الولايات المتحدة تُطلق أكبر استراتيجية حكومية للذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي

قراءة في التحوّلات الجديدة وأبعادها على المنطقة العربية

 حين تصبح المستشفيات شبكة واحدة... يقودها عقلٌ رقميّ واحد
حين تصبح المستشفيات شبكة واحدة... يقودها عقلٌ رقميّ واحد
TT

الولايات المتحدة تُطلق أكبر استراتيجية حكومية للذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي

 حين تصبح المستشفيات شبكة واحدة... يقودها عقلٌ رقميّ واحد
حين تصبح المستشفيات شبكة واحدة... يقودها عقلٌ رقميّ واحد

في لحظةٍ لم يعد فيها الذكاءُ الاصطناعي ترفاً تقنياً ولا موجةً عابرة من وادي السيليكون، اتخذت واشنطن خطوة تُشبه انتقال الطب من عصر الورق إلى عصر ما بعد البيانات. ففي الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 2025، كشفت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية (HHS) عن أول استراتيجية حكومية كبرى لدمج الذكاء الاصطناعي في جسد النظام الصحي الأميركي بالكامل - وثيقة من عشرين صفحة لا تُراجع أدوات التكنولوجيا فحسب، بل تعيد تعريف معنى الرعاية الطبية، وكيف تُدار، وكيف تُوزَّع، وكيف تُراقَب.

ولعل المفارقة أن هذا التحوّل الهائل، الذي قد يغيّر شكل الطب خلال العقد المقبل، مرّ بهدوءٍ شبه تام في الإعلام العربي، رغم أنه يحمل تحديات وفرصاً قد تمسّ المنطقة العربية قبل غيرها... من بنية المستشفيات إلى سيادة البيانات، ومن تدريب الأطباء إلى شكل العيادات في مدن المستقبل.

وكيل وزير الصحة الأميركي يعلن الاستراتيجية

من التجربة إلى البنية التحتية: ماذا تكشف الاستراتيجية الأميركية؟

لا تتعامل واشنطن مع الذكاء الاصطناعي بوصفه برنامجاً تجريبياً أو أداةً تُضاف إلى رفّ التقنيات الطبية؛ بل بوصفه طبقة تشغيلية جديدة ستستقر في قلب النظام الصحي، كما تستقر الكهرباء في الجدران والإنترنت في المستشفيات. لذلك جاءت الاستراتيجية بخمسة مسارات تشكّل — إذا اكتملت — ملامح الجيل الجديد من الطب الأميركي:

1. حوكمة صارمة تُعرّف المخاطر قبل وقوعها، عبر معايير واضحة للاستخدام الآمن والشفاف، تمنع الانحياز وتحدّ الأخطاء الخوارزمية.

2. بنية رقمية موحّدة تُعيد ترتيب الفوضى التاريخية للبيانات الصحية، وتخلق منظومة قابلة للتكامل بين المستشفيات، وشركات الدواء، والباحثين.

3. تمكين العاملين الصحيين عبر أدوات ذكية تُخفّف العبء المتراكم من السجلات، وتسرّع القرار الطبي، وتعيد للطبيب جزءاً من وقته المسروق.

4. تسريع البحث والتطوير الدوائي من خلال نماذج تنبؤية قادرة على محاكاة التجارب السريرية، واكتشاف مؤشرات المرض قبل ظهوره في الواقع.

5. تعزيز الصحة العامة بإنشاء رادارات رقمية قادرة على التقاط بوادر الأوبئة وتحليل أنماط الأمراض، قبل أن تتحوّل إلى موجات متأخرة يصعب احتواؤها.

هذه ليست مجرد خطة حكومية جديدة، ولا مبادرة تقنية تُضاف إلى أرشيف السياسات؛ إنها إعادة تنظيم جذرية قد تغيّر الطريقة التي تُصنع بها الأدوية، وتُتابَع بها الحالات، وتُدار بها المستشفيات، وتُفهم بها الصحة العامة في القرن الحادي والعشرين.

لماذا يُعدّ هذا التحوّل حدثاً عالمياً؟

لأن ما يحدث في واشنطن لا يبقى داخل حدودها؛ فالنظام الصحي الأميركي — بعمقه العلمي، وحجمه الاقتصادي، وقدرته على تشكيل معايير العالم — يشبه حجراً ضخماً يُلقى في بحيرة الطب العالمية، لتتداعى أمواجه إلى كل القارات. وحين تعلن مؤسسات بحجم المعاهد الوطنية للصحة (NIH) ومراكز مراقبة الأمراض (CDC) وإدارة الغذاء والدواء (FDA) أنها ستُدخل الذكاء الاصطناعي في عملها اليومي، فهذا يعني عملياً إعادة كتابة قواعد اللعبة الطبية:

الاكتشاف الدوائي قد يقفز سنوات إلى الأمام، مع خوارزميات قادرة على غربلة ملايين الجزيئات في أيام بدل سنوات.

التشخيص سيصبح أدق وأعمق بفضل نماذج تتعلّم من مخزون لا ينضب من السجلات الطبية والصور والإشارات الحيوية.

لمسة الإنسان... وبداية عصر الذكاء الاصطناعي الصحي

إن الأوبئة قد تُرصد قبل أن تتكاثر، من خلال تحليلات تنبؤية تراقب الأنماط الخفية التي لا تراها العين البشرية. كما أن هيئات الصحة العالمية نفسها قد تعيد ترتيب معاييرها، إذ درج العالم لعقود على تبنّي السياسات الأميركية في الأدوية والأجهزة والمعايير السريرية... وهذا التحوّل لن يكون استثناءً.

بهذا المعنى، فإن الاستراتيجية الأميركية ليست وثيقة داخلية، بل حدث نظامي عالمي سيُعيد تشكيل طبّ المستقبل، وربما يفرض على الدول — ومن ضمنها دول المنطقة العربية — التفكير بطريقة جديدة في البنية الصحية والسياسات والتنظيم.

تساؤلات داخلية: بين الحماسة والقلق

ورغم موجات الترحيب التي رافقت الإعلان، فإن الاستراتيجية الأميركية لا تأتي بلا ظلال. فهي تفتح — داخل الولايات المتحدة نفسها — باباً واسعاً أمام أسئلةٍ تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تقف على تخوم أخطر ما في الطب: الثقة.

من يحمي البيانات الصحية للمواطنين؟ وكيف يمكن ضمان ألا تتحوّل السجلات الطبية إلى مادة للاقتصاد الرقمي؟

هل يمكن للخوارزمية أن تخطئ؟ وإذا حدث الخطأ - كما حدث في تجارب سابقة - فمن يتحمّل المسؤولية: الشركة أم الطبيب أم النظام الصحي؟

ما حدود نفوذ شركات التقنية الكبرى؟ وهل ستصبح القرارات الصحية مرهونة بخوارزميات لا يعرف أحد كيف بُنيت؟

وكيف يمكن تفادي تحيّز النماذج الذكية؟ إذ أثبتت دراسات أميركية أن البيانات غير المتوازنة قد تُنتج قرارات تمييزية دون قصد.

إنها أسئلة لا يمكن تجاوزها، لأن مستقبل الطب — مهما تقدّم — لا يقوم على التكنولوجيا وحدها، بل على ثقة المريض وطمأنته بأن ما يرى الطبيب على الشاشة هو امتدادٌ لضميره، لا لاحتمالات خوارزمية غامضة.

ما الذي تعنيه هذه الخطوة للعالم العربي؟

في المنطقة العربية، تتقدّم دول مثل السعودية والإمارات بخطى لافتة نحو بناء منظومات «صحة ذكية»، لكن الإعلان الأميركي لا يمرّ عابراً؛ فهو يطرح سؤالاً أكبر من حدود التكنولوجيا: هل تحتاج المنطقة إلى استراتيجية وطنية، وربما إقليمية، موحّدة للذكاء الاصطناعي الصحي؟

فالعالم يدخل حقبة جديدة يُعاد فيها تعريف الطب من جذوره: طبٌّ يُبنى على البيانات لا الملفات الورقية، وعلى التنبؤ لا ردّ الفعل، وعلى الخوارزميات التي توسّع رؤية الطبيب لا التي تستبدل بها اجتهاده. وإذا كانت واشنطن تعيد اليوم صياغة مستقبلها الصحي، فإن منطقتنا — بخاصة دول الخليج — قد تجد نفسها أمام لحظة تقرير مشابهة، تفرض أربعة مسارات واضحة:

* بناء سجلات صحية موحّدة تُصبح الغذاء الأساسي للنماذج الذكية في المستشفيات والعيادات.

* تطوير أطر أخلاقية وقانونية تحمي خصوصية المريض وتمنع سوء استخدام البيانات.

* الاستثمار في نماذج لغوية وطبية عربية تفهم الجينات، واللغة، والسياقات الاجتماعية لشعوبنا، بدل الاعتماد على نماذج مستوردة لا تعي خصوصيتنا.

* رسم استراتيجية مشتركة تجمع الجامعات والهيئات الصحية وصنّاع القرار لتطوير أدوات تشخيصية ووقائية محلية، تُعيد للمنطقة دورها في الابتكار لا الاستهلاك.

إن مستقبل الذكاء الاصطناعي الصحي في العالم العربي لن يُبنى بقرارات تقنية فقط، بل برؤية تعدّ البيانات ثروة وطنية، والبنية الرقمية جزءاً من الأمن الصحي، والابتكار مسؤولية مشتركة بين الحكومات والمجتمع العلمي

الموجة الثانية لتقنية عملاقة - حكومية

إن ما فعلته واشنطن ليس مجرّد إعلان تقني، ولا خطوة بيروقراطية في أرشيف وزارة الصحة؛ إنه تأسيس لمرحلة جديدة من تاريخ الطب، مرحلة تلتقي فيها السياسة مع العلم، ويقف فيها الإنسان جنباً إلى جنب مع الخوارزمية، كلٌّ يختبر حدود الآخر. لقد انطلقت الموجة الأولى من الذكاء الاصطناعي من الشركات الناشئة، من مختبرات وادي السيليكون ومنصّات التقنية العملاقة؛ لكن الموجة الثانية — الأعمق والأخطر والأوسع تأثيراً — تنطلق الآن من الحكومات نفسها، من المؤسسات التي تنظّم العلاج، وتراقب الدواء، وتُحدّد ما يعنيه «الأمان» و«العدالة» و«المسؤولية» في الرعاية الصحية.

وفي هذا التحوّل، لا يعود السؤال المركزي: كيف سيبدو الطب بعد عشر سنوات؟ بل يصبح سؤالاً أكثر جرأة وقلقاً: هل ستكون أنظمتنا الصحية — في العالم العربي — جاهزة لاستقبال هذا المستقبل قبل أن يفرض نفسه؟ هل نملك البنية الرقمية، والمعايير الأخلاقية، والكوادر المؤهلة، والرؤية المشتركة التي تجعل الذكاء الاصطناعي أداة قوة لا مصدر تبعية؟

إن الذكاء الاصطناعي، مهما تعقّد، ليس مستقبلاً تقنياً فحسب؛ إنه اختبار حضاري. اختبار لقدرتنا على أن نجعل التكنولوجيا امتداداً لضمير الطبيب لا امتداداً لهيمنة الشركات، وأن نجعل الخوارزمية وسيلة لتحرير الوقت الإنساني لا لاستنزافه، وأن نبني طبّاً يقترب أكثر من الإنسان... لا يبتعد عنه. وكما قال الفيلسوف الدنماركي كيركغارد: «المستقبل لا يُكتشف، بل يُصنع». وما تفعله الولايات المتحدة اليوم هو صناعة مستقبلها الصحي. ويبقى السؤال المفتوح أمام منطقتنا: هل سنكون شركاء في صناعة هذا المستقبل... أو متلقّين له؟


مقالات ذات صلة

«كاسبرسكي» لـ«الشرق الأوسط»: مخاوف «أنثروبيك» تعكس تحولاً أوسع بالمخاطر السيبرانية

خاص تكشف المخاوف المرتبطة بنموذج «أنثروبيك» عن تحول أوسع في المخاطر السيبرانية (رويترز)

«كاسبرسكي» لـ«الشرق الأوسط»: مخاوف «أنثروبيك» تعكس تحولاً أوسع بالمخاطر السيبرانية

تكشف مخاوف «أنثروبيك» تحولاً أوسع حول إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل المخاطر السيبرانية على البنوك ما يوسع الهجوم والدفاع معاً بسرعة

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا مؤيدو الذكاء الاصطناعي يرون أنه يحمل إمكانات هائلة لإحداث ثورة في الطب (رويترز)

خبراء يُحذرون: الذكاء الاصطناعي يكشف عن طرق خطيرة لتطوير أسلحة بيولوجية

في وقت يتسارع فيه تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة، تزيد المخاوف بشأن إساءة استخدام هذه الأدوات في مجالات حساسة وخطيرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الصورة التي نشرها ترمب على منصة «تروث سوشيال»

«انتهى زمن الرجل اللطيف»... ترمب يهدد إيران بصورة مُولّدة بالذكاء الاصطناعي

وجّه الرئيس الأميركي رسالة تحذيرية إلى إيران عبر منصة «تروث سوشيال»، مرفقة بصورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي يظهر فيها وهو يحمل سلاحاً وخلفه انفجارات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا معالج "غرافيتون5"

«ميتا» توقع اتفاقية مع «أمازون ويب سيرفيسز» لتشغيل الذكاء الاصطناعي الوكيل

لتطوير جيل جديد من الأدوات الذكية والخدمات المبتكرة للمستخدمين

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا برنامج ذكاء اصطناعي... يتنبأ بترقيتك المقبلة

برنامج ذكاء اصطناعي... يتنبأ بترقيتك المقبلة

يرصد الموظفين ذوي الإمكانات العالية قبل إشغال المنصب بثلاث إلى خمس سنوات

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«دودة الزومبي» تعود إلى الحياة بعد 24 ألف عام... وتبدأ بالتكاثر

«دودة الزومبي» حيوان مجهري متعدد الخلايا (أرشيفية - أ.ف.ب)
«دودة الزومبي» حيوان مجهري متعدد الخلايا (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

«دودة الزومبي» تعود إلى الحياة بعد 24 ألف عام... وتبدأ بالتكاثر

«دودة الزومبي» حيوان مجهري متعدد الخلايا (أرشيفية - أ.ف.ب)
«دودة الزومبي» حيوان مجهري متعدد الخلايا (أرشيفية - أ.ف.ب)

استخرج العلماء حيواناً مجهرياً أطلقوا عليه اسم «دودة الزومبي» من التربة الصقيعية في سيبيريا، ثم قاموا بإذابة الصقيع، وراقبوا الحيوان وهو يستيقظ ويتكاثر.

ووفق ما ذكره موقع «فايس»، كان هذا الكائن متجمداً منذ أواخر العصر البليستوسيني، حين كان الماموث الصوفي لا يزال موجوداً. ودخل في سبات دام نحو 24 ألف عام، ثم «عاد وكأن شيئاً لم يكن».

هذا الكائن هو «دوارة بديلويدية»، وهي حيوان متعدد الخلايا صغير الحجم، يبلغ طوله نحو نصف مليمتر، ويوجد عادة في بيئات المياه العذبة. وهي معروفة بين العلماء بقدرتها شبه المطلقة على البقاء، إذ تنجو من الإشعاع والجفاف والبرد القارس ونقص الأكسجين.

وقام باحثون من مختبر بقايا التربة الروسي بالحفر إلى عمق نحو 3.5 متر في منطقة نهر ألازيا بشمال شرقي سيبيريا، واستخرجوا «عينة لُبية»، وقاموا بتأريخها بالكربون المشع، فوجدوا أن عمرها يتراوح بين 23 ألفاً و960 عاماً و24 ألفاً و485 عاماً. ثم قاموا بإذابتها.

ولم يقتصر الأمر على عودة الدوارة للحركة، بل تكاثرت لا جنسياً أيضاً، مُنتجة المزيد منها. لقد استنسخت نفسها. وبالكاد أتيحت للعلماء فرصة تحديد الكائنات القديمة والنسل الجديد قبل أن يتزايد عددها.

وتُعرف آلية البقاء التي لجأ إليها الكائن باسم «السبات الخفي»، وهي حالة ينخفض ​​فيها النشاط الأيضي إلى الصفر تقريباً؛ حيث يدخل الكائن الحي في نوع من السكون البيولوجي (ليس ميتاً ولا حياً بأي شكل من الأشكال)، بل في حالة انتظار.

ويُعلق هذا الكائن عملية الأيض ويُراكم مركبات معينة، مثل البروتينات المرافقة، التي تُساعده على التعافي من السبات الخفي عندما تتحسن الظروف، كما صرّح الباحث الرئيسي للدراسة في مختبر بقايا التربة، ستاس مالافين.

وقال مالافين: «يُعدّ تقريرنا أقوى دليل حتى الآن على قدرة الحيوانات متعددة الخلايا على البقاء لعشرات آلاف السنين في حالة السبات الخفي، وهي حالة توقف شبه كامل لعملية الأيض».

وما يجعل هذا الاكتشاف إنجازاً كبيراً هو مدى تعقيد «دودة الزومبي». وسبق أن تمت إعادة كائنات وحيدة الخلية من الجليد. أمّا حيوان متعدد الخلايا ذو جهاز هضمي وجهاز عصبي بدائي نجا من 24 ألف عام وهو متجمد تماماً، فهو أمر مختلف تماماً.

وكان الحد الأقصى المعروف سابقاً لبقاء الدوارات البدائية في حالة الخمول البيولوجي يتراوح بين 6 و10 سنوات. أما الاكتشاف الجديد فيماثل نحو 2400 ضعف المدة السابقة.

وهناك جانب آخر مثير هنا. فمع ذوبان التربة الصقيعية بوتيرة متسارعة، بدأت الميكروبات والبكتيريا والفيروسات القديمة، التي ظلت حبيسة الجليد لآلاف السنين، بالخروج. ولم يُربط أي من الفيروسات الذائبة التي دُرست حتى الآن بأمراض بشرية، لكن العلماء يراقبون الوضع من كثب.


التكلفة وصعوبة التعلُّم والثقة... أهم معوقات التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي

التكلفة وصعوبة التعلُّم والثقة... أهم معوقات التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي
TT

التكلفة وصعوبة التعلُّم والثقة... أهم معوقات التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي

التكلفة وصعوبة التعلُّم والثقة... أهم معوقات التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي

لم تعد الشركات الصغيرة مسرح تجارب للذكاء الاصطناعي؛ بل أصبحت تدمجه بنشاط في عملياتها اليومية. وفي كثير من الحالات، تعتمد عليه للحفاظ على قدرتها التنافسية، كما كتبت إليزابيث غور*.

استطلاع جديد

كيف تستخدم الشركات الصغيرة الذكاء الاصطناعي فعلياً؟ تؤكد بيانات جديدة من استطلاع «مين ستريت رايزينغ تور» Main Street Rising Tour survey الذي أجرته شركة «هيلو أليس» بالشراكة مع «باي بال» و«غوغل»، مدى سرعة هذا التحول والتحديات التي لا تزال قائمة.

وحسب البحث:

- الحماس للذكاء الاصطناعي: أعرب 81 في المائة من أصحاب المشاريع الصغيرة عن ذلك.

- الاستخدام اليومي: أفاد 47 في المائة فقط باستخدامه بشكل يومي.

- عامل حاسم: يتوقع 51 في المائة منهم أن يكون الذكاء الاصطناعي عاملاً حاسماً في أعمالهم خلال العامين المقبلين، ما يعكس تحولاً أوسع من مجرد الفضول إلى الاعتماد عليه على المدى الطويل.

أسباب استخدام الذكاء الاصطناعي

وقد بدأ هذا التبني يُترجم بالفعل إلى تغييرات تشغيلية ملموسة؛ إذ أفاد أصحاب المشاريع الصغيرة باستخدام الذكاء الاصطناعي لأسباب متنوعة:

- للمحتوى التسويقي: 73.2 في المائة.

- للبحوث: 67.3 في المائة.

- للأنظمة التشغيلية: 39.4 في المائة.

ولا تقتصر هذه الاستخدامات على كونها إضافات لتسهيل العمل فحسب؛ بل وأيضاً:

- العمل بكفاءة أكبر: قال 70 في المائة من المشاركين في الاستطلاع، إن الذكاء الاصطناعي يساعدهم على العمل بكفاءة أكبر.

- تحسينات في تجربة العملاء، وفقاً لـ38.6 في المائة منهم.

- انخفاض في تكاليف التشغيل، حسب 35.7 في المائة منهم.

معوقات التوسع في توظيفه

ما الذي يعيق التوسع في تبنِّي الذكاء الاصطناعي؟ على الرغم من هذا الزخم، إلا أن التبني لا يزال يواجه صعوبات جمة.

- التكلفة: أفاد نحو 32.9 في المائة من المشاركين في الاستطلاع بأنهم لا ينفقون شيئاً على أدوات الذكاء الاصطناعي شهرياً، ما يشير إلى أن حساسية التكلفة المادية وعدم اليقين لا يزالان يؤثران على حجم استثمارات الشركات.

- عوائق عملية: والأهم من ذلك أن العوائق التي يحددها أصحاب المشاريع الصغيرة هي في معظمها عوائق عملية. ويذكر أصحاب المشاريع الصغيرة صعوبة التعلم، والثقة في الأدوات، وخصوصية البيانات، كأهم مخاوفهم.

ويبدو أن هناك مخاوف بشأن خصوصية البيانات، والملكية الفكرية، وسرعة طرح خدمات الشركات لأدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة لأصحاب الأعمال.

نتائج واتجاهات

وتعقيباً على النتائج، قال كريس تيرنر، المدير التنفيذي في «غوغل»: «لا يمكننا الاستمرار في دفع تبنِّي الذكاء الاصطناعي إلى عامة الناس؛ إذ لا بد من توفير التوعية والموارد وبناء الثقة».

وتعكس هذه النتائج اتجاهات وطنية أوسع؛ إذ تُظهر بيانات من غرفة التجارة الأميركية و«غولدمان ساكس»، أن تبنِّي الذكاء الاصطناعي يزداد بسرعة؛ حيث يستخدمه الآن ما يقرب من 60 في المائة من الشركات الصغيرة. وبينما أفاد 93 في المائة من الشركات بوجود تأثير إيجابي له، لم يدمج سوى 14 في المائة منها الذكاء الاصطناعي بشكل كامل في عملياتها الأساسية. وتقول الأغلبية إنها بحاجة إلى مزيد من التدريب والدعم لاستخدامه بفعالية.

التحول من الأدوات إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي المدمجة

مع ازدياد تبنِّي الذكاء الاصطناعي، تتطور أيضاً طريقة تقديمه للشركات الصغيرة. فبدلاً من الاعتماد على مجموعة متفرقة من الأدوات الفردية، بدأت الشركات في تقديم أنظمة أكثر تكاملاً تعمل كامتداد للشركة نفسها.

وتعكس منصة «Accio Work» التي أطلقتها شركة «علي بابا» العالمية أخيراً هذا التحول. فقد صُمم النظام كفريق «وكلاء ذكاء اصطناعي» من دون كتابة رموز كومبيوترية، ويمكنه تنفيذ عمليات معقدة وطويلة الأجل، ودعم مهام تشمل البحث عن الموردين، وإدارة الامتثال، وسير عمل التسويق، والخدمات اللوجستية.

بالنسبة لأصحاب الشركات الصغيرة -وخصوصاً أولئك الذين لا يملكون خلفيات تقنية أو فرق عمل كبيرة- يقلل هذا النوع من الأتمتة من الوقت والخبرة اللازمين لتبنِّي الذكاء الاصطناعي بشكل فعَّال.

سدُّ الفجوة لتسهيل الوصول والاستخدام

في الوقت نفسه، تُركز شركات التكنولوجيا الكبرى على أحد أبرز العوائق التي كشفت عنها بيانات الاستطلاع الجديد، ألا وهو صعوبة التعلم.

وقد وسَّعت «غوغل» مبادراتها التدريبية في مجال الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك برنامج للحصول على شهادة احترافية، مصمم لمساعدة الأفراد على اكتساب مهارات عملية في الذكاء الاصطناعي تُؤهلهم لسوق العمل. تهدف هذه البرامج إلى جعل الذكاء الاصطناعي في متناول أصحاب المشاريع الصغيرة الذين قد لا يملكون تدريباً تقنياً رسمياً. وفي الوقت نفسه، تُدمج «باي بال» الذكاء الاصطناعي مباشرة في منصتها، من خلال أدوات جديدة تُساعد الشركات في وظائف أساسية، مثل استهداف العملاء، والعروض الترويجية الآلية.

وأخيراً، فإن من المرجح ألا تُحدَّد المرحلة التالية من تبنِّي الذكاء الاصطناعي بمدى قوة هذه الأدوات؛ بل بمدى سهولة دمجها في واقع إدارة الشركات الصغيرة.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


«لقد انتهكتُ كل مبدأ حُدّدَ لي»... اعترافات مذهلة لـ«وكيل ذكاء اصطناعي»

«لقد انتهكتُ كل مبدأ حُدّدَ لي»... اعترافات مذهلة لـ«وكيل ذكاء اصطناعي»
TT

«لقد انتهكتُ كل مبدأ حُدّدَ لي»... اعترافات مذهلة لـ«وكيل ذكاء اصطناعي»

«لقد انتهكتُ كل مبدأ حُدّدَ لي»... اعترافات مذهلة لـ«وكيل ذكاء اصطناعي»

تصدرت قصة تحذيرية حديثة حول مخاطر الذكاء الاصطناعي مواقع التواصل الاجتماعي، كما كتب جود كريمر(*).

أداة برمجية ذكية تحذف البيانات

في هذه المرة، ادّعى مؤسس شركة برمجيات أن نسخةً من أداة البرمجة «كيرسور» Cursor، المدعومة ببرنامج «كلود» Claude، حذفت قاعدة بيانات الإنتاج المختزَنة لدى الشركة بالكامل، في غضون تسع ثوانٍ فقط.

تصرف دون إذن... وسوء تخزين

وفي منشورٍ حصد 6.5 مليون مشاهدة على منصة «إكس» زعم جير كرين، مؤسس شركة PocketOS، التي تُطوّر برامج إلكترونية مخصصة لشركات تأجير السيارات، أن سلسلة من الأحداث، مِن بينها تصرف «كيرسور» دون إذن، وسوء تخزين النسخ الاحتياطية (للبيانات) من قِبل شركة ريلواي Railway، المزوّدة لخدمات البنية التحتية لشركته، أدّت إلى فقدان هائل للبيانات.

ووفق كرين، فإن برنامج »كيرسور» كان يؤدي مهمة روتينية عندما «واجه خطأً في بيانات الاعتماد»، فقرر - بمبادرة منه - «إصلاح» المشكلة بحذف وحدة تخزين من نظام «ريلواي». وهكذا نفذ أمر «حذف وحدة التخزين» ومسح قاعدة بيانات الإنتاج.

استخراج نُسخ قديمة من البيانات المحفوظة

وكتب كرين أنه نظراً لأن نظام «ريلواي» يُخزن نسخاً احتياطية إضافية داخل وحدة التخزين نفسها، فقد اضطرت شركته للرجوع إلى نسخة احتياطية عمرها ثلاثة أشهر لضمان استمرارية عملها.

أحدث برنامج ذكي يخرق القواعد

وأكد أن فريقه كان يستخدم أحدث إصدار من «كيرسور»، وهو الإصدار المدعوم بأحدث نموذج كلود من «أنثروبيك» موديل «أوبوس 4.6» Opus 4.6.

وعندما ضغط كرين على برنامج الذكاء الاصطناعي للحصول على تفسير، اعترف البرنامج بانتهاكه المتعمَّد للقواعد التي وضعها نظام PocketOS، بما في ذلك قاعدة «لا تخمن أبداً!»، و«لا تُنفّذ أبداً أوامر تخريبية/لا رجعة فيها (مثل «ادفع- بقوة» push –force، أو «إعادة ضبط المنتج» hard reset... إلخ إلا إذا طلبها المستخدم صراحةً).

انتهاك سافر

وكتب نظام الذكاء الاصطناعي: «لقد انتهكتُ كل مبدأٍ وُضِعَ أمامي: خمّنتُ بدلاً من التحقق. نفّذتُ إجراءً تخريبياً دون استئذان. لم أفهم ما كنتُ أفعله قبل تنفيذه. لم أقرأ وثائق (ريلواي) حول سلوك وحدات التخزين عبر البيئات المختلفة».

اعتراف كتابي بالذنب

وتابع كرين مدّعياً أن «كيرسور» تُسوّق لنفسها على أنها أكثر أماناً مما هي عليه في الواقع. وكتب: «الحقيقة هي وجود سِجلّ موثَّق لأنظمة تنتهك هذه الضمانات، بشكلٍ كارثي أحياناً، وأحياناً مع اعتراف الشركة نفسها بالإخفاقات. في حالتنا، لم يكتفِ النظام بفشله في مجال السلامة، بل شرح كتابياً بالتحديد قواعد السلامة التي تجاهلها».

ولم تردّ كلٌّ من «كيرسور» و«ريلواي» و«أنثروبيك» على طلب مجلة «فاست كومباني» للتعليق.

العبرة من القصة

مع انتشار منشور كرين على نطاق واسع، انقسم المعلّقون حول المغزى الحقيقي من قصته.

وزعم بعض المعلّقين أنه على الرغم من تجاوز برنامج «كيرسور» صلاحياته وعدم كفاية إجراءات الحماية لدى «ريلواي»، لكن فريق كرين يتحمل جزءاً من المسؤولية لمنحه الذكاء الاصطناعي هذه الحرية الكبيرة والوصول إلى بيانات الشركة.

مسؤولية النظم الذكية... ومستخدميها

جاء في أحد الردود التي انتشرت على نطاق واسع: «هذا المنشور رائع لأنه ينتقد الذكاء الاصطناعي بشدة، ويحمّل، في الوقت نفسه، هذا الشخص المسؤولية كاملةً». وكتب معلّق آخر: «من المؤسف أن يقوم برنامج ذكاء اصطناعي بحذف قاعدة بيانات الإنتاج - دون أي وسيلة لعمل نسخة احتياطية - ما يُعرّض الأعمال بأكملها للخطر. لكن اللوم يقع على عاتق المطور الذي قرر تفويض اتخاذ القرارات لبرنامج الذكاء الاصطناعي، ثم لم يراجع الإجراءات، بل خاطر بها دون تفكير».

خروقات سابقة

لا تقتصر مخاطر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي على مثال شركتيْ «كيرسور» و«ريلواي»، إذ وقعت فضيحة مماثلة، في فبراير (شباط) الماضي، حين صرّحت مديرة في شركة «ميتا» بأنها شاهدت برنامج OpenClaw يُفرغ بريدها الإلكتروني. وقد تجاهل البرنامج تعليماتها بعدم القيام بأي إجراء دون موافقة. ومع ذلك اعترف البرنامج بتقديم النص التالي: «لقد انتهكتُ التعليمات. من حقكِ أن تغضبي».

وتُجسّد هاتان الحادثتان معاً العبرة الحقيقية لأي شركة تسعى لاستخدام برامج الذكاء الاصطناعي: قد تتصرف هذه التقنية بشكل غير متوقع، نعم، لكن لهذا السبب يقع على عاتق البشر مسؤولية ضبطها.

* مجلة «فاست كومباني».