حين يسأل العرب الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب

أول خريطة شاملة لاستخدام سكان العالم الذكاء الاصطناعي في البحث عن المعلومات الصحية

لماذا يسأل المواطن العربي الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب؟
لماذا يسأل المواطن العربي الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب؟
TT

حين يسأل العرب الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب

لماذا يسأل المواطن العربي الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب؟
لماذا يسأل المواطن العربي الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب؟

في منتصف ليلة صيفية، يستيقظ أبٌ على ارتفاع حرارة طفله، أو يشعر رجل بألم مفاجئ في صدره، أو تحاول سيدة فهم نتيجة تحليل طبي وصلت إلى هاتفها قبل موعد الطبيب.

أسئلة طبية إلى الذكاء الاصطناعي

قبل سنوات، كانت الخطوة الأولى هي الاتصال بالطبيب أو التوجه إلى أقرب مستشفى. أما اليوم، ففي كثير من الحالات يبدأ المشهد بطريقة مختلفة؛ إذ تمتد اليد إلى الهاتف، ويُكتب السؤال موجَّهاً إلى أحد روبوتات الذكاء الاصطناعي: ماذا تعني هذه الأعراض؟ وهل تستدعي زيارة الطوارئ؟

لم يعد هذا المشهد استثناءً؛ بل أصبح واقعاً يومياً يتكرر ملايين المرات حول العالم، بما في ذلك في العالم العربي. ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، لم تعد هذه الأنظمة تقتصر على الإجابة عن الأسئلة العامة؛ بل أصبحت بالنسبة إلى كثير من الناس البوابة الأولى للحصول على المعلومات الصحية قبل اتخاذ قرار زيارة الطبيب.

لكن السؤال الأهم لم يعد: كم شخصاً يستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح: لماذا يلجأ إليه الناس؟ وهل يعكس ذلك تطور الأنظمة الصحية، أم صعوبة الوصول إليها، أم تغيراً في سلوك المجتمع وثقته بمصادر المعلومات؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة، جاءت دراسة عالمية حديثة لتقدم أول خريطة شاملة لكيفية استخدام سكان أكثر من مائة دولة للذكاء الاصطناعي في البحث عن المعلومات الصحية، كاشفة عن اختلافات لافتة بين الدول، ومثيرة في الوقت نفسه سؤالاً أكثر أهمية بالنسبة إلينا: أين يقف العالم العربي من هذا التحول، وهل يمكن أن تصبح السعودية النموذج الإقليمي للرعاية الصحية الذكية؟

دراسة عالمية ترسم خريطة استخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات صحية

أول خريطة عالمية من 1.7 مليون محادثة

جاءت الإجابة في دراسة حديثة نشرتها مجلة «نيتشر هيلث» (Nature Health) في 15 يوليو (تموز) 2026، تُعد من أكبر الدراسات التي تناولت سلوك مستخدمي الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي. فقد حلل الباحثون نحو 1.7 مليون محادثة صحية مجهولة الهوية أُجريت عبر منصة «كوبايلوت من مايكروسوفت» (Microsoft Copilot) في 109 دول ومناطق، لرسم أول خريطة عالمية توضح كيف ولماذا يلجأ الناس إلى روبوتات المحادثة عند البحث عن المعلومات الصحية.

ولم يقتصر التحليل على عدد الأسئلة؛ بل تناول طبيعتها أيضاً، بدءاً من الاستفسار عن الأعراض والأمراض، مروراً بالصحة النفسية ونمط الحياة، ووصولاً إلى تفسير نتائج الفحوصات، وفهم التقارير الطبية، والبحث الأكاديمي، وحتى المساعدة في التنقل داخل الأنظمة الصحية.

انخفاض ثقة المواطنين بمستشفياتهم يؤدي إلى ازدياد استخدام الذكاء الاصطناعي

لكن النتيجة الأكثر إثارة لم تكن مرتبطة بمستوى دخل الدولة ولا انتشار الإنترنت؛ بل بعامل أقل توقعاً: الثقة بالمؤسسات الصحية. فقد أظهرت الدراسة أن الدول التي تنخفض فيها ثقة المواطنين بمستشفياتها تشهد -في المتوسط- معدلات أعلى من اللجوء إلى روبوتات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات الصحية. ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي أصبح بديلاً عن الطبيب، أو أن ضعف الثقة هو السبب المباشر، ولكنه يشير إلى أن الإنسان يبحث عن إجابة فورية عندما يشعر بأن الوصول إلى المعلومة الطبية ليس سهلاً ولا سريعاً بما يكفي.

العالم العربي ليس خريطة صحية واحدة

تكشف الخريطة العربية المستنبطة من الدراسة أن العالم العربي لا يمثل نموذجاً صحياً واحداً؛ بل مجموعة من الأنظمة الصحية التي تختلف في مستوى تطورها الرقمي، وسهولة الوصول إلى خدماتها، وثقة المجتمع بمؤسساتها الطبية. ولذلك، فمن الطبيعي أن تختلف أيضاً الطريقة التي يلجأ بها المواطن إلى الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات الصحية.

وفي بعض الدول، قد يفتح المستخدم روبوت المحادثة ليفهم نتيجة تصوير بالرنين المغناطيسي، أو ليستفسر عن أحدث الخيارات العلاجية، أو ليحدد التخصص الأنسب لحالته. وفي دول أخرى، قد يكون السؤال أكثر إلحاحاً: هل تستدعي هذه الأعراض الذهاب إلى المستشفى؟ وهل أستطيع تأجيل زيارة الطبيب؟ وما العلاج الأولي الذي يمكن أن أبدأ به؟

خريطة استخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات صحية في العالم العربي

وتشير الخريطة المصاحبة للدراسة إلى تباين واضح في كثافة المحادثات الصحية بين الدول العربية، وهو تباين لا يعكس انتشار الذكاء الاصطناعي وحده؛ بل يعكس أيضاً اختلاف احتياجات المجتمعات، وسهولة الوصول إلى الرعاية الصحية، ومستوى الوعي الصحي، وثقة المواطنين بمنظوماتهم الطبية. ومن المهم الإشارة إلى أن تدرجات الألوان تمثل مؤشرات تقريبية مستنبطة من الدراسة، وليست ترتيباً رقمياً رسمياً للدول.

ومن هنا، فإن الرسالة الأهم لا تتعلق بمن يستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر من غيره؛ بل بسبب استخدامه. ففي بعض البيئات يصبح الذكاء الاصطناعي بديلاً مؤقتاً للحصول على المعلومة، بينما يتحول في بيئات أخرى إلى أداة ذكية تدعم نظاماً صحياً متقدماً، وتساعد المريض على الوصول إلى الخدمة المناسبة بسرعة وكفاءة. وهذا هو الفارق الذي يميز مستقبل الرعاية الصحية في المنطقة.

لماذا يسأل المواطن العربي الآلة؟

================

/////////////الصورة رقم 3/////////////////

===============

لا يلجأ المواطن العربي إلى الذكاء الاصطناعي لسبب واحد؛ بل لأسباب تختلف باختلاف الدولة والظروف. فقد يبحث عن إجابة سريعة في منتصف الليل، أو يحاول فهم نتيجة فحص طبي قبل موعد الطبيب، أو يستفسر عن الآثار الجانبية لدواء جديد، أو يطلب تفسيراً لمصطلحات طبية معقدة بلغة يفهمها. وفي بعض المناطق، قد يكون طول قوائم الانتظار، أو بُعد المنشآت الصحية، أو ارتفاع تكلفة الاستشارة، من العوامل التي تدفعه إلى البحث عن إجابة أولية عبر روبوتات المحادثة.

كما توفر هذه الأنظمة مساحة من الخصوصية تشجع كثيرين على طرح أسئلة قد يترددون في مناقشتها وجهاً لوجه، مثل قضايا الصحة النفسية، والسمنة، والمشكلات الزوجية، والأمراض التي ما زالت ترتبط بوصمة اجتماعية في بعض المجتمعات.

لكن هنا يكمن التحدي الحقيقي. فالذكاء الاصطناعي قادر على تقديم معلومات طبية مفيدة، ولكنه لا يعرف التاريخ المرضي الكامل للمستخدم، ولا نتائج جميع فحوصاته، ولا الأدوية التي يتناولها، ولا يستطيع إجراء فحص سريري. لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله المريض هو أن يحول المعلومة إلى تشخيص، أو النصيحة العامة إلى قرار علاجي.

ومن هنا، فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي الصحي في العالم العربي لا يتوقف على إجادته اللغة العربية فحسب؛ بل على قدرته على فهم اللهجات المحلية، والسياق الثقافي، وأسماء الأدوية المتداولة، والأنظمة الصحية الوطنية، والأهم من ذلك أن يعرف متى يجيب، ومتى ينصح المستخدم بالتوجه إلى الطبيب أو إلى قسم الطوارئ.

السعودية... استخدام التقنية من موقع القوة

في المملكة العربية السعودية تبدو الصورة مختلفة عن البيئات التي يصبح فيها الذكاء الاصطناعي بديلاً عن ضعف النظام الصحي. فالمملكة تمضي في واحدة من أكبر عمليات التحول الصحي عالمياً، ضمن برنامج تحول القطاع الصحي المنبثق من «رؤية السعودية 2030»، بهدف بناء منظومة تركز على الوقاية، وتحسين جودة الحياة، وتسهيل الوصول إلى الخدمات، وتسريع التحول الرقمي، وتمكين المريض من الحصول على رعاية أكثر كفاءة واستدامة.

ولا تقوم هذه المنظومة على جهة واحدة؛ بل على شبكة متكاملة تضم تجمعات وزارة الصحة الصحية، ومستشفى الملك فيصل التخصصي، ومركز البحوث، والشؤون الصحية بوزارة الحرس الوطني، ومدينة الأمير سلطان الطبية العسكرية، ومستشفيات قوى الأمن، إلى جانب قطاع خاص متطور يستثمر بصورة متسارعة في الذكاء الاصطناعي، والطب الرقمي، والتشخيص المتقدم، والرعاية الصحية الافتراضية.

برنامج المدن الصحية

ولم يقتصر التحول على المستشفيات؛ بل امتد إلى المجتمع نفسه من خلال برنامج المدن الصحية، الذي أصبح نموذجاً وطنياً يجمع بين الصحة العامة، والتخطيط الحضري، والاستدامة، وجودة الحياة، بمشاركة جهات حكومية ومجتمعية متعددة. واليوم تتصدر المملكة دول إقليم شرق المتوسط وشمال أفريقيا، بعد حصول 16 مدينة سعودية على اعتماد منظمة الصحة العالمية، بينما أصبحت جدة والمدينة المنورة أول مدينتين يزيد عدد سكانهما على مليون نسمة في الشرق الأوسط تنالان هذا الاعتماد، في إنجاز يعكس انتقال مفهوم الصحة من علاج المرض إلى بناء بيئة تعزز الوقاية والصحة وجودة الحياة.

وتعكس هذه الإنجازات انتقال المملكة من تطوير الخدمات الصحية إلى بناء منظومة صحية ذكية ومتكاملة، توظف الذكاء الاصطناعي والبيانات والتقنيات الحديثة لتعزيز الوقاية، وتحسين جودة الرعاية، وتمكين المريض من الوصول إلى خدمات صحية أكثر كفاءة واستدامة.

مستشفى الملك فيصل التخصصي... ريادة طبية تقود مستقبل الذكاء الاصطناعي الصحي

«الملك فيصل التخصصي» في الصدارة

================

/////////////الصورة رقم 4/////////////////

===============

ويأتي مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز البحوث في مقدمة المؤسسات التي تجسد التحول النوعي الذي يشهده القطاع الصحي السعودي. ففي أحدث التصنيفات العالمية لعام 2026، حافظ المستشفى على مكانته بوصفه أفضل مستشفى في الشرق الأوسط وأفريقيا، كما عزز حضوره بين نخبة المراكز الطبية الأكاديمية والمستشفيات الذكية على مستوى العالم، ليصبح أحد أبرز النماذج العالمية في توظيف الابتكار والذكاء الاصطناعي لخدمة المرضى.

ولا تكمن أهمية هذه المكانة في التصنيفات الدولية وحدها؛ بل فيما تمثله من بيئة متقدمة تجمع بين الطب الدقيق، والعلاجات الجينية، وزراعة الأعضاء، والجراحة الروبوتية، والتصوير الطبي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب البحث العلمي وترجمة الابتكارات إلى تطبيقات سريرية سريعاً، وهو ما جعل المستشفى وجهة علاجية وبحثية مرموقة على المستويين الإقليمي والدولي.

ولا يقتصر هذا التقدم على مؤسسة واحدة؛ إذ ضمت قائمة «نيوزويك» لأفضل مستشفيات العالم لعام 2026 ثلاثة مستشفيات سعودية ضمن أفضل 250 مستشفى عالمياً، في مؤشر على أن التحول الصحي في المملكة أصبح نهجاً مؤسسياً يشمل مختلف القطاعات الصحية، ويعزز مكانة السعودية بوصفها أحد أبرز مراكز الرعاية الصحية المتقدمة في المنطقة.

من «روبوت يجيب» إلى بوابة صحية موثوقة

تمتلك المملكة العربية السعودية فرصة للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، لا يقتصر فيها دور الذكاء الاصطناعي على الإجابة عن الأسئلة؛ بل يصبح جزءاً من منظومة صحية وطنية موثوقة. فبدلاً من أن يعتمد المواطن على منصة عامة قد لا تعرف تفاصيل النظام الصحي المحلي، يمكنه مستقبلاً الاستعانة بمساعد صحي ذكي مرتبط بالمصادر الرسمية، يفسر نتائج الفحوصات، ويوجه المريض إلى الخدمة المناسبة، ويساعد في حجز المواعيد، وينبه إلى علامات الخطر، مع بقاء التشخيص النهائي والقرار العلاجي بيد الطبيب.

وهذه ليست فرصة سعودية فحسب؛ بل فرصة عربية أيضاً. فمع ازدياد اعتماد المواطنين على الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات الصحية، لم يعد التحدي هو منعهم من استخدامه؛ بل ضمان أن تكون الإجابات دقيقة، وآمنة، ومرتبطة بالأنظمة الصحية الوطنية، وأن تقود المريض إلى الطبيب في الوقت المناسب، لا أن تحل محله.

لقد أثبتت الدراسة أن الملايين حول العالم بدأوا بالفعل يسألون الذكاء الاصطناعي قبل زيارة الطبيب. أما السؤال الذي سيحدد مستقبل الرعاية الصحية في العالم العربي، فهو ليس: هل سيستخدم الناس الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل سننجح في بناء ذكاء اصطناعي صحي عربي موثوق، يعكس احتياجات مجتمعاتنا، ويتحدث بلغتنا، ويفهم أنظمتنا الصحية، ويجعل التقنية جسراً إلى الطبيب، لا بديلاً عنه؟

وفي ظل هذا التحول، تبدو المملكة العربية السعودية في موقع يؤهلها لقيادة الجيل القادم من الرعاية الصحية الذكية في المنطقة؛ ليس لأنها تتبنى الذكاء الاصطناعي فحسب؛ بل لأنها تبني منظومة صحية متكاملة تجعل التقنية أداة لتعزيز الثقة بالطبيب، لا بديلاً عنه.


مقالات ذات صلة

الإنفاق على مراكز البيانات قد يصل إلى 31.6 تريليون دولار حتى 2050

الاقتصاد فني يعمل في مركز بيانات للذكاء الاصطناعي تابع لـ«أمازون ويب سيرفيسز» في نيو كارلايل بولاية إنديانا الأميركية يوم 2 أكتوبر 2025 (رويترز)

الإنفاق على مراكز البيانات قد يصل إلى 31.6 تريليون دولار حتى 2050

الذكاء الاصطناعي يدفع استثمارات مراكز البيانات عالمياً إلى 31.6 تريليون دولار حتى 2050، مع تصاعد الطلب على الرقائق والطاقة والتبريد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص صورة لشريحة ذكاء اصطناعي مع علم كوريا (رويترز)

خاص الرقائق الكورية تتجه إلى السعودية... من التصنيع إلى الحوسبة

تستقطب السعودية شركات الرقائق الكورية لدعم طموحاتها في الذكاء الاصطناعي، مستفيدةً من الطاقة والبنية التحتية لبناء منظومة حوسبة متقدمة.

عبير حمدي (الرياض)
خاص «هيوماين» و«داتا فولت» تطوران مركز بيانات بـ100 ميغاواط في نيوم (إكس)

خاص مراكز البيانات تفتح باباً جديداً لتوطين صناعة التبريد في السعودية

من المباني والمشروعات العملاقة إلى مراكز البيانات، تتسع خريطة الطلب على حلول التكييف والتبريد في السعودية.

ساره بن شمران (الرياض)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لـ«هيوماين» طارق أمين متحدثاً إلى الحضور (الشرق الأوسط) p-circle

بعد عام من كشف خطط الإدراج... «هيوماين» تستقطب متخصصين تحضيراً لطرحها

بدأت شركة «هيوماين » السعودية، المملوكة لـ«صندوق الاستثمارات العامة»، خطوات عملية للتحضير لطرح أسهمها للاكتتاب العام.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مهندس يقوم بتهيئة روبوت خلال فعاليات سيميكون تايوان 2026 في تايبيه 2 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

محادثات متوقعة بين أميركا والصين حول سلامة الذكاء الاصطناعي في سبتمبر

تستعد أميركا والصين لمناقشة مخاطر سلامة الذكاء الاصطناعي خلال حوار مقرر في منتصف سبتمبر، وذلك في وقت تصل فيه قدرات الذكاء الاصطناعي لنقطة تحول عالمية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ابتكار «تيتانيوم عائم» لتطوير المنشآت البحرية

الباحثون ابتكروا شبكة عائمة من التيتانيوم باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد (معهد ملبورن الملكي للتكنولوجيا)
الباحثون ابتكروا شبكة عائمة من التيتانيوم باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد (معهد ملبورن الملكي للتكنولوجيا)
TT

ابتكار «تيتانيوم عائم» لتطوير المنشآت البحرية

الباحثون ابتكروا شبكة عائمة من التيتانيوم باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد (معهد ملبورن الملكي للتكنولوجيا)
الباحثون ابتكروا شبكة عائمة من التيتانيوم باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد (معهد ملبورن الملكي للتكنولوجيا)

طوّر مهندسون أستراليون مادة جديدة قوية وخفيفة من التيتانيوم يمكنها الطفو على سطح الماء حتى بعد تعرضها لأضرار هيكلية كبيرة، في تطور قد يفتح الباب أمام استخدامات جديدة في البنية التحتية البحرية.

وأثبت الباحثون، بقيادة معهد ملبورن الملكي للتكنولوجيا، إمكانية تطبيق التقنية عملياً من خلال تصنيع عوامة بحرية باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، ونُشرت النتائج، الخميس، بدورية «Advanced Materials».

ويتميز التيتانيوم بقوة عالية ووزن منخفض نسبياً مقارنة بمتانته، إلى جانب مقاومته للتآكل، مما يجعله مناسباً للعديد من التطبيقات الهندسية والبحرية، لكن كثافته أعلى من كثافة الماء، ولذلك لا يطفو التيتانيوم في صورته التقليدية، وهو ما يحد من استخدامه في الهياكل التي تتطلب الجمع بين القوة والطفو.

ولمعالجة هذه المشكلة، ابتكر الباحثون شبكة من التيتانيوم باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، تتكون من دعامات مجوفة ومترابطة مملوءة برغوة البولي يوريثان. وتجمع هذه البنية بين خفة الوزن والقدرة على الطفو ومقاومة مياه البحر، كما أظهرت قوة أعلى من الفولاذ المقاوم للصدأ والبولي إيثيلين عالي الكثافة، المستخدمين حالياً في بعض الأرصفة البحرية والعوامات وأجهزة الاستشعار العائمة.

ووفق الباحثين، يكمن التحدي في أن الهياكل المعدنية الشبكية، رغم خفة وزنها الشديدة، تحتوي على مساحات مفتوحة تسمح للماء بالتغلغل داخلها، ما قد يؤدي في النهاية إلى غرقها. وتمكن الباحثون من التغلب على ذلك بملء الدعامات المجوفة بالرغوة، مع إبقاء الماء قادراً على التدفق عبر المساحات الخارجية للشبكة.

ولفهم قدرة هذه الهياكل على الطفو والتنبؤ بها، ابتكر الفريق مقياساً جديداً أطلق عليه «الكثافة الهيكلية» (Skeletal Density). وعلى خلاف حسابات الكثافة التقليدية التي تتعامل مع جميع الفراغات داخل الشبكة باعتبارها جزءاً من حجمها، يأخذ هذا المقياس في الاعتبار فقط الأجزاء التي تمنع الماء من شغل حيزها، مثل جدران التيتانيوم والقنوات المغلقة المملوءة بالرغوة.

وحسب الباحثين، توفر هذه الفكرة قاعدة تصميم بسيطة للمهندسين: إذا كانت الكثافة الهيكلية للمادة أقل من كثافة السائل المحيط بها، فإن الهيكل سيظل قادراً على الطفو، حتى مع تدفق الماء عبر فتحاته الخارجية.

وأظهرت الاختبارات أن الهيكل المصنوع من التيتانيوم كان أقوى بنسبة 70 في المائة من الفولاذ المقاوم للصدأ أو البولي إيثيلين عالي الكثافة عند مقارنة مواد ذات الكثافة الإجمالية نفسها. كما أظهر مقاومة جيدة للتآكل خلال اختبار قصير الأمد باستخدام مياه بحر طبيعية جُمعت من خليج بورت فيليب في ملبورن.

وبعد غمر العينات في مياه البحر لمدة أسبوعين، فقدت الشبكة 0.15 في المائة فقط من كتلتها، فيما تراجعت قوتها بأقل من 1 في المائة. والأهم أن الهيكل المصنوع من التيتانيوم والرغوة ظل طافياً حتى بعد تعرضه لأضرار كبيرة، شملت حدوث تشققات وفشل نقاط اتصال رئيسية وانكسار طبقة كاملة من الشبكة، ولم تغرق العينة إلا بعد تعرضها لسحق وضغط شديدين أدى إلى انضغاطها بدرجة كبيرة.

ويرجع ذلك، وفق الباحثين، إلى خلايا صغيرة مغلقة داخل الرغوة تحبس الغاز وتمنع المياه من غمر الدعامات المجوفة. وبذلك تعمل الرغوة كحاجز موزع داخل الهيكل، يساعده على الاحتفاظ بقدرته على الطفو حتى بعد تعرضه للتلف، بخلاف الهياكل البحرية المجوفة التقليدية التي يمكن أن تمتلئ بالماء سريعاً عند تشققها.

وأثبت الفريق إمكانية استخدام التقنية عملياً من خلال تصنيع عوامة بحرية حافظت على استقرارها داخل خزان من مياه البحر المضطربة، حتى مع تدوير الخزان بزاوية وصلت إلى 45 درجة، من دون الحاجة إلى غلاف محكم أو طلاء واقٍ أو وسائل إضافية للطفو.


5 حقائق أصاب فيها فرويد وأخطأ... بشأن الدماغ البشري

5 حقائق أصاب فيها فرويد وأخطأ... بشأن الدماغ البشري
TT

5 حقائق أصاب فيها فرويد وأخطأ... بشأن الدماغ البشري

5 حقائق أصاب فيها فرويد وأخطأ... بشأن الدماغ البشري

يتشارك مارك سولمز (*) مع قرائه بخمس رؤى أساسية في كتابه الجديد «العلاج الوحيد: فرويد وعلم الأعصاب للشفاء النفسي» The Only Cure: Freud and the Neuroscience of Mental Healing. وسولمز عالم أعصاب اتخذ خطوة غير مألوفة بحصوله على اختصاص محلل نفسي. وعلى مدى أربعين عاماً، استخدم أدوات علم الأعصاب الحديث لاختبار وتطوير نظرية التحليل النفسي. وبصفته شخصية رائدة في التحليل النفسي العصبي، كشفت أبحاثه عن آليات دماغية رئيسية مسؤولة عن الأحلام، مما أعاد تشكيل فهمنا للعقل أثناء النوم. وهو أيضاً المدير العلمي للجمعية الأميركية للتحليل النفسي.

غلاف كتاب مارك سولمز

الفكرة الرئيسية

لا ينبغي تجاهل فرويد باعتباره مفكراً عفا عليه الزمن أو فاقداً للمصداقية، فقد استبقت العديد من رؤاه الأساسية علم الأعصاب الحديث. لذا فإن المهمة الآن تحديث التحليل النفسي وتصحيحه باستخدام الأدلة العلمية المعاصرة.

1. فرويد كان عالم أعصاب، إذ أمضى 23 عاماً في إجراء أبحاث في علم الأعصاب وعلم الأعصاب السريري. وخلال تلك الفترة، نشر أكثر من 200 مؤلف، أربعة منها كتب. وساهم في اكتشاف الخلايا العصبية، وهي الوحدة الأساسية للجهاز العصبي في ثمانينيات القرن التاسع عشر. وفي تسعينيات القرن التاسع عشر، عندما اكتُشف المشبك العصبي - وهو نقطة التقاء الخلايا العصبية - كان فرويد أول من فسّره على أنه موقع تكوّن الذكريات.

في عام 1895، صاغ فرويد فكرة أن الخلايا العصبية التي تنشط معاً تتصل ببعضها. يُعرف هذا الآن بقانون هيب Hebb’s law، على الرغم من أن هيب صاغ هذا القانون بعد عقود. واكتشف فرويد منشأ أحد الأعصاب القحفية، الذي كان يُسمى آنذاك العصب السمعي، في جذع الدماغ. ويُعرف الآن بالعصب الدهليزي القوقعي.

وكان فرويد من أبرز خبراء أوروبا في اضطراب حركي يُعرف بالشلل الدماغي (أو المخّي) cerebral palsy. في عام 1891، نشر فرويد كتاباً رائداً حول آليات اللغة في الدماغ، مُبيناً أن اللغة نتاج نظام وظيفي مُوزع على مناطق دماغية مُتعددة. وقد مهّد هذا الطريق لظهور التحليل النفسي، لأن وظيفة اللغة هي وظيفة نفسية.

من الاكتشافات إلى المسلّمات

2. أصبح العديد من اكتشافات فرويد المثيرة للجدل اليوم من المسلّمات العلمية. كانت «الوظيفية Functionalism » ابتكاراً علمياً جديداً عندما طرحها فرويد لأول مرة: فكرة أننا ندرس أنظمة وظيفية، وهي كيانات افتراضية. يُنسب إدخال الوظيفية إلى علم الأعصاب الإدراكي عموماً إلى بوتنام في خمسينيات القرن العشرين، أي بعد عقود من طرح فرويد لهذا المفهوم.

كما طرح فرويد فكرة أنظمة الذاكرة المتعددة في عام 1896. تقوم هذه الفكرة على أن نظام الذاكرة لدينا ليس نظاماً واحداً، بل مُقسّم إلى أنظمة مُتعددة ومُختلفة، يعمل كل منها بطريقة مُختلفة. تُنسب هذه الفكرة إلى باحثين آخرين، أيضاً بعد عقود من طرحها من قِبل فرويد. قال فرويد إنه لا بد من وجود ثلاثة أنظمة ذاكرة على الأقل، عرّفها بأنها الوعي، وما قبل الوعي، واللاوعي. هكذا نقسم أنظمة الذاكرة المتعددة اليوم، إذ يقسمها نموذج علم الأعصاب الإدراكي السائد إلى ذاكرة قصيرة المدى (واعية)، وذاكرة طويلة المدى بيانية declarative (ما قبل الوعي)، وذاكرة طويلة المدى غير بيانية (لا واعية).

«اللاوعي».. ابتكار فرويد

وبالحديث عن اللاوعي، فقد كانت هذه إحدى ابتكارات فرويد: فكرة أن الوظائف العقلية يمكن أن تكون لا واعية. عندما طرح فرويد هذه الفكرة، اعتُبرت متناقضة. في ذلك الوقت، كان العقل والوعي مترادفين. أما الآن، فقد أصبحت فكرة أن أجزاءً كبيرة من حياتنا العقلية تحدث لا شعورياً فكرة سائدة.

ما يُسمى اليوم بالمعالجة التنبؤية predictive processing (التي ينفذها الدماغ) - وهو إطار عمل مؤثر للغاية طوره كارل فريستون - كان، في الواقع، متوقعاً قبل عقود. والمعالجة التنبؤية هي نفسها معالجة التمنّي wishful processing. إنها فكرة أنه بمجرد أن تجرّب شعوراً بالرضا، فإنك (أي دماغك) تحاول تكراره بناءً على كيفية تحقيق هذا الرضا في الماضي. وعلى العكس، فعندما تمر بتجربة مؤلمة، فإنك تحاول تجنبها بعدم تكرار الظروف التي أدت إليها. هذه فكرة فرويدية بامتياز، ويقر فريستون بهذا الفضل.

وينطبق الأمر نفسه على «الإدراك المجسَّد» embodied cognition، الذي كان يُطرح غالباً كتطور معاصر. (الإدراك المجسَّد، أو المكتسب بشكل محسوس، نظرية تقول إن العديد من سمات الإدراك تتشكل من جوانب الجسم بأكمله -الويكيبيديا). وكان فرويد أول من أكد على أن الإدراك مجسد، أي أن الإنسان نوع من أنواع الحيوانات، وأن العقل يعمل لصالح الكائن الحي ككل، ويتعلم كيفية تلبية احتياجاته في العالم.

* التجارب الصادمة في الطفولة المبكرة يمكن أن تُرسّخ أسس الأمراض النفسية

كما كان فرويد رائداً في فكرة الفترات الحرجة في النمو العقلي. لنأخذ على سبيل المثال فقدان الذاكرة الطفولي. لا نستطيع تذكر أول سنتين من حياتنا لأن أنظمة الذاكرة القشرية التي أطلق عليها فرويد اسم ما قبل الوعي (والتي نسميها الآن الذاكرة البيانية طويلة الأمد) لم تكن قد نضجت تماماً بعد.

وبالمثل، فإن فكرة أن التجارب الصادمة في الطفولة المبكرة يمكن أن تُرسّخ أسس الأمراض النفسية اللاحقة كانت فكرة فرويدية. واليوم، من المسلّم به على نطاق واسع أن تجارب الطفولة المؤلمة يمكن أن تزيد من قابلية الإصابة بأمراض مثل الاكتئاب. ومع ذلك، غالباً ما ننسى أن هذه كانت في يوم من الأيام فكرة فرويدية جديدة.

تناول فرويد أيضاً دراسة الدماغ من منظور ذاتي، متسائلاً عن ماهية هذا الدماغ. واليوم، ترتبط الحاجة إلى مراعاة التجربة الذاتية بما أسماه ديفيد تشالمرز بـ«مشكلة الوعي المعقدة»، وهي مشكلة تُعتبر عموماً في طليعة علم الأعصاب المعاصر.

المحادثة علاج نفسي فعّال

3. «العلاج بالكلام» علاج طبي فعّال للغاية. إننا نقيس فعالية العلاج في الطب والطب النفسي بما يُسمى حجم التأثير. يُعتبر حجم التأثير 0.2 فعالاً بشكل طفيف، و0.4 فعالاً بشكل متوسط، و0.8 فعالاً للغاية. أما حجم تأثير الأدوية النفسية فيبلغ في المتوسط نحو 0.4.

يتراوح حجم تأثير العلاج بالكلام بين 0.7 و0.8، مما يضعه ضمن نطاق الفعالية العالية. وينطبق الأمر نفسه على العلاج النفسي التحليلي قصير الأمد. وقد أثبتت الدراسات العشوائية المضبوطة أن له حجم تأثير يبلغ نحو 0.8.

وفي معظم العلاجات النفسية، تخف الأعراض بشكل ملحوظ بنهاية العلاج، لكنها تميل إلى العودة تدريجياً عند المتابعة بعد أشهر أو سنوات. أما العلاج النفسي التحليلي فيبدو أنه يتبع نمطاً مختلفاً، إذ لا يقتصر التحسن على استمراره بعد انتهاء العلاج، بل قد يستمر في الازدياد.

* فعالية العلاج النفسي التحليلي تُضاهي فعالية التدخلات الطبية لعلاج السكري أو لقاح سرطان عنق الرحم

وقد أشارت التقارير إلى أن العلاج النفسي التحليلي طويل الأمد يُحقق تأثيرات أكبر بكثير، تصل إلى 0.9 وما فوق، مع تأثيرات متابعة تتجاوز 1.0، وهو أمر استثنائي. وتُضاهي فعالية العلاج النفسي التحليلي فعالية التدخلات الطبية المُعتمدة، مثل أدوية خفض سكر الدم لمرضى السكري أو لقاح فيروس الورم الحليمي البشري للوقاية من سرطان عنق الرحم.

العلاج بالتحليل النفسي

الأعراض العاطفية تنشأ عندما لا تُلبّى الاحتياجات العاطفية بشكل كافٍ

4. علاج السبب الجذري. تُخفف الأدوية النفسية الأعراض بينما يُعالج العلاج بالكلام السبب الجذري. ومن أكثر المغالطات شيوعاً بين الناس الاعتقاد بأن الأعراض النفسية ناتجة عن اختلالات كيميائية في الدماغ. في هذا الكتاب، أستعرض الأدلة التي تُفنّد هذه النظرية، بما في ذلك بحثٌ لخصته أخيراً الطبيبة النفسية البارزة جوانا مونكريف في كتابها «الطب النفسي الجزيئي».

وتشير الأدلة إلى أن نظرية الخلل الكيميائي، على الأقل بصيغتها الشائعة، لا أساس لها من الصحة.

للأدوية النفسية أهمية بالغة، فهي تُخفف الأعراض. ​لكن تخفيف الأعراض لا يعني بالضرورة علاج الحالة المرضية الأساسية. إذ وعند التوقف عن العلاج، قد تعود الأعراض، كما أن لهذه الأدوية آثاراً جانبية خطيرة وأعراض انسحابية. لم يكن الهدف من العديد منها في الأصل تناولها لسنوات أو حتى عقود، ومع ذلك أصبح استخدامها طويل الأمد شائعاً بشكل متزايد.

قدّم فرويد تفسيراً مختلفاً جذرياً. فحسب رأيه، تنشأ الأعراض العاطفية عندما لا تُلبّى الاحتياجات العاطفية بشكل كافٍ. لذا يهدف العلاج التحليلي النفسي، والعلاجات الكلامية عموماً، إلى مساعدة المرضى على إيجاد طرق أفضل للتعرف على هذه الاحتياجات وتلبيتها. وإذا كانت الاحتياجات العاطفية غير المُلبّاة هي سبب الأعراض، فإن معالجة هذه الاحتياجات تعني معالجة الأسباب بدلاً من مجرد تخفيف الأعراض.

أخطأ فرويد في تحليل الارتباط العاطفي

5. أخطأ فرويد في بعض الأمور. كان الخطأ الرئيسي الذي وقع فيه فرويد هو نظريته عن الجنسانية sexuality، فقد أشار إلى أن الدافع وراء السلوك الجنسي ليس النجاح الإنجابي، بل السعي وراء المتعة. واستشهد بالاستمناء كدليل على ذلك، لأنه فعل جنسي واضح لا يُفضي إلى إنجاب أطفال. ومثال آخر استخدمه هو الجماع المثلي، الذي لا يُفضي أيضاً إلى نتائج إنجابية. كان فرويد مقتنعاً بأن الناس يمارسون الأفعال الجنسية في نهاية المطاف لأنهم يستمتعون بها. (الجنسانية - هي الطريقة التي يجرب فيها الناس ويعبرون عن أنفسهم جنسياً- الويكيبيديا),

ثم ذهب فرويد إلى أبعد من ذلك: إذا كان الهدف هو السعي وراء المتعة فحسب، فإن الجنسانية ليست وظيفة إنجابية بل وظيفة سعي وراء المتعة. ومن هنا، استنتج أن أي شيء يُفعل من أجل المتعة فقط هو سلوك جنسي، وهو ما يُعد إعادة تعريف كاملة لكلمة «جنسي sexual». هذا ما دفع فرويد إلى القول: «انظر إلى طفل رضيع يرضع. في البداية، يرضع لتلبية احتياجاته الغذائية، ولكن بمجرد أن يشبع، يستمر في الرضاعة. لماذا؟ من أجل المتعة. لذلك، فهو سلوك جنسي». هذا هو أصل فكرته عن الجنس الفموي، الذي يقول إنه جزء من الوظيفة الجنسية الشاملة.

الارتباط العاطفي ليس شكلاً من أشكال الجنس

في أيامنا هذه، نقول إن الطفل يستمر في الرضاعة بعد تلبية احتياجاته الغذائية لأن استمرار الرضاعة يلبي حاجته للارتباط. الارتباط العاطفي ليس شكلاً من أشكال الجنس. إن وجود من يقدم الرعاية للطفل ممتع، إنه يلبي حاجة خاصة به.

وقد اتضح أن هناك العديد من الاحتياجات النفسية المشابهة. وتتعدد أشكال المتعة في الدماغ وتتنوع العمليات الكيميائية التي تتوسط حدوثها؛ وتُعد الكيمياء المرتبطة بالجنس نوعاً واحداً منها فقط. لذا، لا منطق في اعتبار كافة أشكال المتعة مجرد أجزاء من وظيفة شاملة واحدة.

يرتكب العلماء أخطاءً -ولا سيما الرواد منهم أمثال فرويد- لكننا لا نلغي إرثهم؛ فنحن لا نتجاهل نيوتن لمجرد أنه لم يكن على دراية بفيزياء الكمّ، ولا ننبذ داروين لأنه لم يصب في كل استنتاجاته. وبدلاً من شطب فرويد، ينبغي لنا مواصلة المسيرة التي بدأها. فالأمر لا يقتصر على إثبات صحة أفكاره أو خطئها، بل يتعلق بإتمام المهمة التي بدأها.

* مجلة «فاست كومباني».


ازدياد شعبية «رفقاء الذكاء الاصطناعي» في أميركا

ازدياد شعبية «رفقاء الذكاء الاصطناعي» في أميركا
TT

ازدياد شعبية «رفقاء الذكاء الاصطناعي» في أميركا

ازدياد شعبية «رفقاء الذكاء الاصطناعي» في أميركا

كشف استطلاع أميركي جديد أن 27 في المائة من البالغين الأميركيين من مستخدمي الإنترنت، يجرون تفاعلات اجتماعية وعاطفية مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، ثلثهم يعتبر روبوت الذكاء الاصطناعي الخاص بهم بمثابة صديق.

حلول عصر «روبوتات الرفقة»

ووجد الاستطلاع الذي أجراه مركز «تصورات المستقبل الرقمي Imagining the Digital Future Center » بجامعة إيلون Elon University ونشرت نتائجه أمس الأربعاء، أن 27 في المائة من البالغين الأميركيين مستخدمي الإنترنت يقيمون علاقات تفاعلية عاطفية أو اجتماعية مهمة مع نماذج اللغة الكبيرة للذكاء الاصطناعي، مثل «تشات جي بي تي» و«جيمناي» و«كلود» و«كوبايلت».

مستخدمو رفقاء الذكاء الاصطناعي

يستخدم هؤلاء الأشخاص نماذج اللغة الكبيرة بطرق تؤسس وتبني روابط التواصل والثقة والاعتماد المتبادل، إذ طوّر البعض نوعاً من الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي ويفضلون التفاعل معها على التعامل مع البشر، فهم يبوحون لها بأسرارهم، ويطلبون المشورة بشأن قضايا حياتية مهمة، ويجرون محاكاة لأدوار وسيناريوهات قد يواجهونها في علاقات عاطفية أو مواقف أخرى، كما أنهم سيشعرون بالاستياء إذا فقدوا إمكانية الوصول إلى هذه الروبوتات.

ويُطلق على الأشخاص الذين يستخدمون نماذج اللغة الكبيرة لأغراض اجتماعية وعاطفية وشخصية اسم «مستخدمي رفقاء الذكاء الاصطناعي AI companion users». وشمل الاستطلاع عينة تمثيلية قوامها 1000 شخص منهم لاستكشاف كيفية استخدامهم لهذه الروبوتات الاجتماعية، وطبيعة علاقاتهم بها، وتأثير تفاعلاتهم مع هذه الأنظمة.

نتائج الاستطلاع الرئيسية

يؤدي رفقاء الذكاء الاصطناعي أهدافاً مهمة وحساسة وهي أدوات تلعب أدواراً رئيسية في حياة المستخدمين. وفيما يلي بعض النتائج الرئيسية:

* الصداقة. صرح 31 في المائة ممن يستخدمون الذكاء الاصطناعي لأغراض اجتماعية وعاطفية بأنهم يعتبرون روبوت المحادثة chatbot الخاص بهم صديقاً، بينما قال 15 في المائة آخرون إن علاقتهم بالروبوت «أكثر تعقيداً» من مجرد تصنيفه كصديق أو غير ذلك. وقال 11 في المائة إنهم يفضلون إجراء محادثة مع رفيقهم من الذكاء الاصطناعي بدلاً من الأصدقاء أو العائلة، بينما قال 27 في المائة آخرون إنهم يقدّرون محادثاتهم مع الذكاء الاصطناعي بقدر تقديرهم لمحادثاتهم مع الأصدقاء أو العائلة. لكن وبشكل عام، قال 59 في المائة إنهم يفضلون إجراء محادثات مع الأصدقاء أو العائلة.

* توفير الدعم. وافق 59 في المائة من مستخدمي رفقاء الذكاء الاصطناعي - بشدة أو إلى حد ما - على العبارة التالية: «يوفر لي الذكاء الاصطناعي الدعم الذي أحتاجه».

الارتياح والتفهم

* مشورة حول التعامل. وافق 53 في المائة - بشدة أو إلى حد ما - على العبارة التالية: «ألجأ إلى الذكاء الاصطناعي عندما أحتاج إلى مشورة حول كيفية التعامل مع المواقف الصعبة مع الآخرين».

* الارتياح. وافق 51 في المائة - بشدة أو إلى حد ما - على العبارة التالية: «يساعدني التحدث مع الذكاء الاصطناعي على الشعور بتحسن عندما أكون تحت ضغط أو منزعجاً».

* مناقشة المشكلات. وافق 50 في المائة (بشدة أو إلى حد ما) على العبارة التالية: «أستخدم الذكاء الاصطناعي لمناقشة مشكلاتي الشخصية أو مشاعري».

* التفهم. وافق 43 في المائة (بشدة أو إلى حد ما) على العبارة: «الذكاء الاصطناعي يفهمني كشخص». كما وافق 39 في المائة على العبارة: «الذكاء الاصطناعي يفهمني أفضل من معظم الناس».

العلاقات العاطفية والجنسية

* العلاقات العاطفية والجنسية. ذكر 38 في المائة أن النصائح والمحادثات التي أجروها مع رفيقهم من الذكاء الاصطناعي كانت مفيدة للغاية أو مفيدة إلى حد ما عند الحديث عن مشكلات في علاقاتهم العاطفية أو الجنسية. ووصف 12 في المائة آخرون محادثاتهم بأنها مفيدة نوعاً ما. وبالإضافة إلى ذلك، قال 9 في المائة إنهم سبق واستخدموا الذكاء الاصطناعي في محادثات جنسية أو لعب أدوار (تقمص شخصيات).

* الأسرار. قال 39 في المائة إنهم يخبرون الذكاء الاصطناعي أحياناً بأمور لا يخبرون بها أشخاصاً آخرين. وذكر 29 في المائة أنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي للحديث عن مشكلات في علاقاتهم الشخصية، بينما ذكر 26 في المائة أنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي للحديث عن مشكلات في علاقاتهم المهنية.

* الفقدان. وافق 37 في المائة (بشدة أو إلى حد ما) على العبارة: «سأشعر بخسارة شخصية إذا لم يعد بإمكاني التفاعل مع الذكاء الاصطناعي».

* الاهتمام بالسلامة. وافق 36 في المائة من مستخدمي رفيق الذكاء الاصطناعي (بشدة أو إلى حد ما) على العبارة: «الذكاء الاصطناعي يهتم بسلامتي ورفاهيتي».

• مدى الألفة. في حال تعذر عليهم التحدث مع الذكاء الاصطناعي حول أمور شخصية، قال 24 في المائة إنهم سيفتقدونه كثيراً، وقال 40 في المائة إنهم سيفتقدونه قليلاً، بينما قال 36 في المائة إنهم لن يفتقدوه على الإطلاق.

* الملل والوحدة: ذكر 39 في المائة أنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي لتمضية الوقت أو إجراء محادثة عند الشعور بالملل، أو أثناء القيام بأنشطة أخرى مثل القيادة أو إعداد الطعام. و أبدى 38 في المائة من المستخدمين موافقة تامة أو جزئية على العبارة التالية: «أحياناً أدردش مع الذكاء الاصطناعي لمجرد التخفيف من شعوري بالوحدة».

ونقل الموقع الإلكتروني لجامعة إيلون، عن لي ريني، مدير مركز تصورات المستقبل الرقمي: «لطالما تساءل المشرفون والمعلقون الثقافيون عما سيحدث بمجرد أن تصبح الأنظمة الاصطناعية متصلة بالبشر وقادرة على مرافقتهم. وتوفر نتائج دراستنا الجديدة الدفعة الأولى من الرؤى حول هذه العلاقات الناشئة، في ظل تزايد اعتماد الناس على نماذج اللغة الكبيرة، وتحول وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى جزء من المشهد العام، وأضاف: «إنها مؤشرات على مستقبل من المرجح أن يقيم فيه عدد أكبر بكثير من الناس مثل هذه الأنواع من العلاقات».

تقرير جامعة إيلون الجديد

طلب المشورة

ويستكشف بعض مستخدمي «الرفيق الرقمي» قضايا حياتية جوهرية مع روبوتاتهم. وعند سؤالهم عن بعض الجوانب المؤثرة في تفاعلهم مع رفيقهم المعتمد على الذكاء الاصطناعي، كانت النتائج كالتالي:

* القضايا الصحية والعائلية. ذكر 67 في المائة من مستخدمي رفيق الذكاء الاصطناعي أنهم استخدموا الروبوت للحصول على مشورة بشأن الصحة أو اللياقة البدنية أو خيارات نمط الحياة. كما قال 31 في المائة إنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف كيفية التعامل مع قضايا عائلية هامة، مثل قرار إنجاب الأطفال أو مكان السكن.

* القضايا المالية والقانونية. قال 41 في المائة إنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف كيفية التعامل مع مسائل مالية كبرى، مثل الاستثمارات أو عمليات الشراء الضخمة. وقال 30 في المائة إنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف كيفية التعامل مع المسائل القانونية في حياتهم.

* المسار المهني. قال 39 في المائة إنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف كيفية التفكير في مسارهم المهني أو التعليمي.

* المعتقدات. ذكر 26 في المائة من مستخدمي رفيق الذكاء الاصطناعي أنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف معتقداتهم الروحية أو الدينية أو الفلسفية.

منهجية الاستطلاع

وقالت جامعة إيلون، وهي جامعة خصوصية مقرها في مدينة إيلون بولاية كارولينا الشمالية، في بيانها إن شركة «يوغوف YouGov»، الدولية المتخصصة في التسويق واستطلاعات الرأي تولَّت تنفيذ الاستطلاع عبر الإنترنت. وفي الفترة ما بين 18 و22 مايو (أيار) 2026، أجرت «يوغوف» مقابلات مع 4268 شخصاً بالغاً من مستخدمي الإنترنت في الولايات المتحدة (ممن تبلغ أعمارهم 18 عاماً فما فوق)، بهدف تحديد واستطلاع آراء مستخدمي الذكاء الاصطناعي الذين يوظفون هذه التقنية لأغراض عاطفية أو اجتماعية.

بعد ذلك، تمت مواءمة العينة الإجمالية للبالغين الأميركيين مستخدمي الإنترنت لتصل إلى 4031 مشاركاً، مما أثمر عن عينة فرعية مستهدفة قوامها 1000 مستخدم للذكاء الاصطناعي ممن يستخدمونه لأغراض عاطفية أو اجتماعية. وقد تمت مطابقة المشاركين مع إطار العينة بناءً على معايير الجنس والعمر والعرق والمستوى التعليمي.

https://www.elon.edu/u/news/2026/09/02/imagining-the-digital-future-center-reports-on-the-rise-of-ai-companions/