«ذهان الذكاء الاصطناعي»… مرض عصبي نفسي حديث

ينجم عن انفصام الإنسان عن واقعه الفعلي

«ذهان الذكاء الاصطناعي»… مرض عصبي نفسي حديث
TT

«ذهان الذكاء الاصطناعي»… مرض عصبي نفسي حديث

«ذهان الذكاء الاصطناعي»… مرض عصبي نفسي حديث

في العام الماضي أفاد طبيب نفسي في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو أنه أدخل 12 شخصاً إلى المستشفى خلال عام واحد فقط بعد أن «فقدوا صلتهم بالواقع بسبب الذكاء الاصطناعي». وقد أطلق على هذه الحالة اسم «الذهان الناتج عن الذكاء الاصطناعي AI psychosis»، كما كتب نيك كينلي (*).

زعزعة الإدراك بسبب الذكاء الاصطناعي

ولا يُعد هذا التشخيص رسمياً، والحالات الشديدة منه نادرة. لكن الآلية الكامنة وراءه تستحق اهتمام كل مدير، أو قائد، إذ إن الأمر الذي أدى إلى زعزعة إدراك هؤلاء المرضى للواقع هو التعرض المطول لصوت بدا مطلعاً، وواثقاً، ويُشعرهم دائماً بالدعم، والصبر.

نصف كبار قادة المؤسسات قالوا إنهم يثقون برأي روبوت محادثة أكثر من رأيهم الشخصي

إن ما تعده تقنيات الذكاء الاصطناعي معلومات حقيقية، وقادة الأعمال محقون في السعي وراءها. لكن ما يجب أن يقلقهم هو مدى ثقتهم به، وسرعة هذا التفاؤل. وفي استطلاع رأي حديث، قال 74 في المائة من المديرين التنفيذيين إنهم يثقون بنصائح الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بنصائح زملائهم، أو أصدقائهم، وقال 44 في المائة إنهم سيعتمدون على منطقه بدلاً من آرائهم الشخصية.

تأمل في هذا للحظة. يقول ما يقارب نصف كبار القادة إنهم يثقون برأي روبوت محادثة أكثر من رأيهم الشخصي، وفي الأسئلة التي تم توظيفهم للإجابة عنها. قد لا يكون هذا جنوناً، ولكنه ليس جيداً أيضاً.

إن ميل الذكاء الاصطناعي إلى الإيجابية المفرطة، وميله إلى تعزيز المعتقدات السائدة بدلاً من تحديها، أمر موثق جيداً. وكذلك ميله إلى الخطأ.

كشف أعراض الثقة المفرطة

إذن، كيف تعرف ما إذا كان أحدهم يقع في فخ الثقة المفرطة بالذكاء الاصطناعي؟ تبرز هنا ثلاثة أعراض.

* أول الأعراض هو توقف القادة عن التدقيق فيما يكتبه الذكاء الاصطناعي نيابةً عنهم. يحدث هذا لأنه كلما زادت ثقة الناس بالذكاء الاصطناعي، قلّ تفكيرهم النقدي تجاه مخرجاته. وبالتالي يمكن إرسال تحديثات مجلس الإدارة، ورسائل البريد الإلكتروني، وأوراق الاستراتيجية التي يكتبها الذكاء الاصطناعي بعد قراءة سريعة، لأن مسودة الذكاء الاصطناعي السلسة والواثقة تبدو مكتملة بطريقة لا تبدو عليها المسودة الشخصية غير المكتملة أبداً.

مخرجات مصقولة ظاهرياً

أطلق باحثون في جامعة ستانفورد وشركة «BetterUp» على هذه النتيجة اسم «العمل غير المتقن»، أي المخرجات المصقولة ظاهرياً، ولكنها تفتقر إلى الجوهر. قد يبدو الأمر جيداً، لكنه غالباً ما يُكشف. في الواقع، وجد الباحثون أن ما يقرب من نصف الموظفين الذين يتلقون رسائل بريد إلكتروني مُصوغة بواسطة الذكاء الاصطناعي ينظرون إلى مُرسليها على أنهم أقل جدارة بالثقة نتيجةً لذلك، وأكثر من ثلثهم ينظرون إليهم على أنهم أقل ذكاءً. هذا ما يُسمى بتحسين الذكاء الاصطناعي لنا.

فرض استخدام التقنيات قبل التحقق من عملها

* العَرَض الثاني هو فرض الاستخدام قبل إدارته (الجيدة). شهد عام 2025 موجة من قرارات الرؤساء التنفيذيين التي تُعلن استخدام الذكاء الاصطناعي كأمر أساسي، حيث اشترطت بعض الشركات على المديرين إثبات عدم قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء مهمة ما قبل السماح لهم بتوظيف شخص.

ومع ذلك، في استطلاع أجرته شركة «غرانت ثورنتون» عام 2026 لكبار المديرين التنفيذيين، اعترف 78 في المائة منهم بأنهم يفتقرون إلى الثقة الكافية في قدرتهم على اجتياز تدقيق مستقل لحوكمة الذكاء الاصطناعي لديهم في غضون 90 يوماً.

تدعم معظم فرق الإدارة العليا مبادراتها المتعلقة بالذكاء الاصطناعي علناً. ومع ذلك لا يستطيع سوى القليل منها الصمود عند التدقيق الحقيقي في كيفية فحص هذه الأنظمة، وامتلاكها، والتحكم فيها.

الثقة في حكم الآلة بدلاً من حكم العاملين

* العرض الثالث هو الأكثر خبثاً: الثقة في حكم الذكاء الاصطناعي على حساب حكم الموظفين. لقد شاهدتُ قادةً يُمررون اعتراضات فرقهم عبر روبوت محادثة، ويتركون له الكلمة الفصل في النقاش. يلاحظ الفريق ذلك. وفي المرة التالية، يبقى الاعتراض صامتاً، ولا يسمع القائد سوى الذكاء الاصطناعي. وهذا يعزز نفسه بنفسه، فكلما قلّت الاعتراضات التي يسمعها القائد بدت إجابات الذكاء الاصطناعي أكثر منطقية، وثقة.

في الواقع، ليس هذا بالأمر الجديد. لطالما كانت هناك فرص لتفويض التواصل. وقد فُرضت إجراءات جديدة من قبل. ولطالما منحت السلطة القادة ما يفعله الذكاء الاصطناعي الآن، فبمجرد تولي زمام الأمور يبدأ الناس في الموافقة بشكل أسرع، والاعتراض بشكل أقل. لكن الفجوة بين وعود الذكاء الاصطناعي وسهولة استخدامه، من جهة، وبين وضوح كيفية تطبيقه، من جهة أخرى، أكبر بكثير من أي ابتكار سابق. لذا، فبينما قد لا يكون الذكاء الاصطناعي قد خلق ثغرات جديدة، إلا أنه بالتأكيد فاقم الثغرات القديمة.

ما العمل إذن؟

ماذا يمكنك أنت، كقائد، أن تفعل؟ في بحثي الخاص حول الثقة، برزت علامتان تحذيريتان تُشيران إلى النقطة التي تتحول فيها الثقة الصحية إلى ثقة مفرطة: الشعور المتزايد بالتفوق، وتراجع الفضول (حبّ الاطلاع).

إنه حب الاطلاع، وما يجب مراقبته عند التعامل مع الذكاء الاصطناعي. لذا، استمر في طرح الأسئلة، حتى عندما تبدو الإجابة قاطعة. اسأل عن مكامن الخطأ المحتملة في الذكاء الاصطناعي. اسأل عن البدائل التي تم النظر فيها، ثم التخلي عنها. اسأل فريقك عما يمكنهم رؤيته ولا يستطيع النموذج رؤيته.

لقد فقد مرضى الذهان الناتج عن الذكاء الاصطناعي في سان فرانسيسكو قدرتهم على التشكيك في صوت لم يشك في نفسه قط. إلا أنك لا تزال تمتلك هذه القدرة... وعليك الاستمرار في استخدامها.

* مجلة «فاست كومباني»


مقالات ذات صلة

تشديد أممي على ضبط تطوير الذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا تستبدل إحدى الموظفات مكوّناً في الحاسوب الفائق «Alps» بالمركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة (CSCS) بمدينة لوغانو - جنوب سويسرا (أ.ف.ب)

تشديد أممي على ضبط تطوير الذكاء الاصطناعي

أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أمس أهمية التنسيق بشأن الضوابط الناظمة لتطوير الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)

«أوبن إيه.آي» تعتزم إصدار تقارير دورية حول السلوك غير المتوقع للذكاء الاصطناعي

قالت ‌شركة «أوبن إيه.آي» اليوم الأربعاء إنها ستبدأ إصدار تقارير دورية حول السلوكيات غير المتوقعة أو ​غير المصرح بها للذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا أطلقت الشركة منصة ذاتية تتيح للشركات والوكالات إدارة الحملات الإعلانية مباشرة داخل «ChatGPT» (رويترز)

«أوبن إيه آي» توسع إعلانات «ChatGPT» إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

توسع «أوبن إيه آي» إعلانات «ChatGPT» إلى المنطقة مع منصة ذاتية للمعلنين وفصل واضح بين المحتوى المدفوع وإجابات النموذج.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يضع تعاون الشركة مع «هيوماين» كفاءة استهلاك الطاقة والتكلفة لكل عملية استدلال موضع التطبيق على نطاق واسع

آفاق الحوسبة الجديدة: قيادة مستقبل الذكاء الاصطناعي والجيل السادس للاتصالات و«الحوسبة المتصلة»

شبكات الجيل السادس يتم تصميمها من الألف إلى الياء لتكون نظاماً قائماً على الذكاء الاصطناعي.

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا يعكس إطلاق الخدمة توجهاً نحو فصل أوضح بين التجربة المجانية والمزايا المتقدمة المدفوعة مع اختلاف التوافر بحسب التطبيق والمنطقة ونوع الحساب (ميتا)

«ميتا» توسع نموذج الاشتراكات المدفوعة عبر تطبيقاتها وتضيف مزايا أوسع للذكاء الاصطناعي

توسع «ميتا» نموذج الاشتراكات المدفوعة عبر تطبيقاتها مع أدوات ذكاء اصطناعي ومزايا إضافية للأفراد وصناع المحتوى والشركات، مع بقاء الأساس مجانياً.

نسيم رمضان (لندن)

«ناسا» تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على القمر

عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)
عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على القمر

عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)
عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)

اكتشف باحث في وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر، في حدث نادر يقول العلماء إنه قد لا يتكرّر سوى مرة كل قرن أو أكثر.

وأوضحت ناسا أن عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» (McGetchin)، يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب، فيما قدّر الباحثون أن الجسم الذي تسبب بها كان بحجم مبنى يتألف من ثلاث إلى سِت طبقات. وقالت ناسا «يقدّر العلماء أن اصطداما بهذا الحجم يحدث على القمر مرة كل قرن» أو أكثر.

ورغم أن الفوهة موجودة منذ سنوات، فإنها لم تُكتشف إلا عندما لاحظها الباحث روبرت فاغنر خلال تحليل صور جديدة التقطها مسبار «مستكشف القمر المداري» (LRO)، الذي يدرس القمر منذ العام 2009. وظهرت الفوهة في الصور على شكل «بقعة ساطعة كبيرة تحيط بها هالة داكنة».

وأشارت دراسة نُشرت الأربعاء في مجلة «ساينس أدفانسيز» إلى أن هذه الفوهة تمثّل أكبر فوهة حديثة التكوين جرى اكتشافها في النظام الشمسي حتى الآن. ويقول العلماء إن دراسة تشكُّل الفوهات الحديثة تساعد على فهم جيولوجيا القمر بصورة أفضل، ما قد يساهم في التحضير للبعثات المأهولة المستقبلية التي تخطّط لها كل من الولايات المتحدة والصين.


«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي
TT

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

لسنوات متتالية، حذَّرت منظمات سلامة الذكاء الاصطناعي من أن المختبرات الكبرى تتسابق لتطوير أنظمة أكثر ذكاءً واستقلالية، دون استراتيجية واضحة وواقعية لإدارة المخاطر. وأكد باحثون مستقلون أن الاستثمارات في السلامة والتوافق تتخلف كثيراً عن الاستثمارات في القدرات. وقد استقال موظفون، وتوقع بعض الخبراء وقوع كارثة، ولم يُسهم أي من ذلك في إبطاء هذا السباق.

تحذيرات قوية من الباحثين

لكن خلال الأسابيع القليلة الماضية، بدأت التحذيرات تتخذ منحى مختلفاً؛ إذ باتت تصدر بشكل متزايد من العاملين داخل المختبرات. في الأسبوع الماضي، أعلن باحث الذكاء الاصطناعي جاكوب كوكسون استقالته من شركة «أنثروبيك» في منشور حصد أكثر من 171 مليون مشاهدة على منصة «إكس». وبعد ذلك بوقت قصير، أيَّد إيفان هوبينغر، رئيس قسم علوم التوافق في «أنثروبيك» كوكسون علناً، وكذلك فعل إيثان بيريز، باحث التوافق في «أنثروبيك»، وسامويل ماركس، باحث الإشراف القابل للتوسع. كما أيَّدته جولي ستيل وجاسمين وانغ، باحثتا السلامة في شركة «أوبن إيه آي».

«الذكاء الخارق»... مقامرة بحياة البشر

لماذا الآن؟ يُشير كوكسون في تغريدته إلى جزءٍ واضح من الإجابة: «إنهم يتسابقون نحو الذكاء الخارق المُتطور ذاتياً، ويُقامرون بحياتنا». ويُشير كوكسون هنا إلى مفهوم تقني يُسمى «التحسين الذاتي المُتكرر» (recursive self-improvement)، أو استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية لبناء نماذج جديدة وتحسينها.

الذكاء الاصطناعي بدأ يتحكم

ويُمكن للباحثين الآن استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في مراحل كثيرة من عملية تطوير النماذج. يُمكنهم استخدامها لتصميم بنية تحتية حاسوبية جديدة تُوفر قوة حاسوبية وكفاءة وسرعة معالجة أكبر. كما يُمكن استخدامها لإنشاء بيانات تدريب أكثر وأفضل، أو لإدارة وتحسين إطار البرمجيات الذي يُنظم تدريب النموذج. أو يُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لكتابة وتحسين الشفرة البرمجية التي تُحدد النموذج وتُنفذه.

بعبارة أخرى، لا تكتفي نماذج الذكاء الاصطناعي بالتحسن فحسب؛ بل بدأت تتولى زمام العمل اللازم لتطوير الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي.

مضاعفة إنتاجية البحث

على سبيل المثال، صرَّحت شركة «أوبن إيه آي» أخيراً بأن برامجها تُساهم بالفعل في «تسريع وتيرة البحث العلمي» داخل الشركة. وبحلول منتصف أغسطس (آب) كانت مؤسستها البحثية تستخدم 3.1 يوم عمل للوكلاء الأذكياء لكل يوم عمل بشري، وقالت الشركة إنها وصلت إلى ما تسميه «متدربَ بحث آلياً».

وأكدت شركة «أنثروبيك» بالمثل أن نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة تُسهم الآن في تطوير النماذج اللاحقة لها.

نماذج تولِّد نماذج أذكى

يُعدُّ ابتكار نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على تولي هذه المهام أحد الأسباب التي دفعت «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، و«غوغل» إلى التركيز على تطوير مساعدي برمجة الذكاء الاصطناعي، مثل «كلود كود»، و«كوديكس»، و«أنتيغرافيتي». وقد استغلت أقسام الهندسة في مختلف المؤسسات هذه الأدوات لتسريع تطوير برامجها، ما وفَّر مصدر دخل بالغ الأهمية لمختبرات الذكاء الاصطناعي. ولكن داخل هذه المختبرات، يُمكن استخدام الأنظمة نفسها لتسريع تطوير نماذج ذكاء اصطناعي جديدة.

ومع ازدياد قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء مهامه، تتراكم التحسينات والكفاءات، ما يُؤدي في النهاية إلى نموذج أكثر ذكاءً. ويمكن استخدام هذا النموذج، أو وكلاء الذكاء الاصطناعي التي يُشغّلها، لتطوير البنية التحتية وكتابة الشيفرة المستخدمة في الجيل التالي من النماذج.

التوصل إلى «ذكاء خارق»

وقد تبدأ هذه الحلقة المتكررة بالعمل بوتيرة أسرع فأسرع، مع تولي الذكاء الاصطناعي مزيداً من مراحل عملية التطوير. وبذلك، يُمكن أن يُصبح تطوير النماذج مع التحسين الذاتي المتكرر عملية مستمرة. قد تتحقق المكاسب في مجال الذكاء بشكل أسرع وأوسع، ما يمهد الطريق نحو ذكاء اصطناعي فائق.

انفلات الذكاء الاصطناعي خارج الإشراف البشري

وقد أثارت الحادثة التي وقعت لـشركة «هاغنغ فيس» هذا الصيف مخاوف كبيرة، ومهدت الطريق لإعلان كوكسون الذي انتشر كالنار في الهشيم. فقد خرجت أسراب من وكلاء «أوبن أيه آي» عن السيطرة، وخرجت من بيئة التدريب، ووصلت إلى الإنترنت، واخترقت خوادم الشركة؛ بل واخترقت خوادم «أوبن إيه آي» نفسها. وقد نبهت هذه الحادثة الناس إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تطورت إلى درجة يمكنها معها العمل خارج الإشراف البشري؛ بل وضد مصالح البشر.

بعد 4 أيام من استقالة كوكسون، نشر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، مقالاً جديداً بعنوان «يجب علينا ضبط وتيرة التقدم في التقنيات الرائدة» We Must Pace the Frontier)) دعا فيه إلى إبطاء وتيرة تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً.

ومن جانبها، صرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأنها ستقوم «بإبطاء أو إيقاف» عمليات التطوير أو النشر، في حال كانت مخاطر السلامة غير مقبولة. كما أعرب كبير العلماء في الشركة، جاكوب باتشوك، عن أمله في أن يصبح التباطؤ الطوعي ممارسة شائعة.

وقد دعت «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» الحكومات إلى التدخل وضبط «وتيرة» تطوير الذكاء الاصطناعي.

انعدام الالتزام

ومع ذلك، لم تلتزم أي من الشركتين بإبطاء تطوير ونشر النماذج الجديدة بشكل مستمر. فبالنسبة لهذه المختبرات، لا تُعد عملية الإبطاء أمراً بسيطاً؛ إذ يبرز تساؤل مفاده: ماذا لو أبطأت المختبرات «أ» وتيرتها بينما واصلت المختبرات «ب» السباق نحو الأمام؟

وفي هذا السياق، يدعو ديفيد ساكس -الذي شغل سابقاً منصب مسؤول ملف الذكاء الاصطناعي في إدارة ترمب- مختبرات الذكاء الاصطناعي إلى ضبط وتيرة عملها ذاتياً. وفي المقابل، يرى الرئيس دونالد ترمب أنه لا مجال لإبطاء وتيرة الذكاء الاصطناعي، نظراً للمنافسة القائمة مع الصين؛ حيث كتب على منصة «تروث سوشيال» يقول: «من يفوز في سباق الذكاء الاصطناعي، يفوز بكل شيء!».

وفي مقاله، دعا أمودي أيضاً إلى «دمج» جهات تقييم مستقلة -مثل مؤسسات: «METR» و«Apollo Research» و«Redwood Research»- داخل هذه المختبرات. وقد أيد سام ألتمان -الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»- هذه الفكرة، وأكد أن شركته ستشارك فيها. وفي الوقت نفسه، يعكف المشرعون -ومعظمهم من الديمقراطيين- على اقتراح تشريعات من شأنها تعزيز دور الحكومة في الإشراف على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة.

كفاءة تقنية أعلى... وإشراف أدنى

إن فهم توقيت هذه التحركات ليس بالأمر الصعب؛ فأنظمة الذكاء الاصطناعي تزداد كفاءة في العمل بأقل قدر من الإشراف البشري، وفي الوقت ذاته، باتت تتولى جزءاً متزايداً من المهام المتعلقة بتطوير الجيل القادم من تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ولا تكمن المخاوف ببساطة في استمرار ازدياد ذكاء نماذج الذكاء الاصطناعي؛ بل في أن عملية جعلها أكثر ذكاءً قد تتسارع لدرجة تفقد معها البشرية قدرتها -أكثر فأكثر- على مراقبة ما يحدث، أو إبطاء وتيرته، أو فرض معايير السلامة والمواءمة.

* مجلة «فاست كومباني».


كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية
TT

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

لعقود طويلة كان استخدام أجهزة التنقل للأطفال محدوداً بسبب ارتفاع التكاليف، وعوائق التأمين، والحاجة إلى تصنيع متخصص. أما الآن، فمؤسسة «مَيْكْ غود» MakeGood غير الربحية في نيو أورليانز -الحائزة على جائزة الابتكار في التصميم لعام 2026 في مجال التصميم المُيسّر- تستخدم الطباعة ثلاثية الأبعاد (التجسيمية) لتوسيع نطاق الوصول إلى هذه الأجهزة للأطفال الذين يعانون من حالات تجعل الحركة المستقلة صعبة، كما كتبت مارغريت أندرسن(*).

كرسي متحرك بلاستيكي ملون

بدلاً من إنتاج كرسي متحرك يدوي تقليدي، ابتكرت المؤسسة كرسياً متحركاً بلاستيكياً ملوناً سمته «الجهاز التدريبي wheelchair-like mobility trainer» يُشبه الكرسي المتحرك، ومُصمماً للأطفال من عمر سنة إلى ثماني سنوات، الذين يعانون من حالات مثل الشلل الدماغي أو تشقق العمود الفقري (السِّنْسِنَة المشقوقة)، أو الذين قضوا فترات طويلة في العناية المركزة لحديثي الولادة.

تصنيع منزلي

ويمكن تصنيع الكرسي «التدريبي» محلياً ببضع مئات من الدولارات باستخدام طابعات ثلاثية الأبعاد منزلية. وهو مُجمّع من عشرات المكونات الصغيرة باستخدام تقنيات النجارة المستوحاة من النجارة اليابانية، والهياكل الهندسية المتشابكة لإنشاء إطار متين من مطبوعات بحجم سطح المكتب.

وتدير المؤسسة منصة إلكترونية تُسمى 3D-mobility.org تربط أكثر من 1000 متطوع من صانعي الأجهزة حول العالم بالعائلات التي تطلبها. وتقوم المدارس، ومساحات العمل الإبداعية، والمستشفيات، وحتى الأجداد الذين اشتروا طابعات ثلاثية الأبعاد حديثاً، بتجميع هذه الأجهزة التدريبية بالقرب من أماكن سكن الأطفال.

تلبية الاحتياجات الفردية

يقول نعوم بلات، مؤسس «مَيْكْ غود»: «التصميم الجيد المقترن بالطباعة ثلاثية الأبعاد يمنحنا القدرة على تلبية احتياجاتنا دون الحاجة إلى القلق بشأن شركات التأمين. إذا احتجنا إلى جهاز مساعد على الحركة، يُمكننا ببساطة صنعه بأنفسنا».

وتُوسّع المنظمة حالياً مراكز الإنتاج المحلية عالمياً، لا سيما في مناطق أميركا اللاتينية، حيث يرتفع الطلب، بينما يبقى الوصول إلى الطابعات ثلاثية الأبعاد والمواد محدوداً.

* مجلة «فاست كومباني»