ما الذي تفعله الجسيمات البلاستيكية الدقيقة بأجسامنا؟

مختبر علمي أميركي رائد يستكشف تأثيراتها الخطيرة

باحثة في المختبر تدرس جسيمات البلاستيك
باحثة في المختبر تدرس جسيمات البلاستيك
TT

ما الذي تفعله الجسيمات البلاستيكية الدقيقة بأجسامنا؟

باحثة في المختبر تدرس جسيمات البلاستيك
باحثة في المختبر تدرس جسيمات البلاستيك

في مختبرٍ في قبو جامعة نيو مكسيكو، كان ماركوس غارسيا يفتش في سلة مهملات مليئة بالنفايات البلاستيكية. وهناك عثر على زجاجات، وقطع من شبكة صيد، وفرشاة أسنان، وكوب عليه شخصية بوكيمون، ولعبة جي. آي. جو... «نعم!» صاح وهو يرفع طرف ماصة مهملاً. «وجدتها»، كما كتبت نينا أغراوال(*).

الباحث ماركوس غارسيا يحمل منتجاً من نفايات البلاستيك

مختبر علمي رائد

غارسيا عضو في مختبر رائد، يديره عالم السموم ماثيو كامبن، يدرس كيفية تراكم الجسيمات الدقيقة المعروفة باسم البلاستيك الدقيق في أجسامنا. وقد بثّت أحدث ورقة بحثية للباحثين، نُشرت في فبراير (شباط) الماضي في مجلة «Nature Medicine»، سلسلة من العناوين الرئيسية المثيرة للقلق، إضافة إلى الضجة في الأوساط العلمية.

جسيمات البلاستيك الدقيقة في الدماغ

وقد وجد الباحثون في المختبر أن عينات الدماغ البشري في عام 2024 تحتوي على نحو 50 في المائة من البلاستيك الدقيق أكثر من عينات الدماغ في عام 2016.

وقال كامبن: «هذه المواد تزداد في عالمنا بشكل كبير». فمع تراكمها في البيئة، تتراكم في أجسامنا أيضاً. كما أثار بعض النتائج الأخرى التي توصل إليها الباحثون قلقاً واسع النطاق.

عالِم السموم ماثيو كامبن

البلاستيك والخرف والمواليد الخدج

في الدراسة، احتوت أدمغة الأشخاص المصابين بالخرف على مواد بلاستيكية دقيقة أكثر بكثير من أدمغة الأشخاص غير المصابين به. في أوراق بحثية نُشرت العام الماضي، أظهر الباحثون وجود جسيمات بلاستيكية دقيقة في خصيتي الذكور ومشيمة الإناث . كما وثّق علماء آخرون وجودها في الدم، والسائل المنوي، وحليب الأم، وحتى في براز الطفل الأول.

وفي فبراير (شباط) أيضاً، وبالتعاون مع زملاء من كلية بايلور للطب ومستشفى تكساس للأطفال، أصدر مختبر كامبن بحثاً أولياً يُظهر أن مشيمات الأطفال الخُدج تحتوي على جسيمات بلاستيكية دقيقة أكثر من تلك الخاصة بالأطفال المولودين في موعدهم الطبيعي، على الرغم من أن هذه الجسيمات لم تتراكم إلا بعد فترة قصيرة.

ولكن على الرغم من جميع الأماكن التي عثروا فيها على جسيمات بلاستيكية دقيقة، وكل القلق بشأن المخاطر الصحية، كان هناك الكثير مما لم يفهمه الباحثون بعد.

الجرعات والسموم

أول ما يتعلمه علماء السموم هو أن «الجرعة تُكوّن السم»: أي مادة، حتى الماء، يمكن أن تكون سامة بجرعة عالية بما يكفي. لكن كامبن وغارسيا لم يكونا على دراية بكمية الجسيمات البلاستيكية الدقيقة اللازمة لبدء التسبب في مشكلات صحية. ومع وجود هذا الكم الهائل من البلاستيك في عالمنا، هل كان طعامنا، أو ملابسنا، أو هواؤنا، أو مصادر أخرى هي التي تُشكّل التهديد الأكبر؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة، لجأ الباحثون إلى الجثث.

البحث عن البلاستيك في الدماغ

في ورقتهم البحثية، أفاد الباحثون بأن متوسط ​​تركيز البلاستيك الدقيق في 24 دماغاً بشرياً اعتباراً من عام 2024 بلغ نحو 5000 ميكروغرام لكل غرام، على الرغم من وجود قدر كبير من عدم اليقين في هذا التقدير نظراً لطرق حسابه.

وهذا يعني نحو 7 غرامات من البلاستيك لكل دماغ -أي ما يعادل ملعقة ذات استخدام واحد، كما ذكر كامبن، أو نحو خمسة أغطية لقنانيٍّ من الماء. تحتوي أدمغة الأشخاص المصابين بالخرف على كمية أكبر، مع أن الباحثين أشاروا إلى أن ذلك قد يكون بسبب امتلاك هذه الأدمغة حاجزاً دموياً دماغياً أكثر مسامية، وبالتالي قلة قدرتها على التخلص من الجزيئات السامة.

لم يتضح بعد تأثير هذه الكمية من البلاستيك على صحة الإنسان، لكنها كافية لإثارة القلق. وتدرس مجموعته الآن أنسجةً من مقاطع عرضية لدماغ واحد لمعرفة ما إذا كانت مناطق معينة تحتوي على تركيزات أعلى من البلاستيك الدقيق، وما إذا كان ذلك مرتبطاً بمشكلات مثل مرض باركنسون أو فقدان الذاكرة.

باحثتان في المختبر تدرسان جسيمات البلاستيك

أبحاث بتكلفة عالية

وللمقارنة، يود الباحثون دراسة دماغ من فترة ما قبل سبعينات أو ستينات القرن الماضي، عندما أصبح البلاستيك منتشراً في كل مكان. يقول كامبن: «يمكنك تخيل متحف قديم كلاسيكي بدماغ يطفو في جُرة. أنا بحاجة ماسة لواحد من تلك».

وهذه التجارب مكلِّفة وتستغرق وقتاً طويلاً. وليس من السهل الحصول على عينات الدماغ. وتبلغ تكلفة الأجهزة التي تحلل البلاستيك نحو 150 ألف دولار للجهاز الواحد.

لكنَّ هذه الدراسات أتاحت لكامبن التوصل إلى استنتاجات لم يتوصل إليها أحد غيره. فقد دفعته إلى الاعتقاد أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في أجسامنا أصغر بكثير من أي شيء وصفه علماء آخرون، وهو ما يفسر كيفية اختراقها حواجز أجسامنا ووصولها إلى أعضائنا.

دراسات مجهرية

وقد أكد هذا الظن باستخدام مجهر عالي الدقة: فقد أظهر أشياء تشبه الشظايا لا يزيد طولها على 200 نانومتر -أي أقل بنحو 400 مرة من عرض الشعرة- ورقيقة لدرجة أنها كانت شفافة. في حين استخدمت الدراسات السابقة مجاهر لا يمكنها الرؤية إلا حتى 25 ضعف هذا الحجم.

يرى كامبن أن توثيق وجود جسيمات صغيرة جداً قد يُزعزع فهمنا لكمية البلاستيك الموجودة في أجسامنا، وكيف تصل إلى هناك، وإلى أين يمكن أن تذهب، وما الضرر الذي قد تُسببه.

بلاستيك الماء والنباتات والغذاء

لا يستطيع الباحثون الجزم بكيفية دخول هذه المواد البلاستيكية إلى أجسامنا أو من أين نشأت، لكن لديهم بعض الأدلة. قالت كريستي تايلر، أستاذة علوم البيئة في معهد روتشستر للتكنولوجيا، والتي تدرس المواد البلاستيكية الدقيقة في النظم البيئية المائية، إنهم يعلمون أن النفايات البلاستيكية تنتهي في تربتنا ومائنا وهوائنا وحتى المطر.

وقد تُدمج في النباتات وتصبح أكثر تركيزاً في أثناء صعودها في السلسلة الغذائية. يوجد البلاستيك في ملابسنا وسجادنا وأرائكنا وحاويات تخزين الطعام -«إنه في الواقع في كل مكان»، كما قالت تايلر.

تغلغل بلاستيك النفايات

تشير خصائص البلاستيك التي وجدها فريق كامبن في الأنسجة البشرية إلى أنها جاءت في المقام الأول من نفايات جرى إنتاجها منذ سنوات كثيرة، وتعرضت للعوامل الجوية بمرور الوقت. وجد الباحثون كمية كبيرة من البولي إيثيلين، على سبيل المثال، وهو النوع السائد من البلاستيك الذي جرى إنتاجه في الستينات، ولكن كمية أقل من البلاستيك المستخدم في زجاجات المياه، التي انتشرت في التسعينات.

ولأن إنتاج البلاستيك يتضاعف كل 10 إلى 15 عاماً، فحتى لو توقفنا عن إنتاجه اليوم، فإن كمية كبيرة من البلاستيك تظل قيد الاستخدام بالفعل، مما سيؤدي إلى تراكم مزيد ومزيد من النفايات البلاستيكية في البيئة، وربما في أجسامنا لعقود قادمة.

دخول البلاستيك إلى الجسم

يعتقد كامبن أن الطريقة الرئيسية لدخول هذه المواد البلاستيكية إلى أجسامنا هي عندما نبتلعها، بعد فترة طويلة من التخلص منها وبدء تحللها. وهو أقل قلقاً بشأن ما يسمى «البلاستيك الطازج»، مثل تلك التي تتساقط من ألواح التقطيع وزجاجات المياه في أثناء استخدامنا لها، لأن هذه الجسيمات أكبر بكثير وأحدث مما قام بقياسه. وتشير الأبحاث إلى أن الجسم يتخلص من بعض المواد البلاستيكية الدقيقة الأكبر حجماً.

وأقر كامبن بأن وجهة نظره بشأن البلاستيك الطازج «غير تقليدية»، ويقول علماء آخرون إنه من المفيد اتخاذ خطوات لتقليل التعرض له. من الواضح أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة يمكن أن تتسرب من قنانيِّ المياه، وأوعية الطعام المسخنة في الميكروويف، والملابس الصناعية، وتشير الأبحاث المستمدة من الدراسات على الحيوانات إلى أن هذه الجسيمات قد تكون ضارة، وفقاً لتريسي وودروف، مديرة برنامج الصحة الإنجابية والبيئة في جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو.

ولكن، كما هو الحال مع أي علم مبكر، هناك محاذير. أولاً، من الصعب للغاية قياس هذه الجسيمات الدقيقة. ولم يُكرر أحد البحث بعد لمعرفة مدى صحة النتائج. والسؤال المهم هو عمَّا إذا كان كل ما يقيسونه من البلاستيك بالفعل، أو ما إذا كان بعضه دهوناً، التي قد تبدو متشابهة كيميائياً ولكنها موجودة بشكل طبيعي في الجسم.

وقالت وودروف: «تبدو تقديراتهم لكمية البلاستيك الموجودة في الدماغ مرتفعة». ولكن حتى لو كانت كذلك، كما قالت، «فإن ذلك لن ينفي النتائج التي تشير إلى أنهم يرون مزيداً من البلاستيك بمرور الوقت. وهذا في الواقع يتماشى تماماً مع ما نعرفه عن إنتاج البلاستيك».

المخاطر الصحية الناجمة عن البلاستيك

هناك سؤال واحد يشعر كامبن وغارسيا أنهما بدآ بالإجابة عنه بثقة. وهو السؤال الذي بدآ به: ما كمية البلاستيك في أجسامنا؟

وهما الآن مستعدان لاستكشاف الروابط المحتملة بين جرعات معينة ونتائج صحية بشرية، مثل أمراض القلب، ومشكلات الخصوبة، والتصلب اللويحي.

ويبدآن تجربة على الحيوانات لفهم الجرعات التي قد تكون ضارة.

بدأت تيا غارلاند، طالبة الصيدلة، هذه العملية في المختبر، مرتدية قناعاً لتجنب استنشاق الجسيمات، إذ أدخلت قطعاً مما يشبه الطباشير الملون في آلة أصدرت صوت عواء مخيفاً في أثناء تجميدها وسحقها للمواد البلاستيكية. في النهاية، سيُطعم الباحثون هذه القطع للفئران، وسيدرسون كيف تؤثر المستويات والأنواع المختلفة على أدمغتها وسلوكها.

وقد جاءت هذه القطع من شاطئ في هاواي، حيث جمعت غارسيا وآخرون 1800 رطل (الرطل 453 غراماً تقريباً) من بقايا البلاستيك و220 كيلوغراماً أخرى استخلصتها من الشِّبَاك.

* خدمة «نيويورك تايمز»

حقائق

7

غرامات من البلاستيك رصدت لكل دماغ - أي ما يعادل مقدارملعقة منه


مقالات ذات صلة

واحدة من أكبر مدن العالم تغرق... وملايين السكان مهددون

يوميات الشرق مدينة مكسيكو تُعدّ موطناً لأكثر من 22 مليون نسمة وتمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3 آلاف ميل مربع (أ.ب)

واحدة من أكبر مدن العالم تغرق... وملايين السكان مهددون

تواجه مدينة مكسيكو، إحدى أكبر الحواضر في العالم، خطراً بيئياً متصاعداً قد يعيد رسم ملامحها الديموغرافية والعمرانية، ويهدد بنزوح ملايين السكان إذا استمر الوضع.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)
يوميات الشرق بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)

«الشجرة المعجزة» تتحدَّى البلاستيك

بذور نوع شائع من الأشجار تتفوَّق في كفاءتها على البدائل الكيميائية المُستخدمة في تنقية المياه من الملوّثات البلاستيكية الدقيقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق زائرة تلتقط صوراً مع زهور التوليب في سانت ألبانز (إ.ب.أ)

أزهار ربيعية زاهية بفضل دفء شمس الربيع في بريطانيا

جاء الربيع بعد شتاء معتدل وماطر، حاملاً أجواء دافئة هيأت ظروفاً مثالية لعرضٍ رائعٍ لأزهار الربيع في بعض المناطق، هذا العام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي يجمع مربي أسماك عراقي أسماكاً نافقة من حوض في مزرعته ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)

نفوق مئات الأطنان من الأسماك في العراق بسبب تلوث المياه

أدّى تلوث المياه إلى نفوق أكثر من ألف طن من الأسماك مؤخراً في العراق.

«الشرق الأوسط» (الزبيدية (العراق))
يوميات الشرق عائلات مصرية تفترش مساحات خضراء في القاهرة (حي غرب شبرا الخيمة)

مصر: خيارات التنزه المجاني تتضاءل مع تراجع المساحات الخضراء

في حين خرج ملايين المصريين إلى الحدائق والمساحات الخضراء في يوم «شم النسيم»، كان الأمر صعباً في إيجاد هذه المساحة أمام مجدي عاشور، الموظف الحكومي.

محمد عجم (القاهرة )

هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على العمل الجماعي؟

هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على العمل الجماعي؟
TT

هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على العمل الجماعي؟

هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على العمل الجماعي؟

أتاح الذكاء الاصطناعي التوليدي للأفراد إمكانية أداء مهام كانت تتطلب فرقاً كاملة، كما كتب توماس تشامورو - بريموزيك*.

ظهور «الفرد الخارق»

اليوم، يستطيع مسوّق واحد إنتاج مواد الحملات التسويقية، وتحليل البيانات، وإنشاء محتوى من المعلومات على نطاق واسع. كما يستطيع مدير المنتج تصميم النماذج الأولية واختبارها وتطويرها دون الاعتماد على شعبة الهندسة؛ ويستطيع المطورون نشر كميات هائلة من التعليمات البرمجية عالية الجودة المكتوبة بواسطة الآلات. والنتيجة هي ظهور «الفرد الخارق» القادر على القيام بعمل الكثيرين.

قد يتبادر إلى الذهن من هذا أن التعاون البشري أصبح من الماضي. فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة أو تعزيز المساهمات المعرفية للكثير من الأفراد، فلماذا يتجشم الناس عناء العمل الجماعي من الأساس؟

تقييم من واقع الخبرة

في عملنا مع كبرى الشركات – أنا توماس تشامورو-بريموزيك، بصفتي عالم نفس تنظيمي ومؤلف كتاب «أنا، الإنسان: الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والسعي لاستعادة ما يُميزنا»، مع دوري كلارك، المحاضر ومستشار الشركات التي تُعيد ابتكار نفسها في عصر الذكاء الاصطناعي - صادفنا مجموعة واسعة من التجارب، حيث تستخدم الشركات أنظمة ذكية لاختبار استراتيجياتها، وتقديم وظائف أساسية كالشؤون المالية والعمليات، والعمل كفرق تطوير شبه مستقلة.

تغير طرق العمل الجماعي

ومع ذلك، فإننا نعتقد أن العمل الجماعي باقٍ، وإن كان الذكاء الاصطناعي سيُعيد تشكيله بشكل شبه مؤكد. وعلى وجه التحديد، نعتقد أن العمل الجماعي سيتغير بثلاث طرق رئيسية:

1. سيتغير تكوين الفريق. من المرجح أن تصبح الفِرق أصغر حجماً (وربما أكثر مرونة)؛ لأن الأفراد سيتمكنون من إنجاز المزيد بمفردهم، وقد تضم الفرق مساهمين من البشر وغير البشر. ونتيجة لذلك؛ لن يكون كافياً أن يكون عدد قليل من الأشخاص «بارعين في استخدام الذكاء الاصطناعي». يجب أن تُصبح معرفة الذكاء الاصطناعي قدرة أساسية للفريق، وليست مهارة فردية. تحتاج الفرق إلى معايير مشتركة حول المواضيع الناشئة، مثل:

- متى يُعتمد على الذكاء الاصطناعي (ومتى لا يُعتمد عليه)؛

- فهم الفروق، والمفاضلات، بين السرعة والجودة، والكفاءة والدقة، والعمل ذي القيمة المنخفضة والعمل ذي القيمة العالية؛

- كيفية تحليل مخرجات الذكاء الاصطناعي ودمجها مع التقييم البشري.

ستحتاج الفرق الفعّالة إلى تطوير آلية لمكافأة الأفراد لا لاستخدامهم الذكاء الاصطناعي بكفاءة فقط، بل أيضاً على اكتشاف أخطائه. عملياً، قد يعني ذلك جعل «التشكيك في الذكاء الاصطناعي» جزءاً رسمياً من تقييم الأداء.

الجودة: تركيز من نوع جديد

2. سيتغير تركيز الفرق. اليوم، تركز الكثير من الفرق على المسائل اللوجستية - مزيج من التحليل وإعداد التقارير والتنسيق بين الأقسام والإدارات. قد يصبح هذا النوع من العمل الجماعي القائم على المهام قديماً قريباً؛ لأن الذكاء الاصطناعي قادر على إنجازه بشكل أسرع وأكثر كفاءة.

لكن العمل الجماعي لم يكن يوماً مقتصراً على تنفيذ المهام فقط - وفي عصر الذكاء الاصطناعي، سيتطور العمل الجماعي ليصبح نشاطاً ذا قيمة أعلى يفتح آفاقاً جديدة للمؤسسات. في الواقع، مع تراجع التعاون القائم على المعاملات، يزداد التعاون القائم على العلاقات أهمية.

ينبغي على القادة الاستثمار بوعي في بناء الثقة: تفاعلات أقل عدداً ولكن بجودة أعلى، ووقت أطول للتواصل المباشر كلما أمكن، وفرص منظمة للاختلاف في الرأي. فالأمان النفسي مهم، وكذلك الاحتكاك الفكري. الهدف ليس الانسجام، بل الصراع البنّاء.

نتيجةً لهذا التغيير؛ من المرجح أن يصبح العمل الجماعي ذا مغزى متزايد، كعنصر أساسي في وظيفتك وهويتك المهنية. عندما تستطيع التواصل بعمق مع الآخرين من خلال أهداف وأنشطة مشتركة، تصبح تجربة قيّمة للغاية تعزز الولاء لفريقك وشركتك.

تغير دور القادة

3. سيتغير دور القادة أيضاً. سيحتاج القادة في عصر الذكاء الاصطناعي إلى إجراء ثلاثة تغييرات رئيسية في كيفية توجيه أعضاء فرقهم. وهذا يعني تحديداً:

* التركيز بشكل أكبر على توجيه الفريق نحو الأعمال ذات القيمة العالية. مع تولي الذكاء الاصطناعي المزيد من أعباء العمل التحليلية والتشغيلية، سيحتاج القادة إلى إعادة تصميم فرقهم بحيث تُبنى على التقدير، لا على المهام. ينبغي أن تُحدد مهام الفرق بوضوح حول أهداف سامية: تحديد المشكلات، والموازنة بين الخيارات، والاتفاق على الأولويات. بعبارة أخرى، قد تصبح المهارات القيادية «الناعمة» هي الأصعب استبدالاً.

+ قاعدة بسيطة: إذا كان بالإمكان استبدال ملخص مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي اجتماع، فمن الأفضل القيام بذلك.

* إعادة تعريف دورك بوصفك منسقاً، لا مصدراً للإجابات. يجب على القادة أن يبدأوا في عدّ أنفسهم مهندسي كيفية عمل البشر والآلات معاً. هذا يعني توضيح الأدوار بين الذكاء الاصطناعي والبشر، وتحديد صلاحيات اتخاذ القرار، وضمان المساءلة. كما يتطلب مقاومة إغراء التنازل للذكاء الاصطناعي عندما تكون المخاطر عالية. يبقى التقدير، لا الناتج، هو المسؤولية النهائية للقائد.

جودة القرارات والتعلم... لا الإنتاجية

* قياس ما يهم حقاً. في الكثير من المؤسسات، لا يزال تقييم الأداء يعتمد على النشاط الظاهر بدلاً من جودة التفكير. في عالمٍ يعتمد على الذكاء الاصطناعي، يصبح هذا الأمر خطيراً. ينبغي على القادة تحويل معايير التقييم نحو جودة القرارات، وسرعة التعلم، والنتائج طويلة الأجل، بدلاً من التركيز على مكاسب الإنتاجية قصيرة الأجل.

عمل جماعي معزّز بالمواهب والحكمة

باختصار، فإن العمل الجماعي التقليدي القائم على المعالجة والتنسيق في طريقه إلى الزوال. لكن العمل الجماعي الجديد -المتكامل مع الذكاء الاصطناعي والمُعزز بالمواهب والحكمة البشرية- سيكون أكثر أهمية من أي وقت مضى، وسيتعين على المؤسسات إيجاد سبل للتطور.

لا يكمن الخطر في أن يُدمر الذكاء الاصطناعي العمل الجماعي، بل في أنه سيكشف مدى عدم جدوى الكثير مما كنا نسميه سابقاً بالعمل الجماعي. تكمن الفرصة في إعادة بنائه حول ما يُجيده البشر: التفكير النقدي، والتواصل الفعال، واتخاذ القرارات الصائبة، بحيث يكون مجموع الفريق أكبر من مجموع أجزائه.

* مجلة «فاست كومباني»


مستقبل واعد لـ«تقنيات استشعار» الدماغ

مستقبل واعد لـ«تقنيات استشعار» الدماغ
TT

مستقبل واعد لـ«تقنيات استشعار» الدماغ

مستقبل واعد لـ«تقنيات استشعار» الدماغ

تمر تقنيات استشعار الدماغ، وتحديداً نظم تخطيط كهربائية الدماغ (EEG) المُتاحة للاستخدام المنزلي، بمرحلة تحوّل تشبه تلك التي مرت بها أجهزة الاستشعار السابقة، وتوشك أن تصبح ميزة قياسية في الأجهزة الاستهلاكية، خاصة تلك التي يجري ارتداؤها على الرأس... اليوم، لم يعد هذا الأمر مشكلة علمية، بل أصبح قراراً استراتيجياً لصنع منتج يمكن تسويقه، كما كتب د. رمسيس ألكايد (*).

ابتكارات مطوَّرة للاستخدام اليومي

عادةً ما تنشأ الابتكارات داخل البيئات السريرية أو المتخصصة، حيث تكون مكلفة، ومعقدة، وتفتقد الطابع العملي الذي يؤهلها للاستخدام اليومي. ومع مرور الوقت، تُسهِم التطورات الهندسية في تصغير حجم هذه التقنيات وتحسينها؛ حتى يُمكن دمجها في المنتجات الاستهلاكية.

وتعدّ أدوات رصد معدل ضربات القلب مثالاً نموذجياً؛ فرغم وجود تخطيط كهربائية القلب لأكثر من قرن، فإن رصد ضربات القلب المستمر ظل مقتصراً في السابق على المستشفيات، أو أحزمة الصدر غير المريحة. ولم تقدِم شركات مثل «فيتبيت» و«أبل» على دمج خاصية تتبع معدل ضربات القلب في الأجهزة القابلة للارتداء، إلا عندما أصبحت أجهزة الاستشعار البصرية صغيرة الحجم وبأسعار معقولة. ومع أن المستهلكين لم يطلبوا هذه الميزة بشكل صريح، فإن الشركات عمدت إلى ترسيخها، وسرعان ما أصبح من المتعذر الاستغناء عنها.

اللافت، أن المسار نفسه قد تكرر مع خاصية إلغاء الضوضاء النشطة في سماعات الرأس، كما تكرر حديثاً مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي لطالما كانت موجودة قبل انتشارها على نطاق واسع، إلا أنها احتاجت إلى منتج مُحفز مثل تصميم «تشات جي بي تي»؛ لتحفيز الوعي على نطاق واسع والتنافس الشديد.

تقنيات استشعار الدماغ

وعلى ما يبدو، ستشكل تقنيات استشعار الدماغ المرحلة الآتية من هذا النمط. جدير بالذكر، أنه جرى التحقق علمياً من تخطيط كهربائية الدماغ منذ عام 1924، وهو مُستخدم على نطاق واسع داخل البيئات السريرية؛ لمراقبة نشاط الدماغ في حالات مثل الصرع وإصابات الدماغ واضطرابات النوم. بيد أنه ورغم هذا الأساس الراسخ، جاء تبني المستهلكين هذه التكنولوجيا بطيئاً، بسبب التحديات الهندسية، وليس بسبب شكوك علمية.

عوائق فنية

بوجه عام، ثمة ثلاثة عوائق فنية رئيسة حالت تاريخياً دون أن يصبح تخطيط كهربائية الدماغ، جاهزاً للاستخدام أمام المستهلكين:

- أولاً: المستشعرات. تعتمد أنظمة تخطيط كهربائية الدماغ التقليدية على أقطاب كهربائية «رطبة»، تتطلب «جِلاً» موصلاً، ومجسات سلكية متعددة، وإعداداً احترافياً - ما يجعلها غير عملية خارج البيئات السريرية. وقد أتاحت التطورات في علم المواد، الآن، مجسات جافة وناعمة وموصلة، يمكن دمجها في منتجات قابلة للارتداء، مثل سماعات الرأس أو سماعات الأذن، دون التأثير على تجربة المستخدم.

- ثانياً: تشويش الإشارات. تتسم إشارات الدماغ بالضعف الشديد - تُقاس بوحدات الميكروفولت - وتتأثر بسهولة بالتشويش الناتج من حركة العضلات، أو التداخلات البيئية، أو حتى الحركات الجسدية البسيطة، مثل شد الفك. وقد تطلب حل مشكلة نسبة شدة الإشارة إلى شدة التشويش هذه، نماذج متطورة للتعلم الآلي، جرى تدريبها على مجموعات بيانات ضخمة لنشاط الدماغ في العالم الحقيقي.

اليوم، أصبح بإمكان أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه، عزل الإشارات العصبية المهمة من التشويش في الوقت الفعلي، حتى داخل البيئات غير الخاضعة للتحكم. وتمثل هذه القدرة، التي بُنيت على مدار سنوات من البحث والتحقق (بما في ذلك التعاون مع مؤسسات، مثل وزارة الدفاع الأميركية)، ميزة تنافسية حاسمة وعامل تمييز عن المحاولات السابقة الأقل مصداقية، في مجال التقنيات الاستهلاكية المرتبطة بالأعصاب.

- ثالثاً: تكامل الأجهزة. جرى التغلب على مسألة تحدي تكامل الأجهزة، خاصة مع اكتساب أنظمة تخطيط الدماغ الكهربائي الحديث، القدرة على العمل ضمن قيود الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية، باستخدام رقائق «بلوتوث» قياسية، والحفاظ على عمر بطارية معقول، إضافة إلى أنها أصبحت تتناسب تماماً مع أشكال مألوفة، مثل أغطية سماعات الرأس.

مستشعرات دقيقة

وقد أحدثت هذه التطورات مجتمعةً تأثيراً تراكمياً: إذ تُنتج المستشعرات المُحسّنة بيانات أكثر دقة؛ ما يُعزز نماذج التعلّم الآلي، وبالتالي يسمح باستخدام عدد أقل من المستشعرات وأصغر حجماً. وبفضل هذه الدورة الإيجابية، تحول استشعار الدماغ من مجرد إمكانية نظرية إلى جدوى تجارية.

تجدر الإشارة هنا إلى أن ثمة اختلافاً جوهرياً بين استشعار الدماغ من ناحية، وأجهزة الاستشعار الحيوية السابقة، من ناحية أخرى، فيما يتعلق بكيفية استخدام البيانات. ففي الوقت الذي يعتمد رصد معدل ضربات القلب بشكل كبير على البيانات السابقة - أي ما حدث بالفعل – يتيح تخطيط الدماغ الكهربائي، تفاعلاً ثنائي الاتجاه، في الوقت الفعلي. وتستطيع الأجهزة رصد التغيرات في الحالة الإدراكية والاستجابة لها على الفور؛ ما يُنشئ أنظمة ذات حلقة مغلقة تتكيف ديناميكياً مع المستخدم. ويسهم هذا في تحويل الأجهزة من مجرد أجهزة مراقبة سلبية، إلى أدوات مُشاركة فاعلة في تحسين الأداء والتجربة.

وتُعدّ الكثير من التطبيقات موثوقة بالفعل؛ إذ يُمكن لرصد التركيز والانتباه، التمييز بين التركيز المُستمر وشرود الذهن، ما يُتيح التدخل للحفاظ على الإنتاجية. ويمكن لتكنولوجيا الكشف عن الإرهاق الذهني رصد تراجع الأداء العقلي قبل أن يدركه المستخدمون بوعي؛ ما يوفر تنبيهات أو تعديلات في الوقت المناسب. كما يقيس تقدير الحمل المعرفي مدى صعوبة المهمة ذهنياً؛ ما يؤثر على تصميم واجهة المستخدم، والألعاب، والمهن الحساسة للسلامة مثل الطيران والقيادة.

بالإضافة إلى ذلك، قد يكشف التتبع طويل الأمد لنشاط الدماغ عن اتجاهات متعلقة بالتوتر، وجودة النوم، والشيخوخة، رغم أن هذا المجال لا يزال قيد البحث النشط، وينبغي الحذر من المبالغة في أهميته.

محدودية التكنولوجيا

لا تقرأ تكنولوجيا تخطيط كهربائية الدماغ الحالية، الأفكار أو تفك شفرة محتوى ذهني محدد؛ بل تقيس أنماط نشاط الدماغ المرتبطة بحالات الأداء، بدلاً من محتوى الإدراك. وتركز التطبيقات الحالية على الصحة العامة وتحسين الأداء، وليس على التشخيص السريري. ويحمل هذا التمييز أهمية علمية وتنظيمية، خاصة وأن الادعاءات المبالغ فيها لطالما تسببت في تقويض الثقة في قطاع التكنولوجيا العصبية.

من منظور المنتج وأعماله، يجري النظر إلى دمج استشعار الدماغ في الأجهزة الاستهلاكية باعتباره أمراً ممكناً نسبياً؛ فالبصمة المادية لأجهزة الاستشعار ضئيلة، ولا تتطلب سوى القليل من التغيير في التصميم الصناعي الحالي. وتتوفر معظم المكونات التقنية - بما في ذلك أجهزة الاستشعار والبرامج الثابتة ومعالجة الإشارات ونماذج الذكاء الاصطناعي - من خلال الترخيص؛ ما يسمح للشركات بدمج قدرات متقدمة، دون الحاجة إلى بناء خبرات داخلية في علم الأعصاب. وهذا يتماشى مع النماذج الراسخة في مجالات أخرى، مثل الاتصال عبر الهاتف المحمول ومعالجة الصوت.

والأهم من ذلك، لا يُنظر إلى استشعار الدماغ بوصفه ميزة واحدة، بل بوصفه طبقة حوسبة جديدة ذات قدرات متنامية وإمكانات ربحية هائلة. فإلى جانب مبيعات الأجهزة، يُتيح استشعار الدماغ خدمات الاشتراك، والميزات المتميزة، وتطبيقات المؤسسات، والشراكات القائمة على البيانات. وتتيح المنتجات الأولى بالفعل ميزات، مثل تتبع التركيز، وتنبيهات الإرهاق، والتدريب المعرفي، وتشير بيانات المستخدمين الأولية بالفعل إلى تحسينات ملموسة في الأداء اليومي والتفاعل.

من ناحية أخرى، تؤكد توقعات السوق أهمية هذا التحول؛ فمن المتوقع أن ينمو قطاع الأجهزة القابلة للارتداء المخصصة للألعاب نمواً كبيراً، في حين ترجّح توقعات أن تتجاوز سوق واجهات الدماغ والحاسوب الأوسع نطاقاً، عشرات المليارات من الدولارات عالمياً خلال العقد المقبل.

ومن أهم السمات الاستراتيجية، الميزة التراكمية للبيانات؛ فالشركات التي تبدأ بجمع بيانات الدماغ مبكراً، تستطيع تطوير نماذج تعلم آلي فائقة، تجذب المزيد من المستخدمين؛ الأمر الذي يُولد المزيد من البيانات. ويُنشئ بدوره حلقة معلومات تغذية استرجاعية يصعب على الشركات المتأخرة في الدخول إلى السوق محاكاتها.

وهناك اعتبارات بالغة الأهمية لقادة المنتجات، تتضمن تكاليف دمج الأجهزة، وتصميم تجربة المستخدم، وبنية معالجة البيانات، وحماية الخصوصية، والامتثال للوائح التنظيمية، خاصة مع بدء التشريعات الجديدة بتصنيف البيانات العصبية كمعلومات حساسة.

* مجلة «فاست كومباني».


«مايكروسوفت» القادة لا الموظفون مسؤولون عن نجاح دمج الذكاء الاصطناعي

«مايكروسوفت» القادة لا الموظفون مسؤولون عن نجاح دمج الذكاء الاصطناعي
TT

«مايكروسوفت» القادة لا الموظفون مسؤولون عن نجاح دمج الذكاء الاصطناعي

«مايكروسوفت» القادة لا الموظفون مسؤولون عن نجاح دمج الذكاء الاصطناعي

لا تكتفي المؤسسات الرائدة في تبني الذكاء الاصطناعي بإضافة أدوات جديدة، بل تعيد هيكلة العمل نفسه. هذا ما توصلت إليه أحدث نسخة من الدراسة الموسومة: «مؤشر اتجاهات العمل السنوي لمايكروسوفت Microsoft’s annual Work Trends Index »، المنشورة اليوم، كما كتب جاريد ليندزون(*).

استطلاع دولي من «مايكروسوفت»

تشير الدراسة، التي شملت استطلاعات رأي مع 20000 موظف يستخدمون الذكاء الاصطناعي في 10 دول، - إضافة إلى تريليونات من مؤشرات الإنتاجية التي ترصدها برمجيات «مايكروسوفت 365» - إلى أن الذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج قيمة هائلة، لكن النجاح يعتمد على ثقافة مكان العمل السائدة.

وتقع على عاتق القادة مسؤولية توحيد استراتيجياتهم المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وتوفير الوقت والمساحة للتجربة الجماعية، وتبني نهج أقل تقييداً لكيفية إنجاز العمل على نطاق أوسع.

ارتفاع وتيرة إنجاز الأعمال

وفقاً للدراسة، يُنجز 58 في المائة من مستخدمي الذكاء الاصطناعي أعمالاً لم يكونوا قادرين على إنجازها قبل عام. وترتفع هذه النسبة إلى 80 في المائة في المؤسسات التي أعادت تصميم نموذج تشغيلها لدعم دمج الذكاء الاصطناعي (المشار إليها في الدراسة باسم «الشركات الرائدة»)، حيث تبني عملياتها بشكل أساسي حول قدرات الذكاء الاصطناعي، بدلاً من محاولة دمج الأدوات الجديدة مع الأنظمة القديمة.

دور حاسم للعوامل التنظيمية وثقافة المؤسسة

على الرغم من النظرة الغالبة بأن تبني الذكاء الاصطناعي هو مسؤولية فردية، فقد وجدت الدراسة أن العوامل التنظيمية، مثل ثقافة المؤسسة ودعم المديرين، لها تأثير مضاعف على الذكاء الاصطناعي مقارنةً بالعوامل الفردية، مثل عقلية الموظفين وسلوكهم.

ويوضح مات فايرستون، المدير العام لتسويق منتجات «كوبايلوت» Copilot و«اجنتس» Agents في مايكروسوفت: «رغم أن الموظفين يحرزون تقدماً ملحوظاً في إتقان استخدام الذكاء الاصطناعي، لكن المؤسسات نفسها لم تتغير... لم يستجب القادة بالسرعة الكافية لإطلاق كامل إمكاناته».

ولتحقيق هذه القيمة، يحتاج القادة إلى التوقف عن النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه حلاً برمجياً يُضاف إلى عمليات العمل الحالية، والبدء في التفكير فيه كعامل محفز لتحول أكبر بكثير يُعيد تصميم كيفية إنجاز الأمور في بيئة مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

العاملون يواجهون معضلة «التحول»

يصطدم العديد من أولئك الذين يحاولون إعادة تصميم أساليب عملهم بالتزامن مع الذكاء الاصطناعي بهياكل مكان العمل التي لا تدعم هذه الجهود.

ووفقاً للدراسة، يعتقد ربع مستخدمي الذكاء الاصطناعي فقط أن قيادتهم متوافقة بشكل واضح ومستمر مع الذكاء الاصطناعي. أما البقية فهم عالقون فيما تسميه الدراسة «معضلة التحول»، حيث «يتعارض الدافع نحو الأداء مع الدافع نحو التحول».

على سبيل المثال:

* يخشى 65 في المائة من مستخدمي الذكاء الاصطناعي التخلف عن الركب إذا لم يتكيفوا بسرعة.

* ومع ذلك، يقول 45 في المائة منهم إن العمل على أهدافهم الحالية أكثر أماناً بالنسبة لهم.

* في الواقع، أفاد 13 في المائة فقط بتلقيهم مكافآت مقابل استخدام الذكاء الاصطناعي لإعادة ابتكار أساليب عملهم، حتى لو لم تتحقق النتائج المرجوة.

ويوضح فايرستون: «يمكن حل هذه المعضلة بتغيير الهيكل التنظيمي، بحيث تتوافق كفاءة الأفراد مع كفاءة المؤسسة. وعند القيام بذلك، نحصل على دورات إيجابية من التطوير الذاتي».

تحويل التركيز من المهام إلى النتائج

وفقاً للدراسة، يكون لتبني الذكاء الاصطناعي أكبر الأثر في المؤسسات التي يتعلم فيها الأفراد ويتعاونون ويطورون أنفسهم بشكل جماعي، بدلاً من إسناد المهام الفردية إلى أدوات مؤتمتة.

لكن تهيئة بيئة يشعر فيها الأفراد بالتمكين للتجريب معاً لا تزال تشكل تحدياً للقادة الذين اعتادوا النظر إلى أدوات الإنتاجية كحل محدد لمشكلة محددة، بدلاً من كونها محفزاً لتغيير نظامي أوسع. يقول فايرستون: «إن خلق تلك الثقافات التي تقوم على البناء المشترك - البناء بشفافية، وارتكاب الأخطاء، وتعزيزها، والتعلم من بعضنا - يمثل تحولاً تنظيمياً هائلاً، بدلاً من التركيز على إنجاز عمل محدد فقط».

ثقافة التجريب التعاوني

يوضح فايرستون أن المؤسسات المتميزة في دمج الذكاء الاصطناعي تعزز ثقافة التجريب التعاوني. في هذه الثقافات، تُهمَل المهام والمسؤوليات الفردية، ويُشجَّع الفرق على التفكير في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لتحقيق نتيجة جماعية مرغوبة، وهو ما يشبهه بمسابقة هاكاثون، وهي مسابقة محمومة من المبرمجين تتوج عادة بإنتاج برنامج جديد.

ثم يشرح قائلاً: «عندما تشارك في هاكاثون، تجد سؤالاً غامضاً، ولا توجد إجابة صحيحة، فالمهم هو مدى سرعة إنجازك له، ومدى فاعلية النتيجة التي توصلت إليها». ويضيف: «الرائع في أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة هو أنها تُطبّق هذا المبدأ على سياق العمل المعرفي، حيث يجتمع الناس ويُطلقون العنان لطموحاتهم لبناء أشياء لم يكونوا قادرين على بنائها من قبل».

التغيير يبدأ من القمة

قد يتعارض هيكل مكان العمل الجديد الذي وصفه فايرستون مع ممارسات الإدارة التقليدية، التي تشجع الموظفين على أداء مهمة معينة بطريقة محددة.

ويقول: «مهمة أي قائد ناجح هي التفكير في العمليات التي تناسب فريقه، وكل واحد من أفراده، ووظيفته». فالأمر يتعلق بإنجاز العمل، «هذا النوع من التفكير القائم على النتائج هو جوهر الأمر».

استعداد للتبني المبكر

عامل رئيسي آخر يحدد نجاح تطبيق الذكاء الاصطناعي هو استعداد القادة لتبنيه مبكراً. وفقاً لدراسة منفصلة أجرتها «مايكروسوفت»، أفاد أولئك الذين قام مديروهم بنمذجة استخدام الذكاء الاصطناعي بما يلي:

* زيادة قدرها 17 في المائة في القيمة المتصورة للذكاء الاصطناعي.

* زيادة قدرها 22 في المائة في التفكير النقدي حول استخدامهم الشخصي للذكاء الاصطناعي.

* زيادة قدرها 30 في المائة في الثقة بالذكاء الاصطناعي الآلي.

ويقول فايرستون: «عندما ترى مديرك، أو مدير مديرك، يجسد استخدام الذكاء الاصطناعي بنشاط - أي بناء وكلاء، أو مشاركة التوجيهات في «كوبايلوت»، أو مشاركة سير عملهم - فإن الأفراد يستجيبون». عندما يُطبّق المدير نموذجاً لاستخدام الذكاء الاصطناعي، يُمكن ملاحظة التغييرات السلوكية، وقياسها وتحديدها كمياً.

ووفقاً للدراسة، شهد المديرون الذين يُرسّخون ثقافة التجريب القائمة على بيئة عمل آمنة نفسياً زيادةً بنسبة 20 في المائة في استعداد موظفيهم لاستخدام الذكاء الاصطناعي وتقديرهم له. كما كانوا أكثر عرضةً بنسبة 1.4 مرة لاستخدام الذكاء الاصطناعي الفعّال بشكلٍ متكرر.

ويضيف فايرستون: «الجميل في الأمر هو سهولة البدء باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. لا توجد أدلة أو وثائق معقدة للبدء: يُمكنك ببساطة تنزيل البرنامج والبدء في استخدامه... إن طبيعة الفضول والاستكشاف والتفاؤل هذه هي ما يُميّز هذه التقنية عن غيرها».

* مجلة «فاست كومباني»