تقدم دراسة حديثة أجراها باحثون من الجامعة الوطنية في سنغافورة بصيص أمل جديد لتشخيص الملاريا الدماغية مبكراً، ومتابعة تحسّن المرضى المصابين بها، بعد توصّل العلماء إلى «بصمة دموية» مكونة من تسعة جينات في الدم. كما أظهرت النتائج أن دواءً قديماً ورخيصاً يُعرف باسم «الميثيلين الأزرق» قد يخفف من تلف الدماغ الناتج عن المرض.
حلول علاجية لالتهاب الدماغ
ولا تزال الملاريا واحدة من أكثر الأمراض المعدية فتكاً في العالم، إذ تتسبب في نحو 600 ألف حالة وفاة سنوياً وفقاً لمنظمة الصحة العالمية. ويتركّز العبء الأكبر للمرض في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث لا تتوافر دائماً وسائل التشخيص السريع، والعلاج الفوري. ومن أخطر مضاعفات المرض؛ الملاريا الدماغية، وهي حالة تصيب الدماغ، وقد تؤدي إلى الوفاة خلال وقت قصير.
• التهاب الدماغ. تحدث الملاريا الدماغية غالباً بسبب طفيلي بلازموديوم فالسيباروم Plasmodium ،falciparum وهو أخطر أنواع طفيليات الملاريا التي تصيب الإنسان. في هذه الحالة تلتصق كريات الدم الحمراء المصابة بالطفيلي بالأوعية الدموية الدقيقة في الدماغ، ما يؤدي إلى انسدادها، وحدوث التهاب شديد.
ويمكن أن تتطور الإصابة بسرعة كبيرة مسببة غيبوبة، وتورّماً في الدماغ، وقد تؤدي إلى الوفاة إذا لم يُعالج المريض فوراً. وحتى بين الناجين قد تستمر آثار عصبية طويلة الأمد، مثل اضطرابات الحركة، أو الذاكرة، أو التعلّم. ورغم خطورة الحالة، لا تزال الأدوات المتاحة لتشخيص الملاريا الدماغية بدقة وسرعة محدودة.

• حلول علاجية أفضل. وفي دراسة نُشرت في مجلة «Nature Communications» في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 بحث فريق من كلية يونغ لو لين للطب بجامعة سنغافورة الوطنية بالتعاون مع باحثين دوليين، في سؤالين أساسيين هما: هل يمكن للميثيلين الأزرق أن يقلّل من تلف الدماغ في حالات الملاريا الشديدة؟ وهل يمكن لمجموعة من المؤشرات الحيوية في الدم أن تساعد على تشخيص الملاريا الدماغية مبكراً؟
وقال بينوا ماليريه، من قسم علم الأحياء الدقيقة والمناعة-برنامج أبحاث علم المناعة الانتقالية-كلية يونغ لو لين للطب-جامعة سنغافورة الوطنية، المؤلف الرئيس للدراسة إن الملاريا الدماغية تتطور بسرعة، وتخلّف عواقب وخيمة، ومع ذلك لا تتوافر أدوات تشخيص عملية، أو علاجات موجّهة. وتشير نتائجنا إلى أن الميثيلين الأزرق قادر على عكس العديد من التغيرات الجزيئية التي يسببها المرض في الدماغ، وهو أمر مشجّع لدواء متاح، ومنخفض التكلفة.
واختبر الباحثون الدواء في نماذج مخبرية مصابة بطفيلي Plasmodium coatneyi، وهو طفيلي يشبه بلازموديوم فالسيباروم بشكل كبير، ويُستخدم على نطاق واسع في الأبحاث. وتم إعطاء الميثيلين الأزرق بعد ظهور أعراض شديدة.
وأظهرت النتائج أن الدواء ساعد على إعادة ضبط العديد من التغيرات الجينية غير الطبيعية في جذع الدماغ، وهو الجزء الأكثر تضرراً في الملاريا الدماغية. كما قلّل من علامات تلف الدماغ، مثل التورّم، والنزف الدقيق، وتراكم الصبغات الناتجة عن كريات الدم المصابة.
كما عادت أنماط نشاط العديد من الجينات إلى مستويات قريبة من المعدل الطبيعي، وهو ما انعكس أيضاً في تحسّن واضح في أنسجة الدماغ.
بصمة جينية
وبمقارنة البيانات عبر مجموعات مختلفة، حدّد الباحثون بصمة جينية في الدم مكوّنة من تسعة جينات. وقد مكّنت هذه البصمة الجينية من التمييز بدقة بين الملاريا الدماغية وأشكال الملاريا الأخف، والأشخاص الأصحّاء لدى الأطفال، والبالغين على حد سواء. وهذا يفتح الباب أمام تطوير فحص دم موحّد يساعد الأطباء على التشخيص المبكر، وتقييم شدة الحالة، ومتابعة الاستجابة للعلاج.
وترتبط عدة جينات من هذه المجموعة بخلايا العدلات Neutrophils، وهي نوع من خلايا الدم البيضاء، ما يشير إلى أن الالتهاب الناتج عن هذه الخلايا قد يلعب دوراً مهماً في تلف الدماغ أثناء الإصابة. ويشير الباحثون إلى أن توقيت العلاج قد يكون عاملاً حاسماً، إذ يبدو أن التدخل المبكر يعطي نتائج أفضل. كما ستكون هناك حاجة إلى تجارب سريرية لتحديد الجرعات الآمنة والمثلى للميثيلين الأزرق عند استخدامه مع العلاجات المضادة للملاريا الحالية.
ويأمل الفريق البحثي في نهاية المطاف تطوير اختبار دم سريع وموثوق للملاريا الدماغية، وتقييم الميثيلين الأزرق بوصف أنه علاج داعم منخفض التكلفة.
ومن خلال توضيح آليات الالتهاب الدماغي في الملاريا تضع هذه الدراسة الأساس لتحسين التشخيص، والعلاج، ومتابعة المرضى في المناطق التي لا يزال فيها المرض يشكّل تهديداً صحياً كبيراً.



