تخيل دجاجة تتكلم... أو حمامة تغني بصوت يُضاهي أجمل الطيور المغردة... صحيح أن العالم ربما لا يحتاج إلى دجاجات ثرثارة أو حمامات تُغرد. لكن، لماذا تتعلم بعض الطيور تكوين مخزون صوتي واسع في حين تعجز أخرى عن ذلك، لطالما كان هذا محور بحث لعالم الأحياء العصبية إريك د. جارفيس. ويقول جارفيس، مدير مختبر علم الوراثة العصبية للغة في جامعة روكفلر بنيويورك: «التعلم الصوتي، تماماً كاللغة المنطوقة نفسها، سمة نادرة».
هندسة جينية للأصوات
يدرس جارفيس مجموعة صغيرة من الأنواع الحية القادرة على الكلام، مع التركيز على الطيور والفئران، وقد طال أمله في هندسة حيوان وراثياً قادر على إصدار أصوات بطرق جديدة. إذ إن إدخال جينات مُعدلة إلى دماغ طائر أو فأر لا يُصدر أصواتاً- قد يُتيح له هذه القدرة ويُقدم أدلة جديدة حول أصول الكلام. وقد يُسهم هذا الاكتشاف يوماً ما في إيجاد علاجات للأشخاص الذين يعانون مشاكل في النطق أو اضطرابات دماغية.

الطيور المغرّدة تنتج خلايا عصبية جديدة كل ربيع
لم يبدأ جارفيس، البالغ من العمر 60 عاماً، مسيرته المهنية في الهندسة العصبية. فقد كان يطمح في السابق إلى أن يصبح راقصاً محترفاً، عندما بدأ يتساءل عن كيفية قدرة الدماغ على ابتكار حركات الرقص. ثم كان مرشده في جامعة روكفلر هو فرناندو نوتيبوم، الباحث الذي اكتشف في أوائل ثمانينات القرن الماضي أن أدمغة الطيور المغردة تُنتج خلايا عصبية جديدة كل ربيع لتمكينها من التغريد. وقد أدى هذا الفهم الثوري لتكوين الخلايا العصبية إلى اكتشافات أخرى تُفيد بأن جميع الأدمغة، بما في ذلك أدمغة البشر، تُنمي خلايا عصبية جديدة طوال الحياة. وحتى ذلك الحين، كان من المُسلّم به علمياً أن الإنسان يولد بعدد ثابت من هذه الخلايا.
من عام 2002 إلى عام 2005، أسهم جارفيس في قيادة «اتحاد وضع الأسماء لأدمغة الطيور»، وهو مشروع أعاد تسمية مناطق دماغ الطيور لإظهار مدى تعقيده. وقد دحض هذا البحث استخدام مصطلح «دماغ الطائر» على سبيل الازدراء.
في العام نفسه، فاز بجائزة «آلان تي. ووترمان»، ثم فاز بجائزة الرواد من مدير المعاهد الوطنية للصحة بعد ثلاث سنوات.

مشروع «سفينة الجينوم»
قادت جهود جارفيس في فهم تغريد الطيور إلى مشاريع أخرى، من بينها مشاريع تعمل على تجميعات جينومية عالية الجودة - وهي خرائط تُمكّن الباحثين من تحديد الجينات المرتبطة بالصفات المختلفة. وبناءً على ذلك؛ عُيّن رئيساً لمشروع جينومات الفقاريات، وهو جهد عالمي لتسلسل جينومات 70 ألف نوع من الفقاريات.
جينومات 10500 نوع من الطيور
تضمن المشروع إنشاء «سفينة الجينوم»، وهي قاعدة بيانات مرجعية للبحث والحفظ، وخاصة للأنواع المهددة بالانقراض. أوشكت المرحلة الأولى من مشروع تسلسل الجينات، التي شملت 260 نوعاً، على الانتهاء. ويعمل جارفيس أيضاً على تسلسل جينومات جميع أنواع الطيور، التي يبلغ عددها نحو 10500 نوع.
مكوّنات التعلّم الصوتي
ويشمل هذا العمل تحليل أصغر مكونات التعلم الصوتي. وقد أعلن جارفيس وزميله الباحث روبرت ب. دارنيل، من جامعة روكفلر أيضاً، في فبراير (شباط) 2025، عن اكتشافهما حمضاً أمينياً في جين واحد يُحتمل أن يكون قد أسهم في تطور اللغة البشرية المعقدة.
وقال دارنيل إن استبدال جين مُعدَّل في فأر «غيّر طريقة تواصل الفئران فيما بينها». وأضاف: «أصبحت صغار الفئران تنادي أمهاتها بطرق مختلفة، كما أن ذكور الفئران التي تسعى لجذب الإناث للتزاوج حاولت لفت انتباهها بأصوات مُعدَّلة».
أدمغة اللبائن والطيور
انحدرت أدمغة اللبائن (الثدييات)، والطيور من دماغ أصلي واحد قبل أن يحدث تباين بينهما منذ أكثر من 320 مليون سنة. ومنذ ذلك الحين، سلكت مسارات تطورية منفصلة، وأصبحت تبدو الآن مختلفة تماماً: إذ يُشبه تركيب أدمغة البشر كعكة متعددة الطبقات، بينما تُشبه أدمغة الطيور كعكة الفواكه. مع ذلك، تتشابه بعض المناطق بشكل ملحوظ، بما في ذلك تلك التي تحتوي على آليات تعلم الصوت. يُطلق على اكتساب سمات متشابهة بشكل مستقل اسم التطور التقاربي. يقول جارفيس: «إذا درسنا هذا التقارب ووجدنا أوجه التشابه، فسيمكننا ذلك من فهم الكلام البشري من خلال دراسة هذه الطيور».
فئران «مغردة»
وقد طرح مات بيغلر، الباحث ما بعد الدكتوراه في مختبر جارفيس، بعض الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات: «ما هي أصول الكلام؟ كيف تطور؟ لماذا تطور؟ وما هي الآليات التي تُتيح حدوثه؟». ولتحقيق هذه الغاية، تمكن جارفيس وزملاؤه أيضاً من هندسة مسار صوتي جديد في فأر، كما هو موثق في ورقة بحثية نشرها المختبر. قال: «لقد تمكّنا من تغيير نمط التعبير الجيني لهذا الجين في دماغ الفأر، وجعله أقرب إلى النمط البشري وأقرب إلى نمط تغريد الطيور. تُغرّد هذه الفئران بتنوع أكبر في النغمات».
فهم اضطرابات التواصل والتأتأة
وأضاف مات دافنبورت: «الهدف هو نقل هذه القدرة إلى أنواع لا تمتلكها. هذا يفتح آفاقاً جديدةً واعدةً، حيث يمكن هندسة الصفات العليا. كما يمنحنا رؤى جديدة حول اضطرابات التواصل والتوحد والتأتأة».
تُعدّ طيور الزيبرا البرتقالية والرمادية، التي تُربّى في الأسر، من أنواع الطيور المُفضّلة لهذا النوع من الأبحاث؛ نظراً لتشابه شبكاتها العصبية بشكل لافت مع شبكات البشر. لكن المختبر درس أيضاً أدمغة الطيور البرية. واعتاد جارفيس على استدراج الطيور الطنانة إلى معلف باستخدام الماء المُحلّى. قال: «ستجد الطيور مصدر الغذاء، وفي الصباح، كجزء من جوقة الفجر، ستُغرّد بجانبه» لتحديد منطقتها. (وتسمى طيور الزيبرا zebra finches طيور «تينيوبيجيا» وهي جنس من الطيور الجواثم الصغيرة في عائلة شمعية المنقار، وتحتوي على نوعيين ينحدر كلاهما من أستراليا-ويكيبيديا).
مادة الدماغ المسؤولة عن اللحن
يُفعّل اللحن جزيئاً ناقلاً. ولو أُزيل الدماغ وفُحص بسرعة كافية، في غضون نصف ساعة، لتمكّن جارفيس من تحديد المادة الكيميائية المسؤولة عن اللحن. وقال إنّ فهماً أفضل لدوائر التعلّم الصوتي يحمل في طياته وعوداً كبيرة، مضيفاً أنّ الأمر يستحق التضحية ببعض الطيور.
وأوضح جارفيس: «إذا استطعنا فهم ذلك في الطيور، فسنتمكّن من معرفة كيفية إصلاح الدوائر المتضررة في حالات السكتة الدماغية والصدمات لدى البشر». ربما يكون من الممكن استقراء هذه النتائج للمساعدة في اكتشاف أدوية جديدة تُساعد الناس على استعادة النطق بعد السكتة الدماغية، على سبيل المثال، أو التوصل إلى علاج للتأتأة، وهي حالة دماغية تُصيب بعض الطيور أيضاً.
* خدمة «نيويورك تايمز»





