كيف نجح العلماء في خلق خلية من العَدَمْ؟

تحذيرات من تطويرات لا أخلاقية لتوظيفها… كسلاح

شكل تصويري للخلية الحية للإنسان المكونة من نواة تحيط بها السيتوبلازما داخل غشاء محيط بها
شكل تصويري للخلية الحية للإنسان المكونة من نواة تحيط بها السيتوبلازما داخل غشاء محيط بها
TT

كيف نجح العلماء في خلق خلية من العَدَمْ؟

شكل تصويري للخلية الحية للإنسان المكونة من نواة تحيط بها السيتوبلازما داخل غشاء محيط بها
شكل تصويري للخلية الحية للإنسان المكونة من نواة تحيط بها السيتوبلازما داخل غشاء محيط بها

لطالما حلم العلماء باكتشاف سرّ تحويل المواد الكيميائية إلى حياة. وهذا الشهر أعلن فريق من جامعة مينيسوتا عن تحقيق خطوة كبيرة نحو تحقيق هذا الحلم، كما كتب كارل زيمر، وماركو هيرنانديز.

تصنيع خلايا بسيطة

بمزج عشرات المكونات تمكن الباحثون من تصنيع خلايا بسيطة تتغذى، وتنمو، وتتكاثر، وتتنافس فيما بينها على الغذاء. ورغم أن هذه الخلايا ليست حية تماماً، فإنّها تحمل معظم سمات الحياة.

وقالت كيت أدامالا، عالمة الأحياء التركيبية في الجامعة، التي قادت البحث: «الحياة ليست ثنائية... لهذا السبب أتردد في وصفها بأنها (حية). إذ لا يوجد خط فاصل واضح، مهما تمنينا ذلك».

حتى الآن لم يتقن العلماء وصفة خلية قادرة على أداء هذا الكمّ الهائل من الوظائف، كما صرّح جون غلاس، عالم الأحياء التركيبية في معهد جيه كريغ فينتر في سان دييغو، والذي لم يشارك في الدراسة. وأضاف: «من المذهل أنها استطاعت الجمع بين كل هذه العناصر». وقالت روزانا ضياء، عالمة الأحياء الحاسوبية بجامعة ميسوري، والتي لم تشارك في المشروع: «سنتذكر هذه اللحظة».

خلية تشابه البطاطا

ومن جهته قال درو إندي، عالم الأحياء التركيبية في جامعة ستانفورد: «إنها خلية مُصنّعة، وليست وليدة. إنها مُركّبة، لكنها تؤدي وظائف الخلايا». وأطلقت أدامالا على ابتكارها اسم «سباد سيل» (SpudCell)، نسبةً إلى شكلها الشبيه بالبطاطا. وبدلاً من تسجيل براءة اختراع لها، تعمل هي وإندي على تنظيم مجتمع من العلماء للتركيز على جعل «سباد سيل» أكثر حيوية، وتكييفها مع أنواع جديدة من التجارب. وقد أسسا مع زملائهما منظمة بحثية غير ربحية يُقدّر إندي أنها ستنفق مئات الملايين من الدولارات على هذا الجهد خلال العقد القادم. ومن المتوقع انضمام مئات العلماء إليها.

ونشرت أدامالا وزملاؤها تقريراً مفصلاً من 190 صفحة عن عملهم على الإنترنت. ويخضع البحث حالياً للمراجعة تمهيداً لنشره في إحدى المجلات العلمية.

هندسة الخلايا اصطناعياً لأهداف البحث العلمي

يأمل العلماء أن تُتيح لهم الخلايا الاصطناعية معرفة جوانب من الحياة لا تستطيع الخلايا الطبيعية كشفها، بما في ذلك أسئلة أساسية مثل عدد الجينات اللازمة لأبسط أشكال الحياة.

وقد تُهندَس الخلايا اصطناعياً يوماً ما للقيام بأمور لا تستطيع الخلايا الطبيعية القيام بها، مثل إنتاج أنواع جديدة من الأدوية، أو استخلاص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. ونظرياً، قد تُنتج خلايا «سباد» المُهندسة مجموعة واسعة من البروتينات التي لا تستطيع الخلايا الطبيعية إنتاجها، أو حتى مواد كيميائية سامة، مثل وقود الصواريخ. وقال غلاس: «الآن يُمكننا التفكير في إجراء تجارب كيميائية لا نزال نعجز عن فهمها».

سبر لغز الحياة

يكمن لغز الحياة كما نعرفها في تعقيدها الغامض، والمتشابك. إذ يحتوي حمضنا النووي على عشرات الآلاف من الجينات، بالإضافة إلى ملايين المفاتيح الجزيئية التي تُفعّل هذه الجينات، وتُعطّلها. ولا يزال العلماء يجهلون وظائف العديد من هذه الأجزاء من الحمض النووي. وكثيراً ما يتبين أن الجين الذي يعتقدون أنهم يفهمونه يؤدي وظائف أخرى غير متوقعة.

ومنذ تسعينات القرن الماضي انكبّت عدة مختبرات على البحث في أجزاء صغيرة من هذه المشكلة. وقد أتقن بعضها طرقاً لصنع فقاعات مجوفة من جزيئات زيتية. بينما وجد البعض الآخر طرقاً لتغليف جزيئات جينية بسيطة داخل هذه الفقاعات.

لكن العلماء واجهوا صعوبة في تجميع هذه الأجزاء في أنظمة أكثر تعقيداً، فضلاً عن تكوين ما يُمكن تسميته خلية.

في السنوات الأخيرة، تصدّت أدامالا لأحد التحديات الأساسية: انقسام الخلية. تنقسم الخلية الطبيعية بمساعدة بروتينات تتشابك معاً لتُشكّل حلقة مُثبّتة على جدارها الداخلي. ثم تلتفّ الحلقة حول نفسها بإحكام، فتقسم الخلية إلى قسمين. وتعمل بروتينات أخرى كرافعات، وتنقل الحمض النووي وجزيئات أخرى إلى الخلايا المُتشكّلة، لتوفير المكونات اللازمة لاستمرار الحياة.

من المحاكاة إلى التصنيع

في البداية، حاولت أدامالا بناء نسخة أبسط من النظام الطبيعي. لكنها قررت لاحقاً عدم محاكاة الخلايا الحقيقية على الإطلاق.

كان علماء الفيزياء الحيوية قد اكتشفوا أنه عند تثبيت البروتينات على غشاء، فإنه يتولد ضغطٌ يُسبب انحناء الغشاء. لذا ابتكرت أدامالا وفريقها فقاعات قادرة على التقاط البروتينات العائمة حولها. عندما تجمع الفقاعة كمية كافية من البروتينات، يبدأ سطحها بالانحناء إلى الداخل حتى تنفجر إلى نصفين.

وعلى الرغم من بساطة الفكرة، فإن تطبيقها عملياً في المختبر استغرق عاماً من التجارب. قالت أدامالا: «لكن بمجرد أن تنجح، فإنها تؤدي العمل».

*احتوت «الوصفة» على نحو مائة نوع من البروتينات والجزيئات البسيطة اللازمة للتفاعلات الكيميائية الحيوية*

بناء خلية اصطناعية كاملة

شجع هذا النجاح الفريق على محاولة بناء خلية اصطناعية كاملة. وكانت الخطوة الأولى هي تحضير «مرق»، أي مزيج من الجزيئات الضرورية لعمل الخلية. احتوت الوصفة في النهاية على نحو مائة نوع من البروتينات والجزيئات البسيطة اللازمة للتفاعلات الكيميائية الحيوية، مثل إنتاج بروتينات جديدة من الجينات.

كما زوّد الباحثون خليتهم الاصطناعية بجينات مُستعارة من فيروس وبكتيريا الإشريكية القولونية المنتشرة. واختاروا 36 جيناً للوظائف الأساسية، مثل نسخ الحمض النووي. وبعد مزج هذه المكونات معاً أضاف العلماء المكونات الأساسية للأغشية. واندمجت هذه المكونات تلقائياً لتُشكّل فقاعات، كل منها يبتلع جزءاً من المزيج.

انتهى المطاف بالعديد من هذه الفقاعات بتغليف المزيج المناسب من الجينات، والبروتينات، والجزيئات الأخرى، وبدأت في إجراء التفاعلات الكيميائية التي تحدث في الخلايا الحقيقية. وبينما كانت الخلايا الجديدة تطفو في القوارير، أضافت أدامالا وزملاؤها الغذاء. وامتصت الخلايا الجزيئات الصغيرة عبر قنوات على أسطحها.

كما وضع العلماء فقاعات صغيرة مُحمّلة بالبروتينات، وجزيئات أخرى كبيرة الحجم بحيث لا يمكنها المرور عبر القنوات. وعن طريق الاصطدام والاندماج بإحدى هذه الفقاعات تتغذى الخلية على ما بداخلها من مواد غذائية.

ومع تغذية الخلايا، فإنها بدأت تنمو. وفي غضون ساعات قليلة تصبح كبيرة بما يكفي للانقسام. ثم أضاف العلماء بروتيناً خاصاً إلى القوارير، والذي يلتصق بسطح الخلايا، ويجبرها على الانحناء إلى الداخل. وبمجرد انقسام الخلايا إلى خليتين تستمر الخليتان الجديدتان في النمو.

تنمية أجيال من الخلايا الاصطناعية

وهكذا نمت خلايا «سباد سيل»، وتغذت، وتكاثرت. واتضح أن هذه الخلايا تمتلك قدرة بدائية على التطور. وابتكرت أدامالا وزملاؤها نسخة متحولة تلتصق بقوة أكبر بالفقاعات المليئة بالمواد الغذائية التي تطفو حولها. ولاختبارها قاموا بتحضير مزيج بنسبة 50-50 من خلايا «سباد سيل» الأصلية والمتحولة.

تنافست الخلايا على الغذاء لخمسة أجيال. وفي النهاية، فاق عدد الخلايا المتحولة عدد الخلايا الأصلية، ما يشير إلى تفوقها عليها في المنافسة على الغذاء.

وعلقت روزانا ضياء: «هذا هو الإنجاز الذي سيُحدث ثورة في هذا المجال». إذ سيتمكن العلماء من وضع خلايا اصطناعية مختلفة في منافسة فيما بينها، وتطوير خلايا أكثر تطوراً بسرعة.

قصور أساسي في الخلية الاصطناعية

على الرغم من كل هذه الأدلة على وجود حياة، لا تزال خلية «سباد سيل» تعاني من بعض أوجه القصور الرئيسة. فهي، على سبيل المثال، لا تستطيع إنتاج المصنع الجزيئي المسؤول عن إنتاج البروتينات الجديدة، والذي يُسمى الريبوسوم ribosome. تستطيع الخلايا حمل جميع الجينات اللازمة لبناء الريبوسومات، ولكن لسبب ما لا تتحد الأجزاء معاً. (الريبوسوم هو جسيم بروتيني نووي موجود في جميع الخلايا، سواء كانت بدائية أو متقدمة. وهو مسؤول عن تخليق البروتينات-الويكيبيديا الإنجليزية).

تحذيرات من تطويرات لا أخلاقية لتوظيفها... كسلاح

في الوقت الحالي لا تستطيع الخلية الاصطناعية البقاء إلا لبضعة أجيال فقط بفضل نظام غذائي مختبري خاص. لكن قد تكون الإصدارات المستقبلية أكثر قوة، ما يزيد من احتمالية استخدام خلايا «سباد سيل» بطريقة غير أخلاقية في يوم من الأيام، وربما حتى لصنع سلاح.

يرى إندي أن مجتمع البحث مفتوح المصدر سيكون أكثر استعداداً لمنع حدوث ذلك. وقال: «يمكننا إجراء هذه النقاشات الآن، بدلاً من انتظار الآخرين للقيام بذلك، ثم نكتفي جميعاً برد الفعل».

يشبّه إندي شركة «سباد سيل» بنسخة بيولوجية من طائرة رايت فلاير، الطائرة البدائية التي استخدمها الأخوان رايت في أول رحلة طيران مستدامة ومتحكم بها عام 1903، مُدشّنين بذلك عصر الطائرات. ويقول إندي: «إن تحليق طائرة رايت فلاير لمدة 12 ثانية لا يُؤهّلك لامتلاك طائرة بوينغ 737. هذه مجرد البداية».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«ديسا»… ذكاء اصطناعي يحاكي إيقاع الحوار البشري

تكنولوجيا «ديسا» نموذج صوتي يحاول جعل محادثة الذكاء الاصطناعي أقرب للبشر (ديسا)

«ديسا»… ذكاء اصطناعي يحاكي إيقاع الحوار البشري

نموذج صوتي من «بلوك» يتحدث ويستمع في الوقت نفسه ويتعلم من المحادثات دون نصوص.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا بطارية بعمر ممتد وألوان تناسب جميع الأذواق

هاتف «أونر إكس 9 إي برو»... قفزة نوعية في الجوالات الذكية المتينة ذات الموثوقية الفائقة

يلبّي احتياجات المستخدمين في أقسى ظروف العمل والحياة اليومية

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا صورة نشرتها شركة «أبل» الأميركية للجيل الجديد كلياً من جهازها اللوحي «آيباد ميني» (الشرق الأوسط)

«أبل» تكشف عن أكبر تحديث لجهاز «آيباد ميني»

كشفت «أبل»، الاثنين، عن جيل جديد من «آيباد ميني» في أكبر تحديث للجهاز منذ إطلاقه.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا ثغرتان في «PHP» قد تسمحان باختراق الخوادم والوصول إلى بيانات حساسة (php)

ثغرتان خطيرتان تهددان مواقع الإنترنت والتطبيقات في إحدى لغات البرمجة

تحذير عالمي من ثغرتين خطيرتين في لغة البرمجة «PHP»

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
خاص كشف باحثو «كاسبرسكي» أن غياب المصادقة في بعض ماسحات «الباركود» قد يوفر نقطة دخول إلى شبكة المستودع (أدوبي)

خاص ثغرة أمنية في ماسحات «الباركود» تفتح مسار هجوم يهدد تشغيل المستودعات

تكشف «كاسبرسكي» كيف قد تتحول ماسحات «الباركود» إلى بوابة نحو أنظمة المستودعات الحساسة ما يهدد استمرارية التشغيل وحركة البضائع.

نسيم رمضان (بالي (إندونيسيا))

عندما يصل الذكاء الاصطناعي الطبي إلى المحكمة... من يتحمل مسؤولية الخطأ؟

«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته
«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته
TT

عندما يصل الذكاء الاصطناعي الطبي إلى المحكمة... من يتحمل مسؤولية الخطأ؟

«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته
«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته

​في 21 سبتمبر (أيلول) 2026، رفضت محكمة الاستئناف الخامسة في تكساس التماساً من شركة «أكلارينت» (Acclarent)، التي أضافت قدرات الذكاء الاصطناعي إلى نظام «ترو دي» لمساعدة الجرَّاحين في جراحات الأنف والجيوب الأنفية. وتعلَّق الالتماس بالكشف عن أجزاء محجوبة من وثائق دعوى قضائية. ولم يكن القرار إدانة للشركة، ولا إثباتاً لتسبُّب تقنيتها في إصابة مريض؛ بل تناول ضرورة إتاحة الوثائق خلال التقاضي.

وتكمن أهمية هذه القرارات في أن التحقيق في الخطأ الطبي قد يتجاوز تصرف الطبيب إلى: ما الذي عرفته الشركة عن نظامها؟ وكيف اختبرته؟ وما الذي أوضحته لمستخدميه عن قدراته وحدوده؟ فعندما يدخل الذكاء الاصطناعي إلى غرفة العمليات، قد تصبح وثائق تطويره وتقييم سلامته أدلة لفهم ما حدث وتحديد المسؤولية.

«ترو دي» خريطة داخل الجسم

يعمل نظام «ترو دي» (TruDi) كخريطة رقمية داخل الأنف والجيوب الأنفية؛ إذ يستعين بصور الأشعة وتتبع الأدوات، ليُظهر للجرَّاح موضع أداته بالنسبة إلى الأنسجة المحيطة؛ خصوصاً قرب أجزاء حساسة، مثل قاعدة الجمجمة والشرايين المغذية للدماغ، فالجرَّاح يحرك الأداة، والنظام يساعده على توجيهها.

وفي عام 2021، أعلنت «أكلارينت» إضافة قدرات للذكاء الاصطناعي تساعد على التعرُّف على أجزاء تشريحية، واقتراح مسار للأداة بين نقطتين يختارهما الطبيب. ويشبه ذلك تطبيق الخرائط الذي يساعد السائق على تحديد موقعه واختيار الطريق، ولكنه لا يتولى القيادة عنه.

وإذا اختلف الموقع المعروض عن الموقع الفعلي للأداة، فقد يتأثر تقدير الجرَّاح. ولكن تحديد السبب يحتاج إلى تحقيق: هل هو يرتبط بوظائف الذكاء الاصطناعي؟ أم بتتبع الأدوات؟ أم بإعداد النظام واستخدامه؟

إصابات تصل إلى المحاكم

سلَّط تحقيق لوكالة «رويترز»، نُشر في 9 فبراير (شباط) 2026، الضوء على دعوتين تتعلقان باستخدام «ترو دي». ففي مايو (أيار) 2023، خضعت دونا فيرنيهو لجراحة للجيوب الأنفية، وتقول دعواها إن إصابة الشريان السباتي، أحد الشرايين الرئيسية المغذية للدماغ، أدت إلى سكتة دماغية. وفي يونيو (حزيران) 2022، خضعت إيرين رالف لجراحة مشابهة، وادَّعت أن النظام أعطى الجرَّاح معلومات غير دقيقة عن موضع أدواته، ما أدى إلى إصابة الشريان السباتي وسكتة دماغية.

ونفت «أكلارينت» الادعاءات؛ إذ أكدت الشركة المالكة لها: «إنتيغرا لايف ساينسز» (Integra LifeSciences)، عدم وجود دليل يربط الذكاء الاصطناعي بالإصابات المذكورة. ويبقى حسم السبب رهناً بالأدلة: هل أسهم خلل في النظام في الضرر؟ أم طريقة استخدامه؟ أم عوامل أخرى؟ فحدوث الإصابة أثناء استخدام التقنية لا يثبت وحده أنها تسببت فيها.

حين تؤثر الخوارزمية في تغطية العلاج

ولا تقتصر النزاعات على غرفة العمليات. ففي 9 مارس (آذار) 2026، وافقت محكمة فيدرالية في مينيسوتا الأميركية جزئياً على إلزام مجموعة «يونايتد هيلث» (UnitedHealth Group) بتقديم وثائق عن سياسات تغطية الرعاية واستخدام خوارزمية «إن إتش بريديكت» (nH Predict)، في دعوى أقامها ممثلو تركة الراحل جين لوكن وآخرون.

ويقول المدَّعون إن الشركة استخدمت الخوارزمية في قرارات أوقفت تحمُّل تكاليف رعاية مرضى ما زالوا بحاجة إليها، مثل التأهيل والتمريض المتخصص بعد العلاج في المستشفى. وتناولت طلبات الوثائق استخدام الأداة وتدريب الموظفين والرقابة عليها. ولم يحسم القرار صحة الاتهامات؛ بل أتاح الحصول على أدلة لفحصها.

وتكشف القضية أن تأثير الذكاء الاصطناعي قد يمتد إلى قرار شركة التأمين بشأن استمرار دفع تكاليف العلاج. وبالنسبة إلى المريض، قد يعني توقف التغطية صعوبة استكمال الرعاية التي يحتاج إليها.

من يتحمل المسؤولية؟

تدفعنا هذه القضايا إلى سؤال أوسع من: «أي طبيب أخطأ؟». فقبل استخدام النظام، تشارك جهات عدة في تطويره واختباره وتسويقه وشرائه واعتماده داخل المستشفى. وقد ينشأ الخلل في أي مرحلة؛ من تصميم البرنامج إلى تدريب العاملين ومراقبة أدائه.

ومن منظور الحوكمة، ينبغي توضيح واجبات كل طرف؛ إذ على الشركة أن تشرح قدرات النظام وحدوده والمخاطر المعروفة، وعلى المستشفى أن يتحقق من ملاءمته لمرضاه ومن أنه يوفر التدريب والمتابعة، وعلى الطبيب أن يستخدمه ضمن الغرض المخصص له، ويبلِّغ عن الخلل. أما المسؤولية القانونية فتتحدد وفق الأدلة وسبب الضرر والقانون المعمول به.

ولا يكفي القول إن النظام يعمل «تحت إشراف الطبيب». فالإشراف يتطلب فهم حدود الأداة، وامتلاك الوقت والصلاحية لمراجعة توصيتها ورفضها عند الحاجة، والتحقق حين تتعارض معلوماتها مع حالة المريض. فوجود الطبيب في نهاية سلسلة القرار لا يجعله مسؤولاً وحده عن كل خلل سبقها، كما أن استخدام التقنية لا يلغي واجبه في التحقق.

درس للمؤسسات الصحية العربية

تقدم هذه القضايا درساً للمؤسسات الصحية السعودية؛ والعربية عموماً: تبدأ حماية المريض قبل إدخال الذكاء الاصطناعي إلى العيادة، بالتحقق من أدائه محلياً، وتدريب مستخدميه، وتعيين مسؤول عن سلامته، ووضع إجراءات للإبلاغ عن الأخطاء، وإيقاف استخدامه عند ظهور أخطار تستدعي التحقيق.

ومن الضروري حفظ سجل يوضح نسخة البرنامج المستخدمة، والمعلومات التي قدمها، وكيف تعامل معها الفريق الطبي؛ لفهم مصدر الخلل حتى بعد تحديث البرنامج. وينبغي أن تضمن عقود الشراء تعاون الشركة في التحقيق وإتاحة السجلات اللازمة، مع حماية بيانات المرضى.

ويحتاج المريض إلى جهة واضحة للسؤال والشكوى، فالثقة تنمو بقدرة المؤسسة على اكتشاف الخطأ وتصحيحه وإنصاف المتضرر. وعندما يصل النزاع إلى المحكمة، يجب أن يكون ممكناً تتبع ما حدث؛ فالقرار قد يمر عبر أطراف كثيرة، ولكن المسؤولية يجب ألا تضيع بينها.


كردستان العراق توثق آلاف الأصناف الحيوانية والنباتية المهددة

مسرور بارزاني خلال افتتاح مشروع التنوع البيولوجي بإقليم كردستان العراق (مؤسسة كردستان)
مسرور بارزاني خلال افتتاح مشروع التنوع البيولوجي بإقليم كردستان العراق (مؤسسة كردستان)
TT

كردستان العراق توثق آلاف الأصناف الحيوانية والنباتية المهددة

مسرور بارزاني خلال افتتاح مشروع التنوع البيولوجي بإقليم كردستان العراق (مؤسسة كردستان)
مسرور بارزاني خلال افتتاح مشروع التنوع البيولوجي بإقليم كردستان العراق (مؤسسة كردستان)

شهد إقليم كردستان شمال العراق الأسبوع الماضي تدشين «مشروع التنوع البيولوجي في كردستان» عند سد باستورا، الذي تقول عنه حكومة أربيل إنه خطوةً جوهريةً ضمن جهود الإقليم الرامية إلى توثيق وحماية الحياة النباتية والحيوانية فيه، وخصوصاً المهددة.

الحياة البرية في كردستان العراق (مؤسسة كردستان)

قاعدة بيانات وطنية جديدة

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قال هندرين غازي، مدير البرامج في «مؤسسة كردستان»: «يمثل الموقع الإلكتروني (www.biodiversity.krd) الركيزة الأساسية للمشروع؛ إذ يُعدّ قاعدة بيانات وطنية جديدة تضم معلوماتٍ موثقةً علمياً حول الحياة النباتية والحيوانية في إقليم كوردستان»، مضيفاً أن «الباحثين في مؤسسة كردستان جمعوا هذه البيانات من خلال العمل الميداني، وهي الآن متاحة في منصة واحدة للطلاب والعلماء وصنّاع السياسات، ولكل المهتمين بالثروة الطبيعية في كردستان».

تسجيل وتوثيق 2252 نوعاً رسمياً

وأوضح غازي أنه «بحلول يوم إطلاق المشروع، تم تسجيل وتوثيق 2252 نوعاً رسمياً على الموقع الإلكتروني، منها 1408 أنواع نباتية و844 نوعاً حيوانياً. وبالإضافة إلى ذلك، تم تحديد 19 منطقة رئيسية للتنوع البيولوجي موزعة على محافظات إقليم كردستان الأربع».

واستطرد أن «إقليم كردستان يتميز بتنوع تضاريسه التي تشمل الجبال، والوديان النهرية، والأراضي الرطبة، والسهول؛ إلا أن المعلومات الموثوقة حول الكائنات التي تعيش في هذه المناطق كانت -لفترة طويلة- إما مشتتة أو غير متوفرة على الإطلاق. وقد أُنشئت قاعدة بيانات هذا المشروع لسد هذه الفجوة، وتوفير أساس علمي متين لأعمال الحفاظ على البيئة والتخطيط البيئي».

الحفاظ على الحياة البرية في كردستان

وتجدر الإشارة إلى أن رئيس وزراء إقليم كردستان، مسرور بارزاني، قال خلال كلمته بحفل تدشين المشروع: «يُعدّ هذا المشروع خطوةً بالغة الأهمية نحو الحفاظ على المناخ والحياة البرية في كردستان. وإن أبعاد هذا المشروع تتجاوز الحدود الإدارية لإقليم كردستان العراق»، داعياً إلى «توثيق الأصناف الحيوية في أي بقعة من جغرافيا كردستان التاريخية، بما فيها الدول المجاورة؛ بغية إثراء المخزون العلمي المشترك»، مؤكداً على أن «حماية هذه الثروة الطبيعية وصونها يمثلان مسؤولية تضامنية يتقاسمها كل محب للبيئة»، حسب تعبيره.

تم توثيق آلاف الأصناف الحيوانية والنباتية في المشروع (مؤسسة كردستان)

مبادرات مناخية وبيئية

ووفقاً لهندرين غازي، يُعدّ «مشروع التنوع البيولوجي في كردستان» جزءاً من أعمال مبادرة «Climate.KRD» -التابعة لـ«مؤسسة كردستان»- التي تركز على المبادرات المناخية والبيئية، بالشراكة مع وحدة تغير المناخ بمكتب رئيس حكومة إقليم كرردستان، منوهاً إلى أن مؤسسة كردستان تخطط خلال الأشهر المقبلة، لتوسيع قاعدة البيانات، وتنفيذ برامج توعوية، والتعاون مع الجامعات والشركاء لتوسيع نطاق المشروع.، حسبما قال.

وشدد غازي على أن هذا المشروع مفتوح للزوار من خلال الموقع الإلكتروني الذي استقبل ما يقرب من 9000 زائر خلال الـ24 ساعة الأولى من إطلاقه.

مراحل المشروع

وختم بأن المشروع يعتمد على 3 مراحل، الأولى جمع البيانات المتوفرة ودمجها في الموقع الإلكتروني، وهو ما تم بالفعل، والثانية، استكمال جميع الاكتشافات المتوفرة بما في ذلك موقعها ووصفها وأسماؤها العلمية، وحالتها لدى الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، والأخيرة افتتاح مركز للتنوع البيولوجي في كردستان وتطوير مركز لإعادة التأهيل وحماية الأنواع بالتنسيق مع الباحثين والأساتذة الأكاديميين.

وكان رئيس وزراء إقليم كردستان أطلق المشروع بحضور عدد من الوزراء وكبار المسؤولين الحكوميين في كردستان، وأرين بارزاني، رئيس «مؤسسة كردستان» المؤسسة المشرف على المشروع، كما شارك في حفل الإطلاق نشطاء في مجال المناخ، وباحثون، وعناصر من شرطة الغابات والبيئة.


بكتيريا معدّلة وراثياً تفتح باباً جديداً للقاحات السرطان الفموية

اللقاحات الفموية قد تعوض حقن مكافحة السرطان
اللقاحات الفموية قد تعوض حقن مكافحة السرطان
TT

بكتيريا معدّلة وراثياً تفتح باباً جديداً للقاحات السرطان الفموية

اللقاحات الفموية قد تعوض حقن مكافحة السرطان
اللقاحات الفموية قد تعوض حقن مكافحة السرطان

قد يصبح تعزيز مناعة الجسم ضد السرطان ممكناً يوماً ما عبر لقاح يُتناول عن طريق الفم بدلاً من الحقن؛ فقد أظهرت دراسة سريرية استكشافية مبكرة أن بكتيريا معدّلة وراثياً يمكن استخدامها لنقل مستضد سرطاني إلى الجهاز المناعي، مع نتائج أولية تشير إلى إمكانية تعزيز الاستجابة المناعية المضادة للأورام لدى بعض المرضى.

وفي تجربة سريرية من المرحلة الأولى، كان اللقاح التجريبي «B440» جيد التحمل عموماً، وأظهر مؤشرات مناعية وسريرية تستحق مزيداً من البحث. كما كشفت النتائج عن احتمال وجود مؤشر حيوي يمكن أن يساعد مستقبلاً في تحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة من هذا النهج.

بكتيريا لتحفيز المناعة

• بكتيريا «معوية». يمتلك الجهاز المناعي قدرة طبيعية على مهاجمة الخلايا السرطانية، لكن الأورام تستطيع تطوير آليات للهروب من هذه المراقبة؛ من بينها استغلال ما يُعرف بـ«نقاط التفتيش المناعية» (immune checkpoints)، وهي آليات تعمل بوصفها فرامل تمنع الجهاز المناعي من مهاجمة الخلايا بصورة مفرطة.

وتعمل أدوية مثبطات نقاط التفتيش المناعية، مثل بعض العلاجات الحديثة للسرطان، على تعطيل هذه الفرامل لإعادة تنشيط المناعة ضد الورم. لكن بعض السرطانات تتمكن من تطوير وسائل أخرى للهروب، كما أن عدداً من المرضى لا يستجيبون لهذه العلاجات.

ومن هنا بحث فريق بقيادة الباحث توشيرو شيراكاوا من قسم المسالك البولية، كلية الدراسات العليا للطب بجامعة كوبي اليابان، عن طريقة جديدة لتعزيز المناعة بالاستعانة ببكتيريا «Bifidobacterium longum»، وهي بكتيريا معروفة باستخدامها في بعض منتجات البروبيوتيك (probiotic)، وقدرتها على التفاعل مع الجهاز المناعي في الأمعاء.

وعدّل الباحثون البكتيريا وراثياً، بحيث تقدم جزءاً كبيراً من بروتين معدل يُعرف باسم بروتين ورم ويلمز 1 (WT1) Wilms tumor 1 protein، وهو مستضد مرتبط بعدد من الأورام. والهدف هو إيصال هذا المستضد عبر الجهاز الهضمي إلى الأنسجة اللمفاوية المرتبطة بالأمعاء، حيث يمكن أن يتفاعل مع الجهاز المناعي.

• تجربة على مرضى استنفدوا خيارات العلاج. اختبر الباحثون اللقاح الفموي التجريبي، وذلك في تجربة سريرية من المرحلة الأولى شملت 12 مريضاً مصابين بسرطان المسالك البولية المنتشر كانوا قد استنفدوا خيارات العلاج القياسية.

ونُشرت نتائج الدراسة بدورية «JCO Oncology Advances» في 7 يوليو (تموز) 2026، وأظهرت أن العلاج كان جيد التحمل. وكان الأثر الجانبي الوحيد المرتبط بالعلاج هو ارتفاع مؤقت في مستويات الإنترلوكين-6 «(IL-6) interleukin-6»، وهو جزيء يشارك في تنظيم الاستجابة الالتهابية، وقد ظهر لدى 3 مرضى فقط، وكانت جميع الحالات خفيفة وغير خطيرة.

لكن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام ظهر في الاستجابة المناعية؛ فقد تمكن الباحثون من رصد استجابة مناعية خلوية موجهة ضد بروتين «ورم ويلمز» لدى ستة من المرضى الاثني عشر. والمفاجأة أن هؤلاء المرضى كانوا جميعاً يمتلكون بالفعل استجابة ضعيفة للمستضد قبل تلقي اللقاح، كما بقوا لفترة أطول من دون تقدم للمرض مقارنة بالمرضى الآخرين.

أما المرضى الستة الذين لم تكن لديهم استجابة مناعية قابلة للكشف ضد بروتين ورم ويلمز قبل العلاج، فلم يُظهر اللقاح قدرة واضحة على تكوين استجابة جديدة لديهم.

رصد مؤشر حيوي يساعد في تحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة منها

تعزيز المناعة

• لقاح يعزز المناعة أكثر مما يبدأها. تشير هذه النتائج إلى احتمال أن يعمل اللقاح التجريبي بوصفه مُعزّزاً للاستجابة المناعية الموجودة مسبقاً، بدلاً من كونه لقاحاً قادراً على إطلاق استجابة جديدة من الصفر.

وإذا تأكد هذا الأمر في دراسات أكبر، فقد تصبح الاستجابة المناعية الضعيفة الموجودة مسبقاً ضد بروتين ورم ويلمز مؤشراً حيوياً يساعد الأطباء في تحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة من هذا النوع من العلاج.

وبعد انتهاء التجربة تلقى 7 مرضى علاجاً إضافياً بدواء «بيمبروليزوماب» (Pembrolizumab)، وهو أحد مثبطات نقاط التفتيش المناعية وفقاً لتقدير أطبائهم. ولوحظ انكماش الأورام لدى 3 منهم، وجميعهم كانوا من المرضى الذين ظهرت لديهم استجابة مناعية ضد بروتين ورم ويلمز بعد تلقي اللقاح التجريبي. لكنّ الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج لا تثبت فاعلية اللقاح، نظراً للعدد الصغير من المشاركين وطبيعة المتابعة غير العشوائية بعد انتهاء التجربة.

وقال شيراكاوا إن الدراسة لم تُصمم لإثبات فاعلية العلاج؛ بل لتوليد فرضيات يمكن اختبارها في دراسات لاحقة.

• نحو جيل جديد من لقاحات السرطان. يرى الباحثون أن النتائج تبرر مواصلة دراسة اللقاح التجريبي (B440)، خصوصاً بالاشتراك مع مثبطات نقاط التفتيش المناعية، أو استخدامها قبل هذه العلاجات.

ويجري الفريق حالياً تجربة سريرية من المرحلتين الأولى والثانية تختبر اللقاح التجريبي بالاشتراك مع دوائي «نيفولوماب» (Nivolumab) و«إبيليموماب» (Ipilimumab) لدى المرضى المصابين بورم الظهارة المتوسطة الخبيث الجنبي غير القابل للاستئصال (nonremovable malignant pleural mesothelioma).

ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً قبل معرفة ما إذا كان هذا النهج سيصبح علاجاً فعلياً، فإن الدراسة تفتح اتجاهاً جديداً في علاج السرطان هو استخدام بكتيريا معوية معدّلة وراثياً وسيلة فموية لإيصال مستضدات السرطان وتحفيز الجهاز المناعي من الداخل، وربما دمجها مستقبلاً مع العلاجات المناعية القائمة.