حين يسأل العرب الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب

أول خريطة شاملة لاستخدام سكان العالم الذكاء الاصطناعي في البحث عن المعلومات الصحية

لماذا يسأل المواطن العربي الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب؟
لماذا يسأل المواطن العربي الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب؟
TT

حين يسأل العرب الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب

لماذا يسأل المواطن العربي الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب؟
لماذا يسأل المواطن العربي الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب؟

في منتصف ليلة صيفية، يستيقظ أبٌ على ارتفاع حرارة طفله، أو يشعر رجل بألم مفاجئ في صدره، أو تحاول سيدة فهم نتيجة تحليل طبي وصلت إلى هاتفها قبل موعد الطبيب.

أسئلة طبية إلى الذكاء الاصطناعي

قبل سنوات، كانت الخطوة الأولى هي الاتصال بالطبيب أو التوجه إلى أقرب مستشفى. أما اليوم، ففي كثير من الحالات يبدأ المشهد بطريقة مختلفة؛ إذ تمتد اليد إلى الهاتف، ويُكتب السؤال موجَّهاً إلى أحد روبوتات الذكاء الاصطناعي: ماذا تعني هذه الأعراض؟ وهل تستدعي زيارة الطوارئ؟

لم يعد هذا المشهد استثناءً؛ بل أصبح واقعاً يومياً يتكرر ملايين المرات حول العالم، بما في ذلك في العالم العربي. ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، لم تعد هذه الأنظمة تقتصر على الإجابة عن الأسئلة العامة؛ بل أصبحت بالنسبة إلى كثير من الناس البوابة الأولى للحصول على المعلومات الصحية قبل اتخاذ قرار زيارة الطبيب.

لكن السؤال الأهم لم يعد: كم شخصاً يستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح: لماذا يلجأ إليه الناس؟ وهل يعكس ذلك تطور الأنظمة الصحية، أم صعوبة الوصول إليها، أم تغيراً في سلوك المجتمع وثقته بمصادر المعلومات؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة، جاءت دراسة عالمية حديثة لتقدم أول خريطة شاملة لكيفية استخدام سكان أكثر من مائة دولة للذكاء الاصطناعي في البحث عن المعلومات الصحية، كاشفة عن اختلافات لافتة بين الدول، ومثيرة في الوقت نفسه سؤالاً أكثر أهمية بالنسبة إلينا: أين يقف العالم العربي من هذا التحول، وهل يمكن أن تصبح السعودية النموذج الإقليمي للرعاية الصحية الذكية؟

دراسة عالمية ترسم خريطة استخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات صحية

أول خريطة عالمية من 1.7 مليون محادثة

جاءت الإجابة في دراسة حديثة نشرتها مجلة «نيتشر هيلث» (Nature Health) في 15 يوليو (تموز) 2026، تُعد من أكبر الدراسات التي تناولت سلوك مستخدمي الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي. فقد حلل الباحثون نحو 1.7 مليون محادثة صحية مجهولة الهوية أُجريت عبر منصة «كوبايلوت من مايكروسوفت» (Microsoft Copilot) في 109 دول ومناطق، لرسم أول خريطة عالمية توضح كيف ولماذا يلجأ الناس إلى روبوتات المحادثة عند البحث عن المعلومات الصحية.

ولم يقتصر التحليل على عدد الأسئلة؛ بل تناول طبيعتها أيضاً، بدءاً من الاستفسار عن الأعراض والأمراض، مروراً بالصحة النفسية ونمط الحياة، ووصولاً إلى تفسير نتائج الفحوصات، وفهم التقارير الطبية، والبحث الأكاديمي، وحتى المساعدة في التنقل داخل الأنظمة الصحية.

انخفاض ثقة المواطنين بمستشفياتهم يؤدي إلى ازدياد استخدام الذكاء الاصطناعي

لكن النتيجة الأكثر إثارة لم تكن مرتبطة بمستوى دخل الدولة ولا انتشار الإنترنت؛ بل بعامل أقل توقعاً: الثقة بالمؤسسات الصحية. فقد أظهرت الدراسة أن الدول التي تنخفض فيها ثقة المواطنين بمستشفياتها تشهد -في المتوسط- معدلات أعلى من اللجوء إلى روبوتات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات الصحية. ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي أصبح بديلاً عن الطبيب، أو أن ضعف الثقة هو السبب المباشر، ولكنه يشير إلى أن الإنسان يبحث عن إجابة فورية عندما يشعر بأن الوصول إلى المعلومة الطبية ليس سهلاً ولا سريعاً بما يكفي.

العالم العربي ليس خريطة صحية واحدة

تكشف الخريطة العربية المستنبطة من الدراسة أن العالم العربي لا يمثل نموذجاً صحياً واحداً؛ بل مجموعة من الأنظمة الصحية التي تختلف في مستوى تطورها الرقمي، وسهولة الوصول إلى خدماتها، وثقة المجتمع بمؤسساتها الطبية. ولذلك، فمن الطبيعي أن تختلف أيضاً الطريقة التي يلجأ بها المواطن إلى الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات الصحية.

وفي بعض الدول، قد يفتح المستخدم روبوت المحادثة ليفهم نتيجة تصوير بالرنين المغناطيسي، أو ليستفسر عن أحدث الخيارات العلاجية، أو ليحدد التخصص الأنسب لحالته. وفي دول أخرى، قد يكون السؤال أكثر إلحاحاً: هل تستدعي هذه الأعراض الذهاب إلى المستشفى؟ وهل أستطيع تأجيل زيارة الطبيب؟ وما العلاج الأولي الذي يمكن أن أبدأ به؟

خريطة استخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات صحية في العالم العربي

وتشير الخريطة المصاحبة للدراسة إلى تباين واضح في كثافة المحادثات الصحية بين الدول العربية، وهو تباين لا يعكس انتشار الذكاء الاصطناعي وحده؛ بل يعكس أيضاً اختلاف احتياجات المجتمعات، وسهولة الوصول إلى الرعاية الصحية، ومستوى الوعي الصحي، وثقة المواطنين بمنظوماتهم الطبية. ومن المهم الإشارة إلى أن تدرجات الألوان تمثل مؤشرات تقريبية مستنبطة من الدراسة، وليست ترتيباً رقمياً رسمياً للدول.

ومن هنا، فإن الرسالة الأهم لا تتعلق بمن يستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر من غيره؛ بل بسبب استخدامه. ففي بعض البيئات يصبح الذكاء الاصطناعي بديلاً مؤقتاً للحصول على المعلومة، بينما يتحول في بيئات أخرى إلى أداة ذكية تدعم نظاماً صحياً متقدماً، وتساعد المريض على الوصول إلى الخدمة المناسبة بسرعة وكفاءة. وهذا هو الفارق الذي يميز مستقبل الرعاية الصحية في المنطقة.

لماذا يسأل المواطن العربي الآلة؟

================

/////////////الصورة رقم 3/////////////////

===============

لا يلجأ المواطن العربي إلى الذكاء الاصطناعي لسبب واحد؛ بل لأسباب تختلف باختلاف الدولة والظروف. فقد يبحث عن إجابة سريعة في منتصف الليل، أو يحاول فهم نتيجة فحص طبي قبل موعد الطبيب، أو يستفسر عن الآثار الجانبية لدواء جديد، أو يطلب تفسيراً لمصطلحات طبية معقدة بلغة يفهمها. وفي بعض المناطق، قد يكون طول قوائم الانتظار، أو بُعد المنشآت الصحية، أو ارتفاع تكلفة الاستشارة، من العوامل التي تدفعه إلى البحث عن إجابة أولية عبر روبوتات المحادثة.

كما توفر هذه الأنظمة مساحة من الخصوصية تشجع كثيرين على طرح أسئلة قد يترددون في مناقشتها وجهاً لوجه، مثل قضايا الصحة النفسية، والسمنة، والمشكلات الزوجية، والأمراض التي ما زالت ترتبط بوصمة اجتماعية في بعض المجتمعات.

لكن هنا يكمن التحدي الحقيقي. فالذكاء الاصطناعي قادر على تقديم معلومات طبية مفيدة، ولكنه لا يعرف التاريخ المرضي الكامل للمستخدم، ولا نتائج جميع فحوصاته، ولا الأدوية التي يتناولها، ولا يستطيع إجراء فحص سريري. لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله المريض هو أن يحول المعلومة إلى تشخيص، أو النصيحة العامة إلى قرار علاجي.

ومن هنا، فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي الصحي في العالم العربي لا يتوقف على إجادته اللغة العربية فحسب؛ بل على قدرته على فهم اللهجات المحلية، والسياق الثقافي، وأسماء الأدوية المتداولة، والأنظمة الصحية الوطنية، والأهم من ذلك أن يعرف متى يجيب، ومتى ينصح المستخدم بالتوجه إلى الطبيب أو إلى قسم الطوارئ.

السعودية... استخدام التقنية من موقع القوة

في المملكة العربية السعودية تبدو الصورة مختلفة عن البيئات التي يصبح فيها الذكاء الاصطناعي بديلاً عن ضعف النظام الصحي. فالمملكة تمضي في واحدة من أكبر عمليات التحول الصحي عالمياً، ضمن برنامج تحول القطاع الصحي المنبثق من «رؤية السعودية 2030»، بهدف بناء منظومة تركز على الوقاية، وتحسين جودة الحياة، وتسهيل الوصول إلى الخدمات، وتسريع التحول الرقمي، وتمكين المريض من الحصول على رعاية أكثر كفاءة واستدامة.

ولا تقوم هذه المنظومة على جهة واحدة؛ بل على شبكة متكاملة تضم تجمعات وزارة الصحة الصحية، ومستشفى الملك فيصل التخصصي، ومركز البحوث، والشؤون الصحية بوزارة الحرس الوطني، ومدينة الأمير سلطان الطبية العسكرية، ومستشفيات قوى الأمن، إلى جانب قطاع خاص متطور يستثمر بصورة متسارعة في الذكاء الاصطناعي، والطب الرقمي، والتشخيص المتقدم، والرعاية الصحية الافتراضية.

برنامج المدن الصحية

ولم يقتصر التحول على المستشفيات؛ بل امتد إلى المجتمع نفسه من خلال برنامج المدن الصحية، الذي أصبح نموذجاً وطنياً يجمع بين الصحة العامة، والتخطيط الحضري، والاستدامة، وجودة الحياة، بمشاركة جهات حكومية ومجتمعية متعددة. واليوم تتصدر المملكة دول إقليم شرق المتوسط وشمال أفريقيا، بعد حصول 16 مدينة سعودية على اعتماد منظمة الصحة العالمية، بينما أصبحت جدة والمدينة المنورة أول مدينتين يزيد عدد سكانهما على مليون نسمة في الشرق الأوسط تنالان هذا الاعتماد، في إنجاز يعكس انتقال مفهوم الصحة من علاج المرض إلى بناء بيئة تعزز الوقاية والصحة وجودة الحياة.

وتعكس هذه الإنجازات انتقال المملكة من تطوير الخدمات الصحية إلى بناء منظومة صحية ذكية ومتكاملة، توظف الذكاء الاصطناعي والبيانات والتقنيات الحديثة لتعزيز الوقاية، وتحسين جودة الرعاية، وتمكين المريض من الوصول إلى خدمات صحية أكثر كفاءة واستدامة.

مستشفى الملك فيصل التخصصي... ريادة طبية تقود مستقبل الذكاء الاصطناعي الصحي

«الملك فيصل التخصصي» في الصدارة

================

/////////////الصورة رقم 4/////////////////

===============

ويأتي مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز البحوث في مقدمة المؤسسات التي تجسد التحول النوعي الذي يشهده القطاع الصحي السعودي. ففي أحدث التصنيفات العالمية لعام 2026، حافظ المستشفى على مكانته بوصفه أفضل مستشفى في الشرق الأوسط وأفريقيا، كما عزز حضوره بين نخبة المراكز الطبية الأكاديمية والمستشفيات الذكية على مستوى العالم، ليصبح أحد أبرز النماذج العالمية في توظيف الابتكار والذكاء الاصطناعي لخدمة المرضى.

ولا تكمن أهمية هذه المكانة في التصنيفات الدولية وحدها؛ بل فيما تمثله من بيئة متقدمة تجمع بين الطب الدقيق، والعلاجات الجينية، وزراعة الأعضاء، والجراحة الروبوتية، والتصوير الطبي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب البحث العلمي وترجمة الابتكارات إلى تطبيقات سريرية سريعاً، وهو ما جعل المستشفى وجهة علاجية وبحثية مرموقة على المستويين الإقليمي والدولي.

ولا يقتصر هذا التقدم على مؤسسة واحدة؛ إذ ضمت قائمة «نيوزويك» لأفضل مستشفيات العالم لعام 2026 ثلاثة مستشفيات سعودية ضمن أفضل 250 مستشفى عالمياً، في مؤشر على أن التحول الصحي في المملكة أصبح نهجاً مؤسسياً يشمل مختلف القطاعات الصحية، ويعزز مكانة السعودية بوصفها أحد أبرز مراكز الرعاية الصحية المتقدمة في المنطقة.

من «روبوت يجيب» إلى بوابة صحية موثوقة

تمتلك المملكة العربية السعودية فرصة للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، لا يقتصر فيها دور الذكاء الاصطناعي على الإجابة عن الأسئلة؛ بل يصبح جزءاً من منظومة صحية وطنية موثوقة. فبدلاً من أن يعتمد المواطن على منصة عامة قد لا تعرف تفاصيل النظام الصحي المحلي، يمكنه مستقبلاً الاستعانة بمساعد صحي ذكي مرتبط بالمصادر الرسمية، يفسر نتائج الفحوصات، ويوجه المريض إلى الخدمة المناسبة، ويساعد في حجز المواعيد، وينبه إلى علامات الخطر، مع بقاء التشخيص النهائي والقرار العلاجي بيد الطبيب.

وهذه ليست فرصة سعودية فحسب؛ بل فرصة عربية أيضاً. فمع ازدياد اعتماد المواطنين على الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات الصحية، لم يعد التحدي هو منعهم من استخدامه؛ بل ضمان أن تكون الإجابات دقيقة، وآمنة، ومرتبطة بالأنظمة الصحية الوطنية، وأن تقود المريض إلى الطبيب في الوقت المناسب، لا أن تحل محله.

لقد أثبتت الدراسة أن الملايين حول العالم بدأوا بالفعل يسألون الذكاء الاصطناعي قبل زيارة الطبيب. أما السؤال الذي سيحدد مستقبل الرعاية الصحية في العالم العربي، فهو ليس: هل سيستخدم الناس الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل سننجح في بناء ذكاء اصطناعي صحي عربي موثوق، يعكس احتياجات مجتمعاتنا، ويتحدث بلغتنا، ويفهم أنظمتنا الصحية، ويجعل التقنية جسراً إلى الطبيب، لا بديلاً عنه؟

وفي ظل هذا التحول، تبدو المملكة العربية السعودية في موقع يؤهلها لقيادة الجيل القادم من الرعاية الصحية الذكية في المنطقة؛ ليس لأنها تتبنى الذكاء الاصطناعي فحسب؛ بل لأنها تبني منظومة صحية متكاملة تجعل التقنية أداة لتعزيز الثقة بالطبيب، لا بديلاً عنه.


مقالات ذات صلة

ازدهار الذكاء الاصطناعي يرفع توقعات نمو تايوان إلى 11 في المائة... الأسرع منذ 4 عقود

الاقتصاد مشهد ليلي من منصة المراقبة في برج «تايبيه 101» (رويترز)

ازدهار الذكاء الاصطناعي يرفع توقعات نمو تايوان إلى 11 في المائة... الأسرع منذ 4 عقود

قالت وكالة الإحصاء التايوانية يوم الجمعة إن الاقتصاد المعتمد على التكنولوجيا في البلاد يتجه إلى تسجيل أسرع نمو له منذ نحو أربعة عقود هذا العام.

«الشرق الأوسط» (تايبيه )
الاقتصاد شعار الذكاء الاصطناعي «إيه آي» يعلو جدار مركز «غوغل» الجديد خلال حفل افتتاحه في برلين (د.ب.أ)

طفرة الذكاء الاصطناعي تدفع العوائد الحقيقية للسندات لأعلى مستوى في أكثر من عقد

قفزت مؤشرات تكلفة الاقتراض المعدلة وفقاً للتضخم إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقد في الاقتصادات الكبرى.

«الشرق الأوسط» (لندن )
يوميات الشرق بعض الوجوه أكبر من أن تُترك للخوارزميات (رويترز)

فريدي ميركوري نجم «كوين» بملامح «مشوّهة»... وبراين ماي غاضب

حضَّ السير براين ماي، رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، على وقف الذكاء الاصطناعي «قبل فوات الأوان»...

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد متداولون يراقبون بالقرب من شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في قاعة تداول العملات الأجنبية بمقر بنك هانا في سيول (أ.ب)

طفرة الذكاء الاصطناعي والرقائق تقود صعود الأسواق الآسيوية

ارتفعت معظم الأسهم الآسيوية يوم الخميس، مدفوعة بمكاسب أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
تكنولوجيا وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يتمكنون من تنفيذ المهام على هواتفنا من دون الحاجة إلى إعطائها (رويترز)

«غوغل» تكشف عن مستقبل الهواتف... الذكاء الاصطناعي ينفذ المهام بدلاً منك

ماذا لو لم تعد مضطراً إلى البحث طويلاً في بريدك الإلكتروني لحجز موعد متابعة مع طبيبك، أو إلى الكتابة على لوحة مفاتيح صغيرة لإرسال رسائل البريد الإلكتروني؟

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

ترويج مركبات تحاكي تأثيرات التمارين المفيدة... لرواد الصالات الرياضية

بنحاس كوهي في مختبره
بنحاس كوهي في مختبره
TT

ترويج مركبات تحاكي تأثيرات التمارين المفيدة... لرواد الصالات الرياضية

بنحاس كوهي في مختبره
بنحاس كوهي في مختبره

قبل بضعة أشهر، علم بنحاس كوهين بوجود تجارة رائجة عبر الإنترنت لنوع من البيبتيدات المسمى MOTS-c، وهو بيبتيد يُحاكي في تأثيره تأثيرات التمارين الرياضية عند حقنه في الفئران، كما كتب كورين بورتيكورين بورتيل(*).

كان كوهين، عميد كلية ليونارد ديفيس لعلم الشيخوخة بجامعة جنوب كاليفورنيا، على دراية تامة بهذا المركب، وهو سلسلة قصيرة من الأحماض الأمينية. وقد حدد مختبره هذه السلسلة منذ سنوات كواحدة من آلاف البيبتيدات التي تعمل كناقلات كيميائية في جسم الإنسان، والتي اعتقد كوهين أنها قد تُستخدم يوماً ما لأغراض علاجية للبشر.

ترويج بلا سند علمي

لكن كوهين شعر بالقلق عندما علم أن اكتشافه هذا يُروج له الآن من قِبل أعداد غفيرة من الباحثين عن طول العمر، وهواة اللياقة البدنية، والمؤثرين في مجال الصحة، باعتباره «تمريناً في زجاجة». ورغم عدم حصوله على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية، فإنه متوفر على نطاق واسع عبر الإنترنت، وغالباً ما يُباع في قوارير تُسوّق على أنها «للاستخدام البحثي فقط».

وقال كوهين: «اتضح أن عشرات الآلاف من الناس يحقنون أنفسهم بمادة MOTS-c، وهي مادة غير قانونية تُباع في السوق السوداء، ومن مصادر مجهولة، وبدرجة نقاء وتعقيم غير معروفة، وأنا أعترض بشدة على ذلك».

وخلال العقد الماضي ازداد طلب المستهلكين على البيبتيدات التجريبية بشكل كبير بسبب الضجة الإعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي وتزايد انعدام الثقة في توجيهات الصحة العامة. والآن، يُؤجج الجدل الدائر حول البيبتيدات غير الخاضعة للرقابة معركة سياسية حاسمة داخل الحكومة الفيدرالية. وقد وصف وزير الصحة والخدمات الإنسانية، روبرت ف. كينيدي جونيور، نفسه بأنه «مؤيد كبير» ومستخدم للبيبتيدات، وتعهد بإنهاء «القمع الشديد» الذي تمارسه الحكومة ضدها.

بعض البيبتيدات لها تأثيرات علاجية

وبينما حققت بعض البيبتيدات، مثل الإنسولين وهرمون النمو البشري والببتيد الشبيه بالغلوكاجون-1، تأثيرات علاجية مذهلة عند إعطائها للبشر. لكن كل قارورة من الإنسولين أو دواء GLP-1 على رفوف الصيدليات هي نتاج عقود من التجارب السريرية واختبارات السلامة. كما تتوفر كميات هائلة من البيانات حول تأثيرات هذه الأدوية، والفئات الأكثر فاعلية لها، والجرعة والشكل الأمثل لاستخدامها.

انعدام الأدلة العلمية

أما بالنسبة لـ«MOTS-c» ومجموعة من البيبتيدات الأخرى المتوفرة بكثرة على الإنترنت، فلا توجد أدلة مماثلة. على الرغم من أن المؤيدين يدّعون أن هذه المواد تساعد في إنقاص الوزن، وزيادة الطاقة، وبناء الكتلة العضلية، ويستشهدون غالباً بأبحاث أُجريت على الحيوانات فقط أو على عدد قليل جداً من البشر، إلا أنه لا أحد يعلم على وجه اليقين كيف أو متى يجب استخدامها على البشر. وبينما يتناول العديد من المستخدمين عدة بيبتيدات معاً في تركيبات مخصصة، أو ما يُعرف بـ«المجموعات»، لا توجد بيانات حول كيفية تفاعل البيبتيدات الاصطناعية المختلفة مع بعضها.

حتى الآن، كانت معظم هذه البيبتيدات الشائعة متوفرة فقط في الأسواق الإلكترونية غير الخاضعة للرقابة. ولكن أخيراً صوتت لجنة تابعة لإدارة الغذاء والدواء الأميركية لصالح التوصية بالسماح للصيدليات المتخصصة في تركيب الأدوية بتصنيع 6 بيبتيدات مختلفة متوفرة بالفعل على نطاق واسع عبر الإنترنت، وهي: BPC-157، وTB-500، وKPV، وepitalon، وSemax، وMOTS-c. أما البيبتيد السابع emideltide، فقد رُفض طلبه.

وتُعدّ الصيدليات التي تُحضّر الأدوية حسب الطلب ثغرةً في النظام الرقابي الأميركي. فرغم أن الأدوية التي تُنتجها غير معتمدة من قِبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية، فإنها مُلزمة باتباع لوائح السلامة والجودة في ولاياتها.

سافر كوهين إلى واشنطن العاصمة للتحدث أمام اللجنة، التي يعمل العديد من أعضائها في شركات الرعاية الصحية عن بُعد، وإطالة العمر، والعافية، والتي ستستفيد مالياً من تنظيم البيبتيدات. وبالنظر إلى أن «MOTS-c» يُستخدم بالفعل على نطاق واسع خارج نطاق الاستخدام المُصرّح به، وعدم وجود أدلة بحثية تُثبت وجود آثار جانبية ضارة، قال كوهين في كلمته إنه يعتقد أن تحضير الأدوية «تحت إشراف أطباء مُختصين ومراقبة الجودة» هو أسلم سبيل للمضي قدماً. وأضاف: «لا يُمكننا القضاء على السوق السوداء. لذا أعتقد أنه من الأفضل على الأقل ضمان الجودة والتعقيم، واشتراط مشاركة أطباء مُختصين في هذه العملية. أعتقد حقاً أن هذا خيار أفضل من ترك الأمور على حالها».

ولا يتفق الجميع معه. فقد نصح موظفو إدارة الغذاء والدواء الأميركية، الذين تحدثوا في الاجتماع الذي استمر يومين، بعدم استخدام تركيبات البيبتيدات، قائلين إنه لا توجد بيانات كافية حول سلامتها لتبرير هذه الخطوة.

ويقول بول كنوبفلر، أستاذ بيولوجيا الخلية وعلم التشريح البشري في كلية الطب بجامعة كاليفورنيا في ديفيس: «مع أنه من الصحيح أن معظم مُصنّعي التركيبات قادرون على إنتاج نسخ أنقى من هذه البيبتيدات مقارنةً بما هو موجود في السوق السوداء، فإن هذا لا يُعالج المخاطر الكامنة المحتملة للبيبتيدات نفسها. ليس هناك أي سبب وجيه يسمح لهم بتجاوز نظام التجارب السريرية القياسي لمجرد وجود رواج للبيبتيدات مدفوع بمؤثري الصحة وشركات التطبيب عن بُعد».

مخاطر الاستخدام طويل المدى

اكتشف كوهين ببتيد «MOTS-c» من خلال تحليل 97 في المائة من الحمض النووي البشري الذي لا يحمل جينات. هذا المخزون البيولوجي، الذي كان يُنظر إليه سابقاً على أنه «حمض نووي غير وظيفي» أو «جينوم مظلم»، تبين أنه غني بالهرمونات والبروتينات الدقيقة التي تلعب أدواراً مهمة في تنظيم أجهزة الجسم وعملياته الحيوية.

وقد نُشر ما يقارب 250 بحثاً علمياً من عشرات المختبرات البحثية حول العالم حول بيبتيد «MOTS-c» منذ أن اكتشفه مختبر كوهين. ورغم قلة مخاطر هذا البيبتيد وآثاره الجانبية، وتأثيراته الواضحة على الاستقلاب (التمثيل الغذائي) في الفئران، فإنه لا يُعرف حتى الآن كيف يؤثر استخدامه طويل الأمد على البشر، أو ما هي التركيبة أو الجرعة الأكثر فاعلية. ويبدو أن ادعاءات المؤثرين حول تأثير البيبتيدات على فقدان الوزن، وكتلة العضلات، وطول العمر، والطاقة لدى البشر، مستنبطة من تأثيراتها على حيوانات المختبر.

وقال كوهين: «بعض الفئات من الناس - على سبيل المثال، عشاق اللياقة البدنية، وهو مصطلح لطيف يُطلق على رواد الصالات الرياضية - يأخذون نتيجة واحدة من دراسة أُجريت على الفئران ويعتبرونها حقيقة مطلقة». وأضاف أنه في عالم مثالي، يتمنى أن يُطوّر «MOTS-c» ليصبح دواءً مُعتمداً من إدارة الغذاء والدواء الأميركية. لكن في الواقع، يتطلب نقل دواء واحد من المختبر إلى السوق وقتاً طويلاً (عشر سنوات على الأقل، وغالباً أكثر) وأموالاً طائلة (مئات الملايين من الدولارات على الأقل، وغالباً أكثر)، ما يجعل عدداً قليلاً جداً من المرشحين لتطويره ينجح في تحقيق هذا الهدف. وقد تعثرت جهوده الشخصية لتطوير دواء منه.

من سيطرة الأطباء... إلى سيطرة المروجين والمستهلكين

وحذر كوهين، قائلاً: «الصورة العامة هي أننا كأمة ننتقل من نموذج القرن العشرين، حيث كانت الرعاية الصحية خاضعة لسيطرة الأطباء وشركات التأمين، إلى نموذج جديد في القرن الحادي والعشرين، حيث يطالب المستهلكون ويحصلون على خدمات ومنتجات الصحة والعافية التي يدفعون ثمنها نقداً. لا أقول إن هذا نموذج أفضل، ولكنه النموذج الذي ننتقل إليه».

* «لوس أنجليس تايمز»، خدمات «تريبيون ميديا».


«قيادة الفضاء الأميركية»: 5 متطلبات لكسب حروب المستقبل

شكل تصويري لقمر اصطناعي يدور حول الأرض
شكل تصويري لقمر اصطناعي يدور حول الأرض
TT

«قيادة الفضاء الأميركية»: 5 متطلبات لكسب حروب المستقبل

شكل تصويري لقمر اصطناعي يدور حول الأرض
شكل تصويري لقمر اصطناعي يدور حول الأرض

صرح قائد قيادة الفضاء الأميركية بأن الأسلحة الفضائية والأقمار الاصطناعية القابلة لإعادة التزود بالوقود تأتي ضمن المتطلبات اللازمة للحفاظ على التفوق العسكري الأميركي في المدارات الفضائية مقارنة بالصين، كما كتب توماس نوفلي(*).

استعداد عسكري فضائي... بهدف التفوق على الصين

وفي كلمته أمام الحضور في «ندوة الدفاع الفضائي والصاروخي» أمس (الأربعاء)، قال الجنرال ستيفن وايتينغ إن خصوم أميركا يستهدفون الآلات الفضائية الأميركية ويعملون في الوقت نفسه على تطوير قدراتهم الفضائية بسرعة. وأشار إلى أن الصين، على سبيل المثال، تمتلك صواريخ مضادة للأقمار الاصطناعية (ASAT) تُطلق من الأرض مباشرة، وأنظمة ليزر أرضية، وأجهزة تشويش، وأقماراً اصطناعية قابلة للمناورة وذات استخدام مزدوج.

5 متطلبات رئيسية

وأضاف وايتينغ: «تهدف هذه التطورات إلى تقويض تفوقنا الحالي في الفضاء، ومن شأنها أن تمنح الصين ميزة في المناورة والخدمات اللوجستية في الفضاء؛ وهو أمر لن نقبل به سواء في البر أو البحر أو الجو». وفي كلمته الأخيرة بصفته قائداً لهذه القيادة القتالية (وهو منصب برتبة جنرال بـ4 نجوم) خلال الندوة المذكورة التي عقدت في هانتسفيل بألاباما، أوضح وايتينغ للحضور، ومن ضمنهم مسؤولون عسكريون وممثلون عن قطاع الصناعة، أن هناك 5 متطلبات رئيسية مدرجة ضمن «قائمة الأولويات المتكاملة» لقيادة الفضاء الأميركية للفترة ما بين عامي 2029 و2033.

وأضاف قائلاً: «هذه ليست مجرد قائمة أمنيات، بل هي مؤشر واضح على المتطلبات الموجهة لعدة جهات، وتحدد القدرات القتالية التي نحتاج إليها لإنجاز مهمتنا».

قدرات نارية متكاملة في الفضاء

1.القدرات النارية الفضائية المتكاملة: على غرار المصطلحات المستخدمة في الجيش البري، استخدم وايتينغ هذا المصطلح طوال فترة توليه قيادة الفضاء للإشارة إلى القدرات الهجومية والدفاعية اللازمة لردع التهديدات الموجودة في المدار. وقال: «نحن قيادة قتالية ومهمتنا القتال لكسب الحروب. ولكي ننتصر، نحتاج إلى قدرات نارية -سواء كانت حركية (تدميرية) أو غير حركية- تتسم بالمصداقية والفاعلية المعترف بها؛ إذ تُعد هذه القدرات عنصراً أساسياً في كيفية تحقيقنا التفوق الفضائي واستعادة قوة الردع الموثوقة».

مجابهة الأقمار منخفضة المدار

2. تقنيات مواجهة الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض. ذكر وايتينغ أن هناك حاجة لتقنيات جديدة لمواجهة كوكبات الأقمار الاصطناعية التي ينشرها الخصوم في المدار الأرضي المنخفض. وكانت الصين قد أطلقت حتى الشهر الماضي، 200 قمر اصطناعي للاتصالات من طراز «جي 60» G60 و168 قمراً من طراز «سات نت» SatNet في إطار سعيها لبناء «كوكبتين ضخمتين بهدف منافسة البنى التحتية الغربية المعتمدة على أسراب كثيفة من الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض، وذلك وفقاً لوثيقة حقائق صادرة عن «قوة الفضاء» الأميركية.

وصرح وايتينغ للصحافيين عقب كلمته الرئيسية قائلاً: «لا أريد تعريض أي قوة أميركية للخطر لمجرد أن طرفاً آخر قد يمتلك كوكبة كثيفة من الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض قادرة على رصد القوات الأميركية وتحديد مواقعها وتتبعها واستهدافها».

قيادة سيطرة مشتركة

3.القيادة والسيطرة الفضائية المشتركة والمتكاملة: غالباً ما يشدد القادة العسكريون على الأهمية المحورية للقدرة على الإشراف على العمليات الفضائية المعقدة وتنظيمها وإصدار الأوامر بشأنها. وقال وايتينغ في كلمته: «علينا تعزيز الاتصال المباشر بين الآلات (machine-to-machine) لدعم اتخاذ القرار وإدارة المعارك في هذا الصراع الفضائي العالمي، وذلك ضمن أطر زمنية تتناسب مع المتطلبات التكتيكية».

4.الوعي المخصص لفهم أعمال المجال الفضائي بهدف ممارسة الاشتباكات الفضائية: أشار وايتينغ إلى أن الأمر لا يقتصر على الدفاع الصاروخي فحسب؛ إذ يجب أن يتوسع الوعي بالمجال الفضائي ويتطور ليشمل نطاقاً واسعاً من العمليات الفضائية، وليس مجرد قطاع واحد منها. وأضاف قائلاً: «يجب علينا تبني عقلية تركز على (مسارات للتتبع ذات جودة عالية تتيح الاستهداف) في كل ما نقوم به في الفضاء، تماماً كما فعل مجتمع الدفاع الصاروخي لعقود».

الأقمار الاصطناعية القابلة للتزود بالوقود... أولوية

5.المناورة الفضائية المتواصلة والمستمرة: تظل عملية تطوير أقمار اصطناعية قابلة للتزود بالوقود -لإطالة فترة صلاحيتها التشغيلية- إحدى الأولويات الرئيسية للقيادة الفضائية الأميركية. ففي شهر مارس (آذار) الماضي، استخدم قمر اصطناعي تجاري صيني ذراعاً آلية مرنة «لإجراء تجربة عملية للخدمة والصيانة في المدار، والتزود بالوقود، وإزالة الحطام الفضائي»، وذلك حسب «قوة الفضاء» الأميركية.

وقال وايتينغ: «تقتصر قدرات أقمارنا الاصطناعية اليوم على كمية الوقود التي تنطلق بها، ما يولد عقلية قائمة على (شح الموارد)؛ إذ غالباً ما تكون الأولوية للحفاظ على الوقود على حساب مناورات القتال المطلوبة. يجب أن يتغير هذا الوضع؛ إذ يتعين علينا أن نكون قادرين على تجنب التهديدات بفاعلية والمناورة لاكتساب موقع تفوق على خصومنا».

* مجلة «ديفنس وان».


الذكاء الاصطناعي يهدد بتقويض التعليم الإلكتروني

الذكاء الاصطناعي يهدد بتقويض التعليم الإلكتروني
TT

الذكاء الاصطناعي يهدد بتقويض التعليم الإلكتروني

الذكاء الاصطناعي يهدد بتقويض التعليم الإلكتروني

يهدد الذكاء الاصطناعي بتقويض التعليم الإلكتروني، وهو قطاع مزدهر للكليات والجامعات، في ظلّ معاناة الأساتذة لمواجهة موجة الغشّ المتزايدة التي تُمكّنها التكنولوجيا، كما كتب دانا غولدستاين ووآلان بليندر(*)

التعليم عبر الإنترنت

في قاعات الدراسة التقليدية، تحوّل العديد من المدرسين إلى العروض الشفوية والاختبارات الكتابية في محاولة لمنع إساءة استخدام هذه التكنولوجيا غير الخاضعة للرقابة. لكنّ تطبيق هذه الاستراتيجيات قد يكون أكثر صعوبة عبر الإنترنت، حيث التحق أكثر من نصف طلاب الجامعات الأميركية بدورة واحدة على الأقل العام الماضي، مقارنةً بنحو الثلث في عام 2019.

في العديد من الدورات الدراسية عبر الإنترنت، سواء في الكليات المحلية أو الجامعات العالمية المرموقة، قد لا يلتقي الطلاب أساتذتهم أو زملاءهم، حتى عبر الفيديو. إذ إن هذه الدورات ذاتية التعلّم، وتعتمد على محاضرات مسجلة مسبقاً، وتُعرف أيضاً بالتعليم غير المتزامن. ويقدم الطلاب الواجبات والاختبارات إلكترونياً.

وبينما تُقدّم بعض الجامعات التعليم عبر الإنترنت بالكامل، يتزايد عدد الجامعات التقليدية التي تُوسّع نطاق برامجها الإلكترونية. أحياناً، يستطيع الطلاب الحصول على شهادات جامعية كاملة عبر الإنترنت. وفي حالات أخرى، يدرسون مقررات دراسية منفردة.

الغش بواسطة الذكاء الاصطناعي

وفي هذا السياق يتسارع الغش باستخدام الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، متجاوزاً مجرد نسخ ولصق المقالات ومجموعات التمارين التي تُنتجها برامج الدردشة الآلية. فقد مكّنت هذه البرامج الطلاب من توليد مقررات فصل دراسي كامل من العمل. فبمجرد توجيه أوامر بسيطة - مثل «سجّل الدخول وأكمل اختباري» - يستطيع الطالب استخدام المحتوى الذي يُحاكي محتواه المطلوب دراسياً. فهذه البرامج يمكنها مشاهدة فيديوهات المحاضرات، وإجراء الاختبارات، وكتابة الأبحاث، والتواصل لمناقشة واجبات القراءة.

مخاوف من الشهادات الإلكترونية

لطالما أُثيرت تساؤلات حول ما إذا كانت الشهادات من البرامج الإلكترونية تُعادل في قيمتها الشهادات التي تُمنح في الجامعات التقليدية. لكنّ صانعي السياسات وقادة التعليم أمضوا عقدين من الزمن في الترويج للتعليم الإلكتروني كأداة لتحقيق العدالة، تُمكّن الطلاب غير التقليديين، مثل أولياء الأمور العاملين ذوي الدخل المحدود، من الدراسة أينما ووقتما يُناسبهم. ويقول العديد من الطلاب إنّ الدراسة عبر الإنترنت جعلت الحصول على الشهادات الجامعية في متناول أيديهم.

لكنّ سهولة الوصول إلى الذكاء الاصطناعي تُعمّق الآن المخاوف بشأن أكثر أشكال التعليم العالي سهولةً، في الوقت الذي يُعاني فيه العديد من الطلاب من التداعيات الأكاديمية للجائحة، ويتساءلون عمّا إذا كانوا يمتلكون المهارات اللازمة للنجاح في الجامعة.

وفي مقابلات، وصف مُدرّسون من مختلف أنحاء البلاد شعورهم المُقلق بأنّ الذكاء الاصطناعي قد تسلّل إلى فصولهم الدراسية الرقمية.

تجربة مدرسة تعليم إلكتروني

كانت ردة فعل كارين كوستا -التي أمضت ما يقرب من 20 عاماً في تدريس دورات عبر الإنترنت- في البداية تتسم بالاستخفاف كلما تحدث الناس عن احتمالية تغلغل الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم العالي. لكنها تقول إنها لاحظت في العام الماضي «تدفقاً» لأعمال أنجزها طلابها باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وتستذكر كوستا - التي حصلت بنفسها على شهادة دراسات عليا متقدمة من خلال برنامج يعتمد بشكل أساسي على التعلم غير المتزامن في جامعة نورث إيسترن - أنها تساءلت حينها: «هل أنا أتعامل مع روبوتات هنا؟». وتعمل كاثرين كايسار في التدريس بالكليات المحلية منذ ثمانينات القرن الماضي. وقد لاحظت أخيراً أن الطلاب يقدمون أداءً متدنياً للغاية في اختبار أولي لمهارات علامات الترقيم والتنقيط، لكنهم سرعان ما يقدمون بعد ذلك أعمالاً ممتازة تزخر بعلامات الترقيم الدقيقة مثل النقطتين الرأسيتين والفاصلة والفاصلة المنقوطة.

تمييز نصوص الذكاء الاصطناعي الرديئة

وتقول كايسار - التي تشرف على دورات عبر الإنترنت منذ نحو 15 عاماً وتُرجع مشاكل التعليم العالي المتعلقة بسوء استخدام الذكاء الاصطناعي إلى إخفاقات تنظيمية وقيادية: «الأمر واضح للغاية؛ فالمعلمون ذوو الخبرة الطويلة، ممن يعملون أيضاً في مجالات التحرير والكتابة، يمكنهم عادةً تمييز النصوص الرديئة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي في غضون 30 ثانية».

وهي تفرض الآن إجراء اختبارات حضورية (وجهاً لوجه) في منتصف الفصل الدراسي وفي نهايته لبعض الفصول، مع توفير قاموس ورقي في مقدمة القاعة الدراسية.

غش واضح... وحلول غائبة

غالباً ما ينفي الطلاب في جميع أنحاء البلاد بشدة ارتكاب أي مخالفات، بينما يبدي المسؤولون وأعضاء هيئة التدريس -كما يُقال- تردداً مستمراً في فرض إجراءات تأديبية. ويعود ذلك جزئياً إلى احتمالية وقوع برمجيات كشف الذكاء الاصطناعي في الخطأ، ما يعني غياب الأدلة القاطعة على سوء السلوك. كما يخشى بعض الأساتذة أن يرفض بعض المسؤولين المخاطرة بخسارة «زبون يدفع الرسوم» في ظل تقلص الميزانيات وتغير التركيبة السكانية. علاوة على ذلك، يبدي قادة قطاع التعليم حماساً لتبني تقنية من شأنها إعادة تشكيل عالم العمل.

والنتيجة هي تباين في الاستجابة لحالات سوء استخدام الذكاء الاصطناعي؛ إذ يكتفي بعض الأساتذة بعدم الاكتراث، بينما يمنح آخرون درجات متدنية، في حين يسمح فريق ثالث للطلاب باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي دون قيود.

وقد دعا بعض أعضاء هيئة التدريس إلى فرض تنظيم حكومي لأدوات الذكاء الاصطناعي التي يستخدمها الطلاب. وحتى الآن، لم تتخذ شركات التكنولوجيا - التي تتحرك بمبادرات فردية - خطوات تذكر للحد من الغش باستخدام الذكاء الاصطناعي. وتطول هذه المشكلة كلاً من الفصول الدراسية التقليدية وتلك التي تُعقد عبر الإنترنت، إلا أن مراقبتها وضبطها يزدادان صعوبة عندما ينجز الطلاب مهامهم ويؤدون اختباراتهم من المنزل، بعيداً عن أنظار الأساتذة.

منصات الذكاء الاصطناعي التي لا ترفض الطلبات

في اختبارات أجرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، لم تقم أي من أدوات الذكاء الاصطناعي الثلاث الرائدة بين الطلاب — وهي «تشات جي بي تي» و«جيميناي» و«غرامرلي» Grammarly - برفض الطلبات (أو قول «لا») التي تطلب من برمجيات الدردشة الآلية كتابة ورقة بحثية نيابة عن الطالب. ورغم أن النسخ المرخصة للمدارس من هذه البرمجيات قد تفرض قيوداً أكثر صرامة، فإن لا شيء يمنع الطلاب من الالتفاف على تلك القيود باستخدام عناوين بريد إلكتروني شخصية أو أجهزة إضافية.

توظيف المنصات الذكية التعليمية

كما لم تمنع شركات الذكاء الاصطناعي هذه البرمجيات الذكية من تسجيل الدخول إلى منصات تعليمية مثل «كانفاس» Canvas و«براتسبايس» Brightspace و«بلاكبورد» Blackboard، التي تستخدمها الكليات لإدارة الفصول الدراسية عبر الإنترنت. ويمكن لتلك المنصات التعليمية رصد مؤشرات تدل على استخدام هذه البرمجيات، مثل الوقت المستغرق في إنجاز المهمة. ومع ذلك، أشار مسؤولو العديد منها إلى عدم وجود طريقة مضمونة تماماً لمنع الغش باستخدام هذه الأدوات الذكية.

وقال جيسون ويفر، رئيس مكتب العمليات في شركة «بلاكبورد»، إن «زبائننا يوضحون بجلاء أن النزاهة الأكاديمية لم تواجه ضغوطاً بهذا الحجم من قبل». وقد استحوذت الشركة أخيراً على تطبيق يتعلم أنماط الكتابة الخاصة بالطلاب للتحقق من صحة أعمالهم.

مطالبات تربوية وامتناع تكنولوجي

وطالب بعض التربويين بأن تقوم برمجيات الذكاء الاصطناعي العاملة داخل الدورات التدريبية عبر الإنترنت بالإفصاح عن هويتها، ليتسنى للأساتذة مراقبة كيفية استخدامها. غير أن شركات الذكاء الاصطناعي قاومت حتى الآن مثل هذه الشفافية.

وفي بيان لها، ذكرت شركة «بيربليكسيتي» Perplexity المطوّرة لمتصفح ويب مدعوم بالذكاء الاصطناعي يحظى بشعبية بين الطلاب — أن تقييد قدرة المستخدمين على الاستعانة بهذه الأدوات الذكية داخل أنظمة التعلم عبر الإنترنت، أو إلزام تلك الأدوات بالكشف عن هويتها، «من شأنه أن يعرض خصوصية الطالب وأمنه للخطر».

ولم ترد شركتا «غوغل» مطوّرة «جيميناي» و«أوبن إيه آي» مطوّرة «تشات جي بي تي» على استفسارات حول قيام برمجياتهما الذكية بانتحال شخصية الطلاب. وفي بيانات مكتوبة، أكدت كلتا الشركتين المنافستين أنهما تعملان جنباً إلى جنب مع التربويين لحماية التعلم الهادف.

أشكال غش أكثر حداثة... بالنظارات الذكية

وحذر خبراء من ظهور أشكال أكثر حداثة للغش باستخدام الذكاء الاصطناعي؛ إذ يمكن للأجهزة القابلة للارتداء، مثل النظارات، أن تتيح للطلاب طلب المساعدة حتى أثناء العمل عبر متصفح ويب مؤمّن، كما يمكن للشخصيات الافتراضية (الأفاتار) التي تعمل بالذكاء الاصطناعي انتحال شخصية الطلاب في مكالمات الفيديو.

إضافة عناصر تعليم واقعية لمكافحة الغش

وفي ظل غياب الحلول التقنية، بدأ بعض التربويين بمن فيهم كايسار، بدمج المزيد من العناصر الواقعية في الدورات التدريبية عبر الإنترنت. وقالت مارينا أميني، المديرة التنفيذية لمبادرة «California Virtual Campus» التي توفر دورات تعليمية عبر الإنترنت للكليات المحلية: «لا نريد حرمان الطلاب من إمكانية الوصول إلى هذه الأدوات». لكنها أشارت إلى إمكانية إضافة الأساتذة لعناصر مرنة تتطلب الحضور الشخصي، مثل إجراء اختبار داخل الفصل يُتاح على مدار عدة أيام. كما تعمدت بعض المؤسسات التعليمية تغيير أسلوب تصميم الواجبات الدراسية عبر الإنترنت، معتمدةً على إجابات شخصية يصعب على الذكاء الاصطناعي محاكاتها أو تزييفها.

* خدمة «نيويورك تايمز».