ما دور جامعة «MIT» في التوسعة السعودية الثالثة للمسجد الحرام؟

«الشرق الأوسط» تنشر الرؤية للتوسعات المستقبلية لتوسعة المسجد الحرام بعد 50 عاماً

إزالة العوائق البصرية لرؤية الكعبة من جميع الاتجاهات (أ.ف.ب)
إزالة العوائق البصرية لرؤية الكعبة من جميع الاتجاهات (أ.ف.ب)
TT

ما دور جامعة «MIT» في التوسعة السعودية الثالثة للمسجد الحرام؟

إزالة العوائق البصرية لرؤية الكعبة من جميع الاتجاهات (أ.ف.ب)
إزالة العوائق البصرية لرؤية الكعبة من جميع الاتجاهات (أ.ف.ب)

تناولنا في الفصل الأول من قصة تصميم التوسعة السعودية الثالثة للمسجد الحرام بدايات الموضوع بصدور الأمر السامي بتشكيل فريق من المختصين من أساتذة الجامعات السعودية وغيرهم من الخبراء العالميين لدراسة المشروع المقترح للتوسعة في عام 1429 - 2008، وشكلت وزارة التعليم العالي بناء على الأمر السامي ذلك الفريق الذي تولى تقويم وضع المسجد الحرام وقتذاك من خلال الدراسات والمسوحات الميدانية، إضافة إلى تقويم التصميم المقترح من خلال المراجعة المحلية التي قام بها فريق الدراسة (فريق الوزارة) والمراجعة الدولية التي قام بها فريق من شركة (أيكوم AECOM).

لكن هنالك قصة تروى عن الرؤية التقنية للمسجد الحرام قام بها فريق من أساتذة وباحثي معهد ماساتشوستس للتقنية (إم آي تيMIT )، كما شارك كبار المعماريين والمكاتب الاستشارية العالمية وبعض المكاتب والجامعات السعودية في اقتراح أفكار معمارية ومقاربات تصميمية للتوسعة، وتقديم رؤى مستقبلية للمسجد الحرام.

في هذا التحقيق تواصل «الشرق الأوسط» إلقاء مزيد من الضوء على جوانب من الأفكار المعمارية والتصميمية والرؤى المستقبلية التي قدمتها المكاتب والجامعات، وكيف تمت الاستفادة من بعض تلك الأفكار في تطوير التصميم المختار من المقام السامي، كما نتناول بعض ملامح الأنظمة التقنية التي قدمتها (إم آي تي MIT)، مع أسماء فريق الباحثين الذين قدموا تلك الأبحاث.

كما يُكشف في هذا الفصل ولأول مرة عن أبرز أسماء رؤساء لجان العمل في المشروع ومساراته المتعددة، والفرق الفنية المشاركة من المسؤولين والخبراء وأعضاء هيئات التدريس في الجامعات السعودية، تلك الفرق التي عملت لأكثر من عامين وبذلت جهداً كبيراً في انجاز المهام المناطة بها.

وسنتطرق وبالتفصيل إلى الفكرة التصميمية المقدمة من جامعة الملك سعود وخلفياتها وأسماء فريق كلية العمارة والتخطيط الذي عمل على تنفيذها، وصولاً إلى عرضها على خادم الحرمين الشريفين الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز في المعرض الخاص الذي أقامته وزارة التعليم العالي في كلية علوم البحار بجدة، والتي صدر الأمر السامي باختيارها كأساس لانطلاق أعمال التصميم، مع طرح التساؤلات حول سبب اختيارها من بين 12 فكرة مقترحة للتوسعة، وسنُبيّن مدى ارتباطها بمسارات تطوير التصميم الابتدائي لمشروع التوسعة.

كما سنتطرق إلى أمر هام لم يكشف عن ملامحه من قبل وهو الرؤية للتوسعات المستقبلية التي قدمتها جامعة الملك سعود للمسجد الحرام (بعد 50 عاماً)، وتم عرضها على الملك عبد الله، والتي من المتوقع أن تكون أساساً لتصاميم أي توسعات قادمة، وسنجيب في هذا التحقيق المعمق على التساؤلات عما حدث بعد تقديم العرض أمام الملك عبد الله؟

الارتباط الروحاني والعمراني بين المسجد الحرام والنسيج الحضري لمكة المكرمة (أ.ف.ب)

الاستفادة من الرؤى المعمارية والأفكار التصميمية

بالرغم من أن المدة الممنوحة لرواد العمارة والمكاتب العالمية والجهات المحلية التي دعيت لتقديم مقترحاتها لم تتجاوز الشهرين، فإن الرؤى المعمارية المقترحة من 12 بيت خبرة عالمي (منها جامعتان ومكتبان استشاريان محليان) تضمنت أفكاراً أولية ومقاربات معمارية متقدمة ومهمة لكثير من الجوانب المرتبطة بالتوسعة، واستفيد من بعض تلك الأفكار والمقاربات عند تطوير التصميم كما سنورد ذلك لاحقاً، وكان لكل من تلك الرؤى هويتها ومساهمتها المعمارية، واشتركت في كثير من النقاط منها:

- إزالة العوائق البصرية لرؤية الكعبة من جميع الاتجاهات.

- مراعاة زيادة مساحات أماكن الصلاة.

- توسعة المطاف والمسعى.

- قرب مناطق الخدمات.

- وضوح محاور الحركة وسلاستها.

- الارتباط الروحاني والعمراني بين الحرم (المسجد) والنسيج الحضري لمكة المكرمة.

- التناسق مع تضاريس الأرض المحيطة من خلال استخدام المصاطب والمدرجات.

- توفير الأسواق.

التصاميم حرصت على أن يكون شاملاً ويغطي المتطلبات

كما شمل العمل مساراً مخصصاً لتقديم الرؤى المستقبلية، وتضمن وضع رؤى عمرانية لحل شامل وأمثل للمسجد الحرام على المدى البعيد، وذلك من خلال آفاق فكرية عمرانية دون قيود، وذلك بهدف اكتشاف آثار إيجابية في النظرة الشمولية لما يحتاجه المسجد الحرام من إضافات وتحسينات تؤدي لحلول مستقبلية مثلى. وتقدم سبعة من رواد العمارة العالميين، إضافة إلى جامعة الملك سعود، برؤاهم المقترحة، التي تمحورت حول النظرة الشمولية لتطوير مكة المكرمة عموماً، وإعادة تطوير المنطقة المحيطة بالمسجد الحرام من خلال نسيج مدني عمراني متآلف مع مراعاة التدرج الطبوغرافي للمناطق المحيطة بالحرم وتظليل مساحات واسعة في المسجد الحرام ومحيطه.

المبادئ التوجيهية للمسجد الحرام

مسار الرؤية التقنية وفريق MIT

ولإبراز حجم الجهد الذي بذلته الفرق الفنية، نلقي الضوء على ملامح الرؤية التقنية المتقدمة التي قدمها فريق ضم أكثر من عشرة من أساتذة معهد ماساتشوستس للتقنية MIT، وهم:

1- البرفسور أليكس بينتلاند

2- البرفسور ج. وليامز

3- البرفسور إيفا كاسينيز

4- البرفسور رالف جاكينهايمر

5- البرفسور ميتشل

6- البرفسور ج. سوسمان

7- البرفسور سارة سلوتر

8- البرفسور ديفيد ماركس

9- البرفسور ف. جوزيف أولم

10- البرفسور ليون غليكسمان

11- البرفسور ليزلي نورفورد

الأمير محمد بن سلمان في زيارة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة الأميركية (غيتي)

واشتملت بحوثهم المقدمة على الأنظمة التقنية المناسبة والقابلة للتطبيق في مشروع توسعة الحرم المكي، وفيما يلي بعض الجداول التي توضح المبادئ التوجيهية التي ارتكزت عليها الرؤية التقنية، وملخصات لبعض الحلول التقنية المقترحة.

اكتمال المرحلة الأولى... وجنودها المجهولون

وبعد أن بذل الفريق الفني جهده خلال المرحلة الأولى من المشروع، التي تضمنت الدراسات الدقيقة والشاملة والتصورات والرؤى المعمارية والعمرانية والفنية والتقنية للمشروع، وعرض النتائج على الملك عبد الله، واختيار مقترح جامعة الملك سعود بوصفه أنسب البدائل، صدر التوجيه السامي رقم 1692 وتاريخ 26 صفر 1430هـ - 21 فبراير 2009م، الذي تضمن في الفقرة الثانية منه «يكون التصميم المقترح من قبل جامعة الملك سعود لتوسعة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز للمسجد الحرام أساساً لانطلاق أعمال التصميم، لكونه التصميم الأقرب للتكامل مع الوضع الحالي للمسجد الحرام... على أن يتم تطويره بما يستجيب للرؤى التطويرية والتصميمية والتشغيلية لفريق الدراسة ويمكن لمجموعة بن لادن السعودية تبنيه وتنفيذه».

حرص التصميم على إزالة العوائق البصرية لرؤية الكعبة من جميع الاتجاهات

وبذلك اكتملت أعمال المرحلة الأولى من عمل الفريق على المشروع، التي توجت بصدور الأمر السامي المشار إليه أعلاه، وهنا لا بد من التأكيد على جهد الفريق وبذله ما في الوسع لتحقيق النتائج المرجوة عبر منهجية العمل الجماعي التكاملي وبمهنية عالية، ووفق آليات عمل ومرجعيات محددة، مع إيضاح أن عبارة «الفريق»، الذي تعددت تسمياته في الوثائق والتقارير المختلفة مثل: «فريق الدراسة» أو «الفريق الأساس» أو «فريق الوزارة» أو «فريق الجامعات»، كما سيلاحظ في ثنايا هذا التقرير تشمل جميع اللجان والفرق العاملة تحت مظلة وزارة التعليم العالي. لكن السؤال الذي ظل مطروحاً على مدى سنوات: من هو هذا الفريق الذي لم يكشف النقاب عن أسماء أعضائه أو حتى رؤساء مجموعاته وفرقه المتخصصة بعد مضي أكثر من خمسة عشر عاماً على تشكيله؟

وحيث يتعذر نشر كامل أسماء جميع من شارك في عضوية الفريق أو قدم استشارة أو شارك في دراسة محددة، من مختلف التخصصات والخبراء المحليين والعالميين والباحثين والفنيين وغيرهم من أعضاء الفرق المساندة لوجستياً، للعدد الكبير لهم، لتكتفي «الشرق الأوسط» بالاقتصار على ذكر أسماء أبرز أعضاء اللجنة التوجيهية وأسماء رؤساء اللجان والفرق والمسارات الفنية، مع عدم إغفال دور مئات الأشخاص، من جنسيات متعددة، الذين شاركوا في عضوية لجان وفرق هذا المشروع على مدى عامين أو أكثر، ففي المرحلة الأولى كان التشكيل كالآتي:

اللجنة التوجيهية: برئاسة وزير التعليم العالي حينذاك الدكتور خالد بن محمد العنقري، وعضوية كل من المشرف العام على الشؤون المالية والإدارية بالوزارة الدكتور علي بن سليمان العطية، والدكتور وليد بن حسين أبو الفرج، والدكتور سعد بن عبد الرحمن القاضي، والمهندس بسيم الحلبي.

وتتولى اللجة بالتشاور مع الفريق الفني تحديد القضايا التي يشملها المشروع وإقرار تكوين الفرق العلمية المختلفة لدراسة تلك القضايا وتوجيه مسارات الفرق ومتابعة أعمالها، وتلقي التقارير الفنية من الفرق التخصصية، والموافقة على ورش العمل اللازمة، وإقرار الوثائق والتوصيات الصادرة عن فرق العمل، فيما يترأس المشرف العام على الشؤون المالية والإدارية بوزارة التعليم العالي على اللجنة المالية والإدارية.

محاور العمل الرئيسة

شكلت ثمانية محاور عمل رئيسة هي:-

محور تقييم الوضع الراهن ومحور المراجعة المحلية. يترأسه الدكتور سعد القاضي، ومحور المراجعة الدولية برئاسة الدكتور عصام بن عدنان القيسي، ومحور الرؤية المعمارية برئاسة الدكتور جمال عبد، ومحور الرؤية التقنية برئاسة الدكتور وليد بن حسين أبو الفرج، ومحور المعرض برئاسة الدكتور علي العطية، ومحور الإنتاج برئاسة المهندس بسيم الحلبي، ومحور التطبيق برئاسة الدكتور ياسر صقر.

الفرق الفنية التخصصية. يترأسها الأستاذ الدكتور سعد بن عبد الرحمن القاضي للعمل ضمن إطار المشروع، حسب احتياجات كل مسار، وكلفت بإعداد التقارير اللازمة لذلك، وهي:

فريق الدراسات المعمارية والعمرانية: برئاسة د. سمير بن محمود زهر الليالي

فريق الدراسات الإنشائية: برئاسة أ.د. صالح بن حامد السيد

فريق الحركة والحشود والخدمات المساندة والأمن: برئاسة أ.د. سعد بن عبد الرحمن القاضي

فريق الدراسات البيئية: برئاسة د. هشام بن عبد الله الجيلاني

فريق دراسات الاستدامة: برئاسة د. أحمد بن عبد الوهاب خليل

فريق الدراسات الخدمية والكهروميكانيكية: برئاسة د. تاج الدين بن محمد عثمان وخلفه بعد مدة الدكتور عبد الله بن عثمان النحيط.

فرق الدعم الإداري واللوجستي: برئاسة الدكتور خالد بن محمد أبا الحسن وضمت كلاً من فريق المتابعة والتوثيق برئاسة الدكتور متعب بن محمد آل جمهور، وفريق الشؤون المالية برئاسة عبيد بن سفر السلمي، وفريق الدعم اللوجستي برئاسة عبد العزيز بن عبد الله المشهدي.

لماذا اختير تصميم جامعة الملك سعود؟

وفقاً للدكتور عبد العزيز بن سعد المقرن عميد كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود سابقاً، أنه خلال العرض على الملك عبد الله في كلية علوم البحار بجدة، تم تقديم الرؤى المعمارية والمستقبلية التي قدمتها المكاتب الاستشارية العالمية والمحلية والكليات الأخرى، وكان مقرراً أن يتم استعراض كل مقترح تصميمي من قبل الفريق المعني خلال 3-5 دقائق.

المقترح المقدم من جامعة الملك سعود تجاوز وقت استعراضه 20 دقيقة، نظراً لاستماع الملك عبد الله (رحمه الله) إلى الشروحات التفصيلية لمقترح الجامعة التي قدمها الدكتور عبد الله العثمان مدير الجامعة والدكتور عبد العزيز المقرن عميد الكلية، التي أوضحت مزايا الفكرة التصميمية المقترحة من جوانب عدة. وقد يكون السبب في استغراق كل ذلك الوقت هو التأكيد على أن هذا التصميم قد راعى الحفاظ على هوية المسجد الحرام، والتكامل مع التوسعات السابقة ربما أكثر من غيره من التصاميم، كما عززت الجامعة ذلك بتقديم رؤيتها للتوسعات المستقبلية، التي توضح إمكانية الاستمرار في التوسعات القادمة على النهج نفسه، إضافة إلى مناقشة الملك للفريق الفني وبعد ذلك للمسؤولين المعنيين حول ترشيح الفكرة التصميمية التي قدمتها جامعة الملك سعود لكونها الأنسب ولتكاملها مع التوسعات السابقة ولكونها الأقرب لقابلية التنفيذ في وقت أسرع.

مشروع جامعة الملك سعود الأساس الذي انطلقت عملية تطوير تصميم التوسعة من فكرته التخطيطية والمعمارية حسب التوجيه السامي الكريم

لجنة لدراسة مقترح جامعة الملك سعود

وشكلت لجنة من وزارة التعليم العالي والرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي ومجموعة بن لادن السعودية لرفع التوصيات للمقام السامي.

وكانت الفكرة التخطيطية والمعمارية المقترحة من جامعة الملك سعود تعتمد على أن الحرم ليس مجرد مكان للصلاة فحسب؛ بل في الأساس هناك المطاف والمسعى. وشعيرتا الطواف والسعي هي ما يميز الحرم المكي عن بقية المساجد بما في ذلك المسجد النبوي، بالإضافة لوظيفة الصلاة ذات الوزن الكبير.

إضافة إلى أهمية مراعاة التوازن بين هذه الوظائف الجوهرية وتقليص العبء التشغيلي، مع رفع معيار السلامة والأمان والروحانية لقاصدي الحرم، والاستدامة للحرم بصفته منشأة كبرى (Mega Facility)، ويمكن تخليص المقاربة التصميمية المقترحة في التالي:-

إنشاء ثلاث كتل بنائية للتوسعة، منفصلة نوعاً ما، وبارتفاع ثلاثة طوابق أرضي وأول وثان وسطح، ومتصلة ببعضها في الطوابق العليا. وذلك لإعطاء مرونة عالية في التشغيل بحسب المناسبات ولمراعاة إدارة وسلامة الحشود.

ويقع في جوانب هذه الكتل عناصر خدمات المصلين وخدمات أماكن الصلاة مما يجعلها في المتناول، فيقلص بذلك الحركة بين أماكن الصلاة ومناطق الخدمات، ويتخلل هذه الكتل أفنية لإدخال الضوء إلى كل أدوار التوسعة.

ولتسهيل الوصول للمطاف دون إرباك للمصلين في التوسعة تبنت الفكرة مبدأ عمل مسارات بين الكتل تصل مباشرة الخارج بالداخل ومستمرة إلى مباني المسجد الحرام الحالية، التي يفصلها عنها فراغ مفتوح، الذي يعمل بمثابة الفراغ التمهيدي والفاصل بين التوسعة الجديدة والتوسعات القديمة، ويمثل رئة بين الحرم القائم والتوسعة لدواعٍ بيئية ولسلامة الحشود، مع التزام المقترح الحفاظ على المباني الحالية، وعدم إحداث أي تغيير فيها عدا تغيير طفيف في الأبواب والفتحات الخارجية؛ لإعطاء الفرصة لرؤية الكعبة من خلال ممرات المشاة المحورية التي تحتويها التوسعة الجديدة.

المحاور الإشعاعية المنبثقة من المركز (الكعبة المشرفة)

وتمتد الممرات المحورية من خلال الساحات الأمامية باتجاه الشامية (الشمال) إلى مبانٍ على هيئة مصاطب لاستغلال التدرج الجبلي الموجود، وتحتوي هذه المصاطب على أماكن للصلاة، إضافة إلى مكاتب ومحال تجارية وخدمات من دورات مياه وأماكن وضوء وغيرها من الخدمات اللازمة. كما يوجد في نهاية الممرات المحورية وأعلى المصاطب ثلاثة مبانٍ مهمة هي مكتبة المسجد الحرام، ومعهد الحرم المكي الشريف، والرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي مصممة على شكل بوابات رمزية لتعزز المحاور الرئيسية المؤدية إلى المسجد الحرام، ويمكن للقاصد بمجرد الوصول إلى هذه المحاور من المستوى الأعلى رؤية الكعبة المشرفة.

المحاور الرئيسية تعمل كقنوات تهوية طبيعية

وعند استعراض أبرز مزايا التصميم المختار حينها نجد أن المقترح التصميمي راعى إمكانية تنفيذ التوسعة على مراحل لتعطي حلاً استراتيجياً مستقبلياً لتنفيذ التوسعة على مراحل من خلال إعادة تكرار الوحدة التصميمية، يمكن لهذا الفكر التصميمي المقترح أن يسمح بالامتداد المستقبلي في الجهات الأخرى من دون إحداث خلل في الأداء الوظيفي والتشغيلي للمسجد الحرام. تحقيق رؤية الكعبة من الممرات المحورية وكذلك من داخل الكتل البنائية المقترحة نظراً لتقليص عدد الأعمدة فيها نتيجة استخدام بحور إنشائية واسعة، إذ تعد رؤية الكعبة من الأهداف الرئيسية في التصميم لما لها من تأثير قوي في وجدان المسلم.

العناصر والمكونات الرئيسية التي تتضمنها الفكرة التخطيطية والمعمارية لمقترح التوسعة

تؤدي الفكرة التصميمية إلى سهولة تشغيل كل مبنى على حدة وصيانته، وتقليل استخدام الكهرباء والتكييف خلال التشغيل في غير المواسم. كما يسمح التصميم باستخدام فراغات خاصة، أو ربما مبنى واحد في الأوقات العادية، عندما يقل عدد قاصدي الحرم، وسهولة تحديد الفراغات والمداخل والمخارج، وسرعة إخلاء المسجد الحرام في أوقات الطوارئ، ومراعاة إخلاء الحشود، فبالدراسة واختبار الفكرة وجد أنه يمكن الإخلاء من جميع أجزاء التوسعة المقترحة في زمن قياسي آمن.

المخارج ونقاط الإخلاء الطارئ

ويمكن أن تصل سيارات الطوارئ إلى أي جزء من المسجد الحرام من خلال المسارات المصممة في المشروع.

يوجد دورات مياه وأماكن وضوء قريبة وفي متناول كل القاصدين، ومنها وجود دورات مياه في طابق القبو تحت الساحات ومسارات الحركة بين المباني، كما يوجد طريق خدمة في القبو يصل بين المسجد الحرام والمستشفى المصمم في المحيط الخارجي للتوسعة.

إضافة إلى إمكانية السيطرة على الظروف الخاصة والطارئة، وذلك لوجود مبانٍ منفصلة حيث يمكن التعامل مع كل مبنى على حدة. ووجود طريق تحت الأرض يصل بين القبو في المسجد الحرام ومساكن قوات الأمن المصممة خارج المسجد الحرام.

نطاق الخدمات في دور القبو في المسجد الحرام

صمم طابق القبو بحيث يحتوي على مسارات يمكن أن تستخدمها عربات الإطفاء في حالة الحرائق، وتوفير كاميرات ذات تقنية عالية تحدد أماكن المشكلات وتجمع الزوار وتعطي إنذارات للتعامل معها، ويؤدي هذا التوجه التصميمي إلى إمكانية التهوية الطبيعية وكذلك الإضاءة الطبيعية لجميع الفراغات والمباني، إضافة إلى أن وجود وحدات بنائية مستقلة يؤدي إلى سهولة الإدارة والتشغيل والصيانة.

المحاور الإشعاعية المنبثقة من المركز (الكعبة المشرفة)

وقد عمل فريق المشروع تحت إشراف ومساندة الأستاذ الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن العثمان مدير جامعة الملك سعود وقتذاك، وأدرجت كلية العمارة والتخطيط أسماء فريق العمل الذين شاركوا في التصميم، من داخل وخارج الكلية، في (وثيقة المشروع) التي قدمت إلى وزارة التعليم العالي، وهم:

أ.د. عبد العزيز بن سعد المقرن (رئيس الفريق)

أ.د السيد محمد بن عبد الفتاح عامر (مدير المشروع)

د. حسن بن عبد الفتاح القارئ - تصميم وتخطيط عمراني

د. أحمد بن عمر محمد سيد مصطفى - تصميم معماري وتقنيات التصميم الحاسوبية

د. عبد الرحمن بن عبد الله الطاسان - كود المباني والاشتراطات

د. صالح بن عبد العزيز الفوزان - النقل والتصميم الحضري

د. هشام بن عبد الرحمن الفالح - النقل والتصميم الحضري

د. محمد بن عبد العزيز عبد الحميد - نظم المعلومات الجغرافية

د. تاج الدين بن محمد عثمان - الاستدامة والأنظمة الكهروميكانيكية (قسم الهندسة الميكانيكية بكلية الهندسة - جامعة الملك سعود)

د. عادل إشراق الدين - الاستدامة (كلية العمارة وتصاميم البيئة بجامعة كنت الحكومية، أوهايو - الولايات المتحدة الأميركية)

أ.د شهاب الدين بن محمد مراد - الهندسة الإنشائية (قسم الهندسة المدنية بكلية الهندسة - جامعة الملك سعود)

د. جمال بن شفيق عليان - التراث المعماري

م. مختار بن محمد الشيباني

م. تركي بن منصور الزهراني

م. خالد بن غازي فرج

م. محمد بن عمر العامودي

م. فوزان بن محمد الجديعي

م. زكريا بن أحمد الأحمد

م. عبد العزيز الصغير

م. فيصل الحارثي

نذير أحمد عبد العزيز - الدعم اللوجستي

ومما يجدر ذكره أن جامعة الملك سعود كانت من بين الجهات المشاركة التي قدمت أكثر من رؤية لمشروع التوسعة؛ إذ قدمت رؤيتين متكاملتين، إحداهما رؤية معمارية للتوسعة، التي أقرها المقام السامي أساساً لتطوير أعمال التصميم، والأخرى رؤية للتوسعات المستقبلية تشكل التصور بعيد الأمد للمسجد الحرام (50 عاماً أو أكثر)، وتتضمن: إزالة بعض المباني القائمة وتكرار الوحدات البنائية الجديدة لتشكل منظومة متكاملة لاستيعاب عدد أكبر من قاصدي المسجد الحرام، وتبدأ هذه الوحدات كبيرة وتتجه مصغرة إلى الكعبة لتوفير الحماية ولإعطاء الإحساس بالاحترام للكعبة المشرفة، ولتمكين المصلين من رؤية الكعبة من أي اتجاه.

كما قدمت الجامعة رؤية مستقبلية ثالثة ضمن مسار الرؤى المستقبلية، لكن تلك قصة أخرى.

لكن ما أريد التأكيد عليه هنا لا يتعلق بالتصميم فحسب؛ بل بالكفاءات البشرية والقدرات الهندسية السعودية التي لم تكن متوفرة بالشكل الكافي قبل 60 عاماً، ففي عام 1387هـ - 1967م رأى الملك فيصل دعوة أشهر المعماريين والمهندسين العالميين من مختلف الدول الإسلامية لإيجاد الحلول الهندسية، للنظر في موضوع ربط مبنى الأروقة التاريخية في المسجد الحرام بالمبنى الجديد المتمثل بالأروقة السعودية، وفي العام نفسه، (ولا أعلم إن كان الأمر مجرد مصادفة أم أن هناك ارتباط)، تأسس قسم العمارة وعلوم البناء في كلية الهندسة بجامعة الملك سعود، كأول مؤسسة تعليمية للعمارة في شبه الجزيرة العربية، والذي تحول عام 1404هـ - 1984م إلى كلية العمارة والتخطيط، وأسهم خريجوها على مدى عقود في تأسيس كليات وأقسام العمارة والتخطيط في باقي الجامعات السعودية، كما كانت المدرسة المعمارية الأم التي خرَّجت مجموعة من رواد العمارة والمخططين السعوديين، الذين كان لهم دورهم في مسيرة التنمية والبناء، وتبوأ عدد منهم مناصب وزارية وقيادية في عديد من القطاعات.

ويوضح الشكل الفكرة التخطيطية والمعمارية الأساسية التي قدمتها كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود واعتمدت من قبل المقام السامي أساساً لانطلاق أعمال تطوير تصميم التوسعة، ثم المسارين التطويريين اللذين تولدا من فكرة جامعة الملك سعود والقائمين على أساس:

التجزئة على مستوى الكتلة والحيز الفراغي الأوسع.

التجزئة على مستوى الكتلة وعلى مستوى الحيز الفراغي الأصغر.

ويمكن من خلال هذه الرسومات ملاحظة مدى العلاقة الوثيقة والمتجذرة بين التطويرين والفكرة الأساسية.

أما كيف ومتى وأين تم التطوير ومن قام بذلك وأي المسارين تم اعتماده والتنفيذ على أساسه؟ فهذا ما سنتناوله في فصل قادم مع تفاصيل أخرى من فصول هذه القصة...

* كاتب وباحث سعودي


مقالات ذات صلة

رمضان يرفع إيقاع العطر... 35 مبخرة يومياً و13 ألف لتر لتعطير المسجد الحرام

يوميات الشرق دهن العود لتطييب الحجر الأسود (الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين)

رمضان يرفع إيقاع العطر... 35 مبخرة يومياً و13 ألف لتر لتعطير المسجد الحرام

لا يتلاشى المشهد من الذاكرة ولا الرائحة. هكذا يصف كثير من الحجاج والمعتمرين تجربتهم في المسجد الحرام؛ إذ يرافقهم عبقٌ مميز، ثابت، يعرفونه كلما عادوا بذاكرتهم…

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق توسعة الحرم المكي شاهد على الرعاية السعودية وجدوى الابتكار في التطوير (واس)

توسعة الحرم المكي... رعاية سعودية وريادة في الابتكار المعماري

اعتمد تصميم التوسعة الثالثة على محاور إشعاعية تنطلق من الكعبة المشرفة وكتل حلقية تحيط بها، في رؤية معمارية تراعي قدسية المكان وتستوعب التوسعات المستقبلية.

عمر البدوي (الرياض)
الخليج عدد المُصلين بالمسجد الحرام بلغ 30 مليوناً و16 ألفاً و73 مُصلياً خلال شهر (واس)

أكثر من 68 مليون زائر ومعتمر بالحرمين الشريفين خلال شهر

استقبل المسجد الحرام بمكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، أكثر من 68 مليون زائر خلال شهر.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج الأمير سعود بن مشعل لدى ترؤسه الاجتماع في مكة المكرمة الأربعاء (إمارة المنطقة)

سعود بن مشعل: خدمة المقدسات وقاصديها على هرم أولويات السعودية

أكّد الأمير سعود بن مشعل، نائب أمير منطقة مكة المكرمة، أن السعودية منذ تأسيسها «أولت خدمة المقدسات وقاصديها اهتماماً خاصاً، وجعلتها على هرم الأولويات».

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج عدد المعتمرين القادمين من الخارج أكثر من مليون معتمر (واس)

السعودية: 5.4 مليون معتمر خلال الربع الثاني من عام 2025

صدرت الهيئة العامة للإحصاء السعودية، نتائج إحصاءات العمرة للربع الثاني من عام 2025م، التي أظهرت أن إجمالي عدد المعتمرين من داخل السعودية والقادمين إليها.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».