هل يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في الأبحاث الرصينة؟

بتوليد أفكار إبداعية بدلاً من تكرار القديمة

هل يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في الأبحاث الرصينة؟
TT

هل يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في الأبحاث الرصينة؟

هل يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في الأبحاث الرصينة؟

على امتداد عقود طويلة، كافح نخبة من علماء الرياضيات لحلّ مجموعة من المسائل المعقدة، طرحها عالم الرياضيات بول إردوس Paul Erdos في القرن العشرين.

وفي الشهر الحالي اقتحمت شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، تُدعى «هارمونيك»، هذا المجال، بإعلانها أن تقنيتها للذكاء الاصطناعي المسماة «أرسطو»، قد حلّت «معضلة إردوس» (Erdos problem) بمساعدة من أحدث تقنيات «أوبن إيه آي»، «جي بي تي 5.2 برو».

أبحاث الذكاء الاصطناعي

من وجهة نظر الكثير من علماء الحاسوب والرياضيات، أظهر حلّ معضلة إردوس أن الذكاء الاصطناعي قد بلغ مرحلةً تمكّنه من إجراء بحوث أكاديمية رصينة. ومع ذلك، فقد سارع بعض الخبراء إلى الإشارة إلى أن الحلّ الذي قدّمه الذكاء الاصطناعي لم يختلف كثيراً عن أعمال سابقة اضطلع بها علماء رياضيات.

في هذا الصدد، عبّر تيرينس تاو، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، والذي يعده الكثيرون أفضل عالم رياضيات في جيله، عن اعتقاده بأن «الأمر يبدو لي أشبه بطالبٍ ذكيّ للغاية حفظ كلّ شيء للاختبار، لكنّه لا يملك فهماً عميقاً للمفهوم الذي يتناوله، بمعنى أن لديه كمّاً هائلاً من المعرفة الأساسية لدرجة تمكّنه من التظاهر بامتلاك فهم حقيقي».

في الواقع، أثار الجدل الدائر حول إنجازات نظام «هارمونيك» تساؤلين ملحّين حول التطور المذهل الذي يشهده مجال الذكاء الاصطناعي في قطاع التكنولوجيا: هل حقق نظام الذكاء الاصطناعي إنجازاً مبهراً بحق؟ أم أنه مجرد تكرار لما سبق أن ابتكره علماء بارعون؟ قد تُسهم الإجابات عن هذين السؤالين في التوصل إلى فهم أعمق لكيفية إحداث الذكاء الاصطناعي، نقلة نوعية في العلوم وغيرها من المجالات.

قدرات تحليلية كبيرة

وسواء كان الذكاء الاصطناعي يُولّد أفكاراً إبداعية جديدة بدلاً من تكرار القديمة، وسواء كان سيتفوق يوماً على الباحثين البشريين في الأداء أم لا، تظل الحقيقة أنه يتحول بالفعل إلى أداة بالغة الأهمية، عندما يُوضع بين أيدي علماء أذكياء ومتمرسين.

وبمقدور هذه الأنظمة تحليل وتخزين معلومات تفوق بكثير قدرة الدماغ البشري، علاوة على تقديم معلومات لم يسبق للخبراء رؤيتها أو نسوها منذ زمن طويل.

من جهته، قال الدكتور ديريا أونوتماز، الأستاذ في «مختبر جاكسون»، مؤسسة بحثية في مجال الطب الحيوي، إن أحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي قد بلغت مرحلةً باتت فيها قادرة على اقتراح فرضية أو تجربة لم يسبق له ولزملائه التفكير فيها.

وأضاف أونوتماز، الذي يركز أبحاثه على السرطان والأمراض المزمنة: «هذا ليس اكتشافاً، بل اقتراح، لكنه يُتيح لك تحديد مجال تركيزك بدقة أكبر. ويتيح لك إجراء خمس تجارب، بدلاً من خمسين، ما يترك أثراً قوياً يُسهم في إسراع وتيرة العمل».

بدأ الحماس حول مهارات «جي بي تي ـ 5» الرياضية في أكتوبر (تشرين الأول)، عندما صرّح كيفين ويل، نائب رئيس قسم العلوم بشركة «أوبن إيه آي»، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بأن التكنولوجيا التي ابتكرتها الشركة الناشئة قد حلّت العديد من مسائل إردوس المُعقّدة.

وبوجه عام، صُممت معضلة إردوس لقياس البراعة الرياضية، وهي عبارة عن تخمينات أو أسئلة معقدة تختبر حدود هذا المجال. أما الهدف، فإثبات صحة أو خطأ كل منها.

في الوقت الذي تتسم بعض المسائل بصعوبة بالغة، يأتي البعض الآخر سهلاً. وتسأل إحدى أشهر هذه المعاضل: إذا كان العدد الصحيح «ن» أكبر من أو يساوي 2، فهل يمكن كتابة 4/ن على صورة مجموع ثلاثة كسور موجبة؟ بعبارة أخرى، هل يوجد حل للمعادلة 4/ن = 1/س 1/ص 1/ع؟

لا تزال هذه المسألة دون حل. ومع ذلك، نجد أنه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تفاخر كيفن ويل بأن «جي بي تي ـ 5» قد حلّ الكثير من المسائل الأخرى. وكتب: «لقد وجد (جي بي تي ـ 5) حلولاً لعشر مسائل طرحها إردوس لم تُحل من قبل، كما أحز تقدماً في إحدى عشرة مسألة أخرى. جميعها ظلت دونما حل لعقود».

وسارع علماء رياضيات وباحثون بمجال الذكاء الاصطناعي إلى توضيح أن النظام قد حدد حلولاً ظلت مدفونة في عقود من الأبحاث والكتب الدراسية. جدير بالذكر أن المسؤول التنفيذي في «أوبن إيه آي» حذف منشوره على وسائل التواصل الاجتماعي. ومع هذا، فإنه حتى لو كان الحماس الأولي مبالغاً فيه، تبقى الحقيقة أن هذه التقنية أثبتت جدارتها.

من جهته، أوضح توماس بلوم، عالم الرياضيات في جامعة مانشستر، الذي يدير موقعاً إلكترونياً مخصصاً لمعاضل إردوس، أنه: «ما استطاع النظام فعله كان مفاجئاً ومفيداً. على سبيل المثال، كانت إحدى الأوراق التي عثر عليها مكتوبة باللغة الألمانية. ولم أكن لأجدها بمفردي أبداً».

شبكات عصبية مطورة

إذن، كيف حقق الذكاء الاصطناعي هذه القفزات النوعية منذ إطلاق «تشات جي بي تي» في أواخر عام 2022؟ تُعرّف أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة اليوم باسم الشبكات العصبية، وتملك القدرة على تحديد الأنماط في النصوص والأصوات والصور، وتتعلم توليد هذا النوع من المحتوى بنفسها، بما في ذلك الأبحاث العلمية، وشفرات البرامج، والأصوات، والرسوم البيانية.

وقبل نحو 18 شهراً، بدأت شركات مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل» في تطوير أنظمتها، باستخدام تكنولوجيا تُسمى التعلم المعزز. من خلال هذه العملية، يستطيع نظام الذكاء الاصطناعي تعلم السلوك عبر عملية مكثفة تقوم على التجربة والخطأ.

وعليه، باتت هذه الأنظمة قادرةً على «التفكير المنطقي» في حلّ المشكلات في مجالاتٍ كالرياضيات والعلوم وبرمجة الحاسوب. صحيحٌ أن نظاماً مثل «جي بي تي ـ 5» لا يمارس التفكير المنطقي مثل الإنسان تماماً، فإنه يظل قادراً على تخصيص وقتٍ إضافي لحلّ المشكلة، وقد يمتدّ هذا العمل أحياناً لساعات.

وبعد منشور كيفن ويل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واصل الباحثون طلب حلولٍ لمسائل إردوس من «جي بي تي ـ 5» وتقنيات الذكاء الاصطناعي الأخرى.

نظام «أرسطو» الذكي

من جهتهما، استخدم عالما الرياضيات البريطانيان كيفن باريتو وليام برايس نموذج «جي بي تي ـ 5»، هذا الشهر، لحل مشكلة لطالما كانت عصية على الحل. وبعد ذلك، استخدما نظام الذكاء الاصطناعي «أرسطو»، من شركة «هارمونيك»، للتحقق من صحة الحل. وعلى خلاف «جي بي تي ـ 5»، يعتمد «أرسطو» لغة برمجة حاسوبية متخصصة لإثبات صحة إجابة ما أو خطئها.

في الواقع، اضطلع العالمان بدور محدود، مع توجيههما نظام «أوبن إيه آي» نحو مسار جديد عندما لم يُحقق برهانه النتائج المرجوة. إلا أنهما، كغيرهما من الخبراء، يعتقدان أن الذكاء الاصطناعي أثبت، اليوم، قدرته على إجراء البحوث الأكاديمية.

ورغم إعجابه، أضاف بلوم أنه لم يرَ بعد دليلاً على قدرة الذكاء الاصطناعي على ابتكار أفكار لا يستطيع البشر إبداعها. وأضاف: «سأشعر بالدهشة إن حدث ذلك قريباً».

ومع ذلك، يرى بعض العلماء أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة بحثية قوية وسريعة التطور، وأن مسألة توليده للأفكار من تلقاء نفسه تبقى - في الوقت الراهن - دون أهمية تُذكر.

وعندما يستعين أونوتماز بالذكاء الاصطناعي في أبحاثه حول الأمراض المزمنة، أوضح أنه غالباً ما يشعر وكأنه يتحدث مع زميل خبير. ومع ذلك، أقر بأن الآلة لا تستطيع إنجاز عملها دون مُتعاون بشري. ويعني ذلك أنه ما تزال هناك ضرورة لمشاركة باحث خبير لتوجيه النظام باستمرار، وشرح ما يجب أن يبحث عنه، وفي النهاية فصل المعلومات المهمة عن باقي ما يُنتجه النظام.

وأضاف: «أهميتي باقية، بل ربما زادت. يجب أن تمتلك خبرة عميقة للغاية لتقدير ما يفعله الذكاء الاصطناعي».

• خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

بصمة خفية داخل نصوص «Claude» لتعقب المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)

بصمة خفية داخل نصوص «Claude» لتعقب المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي

تضيف «أنثروبيك» بصمات غير مرئية وبيانات منشأ إلى مخرجات «Claude» لتسهيل تتبع المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي وتعزيز الشفافية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يهدف المشروع إلى تطوير روبوتات بشرية تراعي خصائص المستخدم والإجهاد البدني أثناء العمل خصوصاً في بيئات الصناعة والرعاية الصحية (الجامعة)

روبوت بشري يراقب إجهاد الإنسان ويتكيف معه خلال المهام

طوّر باحثون إيطاليون روبوت «ergoCub» للتعاون جسدياً مع البشر وتقليل الإجهاد أثناء الرفع مع تحسين الحركة والاستقرار ومراعاة احتياجات المستخدم

نسيم رمضان (لندن)
خاص السيادة الرقمية لا تتحقق بمجرد توطين البيانات بل تتطلب سيطرة فعلية على الوصول والتشغيل والتدقيق ونقل الأنظمة واستعادتها (أدوبي)

خاص «السيادة الرقمية» تحت الاختبار... كيف تحافظ دول الخليج على السيطرة واستمرارية الخدمات عند الاضطرابات؟

تعزز دول الخليج سيادتها الرقمية بتنويع مراكز البيانات ومسارات الاتصال، وتقليل الاعتماد الخارجي، وبناء قدرات محلية تضمن استمرارية الخدمات في أثناء الأزمات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا هاتف «لايت» الجديد... قابل للطي ويتميز بالأناقة والبساطة

هاتف «لايت» الجديد... قابل للطي ويتميز بالأناقة والبساطة

يعود مصمِّم هاتف «موتورولا رازر» الشهير بطراز جديد قابل للطي، صُمم خصيصاً للقضاء على ما يُعرف بإدمان التكنولوجيا. غير أن هذا الإصدار لا يستهدف مجرد دغدغة مشاعر

جيسوس دياز ( واشنطن)
تكنولوجيا تعتمد الأداة على نموذج «Muse Spark 1.2» الذي طوّرته «Meta Superintelligence Labs» (أدوبي)

«ميتا» تدخل سباق وكلاء البرمجة بإطلاق «Muse Code»

أطلقت «ميتا» وكيل «Muse Code» لتنفيذ مهام برمجية معقدة، وتشغيل وكلاء متوازيين واستئناف العمل ومنافسة أدوات «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي».

نسيم رمضان (لندن)

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بمرض الكبد الدهني قبل 16 عاماً؟

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
TT

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بمرض الكبد الدهني قبل 16 عاماً؟

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟

قد يعتقد معظم الناس أن فحص الدم لا يخبر الطبيب إلا بما يحدث داخل الجسم اليوم، لكن ماذا لو استطاع أن يكشف أيضاً ما قد يحدث بعد ستة عشر عاماً؟ لم يعد هذا مجرد خيال علمي، بل احتمال تطرحه دراسة حديثة نشرتها مجلة نيتشر للشيخوخة «Nature Aging» في 30 يوليو (تموز) 2026. فقد أظهر باحثون أن الذكاء الاصطناعي، من خلال تحليل خمس بروتينات فقط في الدم، استطاع التنبؤ بخطر الإصابة بمرض الكبد الدهني الأيضي (أي المرتبط باضطرابات التمثيل الغذائي)، قبل سنوات طويلة من ظهور أعراضه السريرية، وذلك في خطوة قد تمثل تحولاً جذرياً في مفهوم الطب الوقائي، لينتقل من علاج المرض بعد ظهوره إلى توقعه قبل أن يبدأ.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على «رؤية المستقبل»، بل إن أجسامنا تترك بصمات بيولوجية دقيقة في الدم قبل وقت طويل من تحولها إلى مرض واضح. وما تفعله الخوارزميات الحديثة هو التقاط هذه الإشارات الصامتة، وربطها بأنماط مَرضية معقدة قد تبقى خفية على العين البشرية سنوات طويلة، مما يمنح الأطباء فرصة ثمينة للتدخل المبكر قبل حدوث الضرر.

رصد المرض الذي يتسلل إلى الكبد

وباء صامت

يُعد المرض الكبدي الدهني الأيضي (Metabolic Dysfunction-Associated Steatotic Liver Disease - MASLD) أحد أكثر أمراض الكبد المزمنة انتشاراً في العالم، ويرتبط بالسمنة، وداء السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدهون. وتشير التقديرات إلى أنه يصيب نحو واحد من كل ثلاثة بالغين حول العالم، ما يجعله أحد أكبر تحديات الصحة العامة في العقود المقبلة.

وتكمن خطورته في أنه يتطور بصمت؛ فقد تتراكم الدهون داخل الكبد سنوات طويلة دون أعراض واضحة، ولا يُكتشف المرض إلا بعد ظهور تغيرات في وظائف الكبد أو في الفحوصات الشعاعية، عندما يكون الضرر قد بدأ، بالفعل. أما الدراسة الجديدة فتقترح تحولاً جذرياً في هذا المفهوم، إذ تشير إلى إمكانية اكتشاف إشارات بيولوجية في الدم تسبق ظهور المرض بسنوات طويلة، بما يفتح الباب أمام الوقاية والتدخل المبكر، بدلاً من انتظار المضاعفات.

ماذا اكتشف الباحثون؟

اعتمد الباحثون على تحليل عينات دم لأكثر من 50 ألف مشارك من المملكة المتحدة والصين، مستخدمين تقنيات البروتيوميات (Proteomics) وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، لاستخلاص بصمة حيوية في بلازما الدم مكّنت من التنبؤ بخطر الإصابة بالمرض الكبدي الدهني الأيضي قبل ما يصل إلى 16 عاماً من ظهور أعراضه.

ولم يكتفِ الباحثون ببناء هذا النموذج، بل اختبروه في مجموعات سكانية مستقلة، فحافظ على دقته التنبؤية، ما عزز موثوقية النتائج. كما أظهرت الدراسة أن دمج هذه البصمة الحيوية مع المعلومات السريرية المعتادة، مثل العمر، ومؤشر كتلة الجسم، ومستويات السكر والدهون، حسّن القدرة على التنبؤ بصورة ملحوظة، مقارنة بالاعتماد على البيانات السريرية وحدها.

ويختلف هذا النهج عن كثير من الدراسات السابقة، إذ لم يعتمد على تحليل الجينات، بل على البروتينات التي تعكس ما يجري داخل الجسم بصورة لحظية، وتتأثر بالعمر ونمط الحياة والالتهابات. لهذا يرى الباحثون أنها قد تكشف الإشارات البيولوجية المبكرة للمرض قبل سنوات من ظهوره سريرياً.

بصمة تكشف المستقبل

أين يأتي دور الذكاء الاصطناعي؟

لا يستطيع الطبيب، مهما بلغت خبرته، تحليل آلاف البروتينات في الوقت نفسه وربط العلاقات الدقيقة بينها، بينما تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي معالجة هذا الكم الهائل من البيانات واكتشاف أنماط بيولوجية قد تبقى خفية على العين البشرية.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يرى المستقبل، بل إنه يحسب احتمالات الإصابة اعتماداً على بيانات تراكمت من عشرات الآلاف من الأشخاص، فهو لا يتنبأ بالغيب، وإنما يكشف الإشارات البيولوجية المبكرة التي يتركها المرض في الجسم قبل سنوات من ظهوره سريرياً.

ماذا يعني ذلك للممارسة الطبية؟

إذا أثبتت هذه النتائج فاعليتها في الدراسات المستقبلية وفي الممارسة السريرية، فقد يتغير مفهوم الفحص الصحي الدوري بصورة جوهرية، فبدلاً من أن يقتصر تحليل الدم على الكشف عما يعانيه المريض اليوم، قد يصبح قادراً أيضاً على تقدير أخطار الأمراض التي قد يواجهها بعد عشر سنوات أو أكثر.

وهذا يمنح الطبيب فرصة ثمينة للتدخل في مرحلة لا يزال المرض فيها قابلاً للوقاية، من خلال تعديل نمط الحياة، وإنقاص الوزن، وتحسين السيطرة على السكري وارتفاع الدهون، وربما استخدام علاجات وقائية قبل أن يتعرض الكبد لتلف لا يمكن عكسه.

ولا تقتصر أهمية هذا النهج على تحسين صحة المريض، بل قد تمتد إلى الأنظمة الصحية أيضاً، إذ يسهم في تقليل الحاجة إلى الفحوصات والإجراءات التشخيصية المتقدمة، وخفض تكاليف علاج المضاعفات المزمنة، ونقل الرعاية الصحية من علاج المرض بعد ظهوره إلى الوقاية منه قبل أن يبدأ.

هل تقود المملكة مستقبل الطب الوقائي؟

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في العالم العربي، الذي يشهد ارتفاعاً متزايداً في معدلات السمنة وداء السكري، وهما من أبرز عوامل خطر الإصابة بالمرض الكبدي الدهني الأيضي. وإذا أثبتت هذه التقنية فاعليتها في الدراسات المستقبلية، فقد تسهم في نقل الرعاية الصحية من تشخيص المرض بعد ظهوره إلى التعرف على الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة به قبل سنوات، مما يتيح التدخل المبكر والحد من مضاعفاته.

وفي المملكة العربية السعودية، يوفر التطور المتسارع في البنية الصحية الرقمية، وتكامل السجلات الطبية الإلكترونية، والاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ضِمن مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، فرصة لتطوير نماذج تنبؤية تعتمد على بيانات السكان المحليين، بدلاً من الاعتماد الكامل على نماذج دُرِّبت في مجتمعات تختلف في خصائصها الوراثية والبيئية.

كما يمكن للمؤسسات البحثية والطبية الرائدة في المملكة، ومنها مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية ومدينة الملك عبد العزيز الطبية، أن تسهم في قيادة جهود إنشاء قواعد بيانات بروتينية للسكان في المملكة والمنطقة.

من علاج المرض إلى درئه

ربما تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها لا تقدم وسيلة جديدة لتشخيص مرض الكبد فحسب، بل تعكس تحولاً أعمق في فلسفة الطب. فبعد أن كان الهدف هو اكتشاف المرض وعلاجه، أصبح الطموح هو التعرف إلى بوادره البيولوجية قبل سنوات من ظهوره، ومنع حدوثه من الأساس.

ولا يزال هذا النهج بحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل اعتماده في الممارسة السريرية، لكنه يرسم ملامح مستقبل قد يصبح فيه تحليل الدم أداة لتقدير المخاطر الصحية المقبلة، وليس مجرد وسيلة للكشف عن الأمراض الحالية.

وعندها، قد لا يكون السؤال الذي يطرحه الطبيب: «ما المرض الذي تعانيه اليوم؟»، بل: «ما الذي يمكن أن نفعله اليوم حتى لا تُصاب به غداً؟».


البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه
TT

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

حددت دراسة جديدة دور الذكاء الاصطناعي الكبير في الإخلال بالبيئة وإلحاق الأضرار بها؛ إذ يؤدي إنشاء مراكز البيانات الجديدة المرتبطة بالنظم الذكية إلى بناء محطات طاقة جديدة تعمل بالوقود الأحفوري، مثل محطة غاز في تكساس تدعمها شركة «أمازون» التي قد تصبح أكبر مصدر منفرد لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الولايات المتحدة. ولكن الأدهى من ذلك أن الذكاء الاصطناعي يجعل صناعة الوقود الأحفوري أكثر إنتاجية أيضاً.

الذكاء الاصطناعي يزيد إنتاجية استخراج الوقود الأحفوري

تكشف دراسة جديدة أن مكاسب الإنتاجية هذه قد تولِّد انبعاثات تفوق ما تنتجه مراكز البيانات اليوم بما يصل إلى 13 ضعفاً.

وتركز الدراسة -التي نُشرت في دورية «npj Climate Action» التابعة لمجموعة «نيتشر» (Nature Portfolio)- على ما تُعرَف بـ«الانبعاثات الناجمة عن التمكين»، وهي الانبعاثات التي تنشأ عندما تستخدم شركات النفط والغاز الذكاء الاصطناعي لاستخراج الوقود الأحفوري وتكريره بسرعة وتكلفة أقل، وكذلك لتوليد مزيد من الطاقة.

كما حسبت الدراسة كيف يجعل الذكاء الاصطناعي الطاقة المتجددة أكثر إنتاجية، إلا أن التأثير على الوقود الأحفوري يفوق بكثير الفائدة العائدة على الطاقة المتجددة.

ولكي تظل الانبعاثات العالمية ثابتة تقريباً، يجب أن تتحسن إنتاجية الطاقة المتجددة بمعدل يتراوح بين 4 و5 أضعاف من معدل تحسن إنتاجية الوقود الأحفوري. ويعود ذلك جزئياً إلى أن أي تحسن –ولو كان بسيطاً- في عمليات استخراج الوقود الأحفوري يمكن أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في استهلاك هذا الوقود.

زيادة الانبعاثات الكربونية

ووجدت الدراسة أن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي تزيد الانبعاثات العالمية بمقدار يتراوح بين 0.47 و1.8 غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً (للمقارنة، تعادل 1.8 غيغا طن 3 أضعاف الانبعاثات السنوية لألمانيا). وتتراوح الانبعاثات الناجمة عن مكاسب الإنتاجية في قطاع الوقود الأحفوري بين 3.3 و13.3 ضعف الانبعاثات الحالية الناتجة عن مراكز البيانات.

ويُذكر أن اثنين من مؤلفي الدراسة كانا موظفَين في شركة «مايكروسوفت»، وتركا العمل فيها لتأسيس منظمة غير ربحية تحمل اسم «حملة الانبعاثات الناجمة عن التمكين» (Enabled Emissions Campaign).

تأثير غير متكافئ

وقال ويل ألبين، المؤلف الرئيسي للدراسة، في بيان له: «لقد أمضيت سنوات في بناء أدوات لمنصات الذكاء الاصطناعي، ورأيت بنفسي كيف تُستخدم هذه الأدوات. ومثل أي أداة أخرى، يمكن للذكاء الاصطناعي تسريع وتيرة أي مجال يُطبَّق فيه. نعم، يمكنه دفع عجلة الطاقة المتجددة، وتعزيز شبكات الكهرباء، وتحسين الكفاءة؛ لكنه يعمل أيضاً منذ سنوات على تعزيز إنتاجية صناعة الوقود الأحفوري. وتُظهر بحوثنا أن هذا التأثير غير متكافئ؛ إذ يعمل الذكاء الاصطناعي كرافعة اقتصادية تعزز جدوى الوقود الأحفوري وهيمنته».

* مجلة «فاست كومباني».


من «لن تكون أباً» إلى الأمل... الذكاء الاصطناعي يعثر على حيوانات منوية خفية

تصوير رمزي لحركة الحيوانات المنوية (بكساباي)
تصوير رمزي لحركة الحيوانات المنوية (بكساباي)
TT

من «لن تكون أباً» إلى الأمل... الذكاء الاصطناعي يعثر على حيوانات منوية خفية

تصوير رمزي لحركة الحيوانات المنوية (بكساباي)
تصوير رمزي لحركة الحيوانات المنوية (بكساباي)

هذه الفكرة تقف وراء تقنية جديدة طوَّرها باحثون في جامعة كولومبيا الأميركية، تستخدم الذكاء الاصطناعي للبحث عن الحيوانات المنوية النادرة داخل عينات السائل المنوي، حتى عندما تعجز الطرق التقليدية والعين البشرية عن العثور عليها، وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز».

ويقول الدكتور زيف ويليامز، متخصص علاج الخصوبة ومدير مركز الخصوبة في جامعة كولومبيا، إنَّ من أصعب اللحظات في عمله إخبار رجل بأنه «لن يكون أباً». لكن بعض هؤلاء الرجال قد لا يكونون، في الواقع، خالين تماماً من الحيوانات المنوية؛ فقد تكون هناك خلايا قليلة جداً تختبئ وسط مليارات من بقايا الخلايا.

ويعاني بعض الرجال حالةً تُعرَف باسم «انعدام الحيوانات المنوية»، حيث لا تظهر الحيوانات المنوية في عينة السائل المنوي عند الفحص. وقد يكون السبب انسداداً يمكن علاجه، أو خللاً شديداً في عملية إنتاج الحيوانات المنوية داخل الخصيتين.

وفي الحالات التي توجد فيها أعداد ضئيلة للغاية من الحيوانات المنوية، يصبح العثور عليها مهمة بالغة الصعوبة.

وهنا يأتي دور نظام «STAR»، وهو اختصار لـ«تتبع الحيوانات المنوية واستعادتها». وتعمل التقنية بطريقة تشبه التلسكوب الذي يكشف للعين البشرية أجساماً لا تستطيع رؤيتها في السماء.

تمرُّ عينة السائل المنوي عبر شريحة ميكروفلويدية صغيرة، بينما تلتقط كاميرا فائقة السرعة نحو 300 صورة في الثانية. ويحلل الذكاء الاصطناعي هذه الصور بحثاً عن أي حيوان منوي. وعندما يكتشف النظام خليةً منويةً، يرسل إشارةً إلى صمام صغير يسمح بعزلها واستعادتها لاستخدامها في علاج الخصوبة.

وتكمن أهمية التقنية في أنَّها تتعامل مع مشكلة يصعب على الإنسان حلها. فالبحث التقليدي عن الحيوانات المنوية النادرة يتم يدوياً تحت المجهر، وقد يستغرق فحص العينة الواحدة نحو 8 ساعات. وعندما لا تحتوي العينة إلا على حيوانين أو 3 يصبح العثور عليها وسط بقايا الخلايا أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش.

وفي بعض الحالات، يلجأ الأطباء إلى إجراء جراحي يُعرَف باسم «micro-TESE»، يتم خلاله فحص أنسجة الخصية؛ بحثاً عن حيوانات منوية يمكن استخدامها في عملية الإخصاب، إلا أنَّ هذا الإجراء لا يضمن العثور عليها.

واستغرق تطوير نظام «STAR» نحو 7 سنوات، وأصبح متاحاً في مركز الخصوبة بجامعة كولومبيا في أواخر عام 2025.

وفي إحدى الحالات، عثر النظام على حيوانات منوية لدى رجل يبلغ 39 عاماً عانى وزوجته 19 عاماً من العقم. وتمكَّن الزوجان بعد ذلك من إنجاب طفلة.

وفي حالة أخرى، لم يتمكَّن الأطباء من العثور على أي حيوان منوي خلال يومين من البحث في عينة مأخوذة خلال إجراء «micro-TESE». لكن نظام «STAR» عثر على 44 حيواناً منوياً في العينة نفسها خلال ساعة واحدة.

وفي دراسة شملت 175 حالة، تمكَّن النظام من العثور على الحيوانات المنوية واستعادتها في نحو 26 في المائة من الحالات. ويقول ويليامز إن هناك حالياً حالة حمل قائمة تحقَّقت بعد العثور على حيوانَين منويَّين فقط.

لكن التقنية لا تستطيع مساعدة الرجال الذين لا ينتجون أي حيوانات منوية على الإطلاق. ولهذا يتجه الباحثون إلى خطوة أكثر طموحاً: إنتاج الحيوانات المنوية في المختبر.

وأعلنت شركة أميركية أنَّها تمكَّنت من إنماء حيوانات منوية بشرية باستخدام خلايا جذعية مأخوذة من أنسجة الخصية. إلا أنَّ النتائج لم تُكرَّر حتى الآن من جانب جهات مستقلة، كما لم تُنشر في مجلة علمية تخضع لمراجعة الأقران.

وإلى أن يصبح إنتاج الحيوانات المنوية في المختبر خياراً متاحاً وآمناً، تمنح تقنيات مثل «STAR» بعض الرجال فرصةً لم تكن متاحةً لهم من قبل.

وبالنسبة إلى ويليامز، فإنَّ أهمية العثور على حيوان منوي واحد تتجاوز بكثير حجمه المتناهي في الصغر. ويقول: «عندما لا توجد أي حيوانات منوية، تتخلى عملياً عن الأمل في إنجاب طفل بيولوجي. أما عندما تجد حيواناً منوياً واحداً، فيمكنك أن تتخيَّل الطفل، والأحفاد، وأحفاد الأحفاد».

ففي عالم علاج العقم، قد يكون حيوان منوي واحد غير مرئي تقريباً للعين، لكنه بالنسبة إلى رجل انتظر سنوات ليصبح أباً، بداية عائلة كاملة.