هل تحتاج الوزارات العربية إلى «رئيس للذكاء الاصطناعي»؟

من سيقود النظم الذكية؟... ومن يتحمل مسؤولية قراراتها؟

الذكاء الاصطناعي لا يلغي تقنية المعلومات
الذكاء الاصطناعي لا يلغي تقنية المعلومات
TT

هل تحتاج الوزارات العربية إلى «رئيس للذكاء الاصطناعي»؟

الذكاء الاصطناعي لا يلغي تقنية المعلومات
الذكاء الاصطناعي لا يلغي تقنية المعلومات

قبل سنوات قليلة، لم يكن أحد يتخيل أن تعيّن مؤسسة مسؤولاً تنفيذياً تكون مهمته الإشراف على الذكاء الاصطناعي. أما اليوم، فقد أصبح منصب رئيس الذكاء الاصطناعي (Chief AI Officer) من أسرع المناصب القيادية نمواً في كبرى الشركات والجامعات والهيئات الحكومية حول العالم.

ولم يعد السؤال: هل ستستخدم المؤسسات الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح: من سيقوده؟ ومن سيتحمل مسؤولية قراراته؟ فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لتحسين الإنتاجية أو تسريع إنجاز المهام، بل أصبح جزءاً من عملية صنع القرار نفسها. فهو يساعد في تشخيص الأمراض، وتحليل ملايين السجلات، وإدارة الموارد، والتنبؤ بالمخاطر، وصياغة السياسات، بل ويؤثر أحياناً في القرارات التي تمس حياة المواطنين. ومع هذا التحول، لم تعد الحوكمة مسؤولية أقسام تقنية المعلومات وحدها، بل أصبحت مسؤولية قيادية تستدعي وجود شخصية تنفيذية تمتلك رؤية استراتيجية، وتضمن أن يُستخدم الذكاء الاصطناعي بكفاءة، ووفق ضوابط أخلاقية وتنظيمية واضحة.

منصب ينمو بسرعة غير مسبوقة

لم يعد منصب رئيس الذكاء الاصطناعي (Chief AI Officer) مجرد فكرة للمستقبل، بل أصبح أحد أسرع المناصب التنفيذية نمواً في العالم، ففي دراسة عالمية نشرها معهد «IBM» للقيمة المؤسسية في مايو (أيار) 2026، ارتفعت نسبة المؤسسات التي تضم رئيساً للذكاء الاصطناعي إلى 76 في المائة، مقارنة بـ26 في المائة قبل عام واحد فقط، في مؤشر واضح على أن الذكاء الاصطناعي انتقل من مشروع تقني إلى أولوية استراتيجية على مستوى القيادة العليا. كما أظهرت الدراسة أن المؤسسات التي تعيد هيكلة قياداتها وفق نهج يضع الذكاء الاصطناعي في صميم الإدارة، نجحت في توسيع تطبيقاته داخل المؤسسة بنسبة أكبر من غيرها.

ولعل الرسالة الأهم هنا أن المنافسة لم تعد تدور حول امتلاك أفضل خوارزمية، بل حول امتلاك قيادة قادرة على وضع الرؤية، وبناء الحوكمة، وتحويل الذكاء الاصطناعي من تجارب متفرقة إلى قيمة مؤسسية حقيقية؛ فالقيادة أصبحت اليوم عاملاً لا يقل أهمية عن جودة الخوارزمية نفسها.

من المسؤول عن الذكاء الاصطناعي؟

في كثير من المؤسسات العربية، تتولى إدارة تقنية المعلومات شراء أنظمة الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، بينما يستخدمها الأطباء، أو المعلمون، أو الموظفون في أعمالهم اليومية، وتحدد الإدارة العليا أهدافها الاستراتيجية. لكن عندما يخطئ النظام، أو يَظهر تحيزٌ في نتائجه، أو تُثار أسئلة حول الخصوصية أو سلامة القرار، يبرز سؤال بسيط لكنه بالغ الأهمية: من يتحمل المسؤولية؟

فالذكاء الاصطناعي لم يعد مشروعاً تقنياً يخص إدارة واحدة، بل أصبح يؤثر في القرارات والعمليات داخل المؤسسة بأكملها. ولهذا، برزت الحاجة إلى قيادة تنفيذية تمتلك رؤية استراتيجية، وتجمع بين المعرفة التقنية، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، وإدارة المخاطر، والتغيير المؤسسي، لضمان أن تُستخدم هذه التقنيات بصورة آمنة وفعالة ومسؤولة، بدلاً من بقاء المسؤوليات موزعة بين جهات متعددة لا يملك أي منها الصورة الكاملة.

ليس بديلاً عن مدير تقنية المعلومات

قد يعتقد البعض أن استحداث منصب رئيس الذكاء الاصطناعي يعني الاستغناء عن مدير تقنية المعلومات أو تقليص دوره، إلا أن الدراسات الحديثة تشير إلى عكس ذلك؛ فالمهمة الأساسية لهذا المنصب ليست إدارة البنية التقنية، بل قيادة التحول المؤسسي في استخدام الذكاء الاصطناعي، ووضع سياساته، والإشراف على حوكمته، والتأكد من توافق تطبيقاته مع الأهداف الاستراتيجية للمؤسسة.

وتوصلت دراسة عُرضت في المؤتمر الأميركي لنظم المعلومات (AMCIS 2026) إلى أن رئيس الذكاء الاصطناعي لا يحل محل كبار مسؤولي تقنية المعلومات، بل يعمل إلى جانبهم، بوصفه حلقة وصل بين الإدارة العليا، والفرق التقنية، ومستخدمي الذكاء الاصطناعي. كما أكدت أن نجاح هذا المنصب يعتمد على دمجه في الهيكل القيادي للمؤسسة، لا على اعتباره وظيفة تقنية منفصلة.

حين تقود الحوكمة الابتكار

5 أدوار استراتيجية

إذن، ما الدور الحقيقي لرئيس الذكاء الاصطناعي؟ من واقع الخبرة، يمكن تلخيص مهام هذا المنصب في 5 أدوار استراتيجية رئيسية:

* أولاً- رسم الاستراتيجية: تحديد المجالات التي يحقق فيها الذكاء الاصطناعي قيمة حقيقية، وتلك التي ينبغي أن يبقى القرار فيها بيد الإنسان.

* ثانياً- الحوكمة: وضع إطار يضمن الشفافية، وقابلية تفسير النتائج، وإدارة المخاطر، والامتثال للأنظمة والمعايير الأخلاقية.

* ثالثاً- التحقق المحلي، فالأنظمة التي تنجح في مستشفى أميركي أو أوروبي لا يمكن افتراض نجاحها تلقائياً في بيئة عربية تختلف في خصائص سكانها وأنماط أمراضها. ولذلك، يجب التحقق من أداء الأنظمة عالية الخطورة باستخدام بيانات محلية قبل اعتمادها.

* رابعاً- بناء الكفاءات، فالنجاح لا يعتمد على ذكاء الخوارزمية وحدها، بل على جاهزية الإنسان الذي يستخدمها. والمؤسسات تحتاج إلى مهنيين يفهمون قدرات الذكاء الاصطناعي وحدوده، وليس مجرد مستخدمين لأدواته.

* خامساً- المراقبة المستمرة، فالذكاء الاصطناعي ليس نظاماً يُشترى ثم يُترك يعمل، بل منظومة تتطلب متابعة دورية، ورصد أي انحراف في الأداء، وإعادة التحقق كلما تغيرت البيانات أو ظهرت أخطار جديدة.

فرصة للعالم العربي

قد لا تحتاج جميع الوزارات العربية إلى استحداث منصب «رئيس الذكاء الاصطناعي» بالاسم نفسه، لكن المؤكد أنها تحتاج إلى قيادة تنفيذية واضحة تتولى وضع الاستراتيجية، والإشراف على الحوكمة، ومتابعة المخاطر، وضمان الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة. وقد يكون ذلك من خلال رئيس للذكاء الاصطناعي، أو مكتب متخصص، أو لجنة تنفيذية، بحسب حجم المؤسسة وطبيعة عملها.

وتبدو المملكة العربية السعودية في موقع يؤهلها لقيادة هذا التوجه، في ظل ما حققته من تقدم في البنية الرقمية، واستثماراتها المتنامية في الذكاء الاصطناعي، وتطور الأطر التنظيمية ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030. وقد لا يكون السؤال في السنوات المقبلة: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: من يقوده؟ ومن يضمن أن يُستخدم بكفاءة، وعدالة، ومسؤولية؟

القيادة قبل التقنية

الذكاء الاصطناعي يبدأ من القيادة

الخطر الحقيقي لا يكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في استخدامه من دون قيادة واضحة، وحوكمة فعالة، ومساءلة محددة.

لقد تغيّر السؤال؛ فلم يعد: هل ستستخدم المؤسسات الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح: من سيقوده؟ ومن سيتحمل مسؤولية قراراته؟ فالذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى مهندسين يطورون خوارزمياته فحسب، بل إلى قادة يرسمون استراتيجيته، ويحكمون استخدامه، ويضمنون أن يبقى في خدمة الإنسان لا بديلاً عن مسؤوليته.

وربما لن يكون رئيس الذكاء الاصطناعي أهم منصب تنفيذي في المؤسسة، لكنه قد يكون المنصب الذي يحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح أداة لصنع قيمة حقيقية... أم مجرد تقنية متقدمة تفتقر إلى من يقودها. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، قد لا تكون المؤسسة الأكثر نجاحاً هي التي تمتلك أقوى خوارزمية، بل التي تمتلك أفضل قيادة تعرف متى تستخدمها، وكيف تحكمها، ولمصلحة من تعمل.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد شعار شركة «أمازون» خارج أحد مستودعاتها في مانشستر ببريطانيا (رويترز)

«أمازون» تتخطى حاجز 3 تريليونات دولار لأول مرة

تجاوزت القيمة السوقية لشركة «أمازون» حاجز 3 تريليونات دولار للمرة الأولى يوم الاثنين، مدفوعة بقفزة قوية في سهمها عقب نتائج مالية قوية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد لقطة بث مباشر تظهر إيلون ماسك في يوم الطرح العام الأولي لـ«سابيس إكس» للاكتتاب بسوق «ناسداك ماركت سايت» 12 يونيو 2026 (رويترز)

«سبايس إكس» تواجه غداً أول اختبار مالي بعد الطرح العام

يُتوقع أن يتسارع نمو «ستارلينك» إلى 52.6 % مقارنة بـ31.6 % بالربع السابق مدفوعاً أساساً بتوسع الخدمة في مزيد من الدول.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد إحدى المبادرات في تطوير الكفاءات السعودية بقطاع الذكاء الاصطناعي (الشرق الأوسط)

السعودية تواكب عصر الذكاء الاصطناعي ببناء الكفاءات

تمضي السعودية في تسريع استعداداتها لعصر الذكاء الاصطناعي عبر استراتيجية تجمع بين تطوير البنية التحتية الرقمية وبناء الكفاءات الوطنية

أسماء الغابري (جدة)
تكنولوجيا شعار «غوغل كروم» وخلفه كلمة «تجسس» في صورة توضيحية (رويترز)

«غوغل»: كشفنا بالذكاء الاصطناعي ثغرات في «كروم» أكثر مما اكتشفناه خلال عامين

نجحت شركة التكنولوجيا الأميركية «غوغل» في اكتشاف وإصلاح ثغرات أمنية في متصفح الإنترنت «كروم» خلال يونيو الماضي أكثر مما اكتشفته وأصلحته خلال عامين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)