شراكة ذكاء اصطناعي سعودية أميركية ترسم خريطة الطبّ الجديد

من الرقائق المتقدمة إلى الطب الذكي… ملامح التحالف الصحي - التقني الحديث

TT

شراكة ذكاء اصطناعي سعودية أميركية ترسم خريطة الطبّ الجديد

«جسر السيليكون» بين السعودية والولايات المتحدة
«جسر السيليكون» بين السعودية والولايات المتحدة

لم تكن زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رىيس مجلس الوزراء السعودي للبيت الأبيض مجرّد لقاء سياسي عابر، بل لحظة مفصلية انتقل فيها الحوار بين الرياض وواشنطن من لغة الدبلوماسية التقليدية إلى لغة المستقبل.

فهناك، داخل أروقة القرار الأميركي، وُضع حجر الأساس لفصل جديد من الشراكة الاستراتيجية يقوم على الذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية المتقدمة، والحوسبة فائقة القوة؛ وهي منظومة لا ترسم فقط شكل التحالف بين البلدين، بل تعيد تشكيل الاقتصاد الصحي العالمي خلال العقود المقبلة: من التشخيص الذكي، إلى الطب الكمي، وصولاً إلى تصميم علاجات تُبنى على البيانات لا على التخمين.

بداية مرحلة جديدة

أعلن الجانبان السعودي والأميركي اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، تهدف إلى تطوير نماذج وطنية متقدمة، وتعزيز قدرات مراكز البيانات، ودعم سلاسل توريد الرقائق المتقدمة، وبناء أطر تنظيمية حديثة للتقنيات الناشئة.

وتُعدّ التطبيقات الصحية والبحث العلمي أحد أبرز محاور هذه الاتفاقية، في خطوة تعكس تقدّم المملكة نحو دور فاعل في اقتصاد المعرفة العالمي.

50 مليار دولار... إعلان السعودية دخول عصر السيليكون

في سياق الزيارة، قدّم ولي العهد إشارة حاسمة إلى عمق التحوّل التقني الذي تتجه إليه المملكة، إذ أكّد خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض أن لدى السعودية طلب هائل على قدرة الحوسبة، وسننفق في الأجل القصير نحو 50 مليار دولار على احتياجاتنا من أشباه الموصلات».

من التعاون إلى البناء المشترك

وشهدت الزيارة توقيع مذكرة تفاهم (MoU) بين البلدين في مجال الذكاء الاصطناعي، ترسي إطاراً عملياً لتبادل الخبرات، وتطوير بيئة تنظيمية مشتركة، ودعم تدريب النماذج الصحية، وتمكين التطبيقات الطبية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

إنها خطوة تُترجم رؤية الشريكين للانتقال من استخدام التقنية إلى صياغة مستقبلها.

وأفادت وكالة رويترز بأن الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية شكّلا أحد المحاور المركزية في المحادثات الأميركية - السعودية، إلى جانب الدفاع والطاقة النووية المدنية.

ممرّ الذكاء الاصطناعي من واشنطن إلى الرياض

وترى واشنطن -حسب الوكالة- أن المملكة تمتلك القدرة على بناء منظومة سيليكونية متقدمة (Advanced Silicon Ecosystem) في المنطقة، بفضل قوتها الاستثمارية وسرعة تنفيذ مشاريعها الوطنية الكبرى.

من السيليكون إلى المستشفى... كيف تغيّر الرقاقة مستقبل الصحة؟

تغيّر الرقاقة الإلكترونية مستقبل الرعاية الصحية لأنها تُشغّل تقنيات متقدمة تشمل:

  • تشخيص الأشعة المدعّم بالذكاء الاصطناعي (AI-Enhanced Radiological Diagnosis).
  • تحليلات الجينوم (Genomic Analytics).
  • التنبؤ بالأمراض (Disease Prediction Models).
  • محاكاة البروتينات (Protein Simulation).
  • تصميم الأدوية بالحوسبة المتقدمة (Advanced Computational Drug Design).

ولهذا أطلقت المملكة شركات تقنية رائدة مثل «آلات – ALAT» المتخصصة في الإلكترونيات المتقدمة، و«هيومن - HUMAIN» المطوّرة للنماذج الوطنية للذكاء الاصطناعي، لتأسيس قاعدة تقنية تخدم مستقبل الطب الذكي (Smart Medicine).

الطب الكمي... المحطة القادمة في هذا التحالف

أما الحوسبة الكمية (Quantum Computing) -رغم بدايتها عالمياً- فهي الامتداد الطبيعي للتحوّل الصحي.

فهي تتيح:

  • محاكاة البروتينات الكمية (Protein Quantum Simulation).
  • تحليل الصور الطبية بدقة غير مسبوقة (Ultra-High Precision Medical Imaging).
  • تصميم علاجات تفصيلية لكل مريض (Personalized Therapeutics).

وهي تقنيات تُتوقّع أن تصبح جزءاً من البنية الصحية السعودية خلال العقد القادم.

من البيت الأبيض إلى نيوم... رسم مشهد جديد للطب العالمي

ومع توسّع مشاريع نيوم كمختبر عالمي للطب الرقمي والتوأم الصحي والعيادات الذكية، ومع اتفاقية الشراكة ومذكرة التفاهم واستثمارات السيليكون، يدخل التحالف السعودي - الأميركي مرحلة تربط التقنية بالأمن الصحي، وتضع المملكة في قلب السباق العالمي نحو الطب الذكي.

وكما قال إسحاق نيوتن: «إذا كنتُ قد أبصرتُ أبعد... فلأنني وقفتُ على أكتاف العمالقة».


مقالات ذات صلة

ضعف العوائد المحلية يضاعف استثمارات الهنود في الأسواق الخارجية

الاقتصاد يعمل أشخاص في جناح البورصة الوطنية الهندية خلال مهرجان التكنولوجيا المالية العالمي في مومباي (رويترز)

ضعف العوائد المحلية يضاعف استثمارات الهنود في الأسواق الخارجية

يتجه مديرو الأصول في الهند إلى إطلاق مزيد من الصناديق الاستثمارية في مركز مالي مُعفى من الضرائب، لاستيعاب التدفقات القياسية للأموال التي يوجهها المستثمرون.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
علوم جهاز بالذكاء الاصطناعي «يستمع» إلى النباتات ويترجم ما «تقوله»

جهاز بالذكاء الاصطناعي «يستمع» إلى النباتات ويترجم ما «تقوله»

يجمع بيانات عن «حالات الإجهاد»

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أكوام من خام البوكسيت في مصنع للألمنيوم بجزيرة بنتان الإندونيسية (رويترز)

الألمنيوم يرتفع بدعم من ضبابية الإمدادات وتحسُّن شهية المخاطرة

ارتفعت أسعار الألمنيوم، الأربعاء، مدعومة بتحسُّن شهية المخاطرة في الأسواق عموماً، في وقت تتركز فيه الأنظار على ضبابية الإمدادات وتراجع المخزونات في المستودعات.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد شعار «دويتشه بنك» في ملقة بإسبانيا (رويترز)

«دويتشه بنك» يتجاوز التوقعات ويرفع أرباحه 2 % في الربع الثالث

أعلن «دويتشه بنك»، أكبر المصارف الألمانية، الأربعاء، ارتفاع أرباحه خلال الربع الثالث بنسبة 2 في المائة، متجاوزاً توقعات المحللين بانخفاضها.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد شعار «إس كيه هاينكس» (رويترز)

«إس كيه هاينكس» تسجل أرباحاً فصلية قياسية بدعم من طفرة الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «إس كيه هاينكس» أرباحاً فصلية قياسية تجاوزت توقعات المحللين، مدعومة بالطلب المتزايد على رقائق الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (سيول)

جهاز بالذكاء الاصطناعي «يستمع» إلى النباتات ويترجم ما «تقوله»

جهاز بالذكاء الاصطناعي «يستمع» إلى النباتات ويترجم ما «تقوله»
TT

جهاز بالذكاء الاصطناعي «يستمع» إلى النباتات ويترجم ما «تقوله»

جهاز بالذكاء الاصطناعي «يستمع» إلى النباتات ويترجم ما «تقوله»

لو كانت النباتات قادرة على الكلام، لربما ساعدتنا في فهم الظروف البيئية بشكل أفضل. وقد صُمم جهاز استشعار جديد لتحقيق هذه الغاية، إذ إنه يوظف الذكاء الاصطناعي للاستماع إلى «لغة» النباتات وترجمتها إلى بيانات يمكن للبشر فهمها، كما كتب هانتر شوارتز(*).

رصد الإشارات الكهربائية للنباتات

يحمل الجهاز اسم «باد» Bud، وهو من إنتاج شركة «إلكتريك بلانت» Electric Plant Co.، ويتميز بكونه خفيف الوزن ومنخفض التكلفة، ويُثبَّت على النباتات عبر مسبارين. ويعمل الجهاز على رصد وتفسير الإشارات الكهربائية التي تنتجها النباتات بشكل طبيعي. ويتم تثبيت الجهاز بواسطة برغيين من الفولاذ المقاوم للصدأ، ويمكن استخدامه مع النباتات التي لا يقل سمك ساقها عن بوصة واحدة (نحو 2.5 سم). وعند استخدامه مع الأشجار، يكون الجهاز حساساً بما يكفي للوصول إلى طبقة «الكامبيوم» التي تفصل بين اللحاء والخشب.

جمع بيانات عن «حالات الإجهاد»

وكما هو الحال لدى جميع الكائنات الحية، تنتج النباتات كهرباء؛ وتوضح الشركة أنه من خلال تتبع وفك شيفرة الإشارات الكهربائية التي تطلقها النباتات استجابةً للمؤثرات البيئية، يمكن للجهاز جمع بيانات حول ظروف مثل مستوى الرطوبة وحالة الإجهاد. وفي حديثه لمجلة «فاست كومباني»، يصف جاستن ماست المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «إلكتريك بلانت»، الجهاز بأنه أشبه بـ«وحدة ربط».

يقول ماست: «النبات في حد ذاته هو التكنولوجيا المتطورة؛ فالنباتات والأشجار تمتلك ملايين المستقبلات الدقيقة التي تعالج المعلومات حول العالم المحيط بها، ثم تنسق الكثير من استجاباتها «البدنية» عبر إشارات كهروكيميائية. وهذا بالضبط ما نحاول الوصول إليه والاستماع إليه».

ترجمة احتياجات النباتات

وهناك شركات أخرى تعمل أيضاً على ترجمة احتياجات النباتات إلى لغة مفهومة، منها شركة «فيفنت بايوسيجنالز» Vivent Biosignals السويسرية المتخصصة في ذكاء النباتات، والتي تستخدم الذكاء الاصطناعي أيضاً، حيث أعلنت في يوليو (تموز) الماضي أنها نجحت في تجاوز حاجز مليوني يوم من مراقبة النباتات. كما عرض مؤسس شركة ناشئة بريطانية تُدعى «سمارتي بلانتس» Smarty Plants - والتي تنتج مستشعرات تُغرس في تربة نباتات الزينة المنزلية - منتجه خلال إحدى حلقات برنامج واقعي للأعمال على شبكة «بي بي سي» بُث الشهر الماضي. وقد كشفت شركة «إلكتريك بلانت» عن وجودها - بعد فترة من العمل في الخفاء - يوم الثلاثاء، معلنةً عن حصولها على تمويل أولي بقيمة 11.2 مليون دولار.

ذكاء اصطناعي ببنك بيانات نباتية

يعتمد نموذج الذكاء الاصطناعي الخاص بالشركة الذي يحمل اسم «بومباديل» Bombadil، على بيانات مستمدة من أكثر من 4 ملايين ساعة من الإشارات الكهربائية، جُمعت من أكثر من 1400 نبات تنتمي إلى 100 نوع مختلف، بدءاً من نباتات الزينة المنزلية والطماطم، وصولاً إلى أشجار التفاح واللوز والبلوط.

يقوم هذا النموذج بتحليل الإشارات الكهربائية للنبات لاستخلاص سبعة مؤشرات للإجهاد الفسيولوجي - مثل كفاءة عمل «نظام التمثيل الضوئي» أو فارق درجات الحرارة بين الأوراق والهواء المحيط - وتحويلها إلى رؤى دقيقة حول حالة النبات. وفي ظل عالم يشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة، وتزايداً في تكاليف مستلزمات الزراعة كالأسمدة، توفر هذه التقنية إمكانية تحقيق زراعة أكثر كفاءة مع معدلات نجاح أعلى.

لنباتات الزينة والزراعة والغابات

يوضح «ماست»، الذي كان أسس أيضاً شركة «بلومسكيب» Bloomscape المتخصصة في توصيل نباتات الزينة مباشرة للمستهلكين، أنه أدرك من خلال عمله هناك مدى صعوبة تحديد احتياجات النباتات في أي لحظة، إذ يعتمد الأمر على عوامل متعددة، مثل كمية ضوء الشمس التي يتلقاها النبات، والموقع الجغرافي، وحجم النبات، وما إذا كان موجوداً بالقرب من مصدر حراري (مثل جهاز التدفئة).

ويقول «ماست»: «الأمر يعتمد كلياً على السياق»، وينطبق هذا أيضاً على مجالي الغابات والزراعة، ويضيف: «حتى في تلك المجالات، ورغم وجود خبراء يتمتعون بمهارات عالية، يظل من الصعب للغاية توسيع نطاق هذا النوع من الرعاية والفهم العميق لاحتياجات النباتات». فالتغييرات في عوامل مثل استمرار جداول الري أو العناصر الغذائية قد تستغرق أسابيع أو أشهراً لتظهر آثارها بشكل مرئي، لذا يَعِد نظام «إلكتريك بلانت» بتوفير معرفة أسرع، مما يفتح آفاقاً جديدة لتحسين العمليات الزراعية.

ويختتم «ماست» قائلاً: «في جوهر الأمر يتعلق الأمر بالوصول إلى (اللغة الداخلية) التي تجري عبر النباتات والأشجار، لنتمكن من فهم تجربتها في هذا العالم بشكل أفضل، ومعرفة الطريقة المثلى لرعايتها».

* مجلة «فاست كومباني».


من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟

من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟
TT

من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟

من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟

لا تملك عملية التطور أهدافاً، بل تقدم نتائج فحسب، فالانتقاء الطبيعي الدارويني لا يصيغ الكائنات لتصبح «أفضل» أو «أرقى» بمعيار موضوعي مطلق، بل يشكّلها لكي تنجح في بيئتها وزمانها الراهنين. وما قد يكون مفيداً في بيئة أو حقبة زمنية معينة، قد يتحول إلى مصدر ضرر في سياق آخر. ويرى بعض العلماء أن هذه الحقيقة التطورية قد تساعد في تفسير أصول أمراض المناعة الذاتية لدى البشر، كما كتب ديفيد كوامن(*).

أمراض المناعة الذاتية

تعد أمراض المناعة الذاتية autoimmune diseases ظاهرة غامضة نوعاً ما، لكنها ليست نادرة على الإطلاق؛ إذ تشمل التصلب المتعدد multiple sclerosis، والتهاب المفاصل الروماتويدي rheumatoid arthritis، والسكري من النوع الأول Type 1 diabetes، والذئبة lupus، وداء كرون Crohn’s disease، والصدفية psoriasis، إلى جانب أكثر من 100 مرض آخر. وتتراوح حدة هذه الأمراض بين التسبب في معاناة شديدة، أو مجرد شعور بعدم الراحة والإزعاج، وصولاً إلى حالات قد تكون قاتلة. أما القاسم المشترك بين هذه الحالات فهو أن خلايا الجهاز المناعي لدى الشخص تبدأ -لأسباب لا تزال غير واضحة- بمهاجمة أنسجة الجسم وأعضائه، بدلاً من الاكتفاء بالدفاع عنه ضد الغزاة الخارجيين كالفيروسات والبكتيريا.

نحو 15 مليون أميركي مصاب بها

تشير التقديرات إلى أن أمراض المناعة الذاتية تصيب نحو 15 مليون شخص في الولايات المتحدة، وما بين 5 في المائة و10 في المائة من سكان الدول الصناعية، في حين تقل نسبتها في الدول النامية. وتتجه هذه الأرقام نحو الارتفاع، ربما بسبب عوامل بيئية -مثل النظام الغذائي والملوثات- التي تلعب دوراً في تحفيز ظهور هذه الأمراض. ومع ذلك، تلعب العوامل الوراثية دوراً مهماً أيضاً؛ وهنا كشفت الأبحاث في السنوات الأخيرة عن نمط مثير للاهتمام.

مجموعات جينية كانت ذات فائدة يوماً ما... تصبح عبئاً

قد تنشأ أمراض المناعة الذاتية، جزئياً، نتيجةً لعمل جينات أو مجموعات جينية كانت ذات فائدة في مراحل سابقة من التاريخ البشري، لكنها أصبحت تشكل عبئاً أو ضرراً في الوقت الحاضر. وبشكل أكثر تحديداً، وجد العلماء أدلة على حدوث انتخاب طبيعي لمتغيرات جينية معينة خلال العصر البرونزي -الذي بدأ قبل نحو 5000 عام واستمر لألفي عام- حيث قد تزيد هذه المتغيرات ذاتها من خطر الإصابة بأمراض المناعة الذاتية لدى الأشخاص الذين يحملونها اليوم.

ويُطلق على هذه التأثيرات المتناقضة مصطلح «تعدد التأثير المتضاد» (antagonistic pleiotropy)؛ وببساطة، يعني هذا أن الجين قد يكون مفيداً في سياق معين، وقد يصبح ضاراً في سياق آخر.

مقارنة التسلسل الجيني للحمض النووي البشري القديم بالجينومات البشرية المعاصرة

لماذا قد تؤدي بعض المتغيرات الجينية وظيفة قيّمة للبشر في العصور القديمة، ولكن تتحول إلى مصدر ضرر في عصرنا الحالي؟ تتمثل إحدى الإجابات -التي تدعمها دراسات حديثة تستند إلى التسلسل الجيني للحمض النووي البشري القديم ومقارنته بالجينومات البشرية المعاصرة- في الأمراض المعدية.

وخلال تلك الألفيات الغابرة، تحول البشر من نمط حياة يعتمد على الصيد والجمع ضمن مجموعات صغيرة متنقلة، إلى نمطين آخرين: الزراعة والرعي. وفي حين اتسم المزارعون بالاستقرار في أماكن ثابتة، قام الرعاة باستئناس الحيوانات البرية -كالأبقار والأغنام والماعز- وارتحلوا عبر مساحات شاسعة لتوفير المراعي لماشيتهم. وقد أدى العمل في الزراعة إلى احتكاك وثيق بين البشر والنباتات، في حين أدى الرعي إلى احتكاك وثيق بينهم وبين الفيروسات والبكتيريا وغيرها من العوامل المسببة للعدوى التي تحملها الحيوانات البرية (والتي أصبحت لاحقاً حيوانات مستأنسة).

انتقال العديد من مسببات الأمراض إلى الرعاة

انتقلت العديد من مسببات الأمراض هذه إلى الرعاة، ما أدى إلى ظهور ما يُعرف اليوم بـ«الأمراض حيوانية المنشأ» (zoonotic diseases)؛ وهي عدوى تنتقل من الحيوانات إلى البشر. وكان البقاء على قيد الحياة في مواجهة هذه التهديدات المرضية يعتمد على الحظ والجينات؛ إذ عمل الانتقاء الطبيعي على استبعاد الأشخاص الأقل حظاً، فيما بقيت مجموعات من الناجين الذين حملوا طفرات جينية منحتهم مقاومة ضد تلك العدوى.

طفرات جينية مفيدة قديماً... تتحول إلى عوامل خطر

غير أنه يبدو الآن أن تلك الطفرات الجينية، التي وفرت الحماية في العصر البرونزي، قد يكون لها أثر سلبي في عصرنا الحديث الذي يتميز بأنظمة صرف صحي متطورة، وتوافر المضادات الحيوية والمطهرات، وغيرها من تدابير مكافحة العدوى. فمن خلال رفع حساسية الجهاز المناعي إلى مستويات مفرطة، تحولت هذه الطفرات إلى عوامل خطر للإصابة بأمراض المناعة الذاتية. وهذا ما يُعرف بفرضية «التأثير الجيني المزدوج المتضاد» (antagonistic pleiotropy hypothesis)..

طفرات جينية ترتبط بمرض التصلب المتعدد

وقد وجد العلماء أدلة تدعم هذه الفرضية؛ إذ أفاد باحثون في جامعة أكسفورد وزملاؤهم في مؤسسات أخرى بوجود ارتباط قوي بين طفرات جينية معينة -انتشرت بسرعة بين الشعوب الأوروبية قبل نحو 5000 عام- وبين زيادة احتمالية الإصابة بمرض التصلب المتعدد في وقتنا الحاضر. وقد ازداد شيوع هذه الطفرات مع وصول الرعاة المهاجرين من سهوب أوراسيا إلى أوروبا. وقد وفرت معظم هذه الطفرات حماية ضد أنواع معينة من العدوى الفيروسية والبكتيرية أو الطفيليات، ما ساعد البشر لا على التكيف مع نمط الحياة الرعوي فقط، بل أيضاً على التأقلم مع زيادة الكثافة السكانية، التي أدت بدورها إلى تكثيف انتقال الأمراض المعدية وانتشارها.

ويرى الباحثون أن هذه الطفرات الجينية ذاتها تبدو اليوم وكأنها تُحدث تأثيراً معاكساً تماماً. مع تحسّن السيطرة على الأمراض المعدية وتزايد معدلات الإصابة بالتصلب المتعدد، كتب الباحثون: «نلاحظ مجدداً ارتباطاً لافتاً بالتغيرات التي طرأت على بيئتنا -بما في ذلك أنماط الحياة وتحسّن مستويات النظافة- وهي تغيرات لم تعد تتوافق مع البنية الجينية التي كانت سائدة سابقاً». وبعبارة أخرى، فإن الجينات التي كانت توفر لنا الحماية في الماضي قد تصبح اليوم سبباً في تعريضنا للخطر.

تسلسلات الحمض النووي في زمن الطاعون

تناولت دراسة أخرى، أجراها فريق دولي من الباحثين، حقبة تاريخية أكثر حداثة شهدت تغيراً ديمغرافياً مفاجئاً، ألا وهي فترة تفشي «الموت الأسود» (الطاعون). فقد اجتاح هذا الوباء -الذي ظهر في القرن الرابع عشر، وتسببت فيه بكتيريا «يرسينيا الطاعونية» (Yersinia pestis) التي تنتقل عبر البراغيث التي تحملها الفئران- كلاً من أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الفترة ما بين عامي 1346 و1353، ما أسفر عن وفاة ما يتراوح بين 30 في المائة و50 في المائة من سكان تلك المناطق.

وقد فحص الباحثون بدقة تسلسلات الحمض النووي (DNA) لأشخاص دُفنوا في إنجلترا والدنمارك؛ بعضهم دُفن قبيل سنوات الطاعون، وبعضهم أثناء تفشيه، وآخرون بعد انتهائه. ومن بين المواقع التي استعانوا بها موقع «إيست سميثفيلد» (East Smithfield)، وهو مقبرة جماعية لضحايا الموت الأسود تقع شرق «برج لندن».

وفي هذا الموقع وغيره، اكتشف الباحثون أربعة متغيرات جينية مرتبطة بالمناعة لدى أعداد أكبر من الأشخاص الذين دُفنوا بعد الطاعون مقارنة بمن دُفنوا قبله أو أثناءه؛ ما يشير إلى أن هذه المتغيرات منحت أصحابها ميزة ساعدتهم على البقاء.

متغير جيني مضاد للطاعون يسهم في حدوث مرض كرون

حصر الباحثون استنتاجهم في متغير واحد فقط. وقد تبين أن هذا المتغير -الذي كان مفيداً في التكيف ومواجهة الطاعون- يُعد اليوم عامل خطر للإصابة بداء كرون (Crohn’s disease). وهكذا، يبدو أن «الموت الأسود» -على غرار التحول نحو الرعي خلال العصر البرونزي- ربما كان حدثاً انتقائياً زاد من عرضة الأجيال اللاحقة للإصابة بأمراض المناعة الذاتية.

ورغم أن فريق جامعة أكسفورد، في دراسته حول مرض التصلب المتعدد (MS)، وصف هذا الوضع بأنه حالة من «البنية الجينية» التي عفّى عليها الزمن، إلا أن هناك تشبيهاً آخر يوضح الفكرة بشكل أكثر حيوية؛ إذ يُقال عن إخفاقات القيادة العسكرية إن الجنرالات يقضون أوقات السلم في الاستعداد لخوض «الحرب السابقة» بدلاً من «الحرب القادمة». فهم يتمسكون بتكتيكات واستراتيجيات وأسلحة عفّى عليها الزمن -أشياء كانت فعالة في الماضي- متجاهلين مرور الوقت وظهور معطيات جديدة.

متغيرات جينية تسبب المعاناة

ويبدو أن هذا بالضبط ما فعله التطور بالمتغيرات الجينية التي يحملها الكثير منا اليوم؛ فأمراض المناعة الذاتية في القرن الحادي والعشرين قد تمثّل محاولات الجهاز المناعي البشري لخوض حربٍ ضد أمراض معدية كانت يوماً ما كارثية -وإن كانت حدتها قد تراجعت الآن- وهي أمراض لا تزال منتشرة في كل مكان ولا يوجد لها علاج شافٍ. بالنسبة للبعض، تُعد معاناة الإصابة بالتصلب المتعدد (MS) أو الذئبة أو غيرهما من أمراض المناعة الذاتية سوء حظ قاسياً. أما آخرون فهم أكثر حظاً؛ فأنا، على سبيل المثال، لا أعاني سوى من الصدفية -التي ورثتها عن والدي، الذي ورثها بدوره عن أسلافٍ له من ريف النرويج- وهي بمثابة تذكيرٍ بأن جهاز مناعتي مستعدٌّ ومتحمسٌ، بل متحمسٌ أكثر من اللازم، لخوض معركةٍ قديمةٍ تعود إلى العصر البرونزي؛ معركةٍ دارت رحاها بين راعٍ من ذلك العصر وفيروسٍ انتقل إليه من إحدى معيزه.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الجينات وحدها لا تفسّر سلوكنا

الجينات وحدها لا تحدد السلوك
الجينات وحدها لا تحدد السلوك
TT

الجينات وحدها لا تفسّر سلوكنا

الجينات وحدها لا تحدد السلوك
الجينات وحدها لا تحدد السلوك

كشفت دراسة دولية واسعة عن أن التأثيرات الجينية المرتبطة بالسلوك الاجتماعي لدى الإنسان تختلف تبعاً للعمر والبيئة الاجتماعية، وباختلاف الشخص الذي يصف السلوك ويقيّمه. وهذا ما يؤكد أن فهم السلوك البشري يتطلب النظر إلى الجينات والسياق الذي يتطور فيه هذا السلوك معاً.

تحليل 500 ألف ملاحظة سلوكية جُمعت من أكثر من 73 ألف شخص

وحلّل باحثون بقيادة معهد «ماكس بلانك لعلم اللغة النفسي» في مدينة نايميخن الهولندية نحو 500 ألف ملاحظة سلوكية جُمعت من أكثر من 73 ألف شخص. وأظهرت الدراسة المنشورة في مجلة «Nature Human Behaviour» في 21 سبتمبر (أيلول) 2026 أن الأنماط الجينية المرتبطة بالسلوك الاجتماعي تختلف عبر مراحل النمو وبين تقييمات الوالدين والمعلمين والتقارير الذاتية للأفراد.

وتسلّط النتائج الضوء على أهمية السياق الاجتماعي في دراسة الأسس الجينية للسلوك وعلاقته باضطرابات النمو العصبي، بما فيها التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

تتبّع السلوك عبر مراحل النمو

وركّز الباحثون على جانبين من السلوك الاجتماعي: الأول مدى استعداد الفرد لمساعدة الآخرين ومشاركة ما لديه معهم ومواساتهم عند الحاجة. أما الثاني، فهي الصعوبات التي قد يواجهها في تكوين الصداقات والتواصل مع أقرانه والحفاظ على العلاقات معهم.

وشملت التقييمات أشخاصاً تتراوح أعمارهم بين عامين و29 عاماً مع تكرار تقييم بعض المشاركين في مراحل عمرية مختلفة. كما قارن الباحثون بين تقارير الوالدين والمعلمين والتقييمات الذاتية للمشاركين.

وعلى خلاف الدراسات الجينية التقليدية التي تجمع النتائج في تقدير عام استخدم الباحثون أسلوباً إحصائياً يُعرف باسم «الانحدار التَّلَوِي Meta-regression» يتيح مقارنة نتائج دراسات متعددة وتحليلها مع مراعاة العوامل التي قد تؤثر فيها. وساعدهم هذا الأسلوب على الكشف عن كيفية اختلاف الارتباطات الجينية بالسلوك الاجتماعي تبعاً لنوع السلوك وعمر الفرد والشخص الذي يقيّمه بدلاً من التعامل مع هذه الاختلافات بوصفها نمطاً واحداً ثابتاً.

6 مناطق جينومية مرتبطة بالسلوك

وحدّد التحليل ست مناطق جينومية مرتبطة بالسلوك الاجتماعي وأظهرت جميعها اختلافات في ارتباطاتها تبعاً لنوع السلوك والعمر والجهة التي أبلغت عنه.

وظهر أقوى ارتباط جيني في منطقة CADM2 وهو جين يسهم في تنظيم الاتصالات بين الخلايا العصبية. وكان الارتباط أكثر وضوحاً في حالات انخفاض السلوك الاجتماعي الإيجابي وفقاً للتقييم الذاتي في أواخر الطفولة وبداية المراهقة. وسبق أن رُبطت تغيرات جينية في هذه المنطقة بالتوحّد وسمات أخرى.

وقدّرت الدراسة أن الاختلافات الجينية الشائعة تفسّر ما بين 2 و7 في المائة من التباين في السلوك الاجتماعي. كما حدّد الباحثون أربعة عوامل جينية مترابطة ارتبط اثنان منها بمجالي السلوك المدروسين بينما عكس الآخران الاختلافات بين تقييمات الوالدين والمعلمين.

وتشير النتائج إلى أن سلوك الطفل في المنزل قد يختلف عن طريقة تفاعله في المدرسة أو مع أقرانه، مما يستدعي مراعاة هذه الاختلافات عند دراسة النمو.

وأوضحت لوسيا دي هويوس، الباحثة الأولى في الدراسة من قسم اللغة وعلم الوراثة في معهد «ماكس بلانك لعلم اللغة النفسي» في هولندا، أن الطبيعة المتغيرة للنمو البشري تستدعي اعتماد مناهج جينومية قادرة على رصد التغيرات عبر مراحل النمو. من جانبها أكدت بياته سانت بوركاين، الباحثة الرئيسية في الدراسة من القسم نفسه، أهمية مراعاة اختلاف تجارب الأطفال الاجتماعية عند تحليل التأثيرات الجينية بدلاً من اختزالها في تقدير عام واحد قد يغفل الفروق بين السياقات والأعمار.

روابط بالصحة النفسية

ولاختبار دقة التنبؤات الجينية أنشأ الباحثون درجات متعددة الجينات تجمع تأثيرات عديد من المتغيرات الجينية واختبروها لدى 16305 أشخاص من أصول أوروبية وأفريقية. وتحسّنت التنبؤات عندما تطابق السياق الاجتماعي المستخدم في تطوير هذه الدرجات مع السياق الذي طُبّقت فيه.

كما درس الفريق العلاقات الجينية بين السلوك الاجتماعي في الطفولة وسمات لاحقة منها التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. وأظهرت النتائج أن هذه العلاقات يمكن رصدها في مراحل عمرية مختلفة حسب السلوك والسياق المدروسين.

الجينات لا تحدد المصير

وشدّد الباحثون على أن النتائج لا تعني إمكانية التنبؤ بسلوك طفل بعينه، إذ يتأثر السلوك بتفاعل العوامل الجينية مع التنشئة والبيئة الاجتماعية والدعم الذي يتلقاه الفرد.

وقال توماس بورجيرون، المشارك في الدراسة والباحث في معهد «باستور» بفرنسا، إن الجينات تؤدي دوراً مهماً لكنها لا تحدد مصير الإنسان، مشيراً إلى أن توفير البيئة المناسبة والدعم والفرص يساعد الأفراد على التكيف وتطوير قدراتهم.

وتندرج الدراسة ضمن مشروع «المخاطر والمرونة في التنوع النمائي والصحة النفسية (R2D2-MH)»، وهو مبادرة بحثية تمتد خمس سنوات بتمويل مشترك من المفوضية الأوروبية وتهدف إلى تحديد العوامل التي تزيد مخاطر اضطرابات النمو العصبي أو تساعد على التكيف معها بما يشمل التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه والإعاقة الذهنية.

ويخطط الفريق لمواصلة أبحاثه من خلال دراسة الاختلافات الجينية بين الذكور والإناث بهدف تعميق فهم تطور السلوك الاجتماعي وعلاقته بالصحة النفسية.