هل يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في الأبحاث الرصينة؟

بتوليد أفكار إبداعية بدلاً من تكرار القديمة

هل يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في الأبحاث الرصينة؟
TT

هل يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في الأبحاث الرصينة؟

هل يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في الأبحاث الرصينة؟

على امتداد عقود طويلة، كافح نخبة من علماء الرياضيات لحلّ مجموعة من المسائل المعقدة، طرحها عالم الرياضيات بول إردوس Paul Erdos في القرن العشرين.

وفي الشهر الحالي اقتحمت شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، تُدعى «هارمونيك»، هذا المجال، بإعلانها أن تقنيتها للذكاء الاصطناعي المسماة «أرسطو»، قد حلّت «معضلة إردوس» (Erdos problem) بمساعدة من أحدث تقنيات «أوبن إيه آي»، «جي بي تي 5.2 برو».

أبحاث الذكاء الاصطناعي

من وجهة نظر الكثير من علماء الحاسوب والرياضيات، أظهر حلّ معضلة إردوس أن الذكاء الاصطناعي قد بلغ مرحلةً تمكّنه من إجراء بحوث أكاديمية رصينة. ومع ذلك، فقد سارع بعض الخبراء إلى الإشارة إلى أن الحلّ الذي قدّمه الذكاء الاصطناعي لم يختلف كثيراً عن أعمال سابقة اضطلع بها علماء رياضيات.

في هذا الصدد، عبّر تيرينس تاو، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، والذي يعده الكثيرون أفضل عالم رياضيات في جيله، عن اعتقاده بأن «الأمر يبدو لي أشبه بطالبٍ ذكيّ للغاية حفظ كلّ شيء للاختبار، لكنّه لا يملك فهماً عميقاً للمفهوم الذي يتناوله، بمعنى أن لديه كمّاً هائلاً من المعرفة الأساسية لدرجة تمكّنه من التظاهر بامتلاك فهم حقيقي».

في الواقع، أثار الجدل الدائر حول إنجازات نظام «هارمونيك» تساؤلين ملحّين حول التطور المذهل الذي يشهده مجال الذكاء الاصطناعي في قطاع التكنولوجيا: هل حقق نظام الذكاء الاصطناعي إنجازاً مبهراً بحق؟ أم أنه مجرد تكرار لما سبق أن ابتكره علماء بارعون؟ قد تُسهم الإجابات عن هذين السؤالين في التوصل إلى فهم أعمق لكيفية إحداث الذكاء الاصطناعي، نقلة نوعية في العلوم وغيرها من المجالات.

قدرات تحليلية كبيرة

وسواء كان الذكاء الاصطناعي يُولّد أفكاراً إبداعية جديدة بدلاً من تكرار القديمة، وسواء كان سيتفوق يوماً على الباحثين البشريين في الأداء أم لا، تظل الحقيقة أنه يتحول بالفعل إلى أداة بالغة الأهمية، عندما يُوضع بين أيدي علماء أذكياء ومتمرسين.

وبمقدور هذه الأنظمة تحليل وتخزين معلومات تفوق بكثير قدرة الدماغ البشري، علاوة على تقديم معلومات لم يسبق للخبراء رؤيتها أو نسوها منذ زمن طويل.

من جهته، قال الدكتور ديريا أونوتماز، الأستاذ في «مختبر جاكسون»، مؤسسة بحثية في مجال الطب الحيوي، إن أحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي قد بلغت مرحلةً باتت فيها قادرة على اقتراح فرضية أو تجربة لم يسبق له ولزملائه التفكير فيها.

وأضاف أونوتماز، الذي يركز أبحاثه على السرطان والأمراض المزمنة: «هذا ليس اكتشافاً، بل اقتراح، لكنه يُتيح لك تحديد مجال تركيزك بدقة أكبر. ويتيح لك إجراء خمس تجارب، بدلاً من خمسين، ما يترك أثراً قوياً يُسهم في إسراع وتيرة العمل».

بدأ الحماس حول مهارات «جي بي تي ـ 5» الرياضية في أكتوبر (تشرين الأول)، عندما صرّح كيفين ويل، نائب رئيس قسم العلوم بشركة «أوبن إيه آي»، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بأن التكنولوجيا التي ابتكرتها الشركة الناشئة قد حلّت العديد من مسائل إردوس المُعقّدة.

وبوجه عام، صُممت معضلة إردوس لقياس البراعة الرياضية، وهي عبارة عن تخمينات أو أسئلة معقدة تختبر حدود هذا المجال. أما الهدف، فإثبات صحة أو خطأ كل منها.

في الوقت الذي تتسم بعض المسائل بصعوبة بالغة، يأتي البعض الآخر سهلاً. وتسأل إحدى أشهر هذه المعاضل: إذا كان العدد الصحيح «ن» أكبر من أو يساوي 2، فهل يمكن كتابة 4/ن على صورة مجموع ثلاثة كسور موجبة؟ بعبارة أخرى، هل يوجد حل للمعادلة 4/ن = 1/س 1/ص 1/ع؟

لا تزال هذه المسألة دون حل. ومع ذلك، نجد أنه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تفاخر كيفن ويل بأن «جي بي تي ـ 5» قد حلّ الكثير من المسائل الأخرى. وكتب: «لقد وجد (جي بي تي ـ 5) حلولاً لعشر مسائل طرحها إردوس لم تُحل من قبل، كما أحز تقدماً في إحدى عشرة مسألة أخرى. جميعها ظلت دونما حل لعقود».

وسارع علماء رياضيات وباحثون بمجال الذكاء الاصطناعي إلى توضيح أن النظام قد حدد حلولاً ظلت مدفونة في عقود من الأبحاث والكتب الدراسية. جدير بالذكر أن المسؤول التنفيذي في «أوبن إيه آي» حذف منشوره على وسائل التواصل الاجتماعي. ومع هذا، فإنه حتى لو كان الحماس الأولي مبالغاً فيه، تبقى الحقيقة أن هذه التقنية أثبتت جدارتها.

من جهته، أوضح توماس بلوم، عالم الرياضيات في جامعة مانشستر، الذي يدير موقعاً إلكترونياً مخصصاً لمعاضل إردوس، أنه: «ما استطاع النظام فعله كان مفاجئاً ومفيداً. على سبيل المثال، كانت إحدى الأوراق التي عثر عليها مكتوبة باللغة الألمانية. ولم أكن لأجدها بمفردي أبداً».

شبكات عصبية مطورة

إذن، كيف حقق الذكاء الاصطناعي هذه القفزات النوعية منذ إطلاق «تشات جي بي تي» في أواخر عام 2022؟ تُعرّف أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة اليوم باسم الشبكات العصبية، وتملك القدرة على تحديد الأنماط في النصوص والأصوات والصور، وتتعلم توليد هذا النوع من المحتوى بنفسها، بما في ذلك الأبحاث العلمية، وشفرات البرامج، والأصوات، والرسوم البيانية.

وقبل نحو 18 شهراً، بدأت شركات مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل» في تطوير أنظمتها، باستخدام تكنولوجيا تُسمى التعلم المعزز. من خلال هذه العملية، يستطيع نظام الذكاء الاصطناعي تعلم السلوك عبر عملية مكثفة تقوم على التجربة والخطأ.

وعليه، باتت هذه الأنظمة قادرةً على «التفكير المنطقي» في حلّ المشكلات في مجالاتٍ كالرياضيات والعلوم وبرمجة الحاسوب. صحيحٌ أن نظاماً مثل «جي بي تي ـ 5» لا يمارس التفكير المنطقي مثل الإنسان تماماً، فإنه يظل قادراً على تخصيص وقتٍ إضافي لحلّ المشكلة، وقد يمتدّ هذا العمل أحياناً لساعات.

وبعد منشور كيفن ويل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واصل الباحثون طلب حلولٍ لمسائل إردوس من «جي بي تي ـ 5» وتقنيات الذكاء الاصطناعي الأخرى.

نظام «أرسطو» الذكي

من جهتهما، استخدم عالما الرياضيات البريطانيان كيفن باريتو وليام برايس نموذج «جي بي تي ـ 5»، هذا الشهر، لحل مشكلة لطالما كانت عصية على الحل. وبعد ذلك، استخدما نظام الذكاء الاصطناعي «أرسطو»، من شركة «هارمونيك»، للتحقق من صحة الحل. وعلى خلاف «جي بي تي ـ 5»، يعتمد «أرسطو» لغة برمجة حاسوبية متخصصة لإثبات صحة إجابة ما أو خطئها.

في الواقع، اضطلع العالمان بدور محدود، مع توجيههما نظام «أوبن إيه آي» نحو مسار جديد عندما لم يُحقق برهانه النتائج المرجوة. إلا أنهما، كغيرهما من الخبراء، يعتقدان أن الذكاء الاصطناعي أثبت، اليوم، قدرته على إجراء البحوث الأكاديمية.

ورغم إعجابه، أضاف بلوم أنه لم يرَ بعد دليلاً على قدرة الذكاء الاصطناعي على ابتكار أفكار لا يستطيع البشر إبداعها. وأضاف: «سأشعر بالدهشة إن حدث ذلك قريباً».

ومع ذلك، يرى بعض العلماء أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة بحثية قوية وسريعة التطور، وأن مسألة توليده للأفكار من تلقاء نفسه تبقى - في الوقت الراهن - دون أهمية تُذكر.

وعندما يستعين أونوتماز بالذكاء الاصطناعي في أبحاثه حول الأمراض المزمنة، أوضح أنه غالباً ما يشعر وكأنه يتحدث مع زميل خبير. ومع ذلك، أقر بأن الآلة لا تستطيع إنجاز عملها دون مُتعاون بشري. ويعني ذلك أنه ما تزال هناك ضرورة لمشاركة باحث خبير لتوجيه النظام باستمرار، وشرح ما يجب أن يبحث عنه، وفي النهاية فصل المعلومات المهمة عن باقي ما يُنتجه النظام.

وأضاف: «أهميتي باقية، بل ربما زادت. يجب أن تمتلك خبرة عميقة للغاية لتقدير ما يفعله الذكاء الاصطناعي».

• خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«تيك توك» تحت مظلة أميركية... ماذا يعني للمستخدمين والبيانات والخوارزمية؟

تحليل إخباري يرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً أوسع نحو سيادة البيانات وقد يشكل نموذجاً جديداً لتنظيم المنصات الرقمية العابرة للحدود (أ.ف.ب)

«تيك توك» تحت مظلة أميركية... ماذا يعني للمستخدمين والبيانات والخوارزمية؟

مشروع «تيك توك» الأميركي يسعى لحماية بيانات المستخدمين، وفصل السيطرة عن الشركة الأم في تسوية سياسية وتقنية قد تعيد رسم مستقبل المنصات العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
العالم منازل مضاءة على طول الساحل مع بزوغ ضوء الصباح الباكر فوق التلال المغطاة بالثلوج في نوك بغرينلاند 22 يناير 2026 (أ.ف.ب) play-circle

ما دور غرينلاند في الدفاع النووي و«القبة الذهبية» التي يعتزم ترمب بناءها؟

في حرب نووية افتراضية تشمل روسيا والصين والولايات المتحدة ستكون جزيرة غرينلاند في قلب المعركة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تكنولوجيا تعمل «أبل» على إعادة تصميم «سيري» لتتحول من منفذة أوامر إلى مساعد حواري سياقي شبيه بـ«ChatGPT» (شاترستوك)

ماذا يعني أن تصبح «سيري» شبيهة بـ«ChatGPT»؟

تعمل «أبل» على تحويل «سيري» إلى مساعد شبيه بـ«ChatGPT»، يركز على السياق والتنفيذ والخصوصية، في خطوة تعكس تغير تفاعل المستخدمين مع الذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد السواحة يتحدث خلال الجلسة الحوارية بـ«المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس (الشرق الأوسط)

السعودية تستهدف المساهمة في إضافة 100 تريليون دولار للاقتصاد العالمي

أكد المهندس عبد الله السواحة، وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي، أن بلاده تتبنى طموحات عالمية لقيادة عصر الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا نموذج «Rho-Alpha» يدمج الرؤية واللغة والفعل في إطار تعلم واحد ما يمكّن الروبوتات من التفاعل مع العالم المادي بمرونة أعلى (مايكروسوفت)

روبوتات تفكر وتتحرك: ما الذي يميّز «Rho-Alpha» من «مايكروسوفت»؟

تستعرض أبحاث «مايكروسوفت» نموذجاً جديداً يمكّن الروبوتات من فهم العالم والتكيّف معه عبر دمج الرؤية واللغة والفعل في ذكاء متجسّد واحد.

نسيم رمضان (لندن)

دور الذكاء الاصطناعي في فهم وإدارة السِّمنة وعلاجها

حين تقرأ الخوارزميات ما وراء الوزن
حين تقرأ الخوارزميات ما وراء الوزن
TT

دور الذكاء الاصطناعي في فهم وإدارة السِّمنة وعلاجها

حين تقرأ الخوارزميات ما وراء الوزن
حين تقرأ الخوارزميات ما وراء الوزن

لم تعد السمنة في الطب الحديث مسألة وزنٍ زائد أو خللٍ عابر في نمط الغذاء؛ بل تحوَّلت إلى حالة صحية معقَّدة تتشابك فيها البيولوجيا مع السلوك، وتتداخل فيها الهرمونات مع المزاج، ويؤثِّر فيها نمط الحياة الحديث بكل تفاصيله، من النوم والحركة إلى الضغط النفسي والإيقاع الرقمي اليومي. فهي لم تعُد نتاج السعرات الحرارية وحدها؛ بل نتيجة منظومة كاملة من العوامل المتداخلة، وبات الدواء وحده عاجزاً عن فكِّ شفرتها على المدى البعيد.

في هذا السياق، لا يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه علاجاً بديلاً، ولا وصفة سحرية؛ بل كعدسة معرفية جديدة يرى الطب من خلالها السمنة على حقيقتها: مساراً ديناميكياً يتشكَّل عبر الزمن، ويتفاعل مع قرارات الإنسان اليومية، قبل أن يظهر أثره على الميزان أو في التحاليل المخبرية. عدسة قادرة على قراءة المسار لا اللحظة، وفهم القصة الإنسانية الكاملة للمريض، لا اختزالها في رقم جامد.

السمنة: من رقم إلى قصة إنسانية

لطالما اعتمد الطب على مؤشرات مبسَّطة، مثل مؤشر كتلة الجسم، لتشخيص السمنة ومتابعتها. غير أن هذه المقاييس -رغم أهميتها الإكلينيكية- ظلَّت عاجزة عن تفسير التفاوت الكبير بين المرضى. لماذا يستجيب بعضهم للعلاج سريعاً، بينما يتعثَّر آخرون رغم التزامهم بالخطة نفسها؟ ولماذا تتحوَّل السمنة لدى فئة من المرضى إلى عبء نفسي وسلوكي ثقيل؟ بينما تبقى لدى غيرهم حالة جسدية يمكن التعايش معها؟

هذه الأسئلة كشفت محدودية النظر إلى السمنة كتصنيف رقمي، وأعادت توجيه البوصلة نحو الإنسان نفسه: نمط حياته، إيقاع يومه، علاقته بالطعام، وضغوطه النفسية والاجتماعية. فالسمنة ليست حالة متجانسة؛ بل هي قصص فردية متباينة، لكل منها أسبابها ومسارها الخاص.

من هنا، بدأ الباحثون اللجوء إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي لفهم هذا التنوع المعقَّد، عبر تحليل أنماط متداخلة من البيانات الصحية والسلوكية، وربط ما يصعب على العقل البشري ربطه، وقراءة الفروق الدقيقة التي تختبئ خلف الأرقام العامة.

حين تتنبَّأ الخوارزميات بالسمنة

• الخوارزميات تتوقَّع السمنة قبل أن تستقر: في يناير (كانون الثاني) 2026، نُشر بحث علمي لافت بعنوان «XAI4Obesity: الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير للتنبؤ بخطر السمنة»، ضمن سلسلة «ملاحظات علمية في الشبكات والأنظمة» الصادرة عن دار «سبرينغر» (Springer). أعدَّه فريق بحثي من جامعة مقدونيا الغربية في اليونان، بالتعاون مع مؤسسات هندسية أوروبية.

ما يميِّز هذا البحث ليس دقته التنبؤية فحسب؛ بل اعتماده على الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير؛ أي خوارزميات لا تكتفي بإعطاء نتيجة رقمية؛ بل تشرح للطبيب لماذا يُصنَّف شخص ما ضمن دائرة الخطر: أنماط النوم، توقيت الوجبات، مستوى النشاط اليومي، والسلوك الرقمي... جميعها تتحوَّل إلى إشارات قابلة للفهم السريري، لا إلى بيانات صامتة.

بهذا التحوُّل، لم تعد السمنة حدثاً يُكتشف متأخراً؛ بل مساراً صحياً يمكن رصده مبكراً والتدخُّل فيه قبل أن يتعقَّد، مانحاً الطبيب نافذة زمنية أوسع للفهم، والمريض فرصة حقيقية للتغيير.

• الذكاء الاصطناعي شريك في تغيير السلوك: لم يتوقَّف دور الذكاء الاصطناعي عند التنبؤ؛ بل امتدَّ إلى مرافقة المريض في رحلة التغيير نفسها. ففي مطلع 2026، نشر باحثون من كلية سلون للإدارة في معهد ماساتشوستس للتقنية، دراسة تطبيقية بعنوان «الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يساعدك على إنقاص الوزن».

اختبرت الدراسة برنامجاً رقمياً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي التوليدي، يتفاعل يومياً مع المستخدم، ويقدِّم نصائح غذائية وسلوكية مخصَّصة وفق نمط حياته. وأظهرت النتائج تحسُّناً ملحوظاً، مقارنة بالبرامج التقليدية المعتمدة على تعليمات عامة.

اللافت أن التأثير كان نفسياً– سلوكياً بقدر ما هو تقني؛ إذ شعر المشاركون بأنهم مفهومون ومرافَقون في رحلتهم العلاجية، لا مجرَّد متلقِّين لتعليمات جامدة. وهو ما يعيد طرح سؤال جوهري: هل ينجح علاج السمنة حين يشعر المريض بأنه شريك في القرار، لا موضوعاً له؟

الذكاء الاصطناعي يرسم مسار الدواء

من تطوير الدواء إلى توجيه استخدامه

على مستوى العلاج الدوائي، دخل الذكاء الاصطناعي بقوة إلى مختبرات تطوير أدوية السمنة. ففي يناير 2026، كشفت وكالة «رويترز» عن شراكة بين شركتي «نيمبَس» و«إيلي ليلي» لتطوير أدوية فموية جديدة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، في تصميم الجزيئات وتسريع الاكتشاف الدوائي.

غير أن التحدِّي الحقيقي لم يعد في توفر الدواء؛ بل في توجيه استخدامه سريرياً: مَن يستفيد منه؟ ومَن يحتاج دعماً سلوكياً أو نفسياً موازياً؟ هنا، تساعد نماذج الذكاء الاصطناعي على اتخاذ قرار علاجي أدق، يراعي خصوصية المريض بدل الاكتفاء ببروتوكول موحَّد.

ورغم عدم وجود دليل قاطع يربط أدوية السمنة بزيادة السلوكيات الانتحارية، يُستخدم الذكاء الاصطناعي عالمياً لرصد التغيُّرات النفسية والسلوكية لدى المرضى، عبر تحليل أنماط النوم، والنشاط، واللغة اليومية، والتفاعل الاجتماعي الرقمي. والهدف ليس التصنيف أو الوصم؛ بل التقاط الإشارات المبكرة التي قد تمرُّ دون انتباه، بما يتيح التدخُّل في الوقت المناسب.

والخلاصة أن الطبَّ الحديث لا ينتصر على السمنة بالدواء وحده؛ بل بفهمٍ أعمق للإنسان في جسده وسلوكه ونفسيته معاً. فالذكاء الاصطناعي حين يُستخدم بحكمة، لا يسلب الطب إنسانيته؛ بل يعيد إليه قدرته على رؤية المسار قبل تفاقم المرض، ومرافقة القرار الطبي لا استبداله.

وكما قال ابن سينا: «الوهم نصف الداء، والاطمئنان نصف الدواء، والصبر أول خطوات الشفاء». في هذا المعنى، تصبح الخوارزميات جزءاً من فهمٍ جديد للسمنة... لا بديلاً عن الإنسان؛ بل أداة لفهمه على نحوٍ أعمق وأكثر رحمة.


كيف تقود الجينات إلى تشخيص أسرع للملاريا الدماغية؟

دراسة طفيلي الملاريا داخل المختبر
دراسة طفيلي الملاريا داخل المختبر
TT

كيف تقود الجينات إلى تشخيص أسرع للملاريا الدماغية؟

دراسة طفيلي الملاريا داخل المختبر
دراسة طفيلي الملاريا داخل المختبر

تقدم دراسة حديثة أجراها باحثون من الجامعة الوطنية في سنغافورة بصيص أمل جديد لتشخيص الملاريا الدماغية مبكراً، ومتابعة تحسّن المرضى المصابين بها، بعد توصّل العلماء إلى «بصمة دموية» مكونة من تسعة جينات في الدم. كما أظهرت النتائج أن دواءً قديماً ورخيصاً يُعرف باسم «الميثيلين الأزرق» قد يخفف من تلف الدماغ الناتج عن المرض.

حلول علاجية لالتهاب الدماغ

ولا تزال الملاريا واحدة من أكثر الأمراض المعدية فتكاً في العالم، إذ تتسبب في نحو 600 ألف حالة وفاة سنوياً وفقاً لمنظمة الصحة العالمية. ويتركّز العبء الأكبر للمرض في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث لا تتوافر دائماً وسائل التشخيص السريع، والعلاج الفوري. ومن أخطر مضاعفات المرض؛ الملاريا الدماغية، وهي حالة تصيب الدماغ، وقد تؤدي إلى الوفاة خلال وقت قصير.

• التهاب الدماغ. تحدث الملاريا الدماغية غالباً بسبب طفيلي بلازموديوم فالسيباروم Plasmodium ،falciparum وهو أخطر أنواع طفيليات الملاريا التي تصيب الإنسان. في هذه الحالة تلتصق كريات الدم الحمراء المصابة بالطفيلي بالأوعية الدموية الدقيقة في الدماغ، ما يؤدي إلى انسدادها، وحدوث التهاب شديد.

ويمكن أن تتطور الإصابة بسرعة كبيرة مسببة غيبوبة، وتورّماً في الدماغ، وقد تؤدي إلى الوفاة إذا لم يُعالج المريض فوراً. وحتى بين الناجين قد تستمر آثار عصبية طويلة الأمد، مثل اضطرابات الحركة، أو الذاكرة، أو التعلّم. ورغم خطورة الحالة، لا تزال الأدوات المتاحة لتشخيص الملاريا الدماغية بدقة وسرعة محدودة.

عينة دم من مصاب بالملاريا

• حلول علاجية أفضل. وفي دراسة نُشرت في مجلة «Nature Communications» في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 بحث فريق من كلية يونغ لو لين للطب بجامعة سنغافورة الوطنية بالتعاون مع باحثين دوليين، في سؤالين أساسيين هما: هل يمكن للميثيلين الأزرق أن يقلّل من تلف الدماغ في حالات الملاريا الشديدة؟ وهل يمكن لمجموعة من المؤشرات الحيوية في الدم أن تساعد على تشخيص الملاريا الدماغية مبكراً؟

وقال بينوا ماليريه، من قسم علم الأحياء الدقيقة والمناعة-برنامج أبحاث علم المناعة الانتقالية-كلية يونغ لو لين للطب-جامعة سنغافورة الوطنية، المؤلف الرئيس للدراسة إن الملاريا الدماغية تتطور بسرعة، وتخلّف عواقب وخيمة، ومع ذلك لا تتوافر أدوات تشخيص عملية، أو علاجات موجّهة. وتشير نتائجنا إلى أن الميثيلين الأزرق قادر على عكس العديد من التغيرات الجزيئية التي يسببها المرض في الدماغ، وهو أمر مشجّع لدواء متاح، ومنخفض التكلفة.

واختبر الباحثون الدواء في نماذج مخبرية مصابة بطفيلي Plasmodium coatneyi، وهو طفيلي يشبه بلازموديوم فالسيباروم بشكل كبير، ويُستخدم على نطاق واسع في الأبحاث. وتم إعطاء الميثيلين الأزرق بعد ظهور أعراض شديدة.

وأظهرت النتائج أن الدواء ساعد على إعادة ضبط العديد من التغيرات الجينية غير الطبيعية في جذع الدماغ، وهو الجزء الأكثر تضرراً في الملاريا الدماغية. كما قلّل من علامات تلف الدماغ، مثل التورّم، والنزف الدقيق، وتراكم الصبغات الناتجة عن كريات الدم المصابة.

كما عادت أنماط نشاط العديد من الجينات إلى مستويات قريبة من المعدل الطبيعي، وهو ما انعكس أيضاً في تحسّن واضح في أنسجة الدماغ.

بصمة جينية

وبمقارنة البيانات عبر مجموعات مختلفة، حدّد الباحثون بصمة جينية في الدم مكوّنة من تسعة جينات. وقد مكّنت هذه البصمة الجينية من التمييز بدقة بين الملاريا الدماغية وأشكال الملاريا الأخف، والأشخاص الأصحّاء لدى الأطفال، والبالغين على حد سواء. وهذا يفتح الباب أمام تطوير فحص دم موحّد يساعد الأطباء على التشخيص المبكر، وتقييم شدة الحالة، ومتابعة الاستجابة للعلاج.

وترتبط عدة جينات من هذه المجموعة بخلايا العدلات Neutrophils، وهي نوع من خلايا الدم البيضاء، ما يشير إلى أن الالتهاب الناتج عن هذه الخلايا قد يلعب دوراً مهماً في تلف الدماغ أثناء الإصابة. ويشير الباحثون إلى أن توقيت العلاج قد يكون عاملاً حاسماً، إذ يبدو أن التدخل المبكر يعطي نتائج أفضل. كما ستكون هناك حاجة إلى تجارب سريرية لتحديد الجرعات الآمنة والمثلى للميثيلين الأزرق عند استخدامه مع العلاجات المضادة للملاريا الحالية.

ويأمل الفريق البحثي في نهاية المطاف تطوير اختبار دم سريع وموثوق للملاريا الدماغية، وتقييم الميثيلين الأزرق بوصف أنه علاج داعم منخفض التكلفة.

ومن خلال توضيح آليات الالتهاب الدماغي في الملاريا تضع هذه الدراسة الأساس لتحسين التشخيص، والعلاج، ومتابعة المرضى في المناطق التي لا يزال فيها المرض يشكّل تهديداً صحياً كبيراً.


انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين
TT

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

مع مطلع الألفية، كان عدد الجينات في جينوم الإنسان لا يزال محل نقاش. وعندما حصلنا أخيراً على أول تقدير رسمي، كان العدد أقل بكثير من التوقعات، مما أسهم في إطلاق حركة لإعادة النظر في عملية التطور.

في عام 2001، أعلن مشروع الجينوم البشري أن لدينا ما لا يزيد على 40 ألف جين مُشفِّر للبروتين -وهو رقم تم تعديله لاحقاً إلى نحو 20 ألفاً. كنا بحاجة إلى آليات أخرى لتفسير تعقيد بيولوجيتنا وتطورنا، كما كتب كولين باراس في مجلة «نيو ساينتست» العلمية البريطانية.

تألق علم التخلق

وهنا حان وقت تألق علم التخلق. وعلم التخلق هو مصطلح شامل يصف كيفية تفاعل مجموعة واسعة من الجزيئات مع الحمض النووي (DNA) أو الحمض النووي الريبوزي (RNA) للتأثير في نشاط الجينات دون تغيير الشفرة الوراثية الأساسية. وكذا يمكن لخليتين لهما جينومات متطابقة ولكن بعلامات خلقية مختلفة أن تبدوان وتتصرفان بشكل مختلف تماماً.

ويطلق على علمُ التَّخَلُّق (EPIGENETICS) أيضاً «علم ما فوق الجينات» أو علم التخلق المتعاقب، أو علم التخلق المتوالي.

يُتيح علم التخلق المتوالي هذا، إمكانية استخلاص مزيد من المعرفة من تعقيدات الجينوم، من خلال عوامل مثل العوامل البيئية. ويؤمن بعض علماء الأحياء بقدرته على فعل أكثر من ذلك، بل ربما التأثير في عملية التطور نفسها.

كيف تعرَّف العلماء على الظاهرة؟

في دراسة أُجريت عام 2019، عُرِّضت الخميرة لمادة كيميائية سامة، فقتلت هذه المادةُ الخميرة عندما تفاعلت مع بروتين يُنتجه أحد جينات الخميرة لكن خلايا الخميرة الأخرى التي تمتلك القدرة على إسكات هذا الجين، عبر مسار «فوق جيني»، نجت. وبعد عدة أجيال، طوّرت بعض خلايا الخميرة المزدهرة تلك طفرات جينية عززت وسائل إسكات الجين المُعرَّض للخطر. لقد تطورت الخميرة، وتغيرت شفرتها الوراثية، لكن هذه التغيرات الجينية بدأت بتعديلات «فوق جينية»، أي متخلّقة.

آراء متباينة حول دور التخلّق في اللبائن

وهكذا أصبح علم التخلق المتوالي حجر الزاوية في مسعى توسيع نظرية التطور. ولكن على الرغم من وجود أدلة على قدرة علم التخلق المتوالي على التأثير في تطور النباتات والكائنات الدقيقة، فإنه لا يوجد إجماع على أن هذا ينطبق على نطاق أوسع من الكائنات الحية.

يقول أدريان بيرد، الباحث في علم الوراثة بجامعة إدنبرة في المملكة المتحدة: «أنا متشكك». وفي ورقة بحثية نُشرت العام الماضي، جادل بيرد بأنه لا توجد طريقة واضحة لتأثير العوامل البيئية، كالجفاف والمجاعة، على جينوم اللبائن (الثدييات). علاوة على ذلك، يمكن أن تنتقل المؤشرات فوق الجينية من الآباء إلى الأبناء، ولكن الكثير منها يُزال في المراحل المبكرة من نمو جنين الثدييات.

في المقابل، يتجاهل آخرون هذه المخاوف. يقول كيفن لالا، عالم الأحياء التطورية بجامعة «سانت أندروز» في المملكة المتحدة: «الوراثة فوق الجينية شائعة في كل من النباتات والحيوانات». وفي كتاب نُشر العام الماضي، قدَّم لالا وزملاؤه قائمة طويلة من الدراسات التي تشير إلى أن علم فوق الجينات يؤثر في التطور عبر شجرة الحياة.

انطلاقة الوراثة «فوق الجينية»

لماذا تتباين الآراء بشدة؟ ربما يتعلق الأمر بالتوقيت. يقول لالا: «إن الوراثة فوق الجينية مجال سريع التطور للغاية». فعلى الرغم من أنها كانت محط اهتمام الباحثين في علم الأحياء لمدة 80 عاماً، فإن علم الوراثة فوق الجينية لم يصبح محوراً رئيسياً لأبحاث التطور إلا في السنوات الـ25 الماضية -والأفكار الكبيرة تحتاج إلى وقت لتقييمها.