الذكاء الاصطناعي يفكّ شفرة الجينوم البشري

مشروع «ألفا جينوم» قفزة نوعية لدراسة التركيب الجيني للإنسان

«ألفا جينوم» لدراسة الحمض النووي
«ألفا جينوم» لدراسة الحمض النووي
TT

الذكاء الاصطناعي يفكّ شفرة الجينوم البشري

«ألفا جينوم» لدراسة الحمض النووي
«ألفا جينوم» لدراسة الحمض النووي

عام 2024، تقاسم عالمان من «غوغل ديب مايند» جائزة نوبل في الكيمياء عن برنامج الذكاء الاصطناعي المسمى «ألفا فولد 2».

وفي حين كان العلماء يجاهدون لعقود، لفهم كيفية طي سلاسل الوحدات البنائية الجزيئية التي تكون البنى ثلاثية الأبعاد المعقدة للبروتينات، قام ديميس هاسابيس وجون غامبر وزملاؤهما في «ديب مايند» بتدريب برنامج للتنبؤ بأشكال هذه البروتينات. وعندما طُرح برنامج «ألفا فولد 2» في عام 2020، حقق أداءً متميزاً في هذه المهمة، مما دفع العلماء حول العالم إلى اعتماده.

ويقول أليكس بالازو، عالم الوراثة في جامعة تورنتو: «الجميع يستخدم (ألفا فولد 2). وقد استخدم العلماء البرنامج لدراسة كيفية عمل البروتينات بشكل طبيعي، وكيف يمكن أن يؤدي خلل وظيفتها إلى الإصابة بالأمراض. وقد ساعدهم البرنامج في بناء بروتينات جديدة كلياً، سيخضع بعضها قريباً لتجارب سريرية».

«ألفا فولد» لدراسة إنتاج البروتينات

مشروع «ألفا جينوم»

والآن، يحاول فريق آخر من الباحثين في «ديب مايند» تطبيق ما فعلته الشركة مع البروتينات، على الحمض النووي «دي إن إيه»، فقد كشف الباحثون النقاب يوم أمس الأربعاء، عن برنامج «ألفا جينوم» AlphaGenome في مجلة «نتشر» Nature بعد أن درّبوا ذكاءهم الاصطناعي على كم هائل من البيانات الجزيئية، ما مكّنه من التنبؤ بآلاف الجينات.

التنبؤ بنشاط الطفرات الجينية

على سبيل المثال، يستطيع «ألفا جينوم» التنبؤ بما إذا كانت طفرة ما ستؤدي إلى تعطيل جين أو تنشيطه في وقت غير مناسب، وهو سؤال بالغ الأهمية لفهم السرطان وأمراض أخرى.

وقال الدكتور بيتر كو، عالم الأحياء الحاسوبية في مختبر «كولد سبرينغ هاربور» بنيويورك الذي لم يشارك في المشروع، إن برنامج «ألفا جينوم» يُمثل خطوةً هامةً نحو الأمام في تطبيق الذكاء الاصطناعي على الجينوم. وأضاف: «إنه إنجاز هندسي رائع». لكن كو وخبراء آخرين من خارج الفريق حذروا من أن هذا البرنامج ليس سوى خطوة واحدة على طريق طويل. وقال مارك غيرستين، عالم الأحياء الحاسوبية في جامعة ييل: «هذا ليس برنامج ألفافولد... ولن يفوز بجائزة نوبل».

شكوك علمية في فائدته

وفي الواقع سيكون برنامج ألفا جينوم مفيداً. وقال الدكتور غيرستين إنه سيضيفه على الأرجح إلى أدواته لاستكشاف الحمض النووي، ويتوقع آخرون أن يحذوا حذوه. لكن لا يبدو أن كل العلماء يثقون ببرامج الذكاء الاصطناعي مثل «ألفا جينوم» لمساعدتهم في فهم الجينوم.

فقد صرح ستيفن سالزبيرغ، عالم الأحياء الحاسوبية في جامعة جونز هوبكنز: «لا أرى أي قيمة لها على الإطلاق في الوقت الحالي. أعتقد أن هناك الكثير من الأذكياء يُضيعون وقتهم عليه».

قبل عصر الحواسيب، أجرى علماء الأحياء تجارب دقيقة لكشف القواعد التي تحكم جيناتنا. وكان أن اكتشفوا أن الجينات تُكتب بأبجدية جينية رباعية الأحرف تُسمى القواعد. ولإنتاج بروتين، تقرأ الخلية التسلسل الموجود في الجين، الذي قد يمتد لآلاف القواعد.

الخلايا وأخطاء إنتاج البروتينات من الجينات

لكن كلما تعمق العلماء في دراسة الجينوم البشري، ازداد تعقيده وتشابكه. ورأوا أنه عندما تقرأ الخلايا جيناً ما، على سبيل المثال، غالباً ما تتجاوز أجزاءً من تسلسله. ومن خلال هذه العملية تستطيع الخلايا إنتاج مئات البروتينات المختلفة من جين واحد. ولكن يحدث عدد من الأمراض عندما تتعامل الخلايا مع جيناتها بشكل خاطئ. ولا توجد بصمة بسيطة للمواقع في الجينات التي يجب أن يتم على الخلايا التعامل معها، لذا أمضى العلماء عقوداً في بناء فهرس لها.

ومن الأسئلة المهمة الأخرى المتعلقة بالجينوم، كيفية اختيار الخلايا الجينات التي تستخدمها لإنتاج البروتينات، إذ اكتشف العلماء جزيئات خاصة ترتبط بالحمض النووي «دي إن إيه» وتمدده في حلقات معقدة. في بعض الحالات، تُعرّض الحلقات الجين لآلية تصنيع البروتين في الخلية. وفي حالات أخرى، ينتهي المطاف بالجين مُخبأً داخل لولب.

جمع مليارات البيانات

في عام 2019، شرَّع باحثون في «غوغل ديب مايند» في مشروع تطور لاحقاً إلى «ألفا جينوم». بحلول ذلك الوقت، كان علماء الأحياء قد جمعوا كميات هائلة من البيانات، فإضافة إلى ثلاثة مليارات زوج من القواعد في الجينوم البشري، جمعوا أيضاً نتائج آلاف التجارب التي تقيس نشاط الجينات في أنواع عديدة من الخلايا.

وكان الباحثون في «ديب مايند» يأملون، من خلال تدريب الذكاء الاصطناعي على هذه النتائج الموجودة، في تطوير برنامج قادر على التنبؤ بدقة بأجزاء من الحمض النووي لم يسبق لهم رؤيتها. وقال زيغا أفسيك، الباحث العلمي في «ديب مايند»: «كان هذا هو الهدف الأمثل لنا».

توظيف الذكاء الاصطناعي

في عام 2021، كشف الدكتور أفسيك وزملاؤه عن نموذج أولي للذكاء الاصطناعي يُدعى «إنفورمر» Enformer، الذي قاموا بتطويره لاحقاً إلى «ألفا جينوم». وقد درّبوا البرنامج على نطاق أوسع من البيانات البيولوجية. وقال الدكتور غيرستين: «إنه حقاً يعمل على نطاق صناعي».

التنبؤ بـ11 عملية داخل الجينوم

يتناول العديد من برامج الذكاء الاصطناعي المصممة لدراسة الجينوم جانباً واحداً فقط منه، مثل عملية تعامل الخلايا مع الجينات. لكن «ألفا جينوم» دُرِّب على التنبؤ بـ11 عملية مختلفة. وفي التقرير الصادر أمس الأربعاء، أشار الدكتور أفسيك وزملاؤه إلى أن أداء «ألفا جينوم» كان مماثلاً أو أفضل من أداء البرامج الأخرى في جميع الجوانب.

التعامل مع الطفرات وآثارها

وقالت الدكتورة كاثرين بولارد، عالمة البيانات في معاهد غلادستون، وهي منظمة بحثية في سان فرانسيسكو، التي لم تشارك في الدراسة: «إنها تقنية متطورة للغاية». وأوضحت بولارد وباحثون آخرون أن برنامج «ألفا جينوم» يتمتع بقدرة فائقة على التعامل مع الطفرات، وقادر على التنبؤ بآثارها، مثل تعطيل جين مجاور.

رصد دور أحد الجينات في حدوث اللوكيميا

في إحدى اختبارات الأداء، أضاف الباحثون طفرات إلى جزء من الحمض النووي «دي إن إيه» الذي يتضمن جيناً يُسمى TAL1.

في الأشخاص الأصحاء، يساعد جين TAL1 خلايا المناعة على النضوج حتى تتمكن من مكافحة مسببات الأمراض. وبمجرد اكتمال نمو الخلايا، يتوقف عمل الجين. لكن العلماء اكتشفوا أن الطفرات في جين TAL1 يمكن أن تؤدي إلى تنشيط الجين بشكل دائم. وهذا التغيير قد يتسبب في نهاية المطاف في تكاثر خلايا المناعة بشكل خارج عن السيطرة، مما يؤدي إلى الإصابة بسرطان الدم (اللوكيميا).

ووجد الدكتور أفسيك وزملاؤه أن برنامج «ألفا جينوم» قد تنبأ بدقة بتأثير هذه الطفرات على جين TAL1، وقال: «لقد كان من المثير حقاً رؤية نجاح هذه النماذج. إنه أشبه بالسحر أحياناً».

أداة تنبؤية تحتاج إلى تجارب مختبرية

وشارك باحثو «ألفا جينوم» توقعاتهم بشأن جين TAL1 مع الدكتور مارك منصور، اختصاصي أمراض الدم في جامعة «يونيفرسيتي كوليدج لندن»، الذي أمضى سنوات في الكشف عن الطفرات المسببة لسرطان الدم من خلال التجارب المختبرية.

وقال الدكتور منصور: «لقد كان الأمر مذهلاً حقاً، فقد أظهر مدى قوة هذه التقنية»، لكنه أشار إلى أن قدرة «ألفا جينوم» على التنبؤ تتضاءل كلما ابتعدت دراسته عن جين معين. ويستخدم منصور الآن «ألفا جينوم» في أبحاثه حول السرطان، لكنه لا يقبل نتائجه دون تمحيص. وأضاف: «هذه الأدوات التنبؤية تبقى مجرد أدوات تنبؤية، وما زلنا بحاجة إلى إجراء التجارب المختبرية».

ثقة مبالغ فيها

أما الدكتور سالزبيرغ من جامعة جونز هوبكنز، فهو أقل تفاؤلاً بشأن «ألفا جينوم»، ويعود ذلك جزئياً إلى اعتقاده بأن مطوريها يبالغون في الثقة بالبيانات التي دُرّبت عليها. فالعلماء الذين يدرسون مواقع الربط الجيني لا يتفقون على تحديد المواقع الحقيقية، من المواقع التي تُعدّ مجرد أوهام جينية. ونتيجة لذلك، أنشأوا قواعد بيانات تحتوي على فهارس مختلفة لمواقع الربط الجيني.

وقال الدكتور سالزبيرغ: «يعمل المجتمع العلمي منذ 25 عاماً على محاولة تحديد جميع مواقع الربط في الجينوم البشري، وما زلنا بعيدين عن تحقيق ذلك. ليس لدينا معيار ذهبي متفق عليه».

كما حذَّر الدكتور بولارد أيضاً من أن برنامج «ألفا جينوم» لا يزال بعيداً كل البعد عن أن يكون أداةً يستخدمها الأطباء لفحص جينومات المرضى بحثاً عن أي مخاطر صحية. فهو يتنبأ فقط بتأثير طفرة واحدة على جينوم بشري قياسي واحد.

وفي الواقع، يمتلك أي شخصين ملايين الاختلافات الجينية في حمضهما النووي. ولا يزال تقييم تأثير كل هذه الاختلافات في جسم المريض يتجاوز بكثير قدرات برنامج «ألفا جينوم» الصناعية. وأضاف الدكتور بولارد: «إنها مشكلة أصعب بكثير».

خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

أسرار وراثية جديدة وراء سرطاني الثدي والمبيض

علوم أسرار وراثية جديدة وراء سرطاني الثدي والمبيض

أسرار وراثية جديدة وراء سرطاني الثدي والمبيض

تفسّر حالات ظلت أسبابها مجهولة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا

شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا

ينشئ مسارات اتصال جاهزة مسبقاً بحيث تصبح الجينات المطلوبة مستعدة للعمل بسرعة وفي التوقيت المناسب عند الحاجة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال

جين غامض يكشف عن سبب اضطرابات نادرة لدى الأطفال

كشفت دراسة دولية جديدة عن سبب وراثي لم يكن معروفاً من قبل وراء مجموعة نادرة من الاضطرابات النمائية.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

تعطيل الآلاف منها واحداً تلو الآخر في الخلايا التائية البشرية لمراقبة تأثير كل جين على الخلية

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
يوميات الشرق كيف فكّكت تكنولوجيا الـ«DNA» لغز الابن الفرنسي السري لهتلر؟

كيف فكّكت تكنولوجيا الـ«DNA» لغز الابن الفرنسي السري لهتلر؟

يفند تحقيق تاريخي بالحمض النووي ادعاءات «ابن هتلر السرّي»، كاشفاً مأساة عائلة فرنسية عاشت وهم النسب للديكتاتور النازي.

كوثر وكيل (لندن)

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية
TT

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

كشفت دراسة أميركية آلية معقدة يستخدمها كوكب المشتري للتعامل مع الرياح الشمسية، تعتمد على مجموعة من موجات البلازما ومناطق الصدمة التي تساعد على إبطاء الجسيمات القادمة من الشمس قبل وصولها إلى الكوكب.

واعتمد الباحثون، بقيادة علماء فيزياء من جامعة أيوا، على بيانات جمعتها مركبة «جونو»، التابعة لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، وقدمت أدق رصد، حتى الآن، لموجة الصدمة القوسية المحيطة بالمشتري. ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Nature Communications».

والرياح الشمسية هي تدفق مستمر من الجسيمات المشحونة، مثل الإلكترونات والبروتونات، تنبعث من الغلاف الجوي الخارجي للشمس، وتنتشر عبر النظام الشمسي. ويمكن لهذه الجسيمات عالية الطاقة أن تتفاعل مع المجالات المغناطيسية للكواكب وتؤثر في بيئاتها الفضائية.

وعند المشتري، تتشكل موجة الصدمة القوسية عند الحد الفاصل بين الرياح الشمسية والمجال المغناطيسي للكوكب، وتعمل كحاجز يبطئ الرياح الشمسية ويغيّر اتجاهها ويبدد جزءاً من طاقتها قبل وصولها إلى الكوكب.

وأظهرت البيانات أن المشتري يستخدم موجات بلازمية ذات ترددات متعددة للتعامل مع قوة الرياح الشمسية. والبلازما غاز شديد السخونة تتكون فيه جسيمات مشحونة، مثل الإلكترونات والأيونات، يمكنها التفاعل مع المجالات الكهربائية والمغناطيسية.

ورصد الباحثون مجموعة متنوعة من الموجات عند موجة الصدمة القوسية، من بينها الموجات الصوتية الأيونية، وموجات مرتبطة بعدم استقرار حركة الإلكترونات، وموجات كهروستاتيكية منفردة.

وأظهرت بعض الموجات الصوتية الأيونية بنية تضم ترددات متعددة، وليس تردداً أساسياً واحداً، ما يشير إلى دورها في نقل الطاقة بين الموجات والجسيمات.

سلسلة صدمات صغيرة

كما وجد الباحثون أن المشتري يستخدم سلسلة من المناطق الصغيرة المعروفة باسم «الصدَمات الصغيرة» (shocklets)، تتفاعل مع الرياح الشمسية وتساعد على إبطائها قبل وصولها إلى موجة الصدمة القوسية الرئيسية.

ووفق الباحثين، يختلف ذلك عن الأرض، التي تعتمد بصورة أساسية على موجة الصدمة القوسية الرئيسية لإبطاء الرياح الشمسية وإعادة توجيهها حول الكوكب، إذ إن تأثير الرياح الشمسية على الأرض أقل قوة.

وتستند النتائج إلى بيانات جمعتها «جونو»، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، أثناء مرورها عبر منطقة موجة الصدمة القوسية للمشتري. وكان جهاز «Waves»، الموجود على متن المركبة، أساسياً في جمع هذه البيانات، إذ أتاح دراسة موجات البلازما بتفاصيل لم تكن متاحة من قبل.

وقبل «جونو»، تمكنت مركبات فضائية من رصد وجود موجة الصدمة عند الكواكب الخارجية، لكنها لم تتمكن من قياس التعقيد الكامل لموجات البلازما المرتبطة بها.

وتكشف البيانات أيضاً عن تفاعلات بين موجات البلازما والجسيمات المشحونة، يمكن أن تسهم في تحويل جزء من طاقة حركة الرياح الشمسية إلى حرارة وطاقة في الجسيمات.

وتساعد دراسة هذه التفاعلات على فهم الصدمات التي تحدث في البلازما الفضائية.

ويرى الباحثون أن أهمية النتائج تتجاوز فهم بيئة المشتري، إذ قد تساعد في تفسير كيفية تعامل الأجرام الفلكية مع تدفقات طاقة أكبر بكثير. وتحدث صدمات أكثر قوة حول أجرام مثل بقايا المستعرات العظمى، وهي البقايا الناتجة عن الانفجارات الهائلة التي تُنهي حياة بعض النجوم، ما يجعل موجة الصدمة عند المشتري مختبراً طبيعياً قريباً لدرس كيفية تحول طاقة التدفقات القوية إلى حرارة وجسيمات عالية الطاقة.


هل يمكنك الوثوق بإجابة الذكاء الاصطناعي عن سؤالك؟

هل يمكنك الوثوق بإجابة الذكاء الاصطناعي عن سؤالك؟
TT

هل يمكنك الوثوق بإجابة الذكاء الاصطناعي عن سؤالك؟

هل يمكنك الوثوق بإجابة الذكاء الاصطناعي عن سؤالك؟

طرحتُ أخيراً سؤالاً بسيطاً على محرك بحث «غوغل»: ما هو الحد الأقصى لوقت استخدام الشاشات بالنسبة للمراهقين؟ وبدلاً من عرض روابط لمواقع إلكترونية -كما دأب «غوغل» على فعله لسنوات عدّة- قدم لي المحرك إجابة مُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي. وذكر وكيل الذكاء الاصطناعي رقماً محدداً، ثم أضاف تفاصيل أكثر تعقيداً، مشيراً إلى أن جودة الوقت وتوازنه قد تكون أكثر أهمية من عدد الساعات، وأن مفهوم «الإفراط» في الوقت يعتمد على عوامل عدة تخص المراهق، مثل جودة النوم، وممارسة الرياضة، والمتطلبات الدراسية، والحالة المزاجية، كما كتب ليو إس. لو هو (*).

معايير تصنيف الإجابات

جربتُ بحثاً آخر: هل ينبغي لي تناول الأسبرين يومياً؟ في هذه المرة، قدمت لي إجابة الذكاء الاصطناعي معلومات طبية، وحذرتني من المخاطر المحتملة، وعرضت تقديم توجيهات أكثر تخصيصاً إذا ما زودت النظام بمعلومات عن عمري وتاريخي الطبي. كانت هذه إجابات جيدة، لكن ما أثار اهتمامي هو أنها كانت تنتمي إلى أنواع مختلفة من الإجابات.

لقد تركز الجدل حول إجابات الذكاء الاصطناعي على مسألة الدقة: هل أصاب النظام في إجابته؟ ورغم أهمية ذلك، فإن الدقة ليست سوى اختبار واحد؛ فكل نوع من الإجابات يتطلب من المستخدم تقييم جوانب مختلفة.

أجد أنه من المفيد تصنيف إجابات الذكاء الاصطناعي ضمن «تصنيف نوعي» (أو «طوبولوجيا») يشمل أربعة أنواع رئيسية: إجابات واقعية، وتفسيرية، وبنّاءة، واستراتيجية.

* الإجابة الواقعية (الوقائعية) factual answer. غالباً ما يمكن التحقق من صحة الادعاء الواقعي بمقارنته بمصدر موثوق.

* أما في الإجابة التفسيرية interpretive answer، فقد يكون التفسير دقيقاً، ومع ذلك فإنه قد يعكس خيارات معينة بشأن الأدلة التي تُعدّ مهمة.

* وبالنسبة للإجابة البنّاءة constructive answer (التي تقدم مقترحاً أو خطة عمل)، فقد تكون مبنية على منطق سليم، ومع ذلك تكون غير مناسبة للشخص المتلقي.

* وأخيراً، قد تكون الإجابة الاستراتيجية strategic answer مصاغة ببراعة فائقة ولكنها تفتقر إلى الصحة.

ومع ذلك، يقدم الذكاء الاصطناعي هذه الأنواع الأربعة من الإجابات جميعها بالأسلوب نفسه السلس والموثوق ظاهرياً؛ ما يجعل من السهل عدم ملاحظة الفروق الجوهرية بينها.

أعمل أميناً للمكتبات الجامعية وعميداً للمكتبات في جامعة فيرجينيا، حيث أقود مهمات على المستوى الوطني لتطوير كفاءات الذكاء الاصطناعي لدى العاملين في مجال المكتبات، كما أقدّم استشارات واسعة النطاق حول الثقافة والوعي بالذكاء الاصطناعي. وقد طرحتُ هذا التصنيف النوعي لأول مرة في دورية «The Journal of Academic Librarianship».

تفاصيل الإجابات وشروحها

تجدر الإشارة إلى أن هذه الفئات الأربع ليست قوالب جامدة ومنفصلة تماماً؛ إذ يمكن أن تعكس إجابة الذكاء الاصطناعي خصائص أكثر من نوع واحد في آن واحد. ومع ذلك، سأقوم فيما يلي بشرح كل نوع من أنواع الإجابات، وتقديم إرشادات تساعدك على تحديد ما إذا كانت الإجابة جاهزة للاستخدام أم أنها تتطلب مزيداً من البحث والتحقق.

أي نوع من الإجابات يقدمه لك «غوغل»؟

* تطرح الإجابة الواقعية ادعاءً يمكن -من حيث المبدأ- التحقق من صحته بالرجوع إلى الأدلة. مثال: متى تأسست جامعة فيرجينيا؟ ما هو الرمز الكيميائي للذهب؟ للتأكد من أن الإجابة الواقعية موثوقة بما يكفي للاعتماد عليها، تحقق من صحة المعلومة بالرجوع إلى مصدر مناسب. وإذا كانت الإجابة تورد مصدراً، فقم بزيارة ذلك الرابط بدلاً من الاكتفاء بعَدّ الإجابة نفسها دليلاً قاطعاً.

التفسير والتحليل والاستنتاجات المحددة

* تستند الإجابة القائمة على التفسير والتحليل إلى أدلة، لكنها لا تفضي بالضرورة إلى استنتاج واحد محدد. فمثلاً، ما هو الحد الأقصى المناسب لوقت استخدام المراهقين للشاشات؟ وهل يزيد العمل عن بُعد من الإنتاجية؟ تعتمد الإجابة على الأدلة المُدرجة وتلك المُستبعدة، وكذلك على كيفية فهم وجهات النظر المتباينة.

أشارت إجابة «غوغل» الأولية عن سؤالي المتعلق بوقت استخدام الشاشات إلى أن ساعتين تُعدان حداً أقصى للمراهقين. ثم أوضحت أن التوجيهات الطبية الخاصة بالأطفال تولي اهتماماً أكبر لجودة استخدام الشاشات وسياقه، وليس لمجرد عدد الساعات. وتؤكد الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال عدم وجود قدر محدد موصى به للمراهقين، مشددةً بدلاً من ذلك على طبيعة استخدام الشاشات والأنشطة التي قد تحل هذه الشاشات محلها. وهكذا تبيّن أن السؤال الذي بدا في ظاهره يتطلب إجابة بالأرقام، كان يستلزم في الواقع تفسيراً وتحليلاً.

لذا؛ وعند تقييم الإجابات التي تتطلب تفسيراً أو تحليلاً، لا تكتفِ بالتحقق من الحقائق فحسب، بل اسأل نفسك: ما الأدلة التي ركّز عليها النظام الذكي؟ وما الذي أغفله؟ وهل ثمة تفسير آخر وجيه؟ ومن الأسئلة التكميلية المفيدة التي يمكنك طرحها على محرك البحث: «ما هي أقوى الأدلة التي تدعم استنتاجاً مختلفاً؟».

الإجابات البنَّاءة... قد تكون بلا روح

* تُصاغ الإجابات البنّاءة ولا تُكتشف جاهزة، فعندما تطلب من الذكاء الاصطناعي صياغة مسودة خطاب، أو كتابة كلمة تأبين، أو اقتراح خطة درس، أو إعادة ترتيب فقرة ما، فلن تكون هناك نتيجة واحدة صحيحة ومحددة سلفاً.

يمكنك تقييم الرد من خلال النظر في الغرض منه، والجمهور المستهدف، ونبرة الصوت المستخدمة. فقد تكون كلمة التأبين سليمة لغوياً ونحوياً تماماً، لكنها لا تعكس شخصية المتحدث إطلاقاً، أو قد لا تلامس مشاعر أفراد الأسرة الحاضرين، أو ربما تفشل في تصوير شخصية المتوفى بشكل دقيق. لذا؛ ضع هذه الجوانب وتأثيراتها في الحسبان أثناء القراءة.

الإجابات الاستراتيجية... تقدير حجم المخاطر المترتبة

* تتمحور الأسئلة الاستراتيجية حول اتخاذ القرارات والإجراءات؛ مثل: «هل ينبغي لي تناول الأسبرين يومياً؟» أو «هل عليّ شراء هذا المنزل؟» وتجمع الإجابات في هذه الحالة بين المعلومات والتقدير الشخصي للأهداف والمخاطر والمفاضلات والظروف الخاصة.

يوضح بحثي عن الأسبرين أهمية السياق، فقد حذّرني «غوغل» من المخاطر، ونصحني باستشارة مختص طبي، وعرض تقديم معلومات أكثر تخصيصاً إذا زودته ببيانات عن عمري وتاريخي المرضي المتعلق بالقلب والأوعية الدموية ومخاطر النزيف. وتتوافق هذه التحذيرات مع توجيهات «فرقة العمل المعنية بالخدمات الوقائية في الولايات المتحدة»، التي تنص على أن قرار البدء في تناول جرعة منخفضة من الأسبرين للوقاية من النوبات القلبية والسكتات الدماغية يجب أن يُتخذ بشكل فردي، مع الموازنة بين الفوائد القلبية الوعائية ومخاطر النزيف.

عند البحث عن إجابات استراتيجية، اسأل عما يحتاج النظام إلى معرفته لكي تكون نصيحته قابلة للتطبيق عليك شخصياً بشكل معقول. وفكّر في حجم المخاطر المترتبة، والبدائل المتاحة، وما إذا كان ينبغي إشراك مختص مؤهل في الأمر. وبالعودة لمثال الأسبرين، سيكون من المفيد طرح سؤال تكميلي مثل: «ما هي التفاصيل المتعلقة بعمري أو تاريخي الطبي أو مخاطر النزيف التي قد تغير هذه النصيحة؟ وما الذي ينبغي عليّ مناقشته مع طبيبي قبل اتخاذ القرار؟». يظل القرار النهائي بيدك أنت؛ لأنك الشخص الذي سيتعين عليه التعايش مع النتيجة.

حدّد نوع الإجابة... وهل أنت مقتنع بها؟

بدأت أسئلتي كعمليات بحث عادية على «غوغل». وكانت الردود مفيدة؛ إذ أضاف «غوغل» سياقاً للمعلومات، وأقرّ بوجود تعقيدات، وعرض تقديم توجيهات مخصصة إذا قدمتُ معلومات إضافية. ومع ذلك، كان نوع الإجابة يتغير أحياناً داخل الرد الواحد؛ إذ يختلف نقل ما تنص عليه المبادئ التوجيهية الطبية حول تحديد كيفية تطبيقها على شخص بعينه. وبذا يمكن للرد السلس أن ينتقل بين هذين النوعين من الإجابات.

بصفتك مستخدماً، حاول أن تدرك طبيعة الجهد الفكري الذي بذله وكيل الذكاء الاصطناعي لصياغة الرد الذي تلقيته، وفكّر فيما إذا كان التفسير مقنعاً أو ما إذا كانت النصيحة ملائمة لظروفك.

وقبل التساؤل عما إذا كانت إجابة الذكاء الاصطناعي صحيحة، اطرح سؤالاً أكثر جوهرية: ما نوع هذه الإجابة؟ فمعرفة النوع ستحدد لك الخطوة التالية.

* عميد المكتبات في جامعة فيرجينيا - مجلة «فاست كومباني»


برنامجان طبيان سعوديان بالذكاء الاصطناعي للكشف المبكر عن اعتلال الشبكية السكري وتحليل الأشعة السينية

من 2019 إلى 2026... إصدارات «سدايا» توثق تطور المعرفة والأطر الوطنية للذكاء الاصطناعي في المملكة (الشرق الأوسط)
من 2019 إلى 2026... إصدارات «سدايا» توثق تطور المعرفة والأطر الوطنية للذكاء الاصطناعي في المملكة (الشرق الأوسط)
TT

برنامجان طبيان سعوديان بالذكاء الاصطناعي للكشف المبكر عن اعتلال الشبكية السكري وتحليل الأشعة السينية

من 2019 إلى 2026... إصدارات «سدايا» توثق تطور المعرفة والأطر الوطنية للذكاء الاصطناعي في المملكة (الشرق الأوسط)
من 2019 إلى 2026... إصدارات «سدايا» توثق تطور المعرفة والأطر الوطنية للذكاء الاصطناعي في المملكة (الشرق الأوسط)

على أغلفة مجموعة من الإصدارات السعودية المتخصصة في البيانات والذكاء الاصطناعي، تتابع السنوات حتى تصل إلى «2026»؛ العام الذي اختارت المملكة أن تجعله «عام الذكاء الاصطناعي». لكن اللافت ليس تراكم الإصدارات وحده، بل تطور الأسئلة التي تطرحها: كيف ندير أخطار الذكاء الاصطناعي؟ وكيف نكتشف تحيزه؟ وكيف نحول الابتكار إلى تقنية يمكن استخدامها بثقة؟

برنامجان طبيان سعوديان بالذكاء الاصطناعي

في القطاع الصحي بدأت الإجابة تنتقل من الورق إلى العيادة؛ فقبل أيام من اليوم الوطني السعودي، منحت الهيئة العامة للغذاء والدواء إذن التسويق لبرنامجين طبيين مطورين محلياً ومدعومين بالذكاء الاصطناعي؛ أحدهما لتحليل الأشعة السنية، والآخر للمساعدة في الكشف المبكر عن اعتلال الشبكية السكري.

ومن الإصدارات والأطر إلى الاختبار والترخيص، ثم إلى المستشفى والمريض، تتشكل قصة مختلفة للذكاء الاصطناعي في المملكة: لم يعد السؤال فقط ماذا تستطيع التقنية أن تفعل، بل: كيف تنتقل من المعرفة إلى ممارسة صحية حقيقية؟

من الخوارزمية إلى العيادة... برنامجان طبيان سعوديان مدعومان بالذكاء الاصطناعي يحصلان على إذن التسويق (الهيئة العامة للغذاء والدواء)

معرفة تسبق التطبيق

في «عام الذكاء الاصطناعي 2026»، لا تقتصر القصة على تطبيقات جديدة؛ فهناك أيضاً محاولة لبناء المعرفة التي تسبق استخدامها. وقد أضافت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) إلى مكتبتها مجموعة من الإصدارات التي تنقل النقاش من سؤال: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ إلى سؤال أكثر صعوبة: كيف نستخدمه ونضبط مخاطره؟

في أبريل (نيسان) الماضي، صدر «الإطار الوطني لإدارة أخطار الذكاء الاصطناعي»، مقدماً منهجية لتحديد المخاطر، وتقييمها ومعالجتها ومراقبتها. وتبعه في مايو (أيار) «الدليل المرجعي لتحيز الذكاء الاصطناعي»، الذي يرصد أكثر من مائة نوع من التحيز المحتمل وسبل الحد منه. كما تناولت إصدارات أخرى تبني الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وهندسة الأوامر واستخدام التقنية في الإعلام.

وتأتي هذه الحركة ضمن نمو بحثي أوسع؛ إذ تشير بيانات «سدايا» إلى متوسط نمو سنوي بلغ 38.52 في المائة في المنشورات العلمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بين عامي 2020 و2025. لكن الاختبار الحقيقي للمعرفة يبدأ عندما تغادر صفحات الأدلة وتدخل بيئة الاستخدام الفعلي من الخوارزمية إلى العيادة.

في 10 سبتمبر (أيلول)، أعلنت «الغذاء والدواء» منح الإذن التسويقي لبرنامجَي «Dental IQ» و«SAARIA»، وهما برنامجان طبيان مدعومان بالذكاء الاصطناعي ومطوران محلياً.

يستخدم الأول التعلم العميق لتحليل الأشعة السنية والمساعدة في رصد مؤشرات تشمل تسوس الأسنان وأمراض اللثة والتغيرات في الأنسجة الداعمة. أما الثاني فيحلل صور قاع العين لدعم فحص مرضى السكري والكشف المبكر عن اعتلال الشبكية السكري.

لكن الأكثر أهمية علمياً هو الطريق الذي سبق وصولهما إلى السوق؛ فالهيئة تشير إلى مراجعة الملفات الفنية والأدلة السريرية للتحقق من السلامة والأداء والفاعلية للاستخدام المقصود. وهنا يتغير السؤال من: هل تستطيع الخوارزمية التشخيص؟ إلى سؤال أكثر صعوبة: هل أثبتنا أنها تستطيع أداء المهمة المطلوبة بأمان عندما تقترب من المريض؟

من الجراحة الروبوتية إلى التدخل عن بُعد... التقنية تعيد رسم حدود المكان في الرعاية الصحية (وكالة الأنباء السعودية «واس»)

342 فكرة... و25 اجتازت الاختبار

تشجيع الابتكار لا يعني أن كل فكرة ينبغي أن تنتقل مباشرة إلى المريض. ولهذا توفر البيئة التجريبية التنظيمية «Sandbox» التابعة لوزارة الصحة مساحة لاختبار حلول تشمل الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والتقنيات الحيوية والطباعة ثلاثية الأبعاد، مع إرشاد فني وتنظيمي قبل التوسع في استخدامها.

وفي يوليو (تموز) 2026، أعلنت الوزارة أن المبادرة دعمت 342 حلاً ابتكارياً، فيما «تخرج» 25 حلاً بعد استكمال مراحل الاختبار والتحقق في البيئة التجريبية. والرقمان يكشفان جانباً مهماً من رحلة الابتكار الطبي: بين الفكرة ووصول التقنية إلى الاستخدام الفعلي، توجد مرحلة لا تقل أهمية عن الابتكار نفسه؛ مرحلة الاختبار والتحقق ومعرفة حدود ما تستطيع التقنية أن تفعله.

حين تتجاوز الخبرة الطبية المكان

في نهاية رحلة التقنية هناك المريض؛ فقد أصبح مستشفى صحة الافتراضي مرتبطاً بأكثر من 242 مستشفى، ويقدم خدمات في 48 تخصصاً رئيسياً و68 تخصصاً فرعياً، بطاقة تشغيلية سنوية تتجاوز 597 ألف مستفيد.

لكن تجاوز المسافة لم يعد مقتصراً على الاستشارة؛ ففي أغسطس (آب) 2026، أعلن المستشفى إجراء 11 عملية جراحية روبوتية متتالية عن بُعد، شملت تخصصات عدة؛ بينها استئصال فص رئوي وصفته وزارة الصحة بأنه الثاني عالمياً من نوعه.

وسبقت العمليات اختبارات ومحاكاة سريرية وتقنية وتدريبية، ضمن «البروتوكول السعودي للعمليات الجراحية عن بُعد». وهنا يتغير معنى المسافة في الطب: فلا تنتقل البيانات والصور عبر الشبكة فحسب، بل يمكن أن تنتقل الخبرة الجراحية نفسها إلى حيث يوجد المريض.

التقنية ليست النتيجة

ومع ذلك، يبقى هناك فارق بين امتلاك التكنولوجيا وتحسين صحة الإنسان؛ فتقرير تحول القطاع الصحي لعام 2025 يشير إلى وصول تغطية خدمات الرعاية الصحية الأساسية إلى 97.5 في المائة من التجمعات السكانية، فيما تجاوز مستخدمو تطبيق «صحتي» 31 مليوناً. ولا يمكن نسب هذه النتائج إلى الذكاء الاصطناعي وحده؛ فهي حصيلة تحول صحي أوسع، لكنها تضع التقنية في موقعها الصحيح: وسيلة وليست غاية.

فالاختبار الحقيقي للذكاء الاصطناعي الصحي ليس عدد الخوارزميات والروبوتات، بل أثرها: هل تساعد في اكتشاف المرض أبكر؟ وهل توصل الخبرة إلى مكان أبعد؟ وهل تحسن جودة الرعاية وسلامة المريض؟

من المعرفة إلى المريض

في اليوم الوطني السعودي، ربما تكمن القصة الأهم في اتصال هذه الحلقات: إصدارات تضع منهجيات لإدارة المخاطر والتحيز، وبيئات تجريبية تختبر الحلول، وهيئة تنظيمية تراجع الأدلة قبل التسويق، ثم مستشفى افتراضي ينقل الخبرة الطبية والجراحية عبر المسافات.

ولا يعني ذلك أن تحديات الذكاء الاصطناعي الصحي قد حُلّت؛ فكلما اقتربت الخوارزمية من المريض، ازدادت الحاجة إلى اختبار أدائها في العالم الحقيقي، ومراقبته بمرور الوقت، والإبقاء على قدرة الطبيب على التدخل عندما تستدعي الحالة ذلك.

لكن السؤال يتغير؛ فبعد سنوات سألنا فيها: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ يبرز اليوم سؤال أكثر أهمية: ماذا يحدث عندما نضع هذه القدرة داخل نظام صحي حقيقي، ونطلب منها أن تُحدث فرقاً في حياة مريض حقيقي؟

بين المعرفة والاختبار والتنظيم والعيادة، ربما هنا تبدأ المرحلة التالية من قصة الذكاء الاصطناعي الصحي في المملكة.