هل يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في الأبحاث الرصينة؟

بتوليد أفكار إبداعية بدلاً من تكرار القديمة

هل يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في الأبحاث الرصينة؟
TT

هل يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في الأبحاث الرصينة؟

هل يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في الأبحاث الرصينة؟

على امتداد عقود طويلة، كافح نخبة من علماء الرياضيات لحلّ مجموعة من المسائل المعقدة، طرحها عالم الرياضيات بول إردوس Paul Erdos في القرن العشرين.

وفي الشهر الحالي اقتحمت شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، تُدعى «هارمونيك»، هذا المجال، بإعلانها أن تقنيتها للذكاء الاصطناعي المسماة «أرسطو»، قد حلّت «معضلة إردوس» (Erdos problem) بمساعدة من أحدث تقنيات «أوبن إيه آي»، «جي بي تي 5.2 برو».

أبحاث الذكاء الاصطناعي

من وجهة نظر الكثير من علماء الحاسوب والرياضيات، أظهر حلّ معضلة إردوس أن الذكاء الاصطناعي قد بلغ مرحلةً تمكّنه من إجراء بحوث أكاديمية رصينة. ومع ذلك، فقد سارع بعض الخبراء إلى الإشارة إلى أن الحلّ الذي قدّمه الذكاء الاصطناعي لم يختلف كثيراً عن أعمال سابقة اضطلع بها علماء رياضيات.

في هذا الصدد، عبّر تيرينس تاو، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، والذي يعده الكثيرون أفضل عالم رياضيات في جيله، عن اعتقاده بأن «الأمر يبدو لي أشبه بطالبٍ ذكيّ للغاية حفظ كلّ شيء للاختبار، لكنّه لا يملك فهماً عميقاً للمفهوم الذي يتناوله، بمعنى أن لديه كمّاً هائلاً من المعرفة الأساسية لدرجة تمكّنه من التظاهر بامتلاك فهم حقيقي».

في الواقع، أثار الجدل الدائر حول إنجازات نظام «هارمونيك» تساؤلين ملحّين حول التطور المذهل الذي يشهده مجال الذكاء الاصطناعي في قطاع التكنولوجيا: هل حقق نظام الذكاء الاصطناعي إنجازاً مبهراً بحق؟ أم أنه مجرد تكرار لما سبق أن ابتكره علماء بارعون؟ قد تُسهم الإجابات عن هذين السؤالين في التوصل إلى فهم أعمق لكيفية إحداث الذكاء الاصطناعي، نقلة نوعية في العلوم وغيرها من المجالات.

قدرات تحليلية كبيرة

وسواء كان الذكاء الاصطناعي يُولّد أفكاراً إبداعية جديدة بدلاً من تكرار القديمة، وسواء كان سيتفوق يوماً على الباحثين البشريين في الأداء أم لا، تظل الحقيقة أنه يتحول بالفعل إلى أداة بالغة الأهمية، عندما يُوضع بين أيدي علماء أذكياء ومتمرسين.

وبمقدور هذه الأنظمة تحليل وتخزين معلومات تفوق بكثير قدرة الدماغ البشري، علاوة على تقديم معلومات لم يسبق للخبراء رؤيتها أو نسوها منذ زمن طويل.

من جهته، قال الدكتور ديريا أونوتماز، الأستاذ في «مختبر جاكسون»، مؤسسة بحثية في مجال الطب الحيوي، إن أحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي قد بلغت مرحلةً باتت فيها قادرة على اقتراح فرضية أو تجربة لم يسبق له ولزملائه التفكير فيها.

وأضاف أونوتماز، الذي يركز أبحاثه على السرطان والأمراض المزمنة: «هذا ليس اكتشافاً، بل اقتراح، لكنه يُتيح لك تحديد مجال تركيزك بدقة أكبر. ويتيح لك إجراء خمس تجارب، بدلاً من خمسين، ما يترك أثراً قوياً يُسهم في إسراع وتيرة العمل».

بدأ الحماس حول مهارات «جي بي تي ـ 5» الرياضية في أكتوبر (تشرين الأول)، عندما صرّح كيفين ويل، نائب رئيس قسم العلوم بشركة «أوبن إيه آي»، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بأن التكنولوجيا التي ابتكرتها الشركة الناشئة قد حلّت العديد من مسائل إردوس المُعقّدة.

وبوجه عام، صُممت معضلة إردوس لقياس البراعة الرياضية، وهي عبارة عن تخمينات أو أسئلة معقدة تختبر حدود هذا المجال. أما الهدف، فإثبات صحة أو خطأ كل منها.

في الوقت الذي تتسم بعض المسائل بصعوبة بالغة، يأتي البعض الآخر سهلاً. وتسأل إحدى أشهر هذه المعاضل: إذا كان العدد الصحيح «ن» أكبر من أو يساوي 2، فهل يمكن كتابة 4/ن على صورة مجموع ثلاثة كسور موجبة؟ بعبارة أخرى، هل يوجد حل للمعادلة 4/ن = 1/س 1/ص 1/ع؟

لا تزال هذه المسألة دون حل. ومع ذلك، نجد أنه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تفاخر كيفن ويل بأن «جي بي تي ـ 5» قد حلّ الكثير من المسائل الأخرى. وكتب: «لقد وجد (جي بي تي ـ 5) حلولاً لعشر مسائل طرحها إردوس لم تُحل من قبل، كما أحز تقدماً في إحدى عشرة مسألة أخرى. جميعها ظلت دونما حل لعقود».

وسارع علماء رياضيات وباحثون بمجال الذكاء الاصطناعي إلى توضيح أن النظام قد حدد حلولاً ظلت مدفونة في عقود من الأبحاث والكتب الدراسية. جدير بالذكر أن المسؤول التنفيذي في «أوبن إيه آي» حذف منشوره على وسائل التواصل الاجتماعي. ومع هذا، فإنه حتى لو كان الحماس الأولي مبالغاً فيه، تبقى الحقيقة أن هذه التقنية أثبتت جدارتها.

من جهته، أوضح توماس بلوم، عالم الرياضيات في جامعة مانشستر، الذي يدير موقعاً إلكترونياً مخصصاً لمعاضل إردوس، أنه: «ما استطاع النظام فعله كان مفاجئاً ومفيداً. على سبيل المثال، كانت إحدى الأوراق التي عثر عليها مكتوبة باللغة الألمانية. ولم أكن لأجدها بمفردي أبداً».

شبكات عصبية مطورة

إذن، كيف حقق الذكاء الاصطناعي هذه القفزات النوعية منذ إطلاق «تشات جي بي تي» في أواخر عام 2022؟ تُعرّف أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة اليوم باسم الشبكات العصبية، وتملك القدرة على تحديد الأنماط في النصوص والأصوات والصور، وتتعلم توليد هذا النوع من المحتوى بنفسها، بما في ذلك الأبحاث العلمية، وشفرات البرامج، والأصوات، والرسوم البيانية.

وقبل نحو 18 شهراً، بدأت شركات مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل» في تطوير أنظمتها، باستخدام تكنولوجيا تُسمى التعلم المعزز. من خلال هذه العملية، يستطيع نظام الذكاء الاصطناعي تعلم السلوك عبر عملية مكثفة تقوم على التجربة والخطأ.

وعليه، باتت هذه الأنظمة قادرةً على «التفكير المنطقي» في حلّ المشكلات في مجالاتٍ كالرياضيات والعلوم وبرمجة الحاسوب. صحيحٌ أن نظاماً مثل «جي بي تي ـ 5» لا يمارس التفكير المنطقي مثل الإنسان تماماً، فإنه يظل قادراً على تخصيص وقتٍ إضافي لحلّ المشكلة، وقد يمتدّ هذا العمل أحياناً لساعات.

وبعد منشور كيفن ويل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واصل الباحثون طلب حلولٍ لمسائل إردوس من «جي بي تي ـ 5» وتقنيات الذكاء الاصطناعي الأخرى.

نظام «أرسطو» الذكي

من جهتهما، استخدم عالما الرياضيات البريطانيان كيفن باريتو وليام برايس نموذج «جي بي تي ـ 5»، هذا الشهر، لحل مشكلة لطالما كانت عصية على الحل. وبعد ذلك، استخدما نظام الذكاء الاصطناعي «أرسطو»، من شركة «هارمونيك»، للتحقق من صحة الحل. وعلى خلاف «جي بي تي ـ 5»، يعتمد «أرسطو» لغة برمجة حاسوبية متخصصة لإثبات صحة إجابة ما أو خطئها.

في الواقع، اضطلع العالمان بدور محدود، مع توجيههما نظام «أوبن إيه آي» نحو مسار جديد عندما لم يُحقق برهانه النتائج المرجوة. إلا أنهما، كغيرهما من الخبراء، يعتقدان أن الذكاء الاصطناعي أثبت، اليوم، قدرته على إجراء البحوث الأكاديمية.

ورغم إعجابه، أضاف بلوم أنه لم يرَ بعد دليلاً على قدرة الذكاء الاصطناعي على ابتكار أفكار لا يستطيع البشر إبداعها. وأضاف: «سأشعر بالدهشة إن حدث ذلك قريباً».

ومع ذلك، يرى بعض العلماء أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة بحثية قوية وسريعة التطور، وأن مسألة توليده للأفكار من تلقاء نفسه تبقى - في الوقت الراهن - دون أهمية تُذكر.

وعندما يستعين أونوتماز بالذكاء الاصطناعي في أبحاثه حول الأمراض المزمنة، أوضح أنه غالباً ما يشعر وكأنه يتحدث مع زميل خبير. ومع ذلك، أقر بأن الآلة لا تستطيع إنجاز عملها دون مُتعاون بشري. ويعني ذلك أنه ما تزال هناك ضرورة لمشاركة باحث خبير لتوجيه النظام باستمرار، وشرح ما يجب أن يبحث عنه، وفي النهاية فصل المعلومات المهمة عن باقي ما يُنتجه النظام.

وأضاف: «أهميتي باقية، بل ربما زادت. يجب أن تمتلك خبرة عميقة للغاية لتقدير ما يفعله الذكاء الاصطناعي».

• خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«مواقف الرياض»... تحول ذكي يرفع القيمة الاقتصادية للعاصمة

خاص سيارة في أحد المواقف الذكية التابعة لمشروع «مواقف الرياض» (أمانة منطقة الرياض)

«مواقف الرياض»... تحول ذكي يرفع القيمة الاقتصادية للعاصمة

تواصل مدينة الرياض تطوير منظومة مواقف السيارات ضمن توجهات رفع كفاءة البنية التحتية الحضرية، وتحسين تجربة التنقل، في خطوة تهدف إلى تنظيم المواقف، وتقليل الازدحام

دانه الدريس (الرياض)
خاص تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

خاص الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تصاعد الأخبار الزائفة والتزييف العميق خلال الأزمات يتطلب وعياً رقمياً والتحقق من المصادر والصور والفيديوهات قبل مشاركة المعلومات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»

ميزات جديدة في «خرائط غوغل» تحول التطبيق إلى مساعد ذكي للتنقل

تشهد خدمات الخرائط الرقمية تحولاً متسارعاً مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى صلب تجربة المستخدم، في خطوة تسعى من خلالها الشركات التقنية إلى إعادة تعريف مفهوم…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)

أبحاث جديدة لفهم تفكير الذكاء الاصطناعي وفتح «صندوقه الأسود»

أبحاث جديدة في جامعة MIT تطور تقنيات تساعد نماذج الذكاء الاصطناعي على تفسير قراراتها لتعزيز الشفافية والثقة في الأنظمة المؤتمتة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات وليس الأمن السيبراني فقط (أدوبي)

خاص هل أصبحت مرونة البرمجيات شرطاً أساسياً لحماية الاقتصاد الرقمي في السعودية؟

توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات ومخاطر الموردين مع بروز الحساب الضامن أداةً لحماية الخدمات الرقمية الحيوية.

نسيم رمضان (لندن)

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين
TT

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين

الحصول على قسط كافٍ من النوم أمر بالغ الأهمية. فقد وجدت دراسة أجريت عام 2018 أن الأشخاص الذين ينامون من خمس إلى ست ساعات أقل إنتاجية بنسبة 19 في المائة من أولئك الذين ينامون بانتظام من سبع إلى ثماني ساعات في الليلة. أما الأشخاص الذين ينامون أقل من خمس ساعات، فتكون إنتاجيتهم أقل بنسبة 30 في المائة تقريباً... صحيح أنهم يبقون مستيقظين لفترة أطول، لكنهم في الواقع ينجزون أقل.

النوم مفيد لحل المشكلات الأصعب

يعود ذلك إلى أن أبحاثاً أخرى تُظهر أن الاكتفاء بست ساعات من النوم يجعل أي مهمة تتطلب تركيزاً أو تفكيراً عميقاً أو حلاً للمشكلات أكثر صعوبة.

*النوم 4 ساعات فقط يشبه شرب 5 أقداح مشروبات كحولية*

وفي الواقع، وفيما يتعلق بجوانب مثل الانتباه وسرعة رد الفعل، فإن النوم ست ساعات فقط يُشبه شرب بضعة أقداح من مشروبات كحولية، بينما يشبه النوم أربع ساعات فقط شرب خمسة أقداح مشروبات كحولية. كما تُظهر أبحاث أخرى أن الحرمان من النوم يجعل إنجاز أي نشاط يتطلب إجراء خطوات متعددة – إذ إن أي شيء تحاول القيام به تقريباً – يضحى أكثر صعوبة.

وإن لم يكن ذلك كافياً، فقد أظهرت دراسة أخرى أن قلة النوم تُسبب زيادة في نشاط مراكز المكافأة في الدماغ المسؤولة عن الطعام. كما أن اتباع نظام غذائي سيئ يُؤدي إلى قلة النوم، ما يُؤدي بدوره، للأسف، إلى اتباع نظام غذائي أسوأ.

«طريقة النوم العسكرية»

كيف تنام أسرع وبطريقة سهلة؟ في كتاب «استرخِ واربح: أداء البطولة» (Relax and Win: Championship Performance) الصادر عام 2012، يصف لويد باد وينتر روتيناً ابتكرته مدرسة الطيران التمهيدية التابعة للبحرية، لمساعدة الطيارين على النوم بشكل أسرع وأسهل.

وظهر أنه بعد ستة أسابيع من اتباع الطريقة، تمكّن 96 في المائة من الطيارين من النوم في غضون دقيقتين أو أقل: أثناء جلوسهم على كرسي، والاستماع إلى تسجيل لإطلاق نار رشاش، وبعد شرب القهوة.

خطوات الطريقة

إليك الطريقة:

* أرخِ عضلات وجهك بالكامل. أغمض عينيك. تنفّس ببطء وعمق. ثم أرخِ جميع عضلات وجهك ببطء. (ابدأ مثلاً بعضلات جبهتك وانزل تدريجياً). أرخِ فكّك، وخديك، وفمك، ولسانك، وكل شيء... حتى عينيك؛ دعهما يسترخيان.

* أرخِ كتفيك ويديك. تخلّص من أي توتر. أرخِ رقبتك، وعضلات ظهرك؛ اشعر وكأنك تغوص في الكرسي أو السرير. ثم ابدأ من أعلى ذراعك الأيمن، وأرخِ عضلات ذراعيك، وساعديك، ويديك ببطء. كرّر ذلك على الجانب الآخر. ولا تنسَ أن تستمر في التنفس ببطء وعمق.

* ازفر وأرخِ صدرك. مع استرخاء كتفيك وذراعيك، سيكون ذلك سهلاً.

* أرخِ ساقيك. ابدأ بفخذك اليمنى؛ دعها تغوص في الكرسي أو السرير. ثم افعل الشيء نفسه مع ساقك، وكاحلك، وقدمك. كرّر العملية مع ساقك اليسرى.

* الآن صفِّ ذهنك. صحيح أن من الصعب عدم التفكير في أي شيء. إذا كنت كذلك، فحاول أن تُبقي صورة في ذهنك. اختر شيئاً مُريحاً. تخيّل نفسك مُستلقياً بشكل مريح في الظلام. لكن إن لم ينجح ذلك، فجرّب تكرار عبارة «لا تُفكّر» لمدة عشر ثوانٍ. على الأقل، سيساعدك هذا على تشتيت انتباهك عن التفكير في أي شيء قد يُبقيك مستيقظاً.

الممارسة هي المفتاح

قد لا تُساعدك طريقة النوم العسكرية على النوم أسرع في المرات الأولى، ولكن كلما استخدمتها بانتظام، درّبت نفسك على الاسترخاء والتخلص من الأفكار.

* مجلة «فاست كومباني»


هل يُمكن منع ظهور الشيب… أو عكسه؟

هل يُمكن منع ظهور الشيب… أو عكسه؟
TT

هل يُمكن منع ظهور الشيب… أو عكسه؟

هل يُمكن منع ظهور الشيب… أو عكسه؟

تبدأ كل شعرة بشكل شبه شفاف، ثم يُحدد لونها بواسطة الميلانين، وهو صبغة دقيقة. فإذا كانت شعرة كثيفة التركيب، يكون الشعر داكناً، أما إذا كانت تحتوي على بقع سوداء وبنية قليلة، فيبدو أشقر، كما كتب سيمار باجاج (*).

توقف خلايا إنتاج الصبغة

مع مرور الوقت، تميل الخلايا المنتجة للصبغة في كل بصيلة شعر إلى التباطؤ أو التوقف عن العمل؛ ما يؤدي إلى ظهور الشيب، كما يقول ديزموند توبين مدير معهد تشارلز للأمراض الجلدية في جامعة دبلن في آيرلندا. وتميل هذه الشعيرات إلى أن تكون أكثر صلابة وأصعب في التحكم، وتنمو أسرع بنسبة 10في المائة من الشعر الحاملة للصبغة. ويتقبلها البعض كجزء من الشيخوخة، بينما يراها آخرون مصدر إزعاج يجب صبغه أو نتفه أو إخفاؤه.

عوامل محفزة

لكن العلماء ليسوا متأكدين من العوامل المحفزة لظهور الشيب أو مدى قدرتنا على التحكم فيه. قد يبدأ الشيب بالظهور في العشرينات من العمر، أو قد يحتفظ الشخص بلونه الطبيعي حتى الثمانينات. ورغم أن هذه العملية تبدو غير قابلة للعكس إلى حد كبير، فإن الباحثين يكتشفون أن اللون قد يعود أحياناً، على شكل بقع أو جذور داكنة.

وحتى الآن، لا يوجد حل جذري لمنع الشيب أو عكسه، لكن الخبراء يحاولون فهم هذه المشكلة وإيجاد حلول لها.

ماذا يعرف العلماء حتى الآن؟

لا يتحول شعرنا إلى اللون الرمادي دفعة واحدة؛ ولهذا فإنك قد تلاحظ ظهور خصلات فضية متفرقة، ثم تمر بمرحلة شيب جزئي. بل قد يصبح لون بعض الشعر أفتح أو أغمق مرة أخرى.

إن كل بصيلة شعر هي وحدة مستقلة، تحتوي على خلاياها المنتجة للصبغة، التي تُسمى الخلايا الصبغية، بالإضافة إلى مخزون من الخلايا الجذعية البديلة. ومع تقدمنا ​​في العمر، تتراكم الأضرار في هذه الخلايا بشكل طبيعي، نتيجة لأسباب مثل الإجهاد والتلف الخلوي.

تضرر الخلايا الصبغية واستنفاد الجذعية

عادةً ما يبدأ شيب الشعر عندما تتضرر الخلايا الصبغية في بصيلة معينة، ولكنه يصبح دائماً عند استنفاد مخزون الخلايا الجذعية، كما أوضحت إيمي نيشيمورا، أستاذة الشيخوخة والتجدد في جامعة طوكيو. وتشير الأبحاث إلى أنه إذا حدثت العملية الأولى دون الثانية، يمكن عكس الشيب.

في دراسة صغيرة أُجريت عام 2021، جمع العلماء عينات شعر من أشخاص بدأ الشيب يظهر لديهم، ووجدوا خطوطاً داكنة وبيضاء مميزة. ولأن الشعر ينمو بمقدار سنتيمتر تقريباً كل شهر؛ فقد وفرت هذه الخطوط تسلسلاً زمنياً، لذا طلب الباحثون من المشاركين تدوين تجاربهم المجهدة خلال العام الماضي. وتوافقت فترات التوتر الشديد مع الخطوط الفاتحة، بينما توافقت فترات التوتر المنخفض مع الخطوط التي عاد فيها اللون. بعبارة أخرى، يبدو أن خفض مستويات التوتر يُعكس أو يُبطئ شيب الشعر.

تنشيط الخلايا الجذعية بعد علاج السرطان

كما لوحظ لدى بعض الأشخاص الذين يعانون من الشيب عودة لون الشعر تلقائياً في بعض المناطق بعد خضوعهم لأنواع معينة من العلاج الكيميائي أو الإشعاعي أو المناعي. يشتبه الخبراء في أنه في هذه الحالات النادرة، قد تحفز علاجات السرطان الخلايا الجذعية الخاملة على إعادة بناء الخلايا الصبغية الوظيفية.

عكس عملية فقدان الصبغة

يشير هذا البحث إلى أن شيب الشعر ليس عملية خطية تماماً، وأن هناك «فرصة سانحة» يمكن خلالها عكس فقدان الصبغة، كما يقول الدكتور رالف باوس، طبيب الأمراض الجلدية في جامعة ميامي. ولا يزال من غير الواضح مدة بقاء هذه الفرصة، وما هي الطرق الآمنة لإعادة تنشيط الخلايا الجذعية.

ماذا يمكنك فعله حيال شيب الشعر؟

تقول الدكتورة جيسيكا شيو، طبيبة الأمراض الجلدية في جامعة كاليفورنيا إرفاين هيلث، إن جزءاً كبيراً من شيب الشعر وراثي. لذا؛ فإن آباءك وأجدادك يقدمون أفضل المعلومات.

* الشيب لدى البيض والآسيويين والسود. وقد وجد الباحثون أيضاً أن الشيب يبدأ عادةً في منتصف الثلاثينات لدى البيض، وفي أواخر الثلاثينات لدى الآسيويين، وفي منتصف الأربعينات لدى السود.

* تغييرات مفيدة. لكن خيارات نمط الحياة قد تُحدث فرقاً أيضاً. وتشير أقوى الأدلة إلى الإقلاع عن التدخين وتقليل مستويات التوتر. وقالت شيو إن الحصول على قسط كافٍ من النوم واتباع نظام غذائي صحي غني بمضادات الأكسدة قد يحدّان من تلف خلايا الصبغة، على الرغم من أن الأدلة غير مباشرة.

كما رُبط الشيب المبكر بانخفاض مستويات الحديد وفيتامين بي12، لكن في الولايات المتحدة، نادراً ما تحدث حالات نقص حادة تؤثر على صبغة الشعر، حسب توبين.

* وعود المكملات الغذائية. ولا يوجد دليل على أن المكملات الغذائية تساعد في علاج الشيب. ونصحت شيو بالحذر عند استخدام مكملات مكافحة الشيب عموماً؛ لأنها تُباع غالباً بناءً على وعود لا أدلة. فحتى لو احتوت هذه المكملات على مكونات مفيدة، لا يوجد دليل على أن تناول الحبوب أو استخدام الكريمات يصل إلى خلايا الصبغة في أعماق بصيلات الشعر.

لا توجد علاجات طبية للشيب

* الأدوية والشيب. على الرغم من عدم وجود علاجات طبية للشيب، يُنصح باستشارة الطبيب بشأن الشيب المفاجئ أو المبكر، إذ ترتبط نسبة ضئيلة من الحالات بأدوية موصوفة أو أمراض معينة، وقد تكون قابلة للعلاج. على سبيل المثال، ارتبطت بعض أدوية الصرع، ومضادات الملاريا، والريتينويدات الفموية، وأدوية تشنج العضلات بشيب الشعر. كما أن الكثير من أدوية السرطان تُسبب فقدان الصبغة، على الرغم من ندرة حالات استعادة التصبغ.

* الاضطرابات الصحية والشيب. يستطيع الأطباء أيضاً التمييز بين الشيب المرتبط بالتقدم في السن والحالات المرضية التي تُسببه. فقد ارتبطت اضطرابات الغدة الدرقية وغيرها من الاضطرابات الهرمونية بالشيب المبكر، وكذلك أمراض المناعة الذاتية التي تستهدف بصيلات الشعر، مثل البهاق والثعلبة البقعية. يُمكن للعلاج الحد من فقدان الصبغة، وفي بعض الأحيان يُساعد على عودة اللون.

* خدمة «نيويورك تايمز»


أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر

أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر
TT

أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر

أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر

تمكن علماء أميركيون من إعداد أكثر خريطة تفصيلاً حتى الآن توضح كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر. ويقدم هذا «الأطلس الجيني - اللاوراثي» الجديد الذي طوره باحثون في معهد سالك بكاليفورنيا، فهماً أعمق للعمليات البيولوجية المرتبطة بالشيخوخة، وقد يساعد العلماء في فهم أمراض مثل مرض ألزهايمر وباركنسون والتصلب الجانبي الضموري.

ويعاني أكثر من 57 مليون شخص حول العالم من أمراض تنكسية عصبية. ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم كل 20 عاماً مع تقدم السكان في العمر.

وعلى الرغم من أن الشيخوخة تُعدّ العامل الأكبر خطورة للإصابة بهذه الأمراض، فإن العلماء ما زالوا يسعون لفهم الآليات الدقيقة التي تؤدي إلى تغير الدماغ مع مرور الزمن.

وتمثل الدراسة الجديدة التي نُشرت في مجلة «Cell» في 10 مارس (آذار) 2026، خطوة مهمة نحو الإجابة عن هذا السؤال؛ إذ ترسم خريطة للتغيرات الكيميائية الصغيرة التي تطرأ على الحمض النووي «دي إن إيه» (DNA)، وكيف تؤثر في نشاط الجينات داخل الدماغ مع التقدم في العمر.

خريطة مفصلة للدماغ المتقدم في العمر

أنشأ فريق البحث أطلساً واسع النطاق يوضح كيف يؤثر التقدم في العمر في خلايا الدماغ المختلفة ومناطقه المتعددة. وباستخدام تقنيات جينية متقدمة، درس العلماء أكثر من 200 ألف خلية دماغية منفردة، كما حللوا ما يقارب 900 ألف خلية أخرى باستخدام تقنية تُعرف باسم «التحليل الجيني المكاني» أو «علم النسخ المكاني» (spatial transcriptomics) التي تتيح تحديد موقع الخلايا داخل أنسجة الدماغ بدقة.

تغيرات في 36 نوعاً من خلايا الدماغ

ويضم الأطلس 8 مناطق رئيسية في الدماغ، ويغطي التغيرات التي تحدث في 36 نوعاً مختلفاً من الخلايا الدماغية.

وقال عالم الوراثة جوزيف إيكر من مختبر التحليل الجينومي بمعهد سالك للدراسات البيولوجية في كاليفونيا وأحد المشرفين الرئيسيين على الدراسة، إن هذه الخرائط تتيح لنا رؤية كيف يعيد التقدم في العمر تشكيل الدماغ على المستوى الجزيئي، كما توفر إطاراً علمياً يمكن أن يساعد الباحثين في فهم الآليات التي تقف وراء الأمراض التنكسية العصبية.

دور التغيرات اللاجينية

كما ركزت الدراسة بشكل خاص على عملية بيولوجية تُعرف باسم التغيرات اللاجينية (Epigenetics). وعلى عكس الطفرات التي تغير تسلسل الحمض النووي نفسه، فإن هذه التغيرات تتمثل في علامات كيميائية صغيرة ترتبط بالحمض النووي، وتتحكم في تشغيل الجينات أو إيقافها.

وتتراكم هذه العلامات مع مرور الزمن، ويعتقد العلماء أنها تلعب دوراً مهماً في عملية الشيخوخة. ومن أبرز هذه التغيرات ما يُعرف بـ«مثيلة الحمض النووي» (DNA methylation)، وهي إضافة علامات كيميائية إلى الحمض النووي تساعد في التحكم في تشغيل الجينات أو إيقافها، والتي قد تؤثر في وظيفة الخلايا وتسهم في ظهور الأمراض المرتبطة بالعمر.

ومن خلال تحليل أنماط «مثيلة الحمض النووي» في خلايا الدماغ الفردية، اكتشف الباحثون أن الشيخوخة تؤثر في أنواع الخلايا بطرق مختلفة. وقد كانت التغيرات أكثر وضوحاً في الخلايا غير العصبية، وهي الخلايا التي تدعم الخلايا العصبية، لكنها لا تنقل الإشارات العصبية بنفسها.

تنشيط «الجينات القافزة»

وكشف الباحثون أيضاً عن ظاهرة تتعلق بما يسمى «الجينات القافزة» المعروفة علمياً باسم «Transposable elements»، وهي مقاطع من الحمض النووي «دي إن إيه» قادرة على الانتقال من موقع إلى آخر داخل الجينوم، وغالباً ما تبقى خاملة بفضل آليات تنظيم كيميائية مثل «مثيلة الحمض النووي».

وفي الظروف الطبيعية تبقى هذه العناصر غير نشطة بفضل آليات تنظيمية داخل الخلية. لكن الدراسة أظهرت أن هذه الضوابط تضعف مع التقدم في العمر، ما يسمح للجينات القافزة بأن تصبح أكثر نشاطاً. ويعتقد العلماء أن زيادة نشاطها قد تسهم في اضطراب عمل الخلايا، وتراجع وظائف الدماغ مع الشيخوخة.

كما تمكن الباحثون من تحديد مؤشرات حيوية جديدة مرتبطة بشيخوخة الدماغ تتعلق بالطريقة التي يُنظم بها الحمض النووي في بنية ثلاثية الأبعاد داخل الخلية.

مناطق الدماغ لا تشيخ بالطريقة نفسها

ومن النتائج اللافتة أيضاً أن الشيخوخة لا تؤثر في جميع مناطق الدماغ بالتساوي. فحتى النوع نفسه من الخلايا يمكن أن يشيخ بطريقة مختلفة تبعاً لموقعه داخل الدماغ.

وعلى سبيل المثال، أظهرت الخلايا غير العصبية الموجودة في المناطق الخلفية من الدماغ، مستويات أعلى من الالتهاب مقارنة بالخلايا المشابهة في المناطق الأمامية. ويعكس ذلك التعقيد الكبير في عملية شيخوخة الدماغ، وقد يساعد في تفسير سبب تأثر بعض المناطق الدماغية بالأمراض أكثر من غيرها.

مورد علمي مفتوح للعالم

ولتعزيز التعاون العلمي جعل الباحثون كامل قاعدة البيانات متاحة للعلماء حول العالم عبر منصات مثل «خدمات أمازون السحابية» (Amazon Web Services)، و«مجموعة التعبير الجيني» (Gene Expression Omnibus).

وقد بدأ الفريق بالفعل في استخدام هذه البيانات لتطوير نماذج تعتمد على الذكاء الاصطناعي يمكنها التنبؤ بكيفية تغير نشاط الجينات مع تقدم الدماغ في العمر. وفي المستقبل قد تساعد هذه النماذج العلماء في محاكاة عملية شيخوخة الدماغ واكتشاف أهداف علاجية جديدة.

ويأمل الباحثون في أن يسهم هذا الأطلس في تسريع الأبحاث المتعلقة بالشيخوخة وأمراض الدماغ، وأن يفتح الطريق أمام تطوير استراتيجيات جديدة لإبطاء تدهور الدماغ المرتبط بالعمر وتحسين جودة حياة ملايين الأشخاص حول العالم.