكين التمويلي الذكي

لم يعد التمويل العقاري عبئاً منفرداً؛ إذ يقدم برنامج «سكني» خيارات تمويلية مدعومة بالشراكة مع البنوك المحلية لتسهيل شراء الوحدات الجاهزة أو البناء الذاتي، بالتوازي مع الدور المحوري الذي تلعبه الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري (SRC) بضخ السيولة في السوق، وتثبيت نسب المرابحة طويلة الأجل لحماية جيل الشباب من تقلبات الفائدة العالمية، دون إغفال الفئات الأشد حاجة، عبر تسليم أكثر من 95 ألف وحدة سكنية تنموية تراكمية من خلال برنامج الإسكان التنموي.

الحوكمة ومنع العشوائية

الرحلة الرقمية التي اختبرها خالد بهاتفه تدعمها حزمة من التنظيمات الرقابية؛ بدءاً من منصة «إيجار» وتحويل عقودها إلى «صكوك تنفيذية» تحمي حقوق الجميع، مروراً بتنظيم الوساطة العقارية وحصرها على المرخصين من الهيئة العامة للعقار، وصولاً لبرنامج «وافي» الذي ينظم البيع على الخريطة ويحمي أموال المشترين ويوفر تدفقات آمنة للمطورين.

مترو الرياض يعبر وسط المدينة (أ.ف.ب)

تكسير الاحتكار وأنسنة الضواحي

لضبط ميزان الأسعار ومحاربة المضاربات، جاء تفعيل برنامج «رسوم الأراضي البيضاء» داخل النطاق العمراني ليجبر الملّاك على تطويرها أو بيعها، مما ضاعف المعروض العقاري، وتزامن ذلك مع صعود الضواحي السكنية الكبرى التي تقودها شركات وطنية عملاقة، مثل «روشن» (التابعة لصندوق الاستثمارات العامة) لتقديم أحياء متكاملة الخدمات تعزز جودة الحياة وأنسنة المدن.

عالمية السوق والاستدامة

التحول لم يقف عند حدود الداخل؛ فمع بدء نفاذ النظام المحدث لتملك غير السعوديين للعقار لعام 2026، فُتحت الأبواب لرساميل عالمية ومسارات استثمارية منظمة وضعت العقار السعودي كـ«حصان أسود» دولي، ترافقه منصات رقمية تضمن جودة الأصول المستدامة، مثل منصة «البناء المستدام»، لفحص المباني قبل الشراء.

ويتوقع الزهراني بدء ظهور دورة أكثر توازناً بين العرض والطلب، في ظل استمرار المشاريع الكبرى وبرامج التطوير الحضري، بشكل تدريجي خلال السنوات المقبلة، وأن تتضح آثارها بشكل أكبر بحلول عام 2028، بما يضمن لجيل خالد فرص تملك أكثر استدامة وأقل عبئاً على المدى الطويل.

امرأتان تتبضعان من سوق محلية وسط الرياض (أ.ف.ب)

وداعاً لـ«الفلل الهالكة»

التغيير لم يكن في طريقة الدفع فحسب، بل في فلسفة المسكن ذاته. لو سألت والد خالد قبل عشرين عاماً عن بيت العمر، لقال فوراً: «فيلا بأسوار عالية ومساحات شاسعة». لكن خالد يفضل شقته الحديثة ذات الممرات المشجرة.

هذا التحول الجوهري يحلله الخبير والمهتم بالشأن العقاري، عبد الله الموسى، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أنَّ السوق السكنية تشهد مرحلة تحول نوعي تتجاوز مفهوم توفير الوحدات السكنية المجردة إلى بناء مجتمعات عمرانية متكاملة تتوافق مع مستهدفات «رؤية 2030»، حيث لم يعد النجاح يُقاس بعدد الوحدات المطوَّرة، بل بقدرتها على رفع جودة الحياة وتحسين تجربة السكن اليومية.

وفيما يتعلق بدور المطورين العقاريين، يشير الموسى إلى أن الضواحي السكنية الكبرى أسهمت في ترسيخ مفهوم «أنسنة المدن» عبر توفير بيئات متكاملة تجمع بين السكن، والخدمات، والمرافق، والمساحات المفتوحة المشجرة، ضمن نطاق واحد، يحمي سكانها من التنقل اليومي الطويل.

هذا التحول في المعروض واكبه (بحسب الموسى) تغير طبيعي في تفضيلات الأسر السعودية، فالمستهلك اليوم (مثل خالد) أصبح أكثر وعياً واهتماماً بكفاءة المسكن، وجودة الموقع، وسهولة الصيانة، مقارنة بالتركيز التقليدي السابق على المساحات الضخمة المهدورة.

ونتيجة لذلك، نشهد اليوم إقبالاً متزايداً على الشقق السكنية الحديثة والمجمعات المتكاملة التي توفر تجربة معيشية تليق بمتطلبات الحياة المعاصرة.

ثورة التشريعات

السهولة الرقمية التي جدد بها خالد عقده لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج ثورة تشريعية قطعت دابر العشوائية العقارية. فقد شهد القطاع نقلة تنظيمية غير مسبوقة عززت الشفافية والحوكمة، ومن أبرزها: نظام الوساطة العقارية، ترخيص المنصات العقارية، وإطلاق المؤشرات الإيجارية.

وفي هذا الصدد، يرى عبد الله الموسى أن الأنظمة الحديثة وتنظيم الإعلانات العقارية حمت المتعاملين وجعلت البيانات أكثر دقة لمساعدة المستهلك والمستثمر على اتخاذ قراره بكفاءة، لافتاً إلى الدور المحوري لمنصة «إيجار» في تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر وتوثيق الحقوق والالتزامات إلكترونياً، مما قلّص النزاعات القضائية وسرّع إجراءات المعالجة؛ فلم يعد أحد مضطراً لانتظار «مفاجآت المؤجر»، أو زيارة المكاتب التقليدية.

«الحصان الأسود»

حين يغادر خالد مكتبه في ذلك البرج الشمالي، يلتقي في ردهة الاستقبال بمديري مقار الشركات العالمية التي انتقلت حديثاً للرياض. هذا المشهد يؤكد أن العقار السعودي بات يظهر في الأفق الدولي كـ«ملاذ آمن» وسط عالم يموج بالاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية.

وحول هذا التفاعل الدولي، يؤكد الخبير والمقيّم العقاري المهندس أحمد الفقيه، لـ«الشرق الأوسط»، أن الاضطرابات الحالية أثبتت أن السعودية هي البيئة الأكثر أماناً واستقراراً في المنطقة، لامتلاكها قدرات سيادية وعسكرية متطورة، وهي النقطة التي منحت المستثمرين غير السعوديين رسالة طمأنينة إضافية.

العاصمة الرياض (الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة)

ويوضح الفقيه أن الجاذبية الاستثمارية العالية الحالية للسوق العقارية تبلورت بشكل واضح في التشريعات الأخيرة التي دعمت المستثمر الأجنبي والسعودي على حد سواء، من خلال عدة قنوات استراتيجية، أبرزها نظام الإقامة المميزة، وقانون تملك واستثمار غير السعوديين المحدث الذي دخل حيز التنفيذ مع بداية هذا العام (2026).

وتجمع التقارير الدولية الصادرة حديثاً على أن السعودية هي «الحصان الأسود» في ملف الاستثمار العقاري العالمي.

وتابع الفقيه بالقول: «إن الأرقام الصادرة عن وزارة الاستثمار تثبت أن المملكة تتقدم يوماً بعد يوم كعملاق اقتصادي قادم لـ«الشرق الأوسط». ويكفي النظر إلى زخم وكثافة الشركات العالمية التي نقلت مقارها الإقليمية إلى العاصمة الرياض، والتي تجاوزت في آخر الإحصاءات الرسمية لعام 2026 أكثر من 660 شركة إقليمية، لندرك حجم المناخ القانوني الجاذب».

وأكمل الفقيه برصد نبض السوق الميداني الذي يتقاطع مع محيط خالد الوظيفي قريباً: «بحكم عملنا ووجودنا اليومي داخل السوق، نلاحظ بشكل جلي تنامي رغبة غير السعوديين في التملك والاستثمار؛ حيث أبرمت بالفعل جنسيات متعددة صفقات ضخمة، وفي مقدمتها الجنسيات الصينية والمصرية وغيرها، وقد تضاعف زخم هذه الأعداد والصفقات مع دخول التصنيفات والتشريعات المحدثة حيز النفاذ مؤخراً».

ميزان التحديات

هذه الترسانة التشريعية والتحولات الرقمية الباهرة التي يلمسها جيل خالد، لا تلغي أن الطريق نحو نقطة الاتزان العقاري الكاملة لا يزال يمر عبر حقل من التحديات التي يفرضها الواقع الاقتصادي والميداني.

ويتمثل أول هذه التحديات في فجوة المدى الزمني بين العرض والطلب؛ فبينما يتدفق السكان والمقرات الإقليمية للشركات العالمية إلى العاصمة الرياض بوتيرة متسارعة وخاطفة، تحتاج المشاريع الإنشائية والضواحي السكنية الكبرى إلى دورة زمنية تمتد لسنوات حتى تكتمل وتنعكس بالكامل كمخزون متاح في السوق، وهو ما يفسر استمرار طفرة الإيجارات وضغوط الأسعار الحالية في المناطق الحيوية.

أحد المراكز التجارية التابعة لـ«سينومي سنترز» في الرياض (موقع الشركة الإلكتروني)

وعلى جبهة أخرى، تبرز معادلة تكلفة التمويل كتحدٍ مباشر يواجه القوة الشرائية للأفراد؛ فبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة كأداة لكبح التضخم العالمي يضع عبئاً إضافياً على الأسر، ويدفع قسماً من جيل الشباب إلى تأجيل قرارات التملك واللجوء لخيارات مرنة، مما يضع برامج الدعم السكني أمام اختبار مستمر لابتكار حلول تمويلية أكثر ديناميكية.

يُضاف إلى ذلك تحدي مواكبة المطورين العقاريين المحليين للسرعة والمعايير الصارمة التي تفرضها مفاهيم «أنسنة المدن» والبناء المستدام؛ حيث تتطلب السوق اليوم تحولاً كاملاً من الشركات العقارية التقليدية نحو العمل المؤسسي، لضمان تسليم وحدات ذات جودة عالية وبأسعار تنافسية تلائم الشريحة الأوسع من المواطنين دون تأخير في الجداول الزمنية للبيع على الخريطة.

في الختام، يعود خالد إلى شقته مساءً، يسير في الممر المشجّر المؤدي إلى بوابته الرقمية، يدرك تماماً أن تفاصيل يومه البسيطة هي جزء من لوحة رسمتها «رؤية 2030»... لوحة لا تبني مجرد ناطحات سحاب، بل تُعيد صياغة نمط وعمران حياة بأكملها.