قد يصبح تعزيز مناعة الجسم ضد السرطان ممكناً يوماً ما عبر لقاح يُتناول عن طريق الفم بدلاً من الحقن؛ فقد أظهرت دراسة سريرية استكشافية مبكرة أن بكتيريا معدّلة وراثياً يمكن استخدامها لنقل مستضد سرطاني إلى الجهاز المناعي، مع نتائج أولية تشير إلى إمكانية تعزيز الاستجابة المناعية المضادة للأورام لدى بعض المرضى.
وفي تجربة سريرية من المرحلة الأولى، كان اللقاح التجريبي «B440» جيد التحمل عموماً، وأظهر مؤشرات مناعية وسريرية تستحق مزيداً من البحث. كما كشفت النتائج عن احتمال وجود مؤشر حيوي يمكن أن يساعد مستقبلاً في تحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة من هذا النهج.
بكتيريا لتحفيز المناعة
• بكتيريا «معوية». يمتلك الجهاز المناعي قدرة طبيعية على مهاجمة الخلايا السرطانية، لكن الأورام تستطيع تطوير آليات للهروب من هذه المراقبة؛ من بينها استغلال ما يُعرف بـ«نقاط التفتيش المناعية» (immune checkpoints)، وهي آليات تعمل بوصفها فرامل تمنع الجهاز المناعي من مهاجمة الخلايا بصورة مفرطة.
وتعمل أدوية مثبطات نقاط التفتيش المناعية، مثل بعض العلاجات الحديثة للسرطان، على تعطيل هذه الفرامل لإعادة تنشيط المناعة ضد الورم. لكن بعض السرطانات تتمكن من تطوير وسائل أخرى للهروب، كما أن عدداً من المرضى لا يستجيبون لهذه العلاجات.
ومن هنا بحث فريق بقيادة الباحث توشيرو شيراكاوا من قسم المسالك البولية، كلية الدراسات العليا للطب بجامعة كوبي اليابان، عن طريقة جديدة لتعزيز المناعة بالاستعانة ببكتيريا «Bifidobacterium longum»، وهي بكتيريا معروفة باستخدامها في بعض منتجات البروبيوتيك (probiotic)، وقدرتها على التفاعل مع الجهاز المناعي في الأمعاء.
وعدّل الباحثون البكتيريا وراثياً، بحيث تقدم جزءاً كبيراً من بروتين معدل يُعرف باسم بروتين ورم ويلمز 1 (WT1) Wilms tumor 1 protein، وهو مستضد مرتبط بعدد من الأورام. والهدف هو إيصال هذا المستضد عبر الجهاز الهضمي إلى الأنسجة اللمفاوية المرتبطة بالأمعاء، حيث يمكن أن يتفاعل مع الجهاز المناعي.
• تجربة على مرضى استنفدوا خيارات العلاج. اختبر الباحثون اللقاح الفموي التجريبي، وذلك في تجربة سريرية من المرحلة الأولى شملت 12 مريضاً مصابين بسرطان المسالك البولية المنتشر كانوا قد استنفدوا خيارات العلاج القياسية.
ونُشرت نتائج الدراسة بدورية «JCO Oncology Advances» في 7 يوليو (تموز) 2026، وأظهرت أن العلاج كان جيد التحمل. وكان الأثر الجانبي الوحيد المرتبط بالعلاج هو ارتفاع مؤقت في مستويات الإنترلوكين-6 «(IL-6) interleukin-6»، وهو جزيء يشارك في تنظيم الاستجابة الالتهابية، وقد ظهر لدى 3 مرضى فقط، وكانت جميع الحالات خفيفة وغير خطيرة.
لكن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام ظهر في الاستجابة المناعية؛ فقد تمكن الباحثون من رصد استجابة مناعية خلوية موجهة ضد بروتين «ورم ويلمز» لدى ستة من المرضى الاثني عشر. والمفاجأة أن هؤلاء المرضى كانوا جميعاً يمتلكون بالفعل استجابة ضعيفة للمستضد قبل تلقي اللقاح، كما بقوا لفترة أطول من دون تقدم للمرض مقارنة بالمرضى الآخرين.
أما المرضى الستة الذين لم تكن لديهم استجابة مناعية قابلة للكشف ضد بروتين ورم ويلمز قبل العلاج، فلم يُظهر اللقاح قدرة واضحة على تكوين استجابة جديدة لديهم.
رصد مؤشر حيوي يساعد في تحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة منها
تعزيز المناعة
• لقاح يعزز المناعة أكثر مما يبدأها. تشير هذه النتائج إلى احتمال أن يعمل اللقاح التجريبي بوصفه مُعزّزاً للاستجابة المناعية الموجودة مسبقاً، بدلاً من كونه لقاحاً قادراً على إطلاق استجابة جديدة من الصفر.
وإذا تأكد هذا الأمر في دراسات أكبر، فقد تصبح الاستجابة المناعية الضعيفة الموجودة مسبقاً ضد بروتين ورم ويلمز مؤشراً حيوياً يساعد الأطباء في تحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة من هذا النوع من العلاج.
وبعد انتهاء التجربة تلقى 7 مرضى علاجاً إضافياً بدواء «بيمبروليزوماب» (Pembrolizumab)، وهو أحد مثبطات نقاط التفتيش المناعية وفقاً لتقدير أطبائهم. ولوحظ انكماش الأورام لدى 3 منهم، وجميعهم كانوا من المرضى الذين ظهرت لديهم استجابة مناعية ضد بروتين ورم ويلمز بعد تلقي اللقاح التجريبي. لكنّ الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج لا تثبت فاعلية اللقاح، نظراً للعدد الصغير من المشاركين وطبيعة المتابعة غير العشوائية بعد انتهاء التجربة.
وقال شيراكاوا إن الدراسة لم تُصمم لإثبات فاعلية العلاج؛ بل لتوليد فرضيات يمكن اختبارها في دراسات لاحقة.
• نحو جيل جديد من لقاحات السرطان. يرى الباحثون أن النتائج تبرر مواصلة دراسة اللقاح التجريبي (B440)، خصوصاً بالاشتراك مع مثبطات نقاط التفتيش المناعية، أو استخدامها قبل هذه العلاجات.
ويجري الفريق حالياً تجربة سريرية من المرحلتين الأولى والثانية تختبر اللقاح التجريبي بالاشتراك مع دوائي «نيفولوماب» (Nivolumab) و«إبيليموماب» (Ipilimumab) لدى المرضى المصابين بورم الظهارة المتوسطة الخبيث الجنبي غير القابل للاستئصال (nonremovable malignant pleural mesothelioma).
ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً قبل معرفة ما إذا كان هذا النهج سيصبح علاجاً فعلياً، فإن الدراسة تفتح اتجاهاً جديداً في علاج السرطان هو استخدام بكتيريا معوية معدّلة وراثياً وسيلة فموية لإيصال مستضدات السرطان وتحفيز الجهاز المناعي من الداخل، وربما دمجها مستقبلاً مع العلاجات المناعية القائمة.


