حين يقرأ الذكاء الكمي خطوط اليد… من ألواح الطين إلى تشخيص ألزهايمر

يلتقط الأنماط العصبية الدقيقة التي لا يمكن لعين الإنسان إدراكها

حين يقرأ الذكاء الكمي خطوط اليد… من ألواح الطين إلى تشخيص ألزهايمر
TT

حين يقرأ الذكاء الكمي خطوط اليد… من ألواح الطين إلى تشخيص ألزهايمر

حين يقرأ الذكاء الكمي خطوط اليد… من ألواح الطين إلى تشخيص ألزهايمر

منذ آلاف السنين، حين خطّت حضارة وادي الرافدين -السومريون أول من ابتكروا الكتابة على ألواح الطين والحجر- لم يكن القلم مجرد وسيلة للتدوين، بل نافذة تكشف عن فكر الإنسان، وروحه. كانت العلامات المسمارية آنذاك ثورةً غيرت مسار الحضارة، لأنها لم تحفظ الكلمات فحسب، بل سجّلت نبض العقل الجمعي للبشرية.

واليوم، وبعد أن ظنّ الناس أن الكتابة اليدوية تلاشت أمام لوحات المفاتيح والشاشات، تعود لتكشف سرّاً جديداً: الخط اليدوي ليس مجرد أثرٍ على ورق، بل خريطة عصبية يمكن للذكاء الاصطناعي الكمي أن يقرأها ليستبق مرض ألزهايمر قبل أن يطرق أبواب الذاكرة.

الخطوط التي تبوح بما لا يُقال

منذ زمن بعيد، لاحظ الأطباء أن القلم لا يكذب، إذ إن كل اضطراب في الدماغ يترك أثراً خفياً على الورق: رعشة بالكاد تُرى، تباطؤ في حركة الحروف لا يلحظه القارئ العادي، أو انقطاع غير مبرَّر في منتصف السطر. وهذه العلامات الدقيقة قد تبدو عابرة، لكنها في الحقيقة إشارات استغاثة يرسلها العقل قبل أن ينطفئ. والمفارقة أن هذه الإشارات قد تخفى حتى على عين الطبيب الأكثر خبرة، لأنها دقيقة لدرجة أنها تذوب وسط السطور.

التقاط الأنماط العصبية الدقيقة

وهنا يتدخل الذكاء الاصطناعي الكمي ليقلب المعادلة. فعلى عكس الكمبيوتر الكلاسيكي الذي يعالج الأمور بمنطق متتابع، خطوة بعد أخرى، فإن الخوارزميات الكمية -بفضل خاصيتي التراكب (Superposition) والتشابك (Entanglement)- تستطيع استكشاف آلاف المسارات في اللحظة نفسها، كما لو كانت تمتلك عدسات مجهرية متعددة تقرأ ما وراء الكلمات. وهذه القدرة تمنحها ميزة فريدة: التقاط الأنماط العصبية الدقيقة التي لا يمكن لعين الإنسان أو حتى الخوارزميات التقليدية أن تدركها.

بمعنى آخر، ما يعجز البشر عن ملاحظته في ارتعاشة بسيطة لحرف، أو في تباطؤ غير محسوب لخط اليد، تستطيع الحوسبة الكمية أن تحوّله إلى خريطة واضحة تكشف عن بداية انزلاق نحو ألزهايمر... قبل سنوات من التشخيص الإكلينيكي. وكأن القلم نفسه تحوّل إلى جهاز تشخيص مبكر، لا يُسجّل الكلمات فقط، بل يبوح بأسرار الدماغ في صمته، ويصبح الخط اليدوي أشبه ببصمة الروح، ومرآة الذاكرة.

من مشروع «داروين» إلى موجة أبحاث جديدة

حين ظهر مشروع داروين (DARWIN) لأول مرة، لم يكن مجرد تجربة عابرة. الفريق البحثي جمع آلاف العينات من خط اليد: بعضها لأشخاص أصحاء، وأخرى لأشخاص في المراحل الأولى من ألزهايمر، حيث تبدأ الذاكرة في التآكل بصمت. بعد ذلك، تمت مقارنة خوارزميات الذكاء الاصطناعي الكلاسيكية مع نظيراتها الكمية. وكانت النتيجة واضحة مثل ضوء الشمس: النماذج الكمية تفوقت، بل التقطت إشارات دقيقة لم تستطع النماذج التقليدية اكتشافها إلا في مراحل متأخرة من المرض.

هذا النجاح لم يبقَ حبيس مشروع واحد، بل فتح الباب أمام موجة جديدة من الأبحاث حول العالم:

* إيطاليا (2024): فريق بقيادة الباحث جياكومو كابييّلو Giacomo Cappiello أعاد تحليل بيانات داروين (DARWIN) مستخدماً الذكاء الكمي، وأثبت أن حساسيته للكشف المبكر أعلى من أي نموذج تقليدي معروف حتى الآن.

* الولايات المتحدة (2025): مجموعة بحثية استعانت بتقنية التعلم بالنقل الكمي (Quantum Transfer Learning) على صور دماغية من قاعدة بيانات OASIS-2، والمفاجأة أن النماذج الهجينة (التي تجمع بين الكم والكلاسيكي) لم تكن أدق فقط، بل أثبتت قدرتها على التكيف حتى في بيئات مليئة بالضوضاء، والبيانات غير المثالية.

* كوريا الجنوبية (2024): دراسة رائدة استخدمت صور الرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI، وربطتها بشبكات عصبية هجينة كمّية-كلاسيكية. النتيجة لم تقتصر على الكشف عن المرض، بل امتدت لتحديد المناطق الدماغية الأكثر عرضة للتأثر المبكر.

* أوروبا (2025): ورقة حديثة قدّمت نموذجاً مبتكراً باسم Hybrid Transformer، دمج بين صور الخط اليدوي وإشاراته الديناميكية (مثل السرعة والضغط)، وحقق دقة تجاوزت 91 في المائة، ما اعتُبر قفزة نوعية في المجال.

هكذا، تحوّل داروين (DARWIN) من شرارة أولى إلى تيار عالمي، يضع الذكاء الكمي في قلب سباق اكتشاف ألزهايمر المبكر. وكأن الكتابة التي وُلدت في ألواح وادي الرافدين تعود اليوم لتكتب فصلاً جديداً، ليس في تاريخ الحضارة هذه المرة، بل في معركة الإنسان مع النسيان.

الأمل والتحدي

بين الحلم والواقع فجوة لا يمكن إنكارها، فأجهزة الحوسبة الكمية لا تزال في طورها التجريبي؛ تحتاج إلى تبريد شديد يصل إلى ما يقارب الصفر المطلق، وظروف تقنية معقدة لا تتوافر إلا في مختبرات متقدمة تكلّف ملايين الدولارات. لهذا تبقى معظم الإنجازات حتى الآن حبيسة الأوراق العلمية، ومراكز الأبحاث، وبعيدة عن عيادات الأطباء، وغرف التشخيص اليومية.

ومع ذلك، فإن الأمل لا يزال كبيراً. فمرض ألزهايمر يشبه سباقاً مع الزمن؛ كل يوم يربحه المريض في المراحل الأولى قد يتحول إلى شهور أو حتى سنوات إضافية من حياة أكثر كرامة وجودة. وهنا يظهر جوهر الرهان: أن تنتقل هذه الخوارزميات من شاشات المختبر إلى أيدي الأطباء، ومن المعادلات المعقدة إلى أدوات عملية تسهّل التشخيص المبكر.

إن التحدي الحقيقي ليس في إثبات قدرة الكمّ على قراءة الخطوط، بل في تحويل هذا الإنجاز العلمي إلى واقع ملموس يطرق أبواب المستشفيات. عندها فقط يصبح الذكاء الكمي أكثر من تجربة علمية، بل فرصة إنسانية لإنقاذ الذاكرة قبل أن تُمحى...

حين يصل الصدى إلى العالم العربي

في مجتمعاتنا العربية، حيث يتزايد متوسط العمر، وتكبر أعداد كبار السن عاماً بعد عام، سيغدو ألزهايمر تحدياً صحياً واقتصادياً لا مفر منه. الأرقام تشير إلى أن نسب الخرف في العالم العربي تتضاعف مع التغير الديموغرافي، ما يفرض عبئاً متزايداً على العائلات، والأنظمة الصحية.

تخيّل لو أصبح اختبار بسيط للخط اليدوي جزءاً من الفحوص الروتينية في مراكز الرعاية الأولية: يكتب المريض جملة قصيرة، أو يرسم شكلاً بسيطاً، فتتولى الخوارزميات الكمية قراءة هذه الخطوط، وكشف ما لا تراه العين، لتمنح الطبيب نافذة للتدخل المبكر قبل أن يستفحل المرض.

وهنا يبرز البُعد الاستراتيجي. فالمملكة العربية السعودية كانت أول دولة في المنطقة تدخل عالم الحوسبة الكمية، وتستثمر في الحصول على تقنية الكمبيوتر الكمي. هذه الخطوة لا تعني مجرد سبق تقني، بل فرصة تاريخية لتوظيف هذه القوة الحسابية الهائلة في أبحاث طبية متقدمة، وعلى رأسها التشخيص المبكر لألزهايمر. وإذا ما تم دمج هذه الابتكارات في مراكز الأبحاث والمستشفيات السعودية، فقد تتحول المملكة إلى مركز إقليمي رائد في مواجهة المرض، وإلى نموذج يحتذى في العالم العربي.

ولعل الأفق الأوسع يتجلى في مشروعات كبرى مثل نيوم، وذا لاين، حيث يُرسم مستقبل المدن الذكية، والطب المبتكر. هناك، يمكن للكمبيوترات الكمية أن تصبح جزءاً من منظومة صحية رقمية متكاملة، تدمج بين الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والطب الوقائي. عندها لن يكون التشخيص المبكر حلماً بعيداً، بل سيصبح واقعاً يومياً ينسجم مع رؤية السعودية 2030 التي لا تكتفي باستيراد المستقبل، بل تصنعه من قلب المنطقة.

الكتابة-النَّفَس الثاني للروح

مشروع داروين (DARWIN) وما تلاه من أبحاث يذكّرنا بأن القلم لا يكتب فقط، بل يشخّص. كل خطّ نرسمه على الورق قد يكون خريطة عصبية تبوح بما يخفيه الدماغ، وكأن الكتابة عادت إلى جوهرها الأول، حين كانت حروفاً محفورة على الحجر والطين، شاهدة على ميلاد الحضارة.

ولعلّ الفلاسفة والشعراء لم يبالغوا حين شبّهوا الكتابة بأنها «النَّفَس الثاني للروح»؛ فهي أثر يبقى بعد أن يزول صاحبه. وكما قال شكسبير: «ما يُكتب يبقى، وما يُحفر في الكلمة لا يزول».

إنها بداية فصل جديد، حيث تتحول الكتابة من أثرٍ على الطين والحجر إلى أداة طبية تنقذ الذاكرة من التلاشي، ويغدو الذكاء الكمي شاهداً جديداً على أن الإنسان، منذ فجر الحضارة وحتى عصر الخوارزميات، لم يتوقف عن البحث عن وسيلة ليحفظ ذاكرته من الغياب.


مقالات ذات صلة

ميلانيا ترمب تستقبل أول «روبوت» بشري في البيت الأبيض

الولايات المتحدة​ ميلانيا ترمب تصل برفقة الروبوت لحضور قمة «Fostering the Future Together» العالمية في البيت الأبيض بواشنطن اليوم (أ.ب) p-circle

ميلانيا ترمب تستقبل أول «روبوت» بشري في البيت الأبيض

خطفت السيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب الأنظار مجدداً، بعدما رافقها «روبوت» بشري متطور خلال فعالية رسمية في البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
علوم لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

تراجع ثقة الأميركيين بعد انتشار القصص الوهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

«قمم خبراء» تتحدث عن الأخلاقيات... لكن المعاناة تبقى خارج النقاش

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)

دراسة: أقدم كلب معروف ظهر قبل 15 ألفاً و800 عام

امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)
امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)
TT

دراسة: أقدم كلب معروف ظهر قبل 15 ألفاً و800 عام

امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)
امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)

تُعرف الكلاب دوماً بأنها رفيقة وفية للإنسان منذ أن جعلها أول الحيوانات المستأنسة، وهي تنحدر منذ زمن بعيد من الذئاب الرمادية، لكن التساؤلات حول متى وأين ولماذا بالضبط حدث هذا لا تزال دون إجابة.

وتقدم الأبحاث الجينية الحديثة الآن نظرة فاحصة على هذا بما في ذلك تحديد أقدم كلب معروف ويعود إلى 15 ألفاً و800 عام.

وقال الباحثون إن هذا الكلب، الذي عُرف من خلال عظام عُثر عليها في موقع صخري في بينار باشي بتركيا كان يستخدمه الصيادون قديماً، أقدم بنحو خمسة آلاف سنة من أقدم حيوان ينتمي لفصيلة الكلاب معروف سابقاً وتم التأكد منه وراثياً.

وأضافوا أن تاريخ كلب بينار باشي وعدة كلاب أخرى، تم تحديدها في مواقع أخرى في أوروبا تعود إلى العصر نفسه تقريباً، تُظهر أن تلك الحيوانات كانت منتشرة على نطاق واسع وجزءا لا يتجزأ من الثقافة البشرية قبل آلاف السنين من ظهور الزراعة.

وجرى استعراض النتائج الجديدة في ورقتين علميتين نُشرتا، الأربعاء، في مجلة «نيتشر»، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال وليام مارش الباحث في مختبر علم الجينوم القديم بمعهد فرنسيس كريك في لندن والمشارك في إعداد إحدى الدراستين إن أدلة الحمض النووي تشير إلى أن الكلاب كانت موجودة في مناطق مختلفة في غرب أوراسيا منذ 18 ألف عام، وكانت بالفعل مختلفة جينياً تماماً عن الذئاب.

وأضاف مارش: «نتصور أن مجموعتي الكلاب والذئاب انفصلتا قبل ذلك بكثير، على الأرجح قبل ذروة العصر الجليدي الأخير أي قبل 24 ألف عام. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من عدم اليقين».

طريقة جديدة للتمييز وراثياً

كان الكلب، الذي ينحدر من سلالة ذئاب قديمة منفصلة عن الذئاب الحديثة، أول حيوان استأنسه الإنسان قبل حيوانات أخرى مثل الماعز والأغنام والماشية والقطط.

وقال عالم الوراثة أندرس بيرجستروم من جامعة إيست أنجليا في إنجلترا، المؤلف الرئيسي للدراسة الأخرى: «ظلت الكلاب رفيقة للبشر حين مروا بتحولات كبيرة في نمط الحياة وظهرت مجتمعات معقدة».

وأضاف بيرجستروم: «من المثير للاهتمام أيضاً أنه، على عكس معظم الحيوانات المستأنسة الأخرى، لا يكون للكلاب دائماً أدوار أو أغراض محددة بوضوح بالنسبة للبشر. ربما يكون دورها الأساسي في كثير من الأحيان هو مجرد الرفقة».

وأجرى بيرجستروم وفريقه بحثاً مستفيضاً عن الكلاب في العصور القديمة في أوروبا باستخدام طريقة جديدة للتمييز وراثياً بين الذئاب والكلاب من بين 216 من البقايا القديمة يتراوح عمرها بين 46 ألف سنة وألفي سنة من بلجيكا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وهولندا واسكتلندا والسويد وسويسرا وتركيا. وهذه أكبر دراسة من نوعها لهذه البقايا حتى الآن.

عظام الفك العلوي لكلب عُثر عليها في كهف بسويسرا ويعود تاريخها إلى نحو 14 ألف عام (رويترز)

وتمكن الباحثون من تحديد 46 كلباً و95 ذئباً. ونظراً لأن الهياكل العظمية للكلاب والذئاب كانت متشابهة جداً في المراحل المبكرة من استئناس الكلاب، فإن الدراسات الجينية ضرورية للتمييز بينها في البقايا القديمة.

وأقدم الكلاب التي حددها فريق بيرجستروم يعود تاريخه إلى 14 ألفاً و200 عام من موقع كهف كيسلرلوخ في سويسرا. وتبين أن أقدم الكلاب الأوروبية التي حددتها هذه الدراسة تشترك في الأصل مع الكلاب في آسيا وبقية العالم مما يدل على أن هذه المجموعات المختلفة من الكلاب لم تنشأ من حالات استئناس منفصلة.

أسئلة دون إجابة

ويعد كلب بينار باشي، في الدراسة التي عمل عليها مارش، دليلاً على منزلته الكبيرة لدى الصيادين الذين كانوا يربون الكلاب.

وقال مارش: «في بينار باشي، توجد مدافن للبشر والكلاب ودُفنت الكلاب بجوار البشر».

وهناك أدلة أيضاً على أن سكان بينار باشي كانوا يطعمون كلابهم السمك.

وحددت هذه الدراسة خمسة كلاب يعود تاريخها إلى ما بين 15 ألفاً و800 و14 ألفاً و300 سنة، بما في ذلك بقايا كلاب من كهف جوف بالقرب من تشيدر في إنجلترا.

عظام فك كلب عمرها 14 ألفاً و300 عام عُثر عليها في كهف بإنجلترا (أ.ب)

وخلصت الدراسة إلى أن كلاب بينار باشي وكهف جوف أكثر ارتباطاً بأسلاف السلالات الأوروبية والشرق أوسطية الحالية مثل البوكسر والسلوقي، مقارنة بالسلالات القطبية مثل الهاسكي السيبيري.

ووفقاً للباحثين، فإلى جانب الرفقة ربما ساعدت الكلاب القديمة البشر في الصيد أو الحراسة، نوعاً ما كنظام إنذار في العصر الجليدي. وقالوا إنه على عكس عدد من سلالات الكلاب في عصرنا الحالي، من المرجح أن تلك الكلاب القديمة كانت لا تزال تشبه إلى حد كبير الذئاب المنحدرة منها.

وأوضح بيرجستروم أن «الأسئلة المتعلقة بمتى وأين وسبب ترويض البشر للكلاب تظل دون إجابة إلى حد كبير... نعتقد أن ذلك حدث على الأرجح في مكان ما في آسيا لكن لا يزال يتعين تحديد المكان بدقة أكبر».


لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟