حين يسأل العرب الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب

أول خريطة شاملة لاستخدام سكان العالم الذكاء الاصطناعي في البحث عن المعلومات الصحية

لماذا يسأل المواطن العربي الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب؟
لماذا يسأل المواطن العربي الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب؟
TT

حين يسأل العرب الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب

لماذا يسأل المواطن العربي الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب؟
لماذا يسأل المواطن العربي الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب؟

في منتصف ليلة صيفية، يستيقظ أبٌ على ارتفاع حرارة طفله، أو يشعر رجل بألم مفاجئ في صدره، أو تحاول سيدة فهم نتيجة تحليل طبي وصلت إلى هاتفها قبل موعد الطبيب.

أسئلة طبية إلى الذكاء الاصطناعي

قبل سنوات، كانت الخطوة الأولى هي الاتصال بالطبيب أو التوجه إلى أقرب مستشفى. أما اليوم، ففي كثير من الحالات يبدأ المشهد بطريقة مختلفة؛ إذ تمتد اليد إلى الهاتف، ويُكتب السؤال موجَّهاً إلى أحد روبوتات الذكاء الاصطناعي: ماذا تعني هذه الأعراض؟ وهل تستدعي زيارة الطوارئ؟

لم يعد هذا المشهد استثناءً؛ بل أصبح واقعاً يومياً يتكرر ملايين المرات حول العالم، بما في ذلك في العالم العربي. ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، لم تعد هذه الأنظمة تقتصر على الإجابة عن الأسئلة العامة؛ بل أصبحت بالنسبة إلى كثير من الناس البوابة الأولى للحصول على المعلومات الصحية قبل اتخاذ قرار زيارة الطبيب.

لكن السؤال الأهم لم يعد: كم شخصاً يستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح: لماذا يلجأ إليه الناس؟ وهل يعكس ذلك تطور الأنظمة الصحية، أم صعوبة الوصول إليها، أم تغيراً في سلوك المجتمع وثقته بمصادر المعلومات؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة، جاءت دراسة عالمية حديثة لتقدم أول خريطة شاملة لكيفية استخدام سكان أكثر من مائة دولة للذكاء الاصطناعي في البحث عن المعلومات الصحية، كاشفة عن اختلافات لافتة بين الدول، ومثيرة في الوقت نفسه سؤالاً أكثر أهمية بالنسبة إلينا: أين يقف العالم العربي من هذا التحول، وهل يمكن أن تصبح السعودية النموذج الإقليمي للرعاية الصحية الذكية؟

دراسة عالمية ترسم خريطة استخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات صحية

أول خريطة عالمية من 1.7 مليون محادثة

جاءت الإجابة في دراسة حديثة نشرتها مجلة «نيتشر هيلث» (Nature Health) في 15 يوليو (تموز) 2026، تُعد من أكبر الدراسات التي تناولت سلوك مستخدمي الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي. فقد حلل الباحثون نحو 1.7 مليون محادثة صحية مجهولة الهوية أُجريت عبر منصة «كوبايلوت من مايكروسوفت» (Microsoft Copilot) في 109 دول ومناطق، لرسم أول خريطة عالمية توضح كيف ولماذا يلجأ الناس إلى روبوتات المحادثة عند البحث عن المعلومات الصحية.

ولم يقتصر التحليل على عدد الأسئلة؛ بل تناول طبيعتها أيضاً، بدءاً من الاستفسار عن الأعراض والأمراض، مروراً بالصحة النفسية ونمط الحياة، ووصولاً إلى تفسير نتائج الفحوصات، وفهم التقارير الطبية، والبحث الأكاديمي، وحتى المساعدة في التنقل داخل الأنظمة الصحية.

انخفاض ثقة المواطنين بمستشفياتهم يؤدي إلى ازدياد استخدام الذكاء الاصطناعي

لكن النتيجة الأكثر إثارة لم تكن مرتبطة بمستوى دخل الدولة ولا انتشار الإنترنت؛ بل بعامل أقل توقعاً: الثقة بالمؤسسات الصحية. فقد أظهرت الدراسة أن الدول التي تنخفض فيها ثقة المواطنين بمستشفياتها تشهد -في المتوسط- معدلات أعلى من اللجوء إلى روبوتات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات الصحية. ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي أصبح بديلاً عن الطبيب، أو أن ضعف الثقة هو السبب المباشر، ولكنه يشير إلى أن الإنسان يبحث عن إجابة فورية عندما يشعر بأن الوصول إلى المعلومة الطبية ليس سهلاً ولا سريعاً بما يكفي.

العالم العربي ليس خريطة صحية واحدة

تكشف الخريطة العربية المستنبطة من الدراسة أن العالم العربي لا يمثل نموذجاً صحياً واحداً؛ بل مجموعة من الأنظمة الصحية التي تختلف في مستوى تطورها الرقمي، وسهولة الوصول إلى خدماتها، وثقة المجتمع بمؤسساتها الطبية. ولذلك، فمن الطبيعي أن تختلف أيضاً الطريقة التي يلجأ بها المواطن إلى الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات الصحية.

وفي بعض الدول، قد يفتح المستخدم روبوت المحادثة ليفهم نتيجة تصوير بالرنين المغناطيسي، أو ليستفسر عن أحدث الخيارات العلاجية، أو ليحدد التخصص الأنسب لحالته. وفي دول أخرى، قد يكون السؤال أكثر إلحاحاً: هل تستدعي هذه الأعراض الذهاب إلى المستشفى؟ وهل أستطيع تأجيل زيارة الطبيب؟ وما العلاج الأولي الذي يمكن أن أبدأ به؟

خريطة استخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات صحية في العالم العربي

وتشير الخريطة المصاحبة للدراسة إلى تباين واضح في كثافة المحادثات الصحية بين الدول العربية، وهو تباين لا يعكس انتشار الذكاء الاصطناعي وحده؛ بل يعكس أيضاً اختلاف احتياجات المجتمعات، وسهولة الوصول إلى الرعاية الصحية، ومستوى الوعي الصحي، وثقة المواطنين بمنظوماتهم الطبية. ومن المهم الإشارة إلى أن تدرجات الألوان تمثل مؤشرات تقريبية مستنبطة من الدراسة، وليست ترتيباً رقمياً رسمياً للدول.

ومن هنا، فإن الرسالة الأهم لا تتعلق بمن يستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر من غيره؛ بل بسبب استخدامه. ففي بعض البيئات يصبح الذكاء الاصطناعي بديلاً مؤقتاً للحصول على المعلومة، بينما يتحول في بيئات أخرى إلى أداة ذكية تدعم نظاماً صحياً متقدماً، وتساعد المريض على الوصول إلى الخدمة المناسبة بسرعة وكفاءة. وهذا هو الفارق الذي يميز مستقبل الرعاية الصحية في المنطقة.

لماذا يسأل المواطن العربي الآلة؟

================

/////////////الصورة رقم 3/////////////////

===============

لا يلجأ المواطن العربي إلى الذكاء الاصطناعي لسبب واحد؛ بل لأسباب تختلف باختلاف الدولة والظروف. فقد يبحث عن إجابة سريعة في منتصف الليل، أو يحاول فهم نتيجة فحص طبي قبل موعد الطبيب، أو يستفسر عن الآثار الجانبية لدواء جديد، أو يطلب تفسيراً لمصطلحات طبية معقدة بلغة يفهمها. وفي بعض المناطق، قد يكون طول قوائم الانتظار، أو بُعد المنشآت الصحية، أو ارتفاع تكلفة الاستشارة، من العوامل التي تدفعه إلى البحث عن إجابة أولية عبر روبوتات المحادثة.

كما توفر هذه الأنظمة مساحة من الخصوصية تشجع كثيرين على طرح أسئلة قد يترددون في مناقشتها وجهاً لوجه، مثل قضايا الصحة النفسية، والسمنة، والمشكلات الزوجية، والأمراض التي ما زالت ترتبط بوصمة اجتماعية في بعض المجتمعات.

لكن هنا يكمن التحدي الحقيقي. فالذكاء الاصطناعي قادر على تقديم معلومات طبية مفيدة، ولكنه لا يعرف التاريخ المرضي الكامل للمستخدم، ولا نتائج جميع فحوصاته، ولا الأدوية التي يتناولها، ولا يستطيع إجراء فحص سريري. لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله المريض هو أن يحول المعلومة إلى تشخيص، أو النصيحة العامة إلى قرار علاجي.

ومن هنا، فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي الصحي في العالم العربي لا يتوقف على إجادته اللغة العربية فحسب؛ بل على قدرته على فهم اللهجات المحلية، والسياق الثقافي، وأسماء الأدوية المتداولة، والأنظمة الصحية الوطنية، والأهم من ذلك أن يعرف متى يجيب، ومتى ينصح المستخدم بالتوجه إلى الطبيب أو إلى قسم الطوارئ.

السعودية... استخدام التقنية من موقع القوة

في المملكة العربية السعودية تبدو الصورة مختلفة عن البيئات التي يصبح فيها الذكاء الاصطناعي بديلاً عن ضعف النظام الصحي. فالمملكة تمضي في واحدة من أكبر عمليات التحول الصحي عالمياً، ضمن برنامج تحول القطاع الصحي المنبثق من «رؤية السعودية 2030»، بهدف بناء منظومة تركز على الوقاية، وتحسين جودة الحياة، وتسهيل الوصول إلى الخدمات، وتسريع التحول الرقمي، وتمكين المريض من الحصول على رعاية أكثر كفاءة واستدامة.

ولا تقوم هذه المنظومة على جهة واحدة؛ بل على شبكة متكاملة تضم تجمعات وزارة الصحة الصحية، ومستشفى الملك فيصل التخصصي، ومركز البحوث، والشؤون الصحية بوزارة الحرس الوطني، ومدينة الأمير سلطان الطبية العسكرية، ومستشفيات قوى الأمن، إلى جانب قطاع خاص متطور يستثمر بصورة متسارعة في الذكاء الاصطناعي، والطب الرقمي، والتشخيص المتقدم، والرعاية الصحية الافتراضية.

برنامج المدن الصحية

ولم يقتصر التحول على المستشفيات؛ بل امتد إلى المجتمع نفسه من خلال برنامج المدن الصحية، الذي أصبح نموذجاً وطنياً يجمع بين الصحة العامة، والتخطيط الحضري، والاستدامة، وجودة الحياة، بمشاركة جهات حكومية ومجتمعية متعددة. واليوم تتصدر المملكة دول إقليم شرق المتوسط وشمال أفريقيا، بعد حصول 16 مدينة سعودية على اعتماد منظمة الصحة العالمية، بينما أصبحت جدة والمدينة المنورة أول مدينتين يزيد عدد سكانهما على مليون نسمة في الشرق الأوسط تنالان هذا الاعتماد، في إنجاز يعكس انتقال مفهوم الصحة من علاج المرض إلى بناء بيئة تعزز الوقاية والصحة وجودة الحياة.

وتعكس هذه الإنجازات انتقال المملكة من تطوير الخدمات الصحية إلى بناء منظومة صحية ذكية ومتكاملة، توظف الذكاء الاصطناعي والبيانات والتقنيات الحديثة لتعزيز الوقاية، وتحسين جودة الرعاية، وتمكين المريض من الوصول إلى خدمات صحية أكثر كفاءة واستدامة.

مستشفى الملك فيصل التخصصي... ريادة طبية تقود مستقبل الذكاء الاصطناعي الصحي

«الملك فيصل التخصصي» في الصدارة

================

/////////////الصورة رقم 4/////////////////

===============

ويأتي مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز البحوث في مقدمة المؤسسات التي تجسد التحول النوعي الذي يشهده القطاع الصحي السعودي. ففي أحدث التصنيفات العالمية لعام 2026، حافظ المستشفى على مكانته بوصفه أفضل مستشفى في الشرق الأوسط وأفريقيا، كما عزز حضوره بين نخبة المراكز الطبية الأكاديمية والمستشفيات الذكية على مستوى العالم، ليصبح أحد أبرز النماذج العالمية في توظيف الابتكار والذكاء الاصطناعي لخدمة المرضى.

ولا تكمن أهمية هذه المكانة في التصنيفات الدولية وحدها؛ بل فيما تمثله من بيئة متقدمة تجمع بين الطب الدقيق، والعلاجات الجينية، وزراعة الأعضاء، والجراحة الروبوتية، والتصوير الطبي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب البحث العلمي وترجمة الابتكارات إلى تطبيقات سريرية سريعاً، وهو ما جعل المستشفى وجهة علاجية وبحثية مرموقة على المستويين الإقليمي والدولي.

ولا يقتصر هذا التقدم على مؤسسة واحدة؛ إذ ضمت قائمة «نيوزويك» لأفضل مستشفيات العالم لعام 2026 ثلاثة مستشفيات سعودية ضمن أفضل 250 مستشفى عالمياً، في مؤشر على أن التحول الصحي في المملكة أصبح نهجاً مؤسسياً يشمل مختلف القطاعات الصحية، ويعزز مكانة السعودية بوصفها أحد أبرز مراكز الرعاية الصحية المتقدمة في المنطقة.

من «روبوت يجيب» إلى بوابة صحية موثوقة

تمتلك المملكة العربية السعودية فرصة للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، لا يقتصر فيها دور الذكاء الاصطناعي على الإجابة عن الأسئلة؛ بل يصبح جزءاً من منظومة صحية وطنية موثوقة. فبدلاً من أن يعتمد المواطن على منصة عامة قد لا تعرف تفاصيل النظام الصحي المحلي، يمكنه مستقبلاً الاستعانة بمساعد صحي ذكي مرتبط بالمصادر الرسمية، يفسر نتائج الفحوصات، ويوجه المريض إلى الخدمة المناسبة، ويساعد في حجز المواعيد، وينبه إلى علامات الخطر، مع بقاء التشخيص النهائي والقرار العلاجي بيد الطبيب.

وهذه ليست فرصة سعودية فحسب؛ بل فرصة عربية أيضاً. فمع ازدياد اعتماد المواطنين على الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات الصحية، لم يعد التحدي هو منعهم من استخدامه؛ بل ضمان أن تكون الإجابات دقيقة، وآمنة، ومرتبطة بالأنظمة الصحية الوطنية، وأن تقود المريض إلى الطبيب في الوقت المناسب، لا أن تحل محله.

لقد أثبتت الدراسة أن الملايين حول العالم بدأوا بالفعل يسألون الذكاء الاصطناعي قبل زيارة الطبيب. أما السؤال الذي سيحدد مستقبل الرعاية الصحية في العالم العربي، فهو ليس: هل سيستخدم الناس الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل سننجح في بناء ذكاء اصطناعي صحي عربي موثوق، يعكس احتياجات مجتمعاتنا، ويتحدث بلغتنا، ويفهم أنظمتنا الصحية، ويجعل التقنية جسراً إلى الطبيب، لا بديلاً عنه؟

وفي ظل هذا التحول، تبدو المملكة العربية السعودية في موقع يؤهلها لقيادة الجيل القادم من الرعاية الصحية الذكية في المنطقة؛ ليس لأنها تتبنى الذكاء الاصطناعي فحسب؛ بل لأنها تبني منظومة صحية متكاملة تجعل التقنية أداة لتعزيز الثقة بالطبيب، لا بديلاً عنه.


مقالات ذات صلة

«إنفيديا» تعزز إعادة شراء أسهمها بـ150 مليار دولار وسط طفرة الذكاء الاصطناعي

الاقتصاد شعار «إنفيديا» (رويترز)

«إنفيديا» تعزز إعادة شراء أسهمها بـ150 مليار دولار وسط طفرة الذكاء الاصطناعي

رفعت «إنفيديا» سقف برنامجها لإعادة شراء الأسهم بمقدار قياسي يبلغ 150 مليار دولار، بما يعكس قوة التدفقات النقدية التي تولدها طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا (الولايات المتحدة))
الولايات المتحدة​ شعار شركة «إنفيديا» خلال معرض في تايبيه بتايوان (أ.ب)

«إنفيديا» تبتكر منصة لمنع اختراقات الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «إنفيديا» للرقائق الإلكترونية أنها ابتكرت منصة أمنية قادرة على منع أنظمة الذكاء الاصطناعي الخارقة من الخروج عن السيطرة.

علي بردى (واشنطن)
تكنولوجيا الملياردير الأميركي إيلون ماسك (د.ب.أ)

ماسك: تواصل الذكاء الاصطناعي معنا دون شرائح الدماغ سيكون أشبه بـ«التحدث إلى شجرة»

قال الملياردير الأميركي إيلون ماسك إن رقائق الدماغ التي تُطورها شركته « نيورالينك» قد تصبح ضرورية لمساعدة البشر على التواصل بشكل أسرع مع الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد كلمات «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويد روبوتية في رسم توضيحي (رويترز)

«جيه بي مورغان»: تراجع أسهم الذكاء الاصطناعي قد يعزز جاذبية القطاع

قال محللون لدى «جيه بي مورغان»، يوم الاثنين، إن التراجع الأخير في أسهم الذكاء الاصطناعي عالمياً أدى إلى تحسن مراكز المستثمرين وجعل تقييمات الأسهم أكثر جاذبية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ بيل غيتس (د.ب.أ) p-circle

بيل غيتس: الذكاء الاصطناعي دون رقابة قد يتسبب في «مليار وفاة»

قال بيل غيتس، ‌المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، إن الذكاء الاصطناعي إذا تُرك دون رقابة فقد يتسبب في «وفاة مليار شخص».

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء
TT

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

في ظهيرة أحد الأيام الماضية، كان عدد من العلماء يتحرك بنشاط ودأب داخل مختبر في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس، حيث عكفوا على إجراء سلسلة من التجارب. وكانت تجهيزات المختبر اعتيادية: خزانة تهوية مخصصة للتعامل مع المواد الكيميائية الخطرة، وحاضنة لزراعة الخلايا. كما بدت إجراءات العمل مطابقة لما يجري في مختبرات علم الأحياء في كل مكان.

ذكاء اصطناعي للمراقبة

إلا أنه مع إمعان النظر، ظهرت بعض الأمور الغريبة؛ إذ كان معظم العلماء يضعون كاميرات صغيرة مثبتة على عصابات للرأس إلى جانب المعاطف والقفازات الواقية التي يرتدونها. وتولت ثلاث كاميرات إضافية مراقبة كل محطة عمل من أعلى، حيث كانت مثبتة على رف قريب.

أما الغريب واللافت فكان غياب دفاتر التسجيلات المختبرية. وبدلاً منها، كان العلماء يصفون عملهم بصوت خافت، وهم يتمتمون في ميكروفونات. وفي أحد أطراف المختبر، تجمع فريق لمراجعة تسجيلات مصورة للتجارب.

في واقع الأمر، كان هذا هو بحث حقيقي يجري داخل المختبر، فمن خلال منظومة من أجهزة الاستشعار والبرمجيات، صُممت لتسجيل ما يحدث في أثناء إجراء التجارب، بدقة تصل إلى مستوى الملّي ثانية، كان العلماء يدربون نماذج للذكاء الاصطناعي على التعرف إلى كل أداة يستخدمها العلماء، وكل حركة أو إجراء يتخذونه.

والمثير هنا أن الذكاء الاصطناعي ألًف سرداً خاصاً به، وصف من خلاله كل بضع ثوانٍ من التسجيل المصور بجمل مثل: «يعيد المشغّل تعليق الراسب، بتحريكه إلى أعلى وأسفل 10 مرات باستخدام الماصّة».

تعود هذه التكنولوجيا إلى شركة ناشئة تُدعى «ترانسفير»، أسست حديثاً، بعدما جمعت تمويلاً أولياً بقيمة 25 مليون دولار. وهي تسعى إلى معالجة تحدٍّ قديم قِدم البحث العلمي نفسه: رصد العوامل الخفية التي تجعل بعض التجارب تنجح، بينما تفشل أخرى.

إن الفشل قد يتخذ صوراً كثيرة. وعلى سبيل المثال، قد يقضي الباحثون شهوراً في إعداد سلالة من الخلايا المعدلة هندسياً، لتموت الخلايا فجأة على نحو غامض. وقد ينجح اختبار حكومي مثلاً للكشف عن فيروس «كورونا» في مختبر ما، ثم يفشل في اكتشاف الفيروس، عندما يستخدمه باحثون في مختبرات أخرى.

ويمكن أن تنجح شركة متخصصة في التكنولوجيا الحيوية في ابتكار دواء جديد واعد، لكن ما إن تسلّم بروتوكول إنتاجه إلى فريق يتولى تصنيعه على نطاق واسع، تختفي فاعلية الدواء فجأة.

في هذا الصدد، قالت آنا ماري فاغنر، المؤسسة المشاركة في شركة «ترانسفير»: «إنها مشكلة مؤلمة للغاية. يبدأ تبادل الاتهامات من هذا الطرف إلى ذاك: هل كان البروتوكول الذي اتبعته خاطئاً؟ أم أنك ارتكبت خطأ ما؟ هذه أخطاء باهظة التكلفة للغاية، من حيث الوقت والمال وحياة البشر».

أيدي العلماء «السحرية»

العجيب أن النجاح لا يقل غموضاً أحياناً عن الفشل، فهناك باحثون يحالفهم النجاح باستمرار في تجاربهم، فيثيرون إعجاب زملائهم وحيرتهم في آن واحد. بل إن العلماء لديهم مصطلح خاص لوصف هذه الموهبة: «الأيدي السحرية». وقد تبدو هذه الفكرة مثيرة للدهشة لمن لا يقضون حياتهم داخل المختبرات؛ فالعلم، في نهاية المطاف، لا يُفترض أن يكون ضرباً من ضروب السحر.

بوجه عام، عندما يجري العلماء تجاربهم، فإنهم يحرصون على تسجيل نتائجها بدقة، سواء في دفاتر المختبر أو لاحقاً في أوراق بحثية منشورة. ويستعين باحثون آخرون بهذه المعلومات لمحاولة تكرار التجربة.

ومع ذلك، فإنه بمرور الوقت كل عالم يكتشف، عاجلاً أم آجلاً، أن المعرفة الأساسية التي يحتاج إليها ليست بالضرورة مدونة في أي مكان. وفي هذا السياق، شرح جوناثان ليفني، كبير الباحثين لدى «معهد برود»، الذي تعاون مع شركة «ترانسفير»: «البروتوكول أشبه بالوصفة. يمكنك أن تعطي شخصاً وصفة، لكن هذا لا يعني أنها ستجعله طاهياً ماهراً».

ومثلما الحال مع الطهاة المتدربين، يقضي العلماء سنوات في التعلم والتدريب، ويلازمون الخبراء، ويطرحون الأسئلة، ويجربون بأنفسهم مختلف الإجراءات والأساليب.

ولكي تنجح تجربة ما، قد يضطر العالم إلى اتخاذ آلاف القرارات الصغيرة على مدار اليوم. مثلاً، إذا كان أحد الأنابيب يحتاج إلى الرجّ، فهل يُترك ليدور على منصة اهتزاز، أم يكفي تحريكه ذهاباً وإياباً باليد؟

وأضاف ليفني: «أحياناً لا يعرف الأشخاص البارعون حقاً سر براعتهم؛ فهم لا يتذكرون المرات العشرين، التي جربوا فيها طرقاً أخرى وفشلت».

في ستينات القرن الماضي، أطلق الكيميائي والفيلسوف المجري مايكل بولاني، اسماً على هذه الخبرة الغامضة: «المعرفة الضمنية». وكان يردد دوماً: «نحن نعرف أكثر مما نستطيع أن نقول». وفيما بينهم، بات العلماء يتفقون عموماً مع بولاني على أن المعرفة الضمنية، تشكل جزءاً أساسياً من البحث العلمي، لكنها قد تعرقل تقدمه كذلك.

رصد تقدم البحوث

نظرياً، يتقدم العلم حين يبني الباحثون على ما توصل إليه من سبقوهم. وعندما تصدر دراسة جديدة، يحاول علماء آخرون تكرار العمل الذي أُجري فيها، فإذا كانت النتيجة الأصلية صحيحة، فمن المفترض أن تؤدي محاولة تكرارها إلى النتائج نفسها.

بيد أن المثير للدهشة أن ذلك لا يحدث، في الغالب. وهنا، تمثل المعرفة الضمنية جزءاً من المشكلة. وعليه، يبقى العلماء عاجزون عن معرفة الطريقة الدقيقة لتكرار دراسة ما بمجرد قراءة ما كُتب عنها.

خلال عملها بأبحاث ما بعد الدكتوراه، أدركت رينيه ويغرزين، إحدى مؤسسات شركة «ترانسفير»، هذه الفجوة بوضوح. فقد كانت تدون تفاصيل تجاربها على البروتينات في دفتر المختبر، لكن ما سجّلته لم يكن سوى جزء بسيط من جهودها.

وعندما نشرت ويغرزين نتائجها اضطرت إلى اختزال سجلاتها بدرجة أكبر. وقالت: «أمضيت ثلاث سنوات في مرحلة ما بعد الدكتوراه، ثم جرى اختزال كل ذلك في ورقة بحثية من ثلاث صفحات».

وبطبيعة الحال، غابت عن تلك الملاحظات والتقارير، جميع القرارات الصغيرة التي اتخذتها ويغرزين، في أثناء إجراء أبحاثها.

وقال برايان نوسِك، الخبير في دلائل تكرار الدراسات بجامعة فرجينيا، والذي لا تربطه صلة بشركة «ترانسفير»: «قد تكون كل هذه التفاصيل مهمة، لكننا ببساطة لا نعرف على وجه اليقين ما إن كانت مهمة بالفعل».

وعندما تفشل دراسة مكررة في الوصول إلى النتائج الأصلية، فإن هذا قد يعني أن الدراسة الأولى كانت خاطئة. وربما كانت صحيحة بالفعل، لكن العلماء الذين حاولوا تكرارها ارتكبوا خطأً ما، من دون أن يدركوا ذلك. وقد يكون من الصعب على فرق العلماء أن تتفق على ما حدث بالضبط.

عام 1993، أفادت عالمة النفس فرانسيس راوشَر وزملاؤها بأن الأشخاص الذين يستمعون إلى موسيقى من تأليف فولفغانغ أماديوس موتسارت، يحققون تحسناً مؤقتاً في اختبارات الاستدلال. وأدى الجدل الذي أُثير حول ما عُرف باسم «تأثير موتسارت»، إلى دفع باحثين آخرين لإجراء تجاربهم الخاصة.

المثير أن كثيرين منهم لم يجدوا أي فائدة تُذكر. أما راوشَر، فقد قللت من أهمية هذه الإخفاقات، وقالت إن العلماء الآخرين لم يجربوا «تأثير موتسارت»، لأنهم لم يكونوا بارعين بما يكفي في إجراء التجارب؛ أي إنهم لم يكونوا «طهاة» علميين جيدين.

ولسنوات طويلة، استمر البحث عن «تأثير «موتسارت». وفي نهاية المطاف، لم يجد علماء آخرون سوى أدلة ضئيلة على وجوده.

ودفع هذا الوضع بعض العلماء نحو البحث عن وسائل جديدة لنقل المعرفة الضمنية. على سبيل المثال، عام 2006، أسس عالم الأحياء موشي بريتسكر دورية علمية حملت اسم «JoVE» تُنشر فيها مقاطع مصورة لعلماء، وهم يجرون تجارب معقدة.

وعام 2014، أنشأ عالم الأحياء ليني تيتلمان منصة تتيح للعلماء مشاركة بروتوكولاتهم ومناقشتها. ويستخدم الباحثون الموقع، ويحمل اسم «بروتوكولز دوت آي أو Protocols.io »، للمساعدة في تدريب الأعضاء الجدد في مختبراتهم، خاصة بعد رحيل العلماء ذوي الخبرة، الذين لطالما امتلكوا تلك «الأيدي السحرية».

أما ويغرزِن وفاغنر فتعملان من خلال «ترانسفير» على بناء نظام قادر على جمع كميات هائلة من البيانات عما يحدث داخل المختبر، في صورة تسجيلات مصورة وتسجيلات صوتية وبيانات صادرة عن أجهزة الاستشعار في معدات المختبر. بل وتتبع «ترانسفير» مصدر مستلزمات العمل، وصولاً إلى أرقام تشغيلات علب القفازات. والسؤال: لماذا كل هذا؟ عن ذلك، أجابت فاغنر: «ربما كان هناك أبخرة أو مواد متصاعدة من القفاز تؤثر في تجربتك».

من جهته، يرى نوسِك أن هذا النهج الجديد قد يكشف بعض الأسرار التي تفسر سبب نجاح التجارب أو فشلها. وقال: «أكثر ما يعجبني في عملهم أنهم ينطلقون بكل قوة في محاولة تفكيك كل تفصيلة. من المنطقي تماماً أن نذهب إلى أبعد مدى، ثم نكتشف ما الذي يهم بالفعل».

وتُدخل الشركة سجلها الرقمي للتجارب إلى أجهزة حاسوبية جرى تدريبها على التعرف إلى المعدات المستخدمة في تجارب الكيمياء الحيوية. وتتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي تتبع المعدات، إلى جانب أيدي العلماء، وفك شفرة كل إجراء يقومون به.

وقد كشف هذا التحليل عن أن العاملين في المختبرات يجرون التجربة نفسها بطرق مختلفة للغاية. وعن هذا، قالت فاغنر: «إن حجم التباين الذي نراه حتى بين العلماء المدربين جيداً، مذهل حقاً».

جدير بالذكر هنا أن شركة «ترانسفير» تعاقدت مع شركة متخصصة في الاختبارات التشخيصية، إلى جانب عملاء آخرين يرغبون في استخدام برمجياتها لتتبع أبحاثهم. وقالت فاغنر إنه ربما في نهاية المطاف يقتصر دور النظام على كشف الأخطاء، بل ويمتد كذلك إلى توثيق الاكتشافات غير المتوقعة.

وبدلاً من تقليب دفاتر المختبر بحثاً عن خيوط تقود إلى تفسير ما حدث، يستطيع النظام العودة إلى كل ثانية من العمل، مع الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للبحث عن أمور غير مألوفة قام بها العاملون من دون أن يدركوا ذلك.

وقال نوسِك إن على «ترانسفير» تقديم نتائج مفصلة لإثبات أن هذا النظام يجعل العلم أفضل بالفعل. واقترح قائلاً: «خذ 50 مختبراً، وتتبع التجارب في نصفها باستخدام هذه التكنولوجيا، ولا تتتبعها في النصف الآخر، ثم ابحث عن الفروق في مستوى التقدم».

• خدمة «نيويورك تايمز»

نظم ذكية تؤلف سرداً خاصاً بها وتصف كل بضع ثوانٍ من التسجيل المصور ما ينفذه الباحثون في تجاربهم


علاج جيني واعد يعكس خللاً وراثياً في القلب

تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)
تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)
TT

علاج جيني واعد يعكس خللاً وراثياً في القلب

تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)
تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)

في خطوة علمية قد تفتح باباً جديداً لعلاج أمراض القلب الوراثية نجح باحثون أستراليون في عكس حالة «اعتلال عضلة القلب الناتج عن خلل جيني»، باستخدام حقنة واحدة تحمل نسخة سليمة من جين ALPK3. وأظهرت التجارب أن العلاج الجيني تمكن من استعادة وظيفة عضلة القلب في نماذج من الفئران كما أعاد قوة وانتظام النبض إلى أنسجة قلبية مصغرة جرى إنماؤها في المختبر من خلايا مرضى يحملون الطفرة الجينية نفسها. وأجريت الدراسة بقيادة معهد مردوخ لأبحاث الأطفال (MCRI) في ملبورن بأستراليا، ونُشرت في مجلة «Nature Cardiovascular Research» في 19 أغسطس (آب) 2026 بمشاركة باحثين من مؤسسات أسترالية ودولية.

نجاح «جيني»

• جين واحد يعيد للقلب قدرته. يمكن للطفرات في جين ALPK3 أن تسبب اعتلال عضلة القلب وهي مجموعة من الأمراض التي تضعف قدرة القلب على ضخ الدم، وقد تؤدي إلى تضخم القلب واضطراب ضرباته وزيادة خطر فشل القلب والوفاة. ويُعتقد أن اعتلال عضلة القلب يؤثر في نحو 30 مليون شخص حول العالم، بينما تبقى الخيارات العلاجية محدودة في بعض أشكاله الوراثية خصوصاً لدى الأطفال الذين قد تتطور حالتهم إلى درجة تستدعي زراعة القلب.

وقال الدكتور جيمس ماكنمارا من معهد فيكتور تشانغ لأبحاث القلب ومعهد مردوخ لأبحاث الأطفال أستراليا إن النتائج تمثل خطوة كبيرة باتجاه تطوير علاج يستهدف السبب الجيني للمرض بدلاً من الاكتفاء بإدارة أعراضه.

• نجاح لافت في الفئران. بدأ الباحثون بتطوير نموذج مخبري لفئران حديثة الولادة تحمل نسخة معيبة من جين ALPK3. وأظهرت هذه الحيوانات تضخم القلب وضعفاً في وظيفته في صورة مشابهة لبعض الحالات الشديدة التي تظهر لدى الأطفال المصابين بالمرض.

وعندما أدخل الباحثون نسخة سليمة من الجين باستخدام العلاج الجيني التجريبي تحسنت بنية خلايا عضلة القلب واستعادت القلوب قدرتها على ضخ الدم. واللافت أن العلاج لم يمنع ظهور المرض في الفئران الصغيرة فحسب بل تمكن أيضاً من عكس المرض لدى الفئران البالغة، وهي نتيجة عدّها الباحثون مؤشراً مهماً على اعتماد عضلة القلب على البروتين الذي ينتجه جين ALPK3.

• «قلوب صغيرة» في المختبر تؤكد النتيجة. وللتأكد من أن النتائج لا تقتصر على الحيوانات أعاد الفريق إنتاج المرض باستخدام خلايا جذعية مأخوذة من مرضى يحملون الطفرة الجينية نفسها ثم حوّلوها إلى أنسجة قلبية مصغرة في المختبر.

وأظهرت هذه «القلوب الصغيرة» علامات اعتلال عضلة القلب قبل أن يؤدي استبدال النسخ المعيبة من ALPK3 بواسطة نسخة سليمة إلى استعادة قوة الانقباض، وانتظام ضربات القلب بصورة طبيعية.

الذكاء الاصطناعي في العلاج

• هل يمكن علاج أمراض وراثية أخرى؟ ولم يتوقف الباحثون عند جين ALPK3 بل استعانوا بأداة للذكاء الاصطناعي تُعرف باسم Geneformer لدراسة العلاقة بين البروتين الناتج عن الجين وعدد من البروتينات المهمة في عضلة القلب.

وأشارت التحليلات إلى وجود ارتباط قوي بين ALPK3 وبروتين «تيتين» Titin الذي ينتجه جين TTN. وتُعد الطفرات التي تؤدي إلى قطع أو توقف إنتاج بروتين «تيتين» من أكثر الأسباب الوراثية شيوعاً لاعتلال عضلة القلب التوسعي، وقد تمثل ما يصل إلى ربع الحالات. وأظهرت التجارب أن إضافة نسخة سليمة من جين ALPK3 حسّنت انقباض أنسجة قلبية مأخوذة من أشخاص يحملون طفرات في TTN.

ويرى الباحثون أن هذه النتيجة مهمة بشكل خاص لأن جين TTN ضخم جداً ما يجعل استبداله مباشرة بواسطة استخدام تقنيات العلاج الجيني الحالية أمراً بالغ الصعوبة. أما استهداف ALPK3 فقد يوفر نهجاً مختلفاً يمكن أن يفيد مجموعة أوسع من أمراض القلب الوراثية.

• من المختبر إلى المرضى. ورغم النتائج الواعدة يؤكد الباحثون أن العلاج لا يزال في المرحلة ما قبل السريرية، وأن هناك حاجة إلى مزيد من دراسات السلامة قبل الانتقال إلى التجارب البشرية.

ويأمل الفريق في التعاون مع شركاء تجاريين لتطوير العلاج والوصول به إلى التجارب السريرية.

وتعكس قصة الطفلة الأسترالية كيت البالغة من العمر تسعة أعوام، حجم الحاجة إلى مثل هذه العلاجات. فقد شُخّصت كيت باعتلال عضلة القلب التضخمي الناتج عن طفرة في جين MYH7 وخضعت في سن الثالثة لجراحة قلب مفتوح لإزالة جزء من عضلة القلب المتضخمة وتحسين تدفق الدم.

ورغم تحسن حالتها وعودتها إلى حياة نشطة فإنه لا تزال الجراحة لا تمثل علاجاً نهائياً للمرض، وقد تحتاج مستقبلاً إلى جهاز مزيل للرجفان القلبي. ويأمل العلماء أن تسهم مثل هذه الاكتشافات مستقبلاً في الانتقال من علاج آثار أمراض القلب الوراثية إلى استهداف أسبابها الجينية مباشرة بما قد يوفر خيارات علاجية جديدة للأطفال والعائلات التي تواجه هذه الأمراض.


هل يمكن التنبؤ بالزلازل الكبرى قبل وقوعها؟

تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)
تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)
TT

هل يمكن التنبؤ بالزلازل الكبرى قبل وقوعها؟

تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)
تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)

تُعدُّ الزلازل من أكثر الظواهر الطبيعية تدميراً، ليس فقط بسبب قوتها الهائلة، وإنما أيضاً لصعوبة التنبؤ بموعد وموقع قوعها. ورغم التقدم الكبير في علم الزلازل وتقنيات مراقبة حركة الصفائح التكتونية، لا يزال تحديد المكان والوقت الدقيقين لوقوع زلزال كبير يمثل تحدياً أمام العلماء.

لكن دراسة جديدة تطرح مقاربة مختلفة؛ فبدلاً من محاولة تحديد موعد وقوع الزلزال، يسعى الباحثون إلى معرفة أين تتراكم الضغوط على طول الصدوع، وتحديد المناطق الأكثر احتمالاً لحدوث الزلازل الكبرى فيها.

وفي هذا السياق، طوّر فريق من الجيوفيزيائيين في جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد الأميركية طريقة جديدة تساعد على تحديد المناطق الأكثر عرضة لأعنف الزلازل على وجه الأرض، في خطوة قد توفر أداة مهمة لتحسين الاستعداد للكوارث في بعض أخطر المناطق الزلزالية حول العالم.

وعلى خلاف محاولات التنبؤ بتوقيت الزلازل، تركز الطريقة على رصد المناطق التي يتراكم فيها الإجهاد على طول الصدوع الكبرى؛ ما يساعد العلماء على تحديد المواقع الأكثر احتمالاً لحدوث التمزق الزلزالي عند وقوع الزلزال.

يقول الباحثون إن الزلازل تتصدر عناوين الأخبار لحظة وقوعها، لكن الصدع يكون قد ظل لسنوات يراكم الإجهاد في صمت، ويمكن قياس هذا الإجهاد.

وفي اختبار للطريقة، نجح النموذج الذي طوّره الباحثون في تحديد جزء من منطقة اندساس كامتشاتكا شرق روسيا، شهد لاحقاً زلزالاً ضخماً؛ ما يعزز إمكانية استخدام هذا النهج لتحديد مواقع الزلازل الكبرى، حتى مع استمرار صعوبة التنبؤ بموعد وقوعها. ونُشرت النتائج في عدد 4 سبتمبر (أيلول) من دورية «Geophysical Research Letters».

منهج الطريقة

يركز أسلوب الفريق على «مناطق الاندساس»، حيث تنزلق إحدى الصفائح التكتونية تحت أخرى. وتُعدُّ هذه المناطق مصدراً لأعنف زلازل الأرض، بما في ذلك زلازل تتجاوز قوتها 8.5 درجة، وغالباً ما تتسبب في أمواج تسونامي مدمرة.

وباستخدام قياسات دقيقة لحركة الأرض عبر أقمار تحديد المواقع (GPS)، طوّر الباحثون خوارزمية تكشف الأجزاء «المقفلة» من الصدوع التي تختزن الطاقة. وتُعرف هذه المناطق باسم «النتوءات» (asperities)، وهي أجزاء مقفلة من سطح الصدع تقاوم الحركة بسبب الاحتكاك، إلى أن يتراكم إجهاد كافٍ لإطلاق زلزال كبير.

وكان الفريق قد حدد إحدى هذه المناطق المقفلة أسفل شبه جزيرة كامتشاتكا قبل وقوع الزلزال الكبير هناك. ورغم أن توقيت الحدث ظل خارج نطاق قدرة الطريقة على التنبؤ، وقع التمزق في المكان نفسه تقريباً الذي أشار النموذج إلى تراكم الإجهاد فيه.

وكشفت النتائج أيضاً عن أن الزلازل التي تقع في المنطقة نفسها قد تتصرف بشكل مختلف تماماً؛ فرغم أن كامتشاتكا شهدت زلزالين عملاقين في عامي 1952 و2025، تسبب الحدث الأخير في موجة تسونامي أصغر بكثير؛ ما يشير إلى أن الجزء الأقرب إلى سطح الصدع انزلق بمقدار أقل مقارنة بالزلزال الأول.

ويشدد الباحثون على أن طريقتهم لا تستطيع التنبؤ بحجم أمواج التسونامي أو توقيت وقوع الزلازل، لكن تحديد المناطق الأكثر خطورة قد يسهم في تحسين خطط التأهب على المدى الطويل.

ويعمل الفريق حالياً على تطبيق هذا النهج في مناطق اندساس رئيسية أخرى باليابان، والمكسيك، ونيوزيلندا وشمال غرب المحيط الهادئ في الولايات المتحدة؛ إذ تحمل كل منها تعقيدات إضافية، مثل وجود صدوع تطلق طاقتها تدريجياً بدلاً من إطلاقها في زلازل مفاجئة. كما يستكشف الباحثون إمكانية تطبيق تقنيات مشابهة لفهم صدوع كاليفورنيا بشكل أفضل.

فجوات في المراقبة العالمية

يتطلب توسيع نطاق هذه الطريقة رصداً أكثر دقة؛ فبينما توفر محطات (GPS) البرية بيانات قيّمة، لا تزال القياسات في أعماق المحيطات محدودة للغاية، رغم أن الكثير من أخطر الصدوع في العالم يقع تحت قاع البحر، وفق الدراسة.

وقد بدأ باحثون في اليابان استخدام أجهزة صوتية موضوعة على قاع البحر لقياس التشوهات البطيئة على مدى سنوات طويلة، في حين تُقترح جهود مماثلة في مناطق أخرى، من بينها تشيلي وشمال غربي المحيط الهادئ. ومن المتوقع أيضاً أن يوفر قمر اصطناعي أُطلق أخيراً قياسات إضافية للمناطق التي تفتقر حالياً إلى تغطية كافية من أجهزة (GPS). ويكشف هذا العمل عن فجوات كبيرة في مراقبة الزلازل عالمياً، خصوصاً في أجزاء من المحيط الهادئ التي تندر فيها البيانات اللازمة لتقييم مخاطر التسونامي.

ويؤكد الباحثون أن تحسين القدرة على تحديد أماكن الزلازل يجب أن يكون مكملاً للاستعداد العام، وليس بديلاً عنه، في حين يرى الفريق أن خوارزميته قد تساعد مستقبلاً في تقييم المخاطر الزلزالية على امتداد الكثير من أخطر حدود الصفائح التكتونية النشطة في العالم، شريطة توفر بيانات كافية.

وتعليقاً على النتائج، قال الأستاذ المساعد بالشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة للمعهد القومي للبحوث الفلكية في مصر، محمد عز العرب، إن الدراسة تمثل خطوة مهمة في تطوير أساليب تقييم المخاطر الزلزالية، خصوصاً أنها قدمت خوارزمية جديدة تساعد على تحديد المناطق التي تتراكم فيها الضغوط على طول الصدوع بدقة أكبر.

وأضاف عز العرب لـ«الشرق الأوسط» أن نجاح هذه الطريقة في تحديد المنطقة التي وقع فيها زلزال كامتشاتكا يمثل نتيجة مشجعة، لكن هذا النجاح لا يكفي وحده للحكم على مدى دقة وفاعلية الخوارزمية، مشيراً إلى ضرورة اختبارها في مناطق اندساس أخرى ذات ظروف جيولوجية مختلفة قبل اعتمادها أداة موثوقة لتقييم المخاطر الزلزالية على نطاق واسع.

وأكد عز العرب أن الرسالة الأهم التي تبرزها الدراسة هي أن تحديد المناطق الأكثر خطورة يمكن أن يعزز خطط الاستعداد والتخطيط لمواجهة الكوارث، لكنه لا يمكن أن يحل محلها، موضحاً أن معرفة أماكن الخطر «تُكمل الاستعداد ولا تُغني عنه».