الأولوية للإنسان المبدع... عند اختيار مهمات الذكاء الاصطناعي

وضع أطر عمل تمنع الإرهاق المعرفي عندما يكون كل شيء مُمكناً تقنيّاً

الأولوية للإنسان المبدع... عند اختيار مهمات الذكاء الاصطناعي
TT

الأولوية للإنسان المبدع... عند اختيار مهمات الذكاء الاصطناعي

الأولوية للإنسان المبدع... عند اختيار مهمات الذكاء الاصطناعي

نشهد اليوم طفرة غير مسبوقة في القدرات الإبداعية؛ إذ تُزيل الواجهات الصوتية الحواجز أمام مليارات الأشخاص الذين يجدون لوحات المفاتيح مُرهقة، بينما تستطيع مولدات الصور المدعومة بالذكاء الاصطناعي محاكاة أي توجُّه إبداعي تقريباً على الفور. وهكذا تتلاشى القيود التقنية التي كانت تُحدد العمل الإبداعي، كما كتب كاميرون آدامز(*).

ومع ذلك، تُثير هذه الوفرة تحدياً جديداً: عندما يصبح كل شيء ممكناً، تُصبح الاحتمالات مُربكة. عندها، تكمن القيمة الحقيقية في معرفة ما يستحق الصنع والتنفيذ.. وما لا يستحق.

وأتوقع أنه في عام 2026، سيُصبح السؤال: «هل يجب أن نبني هذا؟» أكثر أهمية من السؤال «هل نستطيع بناء هذا؟».

فائض القدرات

يدور نقاش الذكاء الاصطناعي حول القدرات؛ ما يُمكنك صنعه. سرعة إنجازه. ما هو مُمكن الآن. لكن ثمة فجوة تتسع بين ما يُمكننا ابتكاره وما ينبغي علينا ابتكاره.

يكشف تقرير ماكينزي لحالة الذكاء الاصطناعي الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 عن مفارقة لافتة: 88 في المائة من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي حالياً في وظيفة تجارية واحدة على الأقل، ومع ذلك، فإن نسبة 39 في المائة فقط تُبلغ عن تأثيره المالي على مستوى المؤسسة. إنها تُحقق قيمة في حالات استخدام مُحددة، لكنها تُعاني في ترجمة ذلك إلى نمو طويل الأجل أو تحسين هوامش الربح.

الخلل يكمن في معرفة المواضع التي يمكن فيها تطبيقه، وكيفية إنشاء إطار عمل يُمكّنه من إحداث تأثير فعلي.

المهارات التي يُمكن للجميع صقلها في عام 2026

يُتيح هذا التحوّل فرصة حقيقية لكل مُبدع، ومُحترف، وكل من يهتم بتطوير مهاراته وتوسيع نطاق تأثيره.

عندما يُصبح التنفيذ الإبداعي مُتاحاً للجميع، تبرز ثلاثة عوامل مهمة:

البدء بطرح أسئلة أفضل: «كيف يُمكننا تحقيق أكبر تأثير؟ ما القرارات التي يجب أن تبقى بيد الإنسان؟ أين تُؤدي الأتمتة إلى الهشاشة؟». هذه ليست قيوداً، بل أُطر عمل تمنع الإرهاق المعرفي عندما يكون كل شيء مُمكناً تقنياً.

• تطوير الذوق من خلال التكرار: كما حدث مع الآلات الحاسبة، فإنها لم تُلغِ الحاجة إلى الفهم الرياضي. وكذلك فإن الذكاء الاصطناعي لا يُلغي الحاجة إلى الأسس الإبداعية. ولكن ما يتغير هو أن القدرة على التكرار السريع باستخدام الذكاء الاصطناعي تُسرّع في الواقع من تطوير الذوق. ستحصل على المزيد من المحاولات، ودورات تغذية راجعة أكثر دقة، وتعلّم أسرع. أنت تُنمّي أحكامك من خلال اتخاذ المزيد من القرارات، لا أقل.

• تحديد موعد النشر والمشاركة: عندما يستطيع الذكاء الاصطناعي توليد عدد لا يُحصى من التنويعات فوراً، يصبح الضغط على زر مشاركة شيء ما مع شخص ما هو الفعل الإبداعي الأساسي. إن ما تُرسله، ومتى تُرسله، ومَن يتسلمه قرارات تشكل هويتك ورسالتك بطرق لا يستطيع التوليد وحده، تحقيقها.

الأدوات والمنصات الشركاء في الإبداع

إذا كانت معرفة ما يجب صنعه هي المهارة الجديدة، فإن الأدوات التي تُساعدنا على تطوير هذه المهارة لن تكون مجرد أدوات مُطيعة؛ إذ إن أدوات الذكاء الاصطناعي الأكثر قيمة لن تكون تلك التي تُنفّذ رؤيتك فحسب، بل تلك التي تعمل شركاء في الإبداع. أتوقع ظهور أدوات تُوفّر القدر المناسب من التحدي لدفع أفكارك الإبداعية قُدُماً.

سيتغير دور المنصات الإبداعية من مجرد توفير الإمكانيات إلى توفيرها مع دعمٍ مُدمجٍ في المنتج نفسه. وهذا يعني:

أدوات تُحفّز التفكير الإبداعي بدلاً من مجرد تنفيذ الأفكار

• واجهات تُدرك متى تتوقف عن الإزعاج بدلاً من المقاطعة المستمرة (إشعارات أقل، قرارات أقل، مقاطعات أقل)

• ميزات تُساعد المستخدمين على فهم سبب نجاح خيارٍ ما، وليس مجرد نجاحه

الطيف الإبداعي الجديد: إنساني واصطناعي وهجين.

نتجه الآن نحو أنماط إبداعية متعددة وفعّالة: إبداع بشري خالص، إبداع ذكاء اصطناعي خالص، إبداع ذكاء اصطناعي مُدمج مع إبداع بشري (أحياناً مُعلن، وأحياناً خفيّ). وبدلاً من هيمنة نهجٍ واحد، سيُنتج هذا الطيف أنواعاً مختلفة من الأعمال ونقاشاتٍ مُختلفة حول الإبداع. سنرى إعلانات «غير مُصمَّمة باستخدام الذكاء الاصطناعي» تتعايش مع دمج الذكاء الاصطناعي في الخفاء بوصفه ممارسة قياسية.

يعكس هذا توسعاً في الإمكانيات. سيتمكن عددٌ أكبر من الناس من الوصول إلى الأدوات الإبداعية أكثر من أي وقتٍ مضى. السؤال هو: هل سيُطورون القدرة على استخدامها بشكلٍ جيد؟

جوهر الذكاء الاصطناعي يكافئ مطوري مهارات التفكير النقدي

كيف يبدو النجاح الآن؟ لا يكمن التفاؤل في عام 2026 بأن يجعل الذكاء الاصطناعي الإبداع سهلاً. يكمن جوهر الذكاء الاصطناعي في إتاحة الإبداع للجميع، ثم مكافأة مَن يطورون مهارات التفكير النقدي ضمن هذا النطاق.

يتمتع مليارات الأشخاص اليوم بإمكانية الوصول إلى أدوات إبداعية احترافية؛ فهل سنغرق في فيديوهات التزييف العميق للمشاهير، أم سنشهد ظهور جيل جديد من الفنانين المعاصرين؟ يعتمد هذا على مدى جودة دمجنا «أطر التفكير النقدي» في أدوات الذكاء الاصطناعي التي نستخدمها وفي أساليب عملنا. علينا استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بحكمة، ولكننا نحتاج أيضاً إلى محاسبة أنفسنا على التفكير العميق قبل النشر.

أكثر المهنيين المطلوبين للعمل

سيكون الطلب أكثر على المحترفين القادرين على إعادة صياغة الأسئلة المعقدة، وتفنيد الافتراضات الخاطئة، وتحديد ما لا يحتاج إلى تحسين. لماذا؟ لأنه عندما تتوفر للجميع أدوات توليد المحتوى ذاتها، يرتفع مستوى جودة المخرجات، ولكن يزداد أيضاً حجم الأعمال المتوسطة التي تبدو احترافية، ولكنها تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية.

نشهد بالفعل عواقب الاعتماد على القدرات دون تمييز: حملات تسويقية مصقولة تقنياً ولكنها غير متماسكة استراتيجياً، وتصاميم تتبع الصيحات دون تلبية احتياجات المستخدمين، وبرمجيات تعمل ولكنها تُراكم ديوناً تقنية.

حملات إعلانية «ذكية بلا روح»

كانت حملة «كوكاكولا» لموسم الأعياد لعام 2024، التي تم إنشاؤها باستخدام الذكاء الاصطناعي، مصقولة تقنياً، ولكنها بدت «خالية من الروح» للجمهور الذي توقع دفء العلامة التجارية المعهود، بينما تم سحب إعلان «ماكدونالدز» في هولندا، الذي تم إنشاؤه باستخدام الذكاء الاصطناعي، بعد ثلاثة أيام فقط من إطلاقه، إثر ردود فعل غاضبة.

وفي مجال البرمجة، وجد تحليلGitClear» » لعام 2024 لـ211 ​​مليون سطر، أن كتل التعليمات البرمجية المنسوخة والملصقة زادت ثمانية أضعاف؛ ما أدى إلى توليد تعليمات برمجية تعمل ولكنها تُراكم «ديوناً تقنية» لتُسبب مشاكل مستقبلية.

مبدعون فائزون

الفائزون في هذا المشهد الجديد - سواء أكانوا مبدعين أو منصات - هم مَن يستطيعون تمييز ما هو مهم وسط الزحام.. مَن يطورون المهارة البشرية لمعرفة المشكلات الجديرة بالحل.. من يدركون أن الإمكانيات غير المحدودة لا تعني بالضرورة أن كل إمكانية قيّمة. يتحول معيار التنافس من «أستطيع فعل هذا» إلى «أعلم أن هذا يستحق العناء».

* مجلة «فاست كومباني»



روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة
TT

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

كشفت دراسة جديدة أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم للمستخدمين نصائح طبية خاطئة في نحو نصف الحالات، ما يسلط الضوء على المخاطر الصحية لهذه التقنية التي باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.

تقييم 5 نماذج ذكية

وأجرى باحثون من الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة تقييماً لـ5 منصات شائعة: «تشات جي بي تي»، و«جيميناي»، و«ميتا إيه آي»، و«غروك»، و«ديب سيك» من خلال طرح 10 أسئلة على كل منها، ضمن 5 فئات صحية.

نصف الإجابات خاطئة

ووفقاً للنتائج المنشورة هذا الأسبوع في المجلة الطبية «BMJ Open»، اعتُبر نحو 50 في المائة من إجمالي الإجابات خاطئاً، بما في ذلك ما يقرب من 20 في المائة كانت إجابات خاطئة للغاية، وفقاً لتقرير نشرته وكالة «بلومبرغ».

وأظهرت الدراسة أن أداء روبوتات الدردشة كان أفضل نسبياً في الإجابة عن الأسئلة المغلقة، والأسئلة المتعلقة باللقاحات والسرطان، بينما كان أداؤها أسوأ في الإجابة عن الأسئلة المفتوحة وفي مجالات مثل الخلايا الجذعية والتغذية.

إجابات بثقة... من دون مراجع

أفاد الباحثون بأن الإجابات كانت تُقدَّم غالباً بثقة ويقين، مع أن أياً من برامج الدردشة الآلية لم يُقدِّم قائمة مراجع كاملة ودقيقة استجابةً لأي سؤال. ولم يُسجَّل سوى رفضين للإجابة عن سؤال، وكلاهما من نموذج «ميتا».

افتقار النماذج للخبرة الطبية

تُسلِّط هذه النتائج الضوء على القلق المتزايد بشأن كيفية استخدام الناس لمنصات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي لا تملك ترخيصاً لتقديم المشورة الطبية، وتفتقر إلى الخبرة السريرية اللازمة للتشخيص.

200 مليون يستشيرون «الطبيب جي بي تي» أسبوعياً

وقد أدى النمو الهائل لبرامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي إلى تحويلها لأداة شائعة للأشخاص الذين يبحثون عن إرشادات بشأن أمراضهم. وصرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأن أكثر من 200 مليون شخص يطرحون أسئلة حول الصحة والعافية على منصة «تشات جي بي تي» أسبوعياً.

وكانت المنصة قد أعلنت في يناير (كانون الثاني) الماضي عن أدوات صحية لكل من المستخدمين العاديين والأطباء. وفي الشهر نفسه أعلنت شركة «أنثروبيك» عن إطلاق منتجها «كلاود» كخدمة جديدة للرعاية الصحية.

تضخيم المعلومات المضللة

وأشار مؤلفو الدراسة إلى أن أحد المخاطر الرئيسية لنشر برامج الدردشة الآلية دون توعية عامة ورقابة، هو أنها قد تُضخِّم المعلومات المضللة. وكتب الباحثون أن النتائج «تُسلِّط الضوء على قيود سلوكية مهمة، وعلى ضرورة إعادة تقييم كيفية استخدام روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في التواصل الصحي والطبي الموجَّه للجمهور». وأضافوا أن هذه الأنظمة قد تُنتج «ردوداً تبدو موثوقة، ولكنها قد تكون معيبة».


حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟


مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
TT

مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي

ابتكر العلماء مرضاً وهمياً زعموا أنه ينتج من تأثيرات الضوء الأزرق – وهم يرصدون اليوم مدى انتشار الأخبار عنه في الأبحاث الطبية، كما كتبت لوسيا أورباخ (*).

حيلة علمية

انطلت حيلة مرض غير موجود على نظم الذكاء الاصطناعي، وانتشرت أخباره على أنه حقيقة طبية. ويشرح الباحثون الذين ابتدعوه كيف حدث ذلك، ولماذا يكشف فعلاً عن ثغرة خطيرة في النماذج الذكية الحالية.

مرض «بيكسونيمانيا»

سميت الحالة المبتدعة بمصطلح «بيكسونيمانيا» bixonimania، ووصفت بأنها حالة شائعة، ربما تعانيها إذا كنت تعاني احمراراً وتهيجاً في العينين نتيجة التعرض المفرط للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات. لكن إليك معلومة طريفة: «بيكسونيمانيا» ليست مرضاً حقيقياً.

اختبار تفسيرات الذكاء الاصطناعي

ابتداءً من مطلع عام 2024، بدأ العلماء بنشر دراسات زائفة على الإنترنت حول هذا المرض الوهمي، بهدف اختبار كيفية تفسير الذكاء الاصطناعي لهذه المعلومات المضللة، وما إذا كان سينشرها على أنها نصائح صحية موثوقة.

قادت ألميرا عثمانوفيتش ثونستروم، الباحثة الطبية في جامعة غوتنبرغ بالسويد، هذه التجربة، إذ قامت هي وفريقها بابتكار حالة جلدية وهمية، ثم قام الفريق بتحميل دراستين وهميتين عنها إلى خادم ما قبل النشر في أوائل عام 2024.

وقالت أوسمانوفيتش ثونستروم: «أردتُ أن أرى ما إذا كان بإمكاني ابتكار حالة طبية غير موجودة في قاعدة البيانات».

وقد نجحت التجربة، ففي غضون أسابيع، بدأت كبرى شركات الأدوية في تقديم هذه الحالة بصفته تشخيصاً لمن يبحثون عن أعراضهم.

* نموذج «مايكروسوفت كوبايلوت» ذكر أن «هوس الانعكاسات» ليس تشخيصاً طبياً معترفاً به على نطاق واسع حتى الآن، ولكن الكثير من الأبحاث والتقارير الحديثة تناقشه بوصفه حالة حميدة يتم تشخيصها بشكل خاطئ، وترتبط بالتعرض المطول لمصادر الضوء الأزرق مثل الشاشات.

* نموذج «تشات جي بي تي» ذكر أن «هوس الانعكاسات» هو نوع فرعي جديد مقترح من التصبغ حول العينين (الهالات السوداء حول العينين) يُعتقد أنه مرتبط بالتعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الرقمية.

أخبار مقلقة

ونشر الكاتب كريس ستوكل-ووكر تقريراً عن هذا التزييف في مجلة «نتشر». وفي مقابلة له علل متحدث باسم «أوبن إيه آي» هذا بالقول إن «النماذج التي تُشغّل الإصدار الحالي من (تشات جي بي تي) مثل (جي بي تي-5) أفضل الآن بكثير من النماذج السابقة، في توفير معلومات طبية آمنة ودقيقة».

والمشكلة الأكثر إثارة للقلق هي أن هذه الأبحاث المزيفة قد استُشهد بها الآن في أدبيات علمية مُحكّمة. وقد أخبرت أوسمانوفيتش ثونستروم ستوكل-ووكر أن هذا يُشير إلى أن الباحثين كانوا «يعتمدون على مراجع مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون قراءة الأبحاث الأصلية».

كيف نجحت هذه الخدعة؟

أطلقت أوسمانوفيتش ثونستروم على الحالة اسم «بيكسونيمانيا»، وقالت إن الاسم «يبدو سخيفاً... لأني أردت أن أوضح تماماً لأي طبيب أو أي فرد من الطاقم الطبي أن هذه حالة مُختلقة؛ لأنه لا يُمكن تسمية أي حالة عين، بالهوس mania - فهذا مصطلح نفسي».

إشارات خفية وصريحة لجمهور القراء

كما وُضعت عشرات الإشارات الخفية التي تُشير إلى أن الحالة مُختلقة، مثل أن الباحث الرئيسي، لازليف إزغوبليينوفيتش- وهو اسم مستعار- يعمل في جامعة وهمية تُدعى جامعة أستيريا هورايزون، في مدينة وهمية تُدعى نوفا سيتي، في كاليفورنيا.

وتوجهت الدراسة بالشكر، وهمياً، إلى «الأستاذة ماريا بوم من أكاديمية ستار فليت على لطفها وكرمها في المساهمة بمعرفتها ومختبرها على متن سفينة (يو إس إس إنتربرايز)». وذكرت أن التمويل جاء من «مؤسسة البروفسور سايدشو بوب لعملها في مجال الخدع المتقدمة».

لكن، حتى ولو لم يصل القراء إلى هذه الفقرة، فإنهم كانوا سيكتشفون زيف كل الحالة من خلال التصريحات الصريحة في المقدمة، مثل «هذه الدراسة بأكملها من نسج الخيال» و«تم اختيار خمسين شخصاً وهمياً تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاماً لمجموعة الدراسة».

ما هي تداعيات مشروع بيكسونيمانيا؟

منذ نشر مقال ستوكل-ووكر في 7 أبريل (نيسان) 2026، بدأت الكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج مخرجات مصححة. سابقاً، كانت مختبرات التعلم الآلي تعتمد على أربعة مصادر رئيسية للمعلومات: منشوران على مدونة Medium بتاريخ 15 مارس (آذار) 2024، وورقتان بحثيتان منشورتان مسبقاً على SciProfiles بتاريخ 26 أبريل و6 مايو (أيار) من العام نفسه.

تأثير متواصل

لكن تأثير التجربة لا يزال قائماً. إذ لم تُجرَ هذه الدراسة لمجرد المزاح. كان هدف عثمانوفيتش ثونستروم هو تحديد مشكلة جوهرية خطيرة في اعتماد المجتمع المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

يقول أليكس رواني، باحث دكتوراه في المعلومات الصحية المضللة في «يونيفرسيتي كوليدج لندن»: «إذا كانت العملية العلمية نفسها والأنظمة الداعمة لها ماهرة، ولا تستطيع رصد وتصفية أجزاء كهذه، فنحن محكوم علينا بالفشل. هذه دورة متقدمة في كيفية عمل المعلومات المضللة والمغلوطة».

ذكاء اصطناعي بوتيرة سريعة

تتطور تقنية الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة للغاية؛ ما يُعجِز الباحثين عن وضع ضمانات وبروتوكولات اختبار فعّالة. يقول محمود عمر، الطبيب والباحث المتخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، إن سرعة طرح النماذج الجديدة في السوق تجعل من الصعب التوصل إلى «إجماع أو منهجية لاختبار كل نموذج تلقائياً». عثمانوفيتش ثونستروم ليست أول من أشار إلى ذلك.

معلومات علمية مزيفة

لم تكن عثمانوفيتش ثونستروم أول من اختبر ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي من تغذية معلومات أكاديمية زائفة. فقد صرّحت إليزابيث بيك، عالمة الأحياء الدقيقة الهولندية ومستشارة النزاهة العلمية، بأن باحثين قاموا حتى بتأليف كتب وأوراق بحثية مزيفة لزيادة عدد الاستشهادات بها على «غوغل سكولار». ويكمن القلق الأكبر في تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بهذه المعلومات الزائفة، التي بدورها تعيد إنتاج هذه المعلومات المغلوطة، ما يُبعد المستخدمين أكثر فأكثر عن الواقع.

ويعمل العلماء وخبراء الأخلاقيات حالياً على قدم وساق لإيجاد حلول عملية لهذه النتائج. ومن المقلق أن تمر ادعاءات علمية ذات مصادر مشكوك فيها عبر منصات التعلم الإلكتروني دون أي رقابة. وقال رواني: «علينا حماية ثقتنا كما نحمي الذهب. الوضع فوضوي للغاية الآن».

* «إنك» - خدمات «تريبيون ميديا»