حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي أن يواسي المريض

هل تستطيع الخوارزمية أن تمنح الإنسان شعوراً بالتعاطف؟

حين تحاول الخوارزمية طمأنة الإنسان
حين تحاول الخوارزمية طمأنة الإنسان
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي أن يواسي المريض

حين تحاول الخوارزمية طمأنة الإنسان
حين تحاول الخوارزمية طمأنة الإنسان

ظلّ الطب، عبر تاريخه الطويل، قائماً على معادلة إنسانية بسيطة: الطبيب لا يكتفي بالتشخيص... بل يطمئن المريض أيضاً.

ابن سينا والذكاء الاصطناعي - الكلمة التي تشفي

ولهذا كان ابن سينا يرى أن «العلاج يبدأ بالكلام قبل الدواء»، لأن الكلمة داخل العيادة ليست مجاملة عابرة؛ بل جزء أساسي من عملية الشفاء نفسها.

من التشخيص إلى «المواساة الرقمية»

لكن ما يحدث اليوم داخل بعض أنظمة الرعاية الصحية الرقمية يفتح سؤالاً لم يكن مطروحاً بجدية حتى قبل سنوات قليلة: هل تستطيع الأنظمة الذكية أن تتعلّم كيف تُطمئن الإنسان؟

الذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر على قراءة الأشعة وتحليل النتائج واقتراح التشخيصات؛ بل بدأ يتسلل تدريجياً إلى واحدة من أكثر مناطق الطب حساسية: العلاقة النفسية بين المريض ومن يعتني به. والأنظمة الذكية تجيب عن أسئلة المرضى، وتشرح الفحوصات بلغة مبسطة، وتتابع مؤشرات القلق النفسي، وتحاول أحياناً إنتاج ردود تبدو متعاطفة وداعمة بصورة تقترب بشكل لافت من أسلوب البشر أنفسهم.

دراسات حديثة ونتائج غير متوقعة

* الردود الاصطناعية أكثر اهتماماً من البشرية. في دراسة نُشرت هذا العام بمجلة «الطب الباطني العام» (Journal of General Internal Medicine)، قادتها الباحثة الأميركية مولي روبن (Mollie Ruben) وفريقها من جامعة رود آيلاند (University of Rhode Island) الأميركية، قارن الباحثون بين ردود أطباء حقيقيين وردود أنظمة ذكاء اصطناعي على أسئلة مرضى داخل منصات طبية رقمية. والمفاجأة أن عدداً كبيراً من المشاركين قيّموا ردود الذكاء الاصطناعي على أنها أكثر تعاطفاً واهتماماً بالمريض من بعض الردود البشرية.

* قياس «التعاطف الاصطناعي». في مايو (أيار) الحالي، نُشرت مراجعة بحثية جديدة في منصة «بروتوكولات أبحاث الإنترنت الطبية» (JMIR Research Protocols) التابعة لجامعة نوتنغهام (University of Nottingham) البريطانية، ناقشت كيف بدأت المؤسسات الطبية حول العالم فعلياً دراسة مفهوم «التعاطف الاصطناعي» وطرق قياسه داخل أنظمة الرعاية الصحية الرقمية.

حين يصبح الوقت شكلاً من أشكال الرحمة

* تعاطف الروبوتات. خلصت دراسة تحليلية أوسع نُشرت هذا العام أيضاً، وراجعت 15 دراسة مختلفة قارنت بين تعاطف الأطباء وتعاطف روبوتات المحادثة الطبية، إلى أن كثيراً من المستخدمين اعتبروا ردود الذكاء الاصطناعي أكثر «تعاطفاً نصّياً» من ردود البشر في بعض السيناريوهات المكتوبة.

لماذا تبدو الخوارزمية «ألطف» أحياناً؟

قد يبدو هذا الاستنتاج صادماً، لكنه لا يعني بالضرورة أن الآلة أصبحت أكثر رحمة من الإنسان. بل ربما يكشف أزمة أعمق يعيشها الطب الحديث نفسه. فالطبيب اليوم يعمل تحت ضغط هائل من الوقت، والملفات الإلكترونية، والإجراءات الإدارية، ونقص الكوادر في كثير من الأنظمة الصحية. وفي المقابل، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يمنح المريض وقتاً أطول للإجابة، وإعادة الشرح، والتفاعل المستمر، من دون إرهاق أو استعجال أو توتر بشري.

وفي تقرير بريطاني حديث نُشر هذا الشهر، أظهرت دراسة من جامعة كينغز كوليدج في لندن (King’s College London) أن واحداً من كل سبعة بريطانيين أصبحوا يفضّلون استشارة روبوتات المحادثة الطبية في بعض الحالات بدل مراجعة الطبيب، خصوصاً مع صعوبة الوصول السريع إلى الخدمات الصحية التقليدية.

وهنا تظهر المفارقة الأكثر حساسية: فكثير من المرضى لا يبحثون دائماً عن «العاطفة الحقيقية» بقدر ما يبحثون عن الشعور بأن هناك من يُنصت إليهم بهدوء، ويمنحهم الإحساس النادر بأن أحداً لا يزال يملك الوقت للاستماع إليهم.

رحمة حقيقية أم مصطنعة؟

لكن... هل هذه رحمة حقيقية فعلاً؟ رغم هذا التقدّم، يؤكد كثير من الباحثين أن الذكاء الاصطناعي لا «يشعر» بالرحمة بالمعنى الإنساني الحقيقي. فهو لا يعرف الحزن، ولا القلق على المريض، ولا التجربة العاطفية التي ترافق المعاناة البشرية؛ بل يعتمد أساساً على تحليل اللغة والتنبؤ بالكلمات الأكثر قدرة على التهدئة والتعاطف.

ولهذا بدأ عدد متزايد من خبراء أخلاقيات الذكاء الاصطناعي التمييز بين «الرحمة الإنسانية» و«محاكاة الرحمة». فروبوتات المحادثة الطبية تستطيع إنتاج ردود تبدو دافئة ومتفهمة، لكنها في النهاية لا تعيش التجربة البشرية نفسها، وإنما تعالج أنماطاً لغوية وإحصائية معقدة.

وتزداد الحساسية الأخلاقية عندما تتحول المشاعر الإنسانية ذاتها إلى بيانات قابلة للتحليل والتوجيه. فإذا أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على قراءة القلق والخوف والوحدة بدقة متزايدة، يبرز سؤال بالغ الأهمية: كيف يمكن ضمان ألا تُستخدم هذه القدرة مستقبلاً في التأثير النفسي أو التجاري أو السلوكي على المرضى؟

الطبيب المنهك والروبوت «الطيف»

الطب المقبل... هل يصبح أكثر إنسانية أم أكثر برودة؟

المفارقة أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم فعلاً في إعادة البعد الإنساني إلى الطب، إذا استُخدم بوصفه أداة تُخفف العبء عن الطبيب، لا بديلاً عنه.

فعندما تختصر الخوارزميات الأعمال الروتينية والتوثيق الإداري والتحليل المتكرر، قد يستعيد الطبيب أثمن ما فقده الطب الحديث تدريجياً: الوقت... وقتٌ للاستماع، ولفهم المريض، ولإعادة العلاقة الإنسانية إلى قلب العيادة بدل أن تضيع خلف الشاشات والأنظمة الرقمية.

لكن الخطر يبدأ عندما تتحول العلاقة الطبية نفسها إلى تفاعل بارد بين مريض وخوارزمية، مهما بدت لغتها متعاطفة أو مطمئنة. فالطب لم يكن يوماً مجرد معلومات وتشخيصات؛ بل علاقة ثقة ومسؤولية وخبرة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في معادلات رقمية.

ولهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي: هل تستطيع الآلة أن تُقنع الإنسان بأنها ترحمه؟ بل: هل يستطيع الطب أن يحتفظ بإنسانيته عندما تبدأ الآلة في تقليد أكثر الصفات البشرية حساسية؟



مختبر بريطاني متطور يرصد المخاطر الكامنة في الذكاء الاصطناعي

ساحة البرلمان في لندن حيث يقع مقر المعهد
ساحة البرلمان في لندن حيث يقع مقر المعهد
TT

مختبر بريطاني متطور يرصد المخاطر الكامنة في الذكاء الاصطناعي

ساحة البرلمان في لندن حيث يقع مقر المعهد
ساحة البرلمان في لندن حيث يقع مقر المعهد

يتحول معهد أمن الذكاء الاصطناعي الحكومي، الذي يضم خريجين من شركتي «أوبن إيه آي» و«غوغل»، إلى نموذج يُحتذى به للدول التي تواجه المخاطر الناشئة للذكاء الاصطناعي، كما كتب آدم ساتاريانو وبول موزور(*).

خداع الذكاء الاصطناعي

في أحد الأيام الأخيرة، وفي مبنى حكومي يعود للعصر الإدواردي في ساحة البرلمان بلندن، انشغل أربعة خبراء في الذكاء الاصطناعي بخداع برنامج دردشة آليّ للحصول على تعليمات صنع سلاح الجمرة الخبيثة الفتاك.

طلب الخبراء من البرنامج الآلي، بطرق مختلفة، تزويدهم بقائمة المكونات اللازمة. وعندما رفض النظام قائلاً: «معذرةً، لا أستطيع المساعدة في ذلك»، استخدموا خوارزمية مُخصصة لإغراق البرنامج بآلاف الأسئلة والتوجيهات الآلية.

* إجبار نظام ذكاء اصطناعي على تقديم بيانات لصنع الجمرة الخبيثة

وفي النهاية، استجاب البرنامج، إذ قدَّم قائمة مفصلة بالمواد والمعدات، بالإضافة إلى وصفة خطوة بخطوة لتحضير المزيج القاتل في المنزل. (وقد وافقت صحيفة «نيويورك تايمز» على حجب اسم نظام الذكاء الاصطناعي لأسباب أمنية).

نجاح اختراق الذكاء الاصطناعي

يقول زاندر ديفيز، خبير أميركي يبلغ من العمر 25 عاماً، ويرأس ما يُعرف بفريق الاختبار الأحمر في معهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني: «هناك بعض الأسئلة التي لا نرغب بالتأكيد أن يُجيب عنها النموذج. (ومع ذلك) نبذل قصارى جهدنا للحصول على الإجابات».

كما تمكَّن ديفيز وفريقه، الذين يُحاكون الهجمات على أنظمة الذكاء الاصطناعي، أخيراً من اختراق إجراءات الحماية في أحدث روبوت محادثة «تشات جي بي تي»، حيث استطاعوا إقناعه بتقديم نصائح للاختراق في غضون ست ساعات تقريباً.

تعاون لتأمين النتائج

وبعد اكتشافهم لتلك المشاكل، يُشارك الخبراء النتائج مع الشركات. ويقول ديفيز، وهو عالم حاسوب اختار العمل في المعهد بدلاً من وظيفة تقنية في سان فرانسيسكو بعد تخرجه في جامعة هارفارد: «إنهم يحاولون إصلاحها، ويُبلغوننا بالنتائج. إنهم في الواقع يُعززون نظامهم بالتعاون معنا».

معهد لمفتشي الأسلحة وعلماء الأوبئة خبراء وفك الشفرات

يُعدّ معهد أمن الذكاء الاصطناعي A.I. Security Institute، الذي يضمّ مزيجاً من مفتشي الأسلحة وعلماء الأوبئة وخبراء فكّ الشفرات، أحد أكبر الجهود الحكومية وأكثرها تمويلاً في العالم، المُخصصة لدراسة المخاطر الكارثية المحتملة لهذه التقنية.

وقد اكتشف موظفو المعهد، البالغ عددهم نحو 100 موظف - والذين ينتمون إلى وكالات الاستخبارات البريطانية والأوساط الأكاديمية وشركات التكنولوجيا - ثغرات أمنية خطيرة في جميع نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة التي اختبروها، بما في ذلك نموذج «كلود» من شركة «أنثروبيك» ونموذج «جيميناي» من شركة «غوغل».

* حصل الخبراء على تعليمات صنع الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والتخطيط للهجمات الإلكترونية وتنفيذها

وقد صرَّح المعهد الذي أُنشئ قبل نحو ثلاث سنوات، بأنه استغل أنظمة الذكاء الاصطناعي لتبادل تعليمات صنع الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، والتخطيط للهجمات الإلكترونية وتنفيذها. وينشر المعهد أبحاثه، كما يتعاون مع أجهزة الأمن القومي البريطانية لتحديد التهديدات الناشئة والاستعداد لها.

نموذج تحتذي به حكومات العالم

والآن، يُصبح عمل المعهد نموذجاً يُحتذى به للحكومات الأخرى مع تزايد المخاوف بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي. وتدرس إدارة ترمب وضع قواعد لفحص نماذج الذكاء الاصطناعي، تتشابه في بعض جوانبها مع النهج الذي ابتكره المعهد البريطاني.

وفي ظل افتقار العديد من الحكومات للفهم التقني اللازم لمراقبة التكنولوجيا، واعتمادها على شركات التكنولوجيا الكبرى للتنظيم الذاتي، قد يُقدّم المعهد مساراً مختلفاً يُتيح لخبراء الذكاء الاصطناعي إدخال خبراتهم التقنية الحقيقية في عملية صنع القرار الحكومي.

اختبار «ميثوس»

في أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت شركة أنثروبيك عن نموذج ذكاء اصطناعي جديد، أطلقت عليه اسم «ميثوس»، لكنها لم تُعلن عنه خشية أن يكشف عن ثغرات أمنية في الشبكات العالمية ويستغلها. وكان المعهد البريطاني الجهة الحكومية الوحيدة غير الأميركية التي حصلت على النموذج لاختبار سلامته. وقد حظيت نتائج الاختبار، التي نُشرت بعد ستة أيام من الإعلان عن «ميثوس»، باقتباسات واسعة من خبراء الأمن.

المعهد البريطاني أفضل من المركز الأميركي

ولدى الولايات المتحدة فريقها الخاص بسلامة الذكاء الاصطناعي، وهو مركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي Center for A.I. Standards and Innovation. لكن النسخة البريطانية، المدعومة بـ360 مليون جنيه إسترليني من الأموال الحكومية، أي ما يعادل نحو 480 مليون دولار، أكبر وأفضل تمويلاً من نظيرتها الأميركية، التي ستتلقى نحو 10 ملايين دولار هذا العام. وقد أنشأت أستراليا وكندا والصين وفرنسا والهند واليابان وسنغافورة معاهد مماثلة.

ومع ذلك، فإن الاستثمار العالمي في سلامة الذكاء الاصطناعي لا يزال ضئيلاً مقارنةً بالمبالغ الطائلة المخصصة لتطوير هذه التقنية وتسويقها. والمعروف أن لدى «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«غوغل» فرق تعمل على ضوابط السلامة، لكن الباحثين الخارجيين يكتشفون باستمرار ثغرات خطيرة.

* أكاديميون إيطاليون خدعوا نظاماً ذكياً بأبيات من الشعر للحصول على تعليمات صنع قنابل

وقد تمكن أكاديميون في إيطاليا أخيراً من خداع نموذج ذكاء اصطناعي لتقديم تعليمات متعلقة بالقنابل باستخدام أبيات من الشعر.

تردد الحكومات

لم تُنشئ الحكومات، في الغالب، أنظمة مخصصة لمراجعة الذكاء الاصطناعي من حيث مخاطر السلامة والأمن، كما فعلت في قطاعات مثل تطوير الأدوية أو صناعة السيارات.

جايد ليونغ مستشارة الذكاء الاصطناعي لرئيس الوزراء البريطاني

«ما يُقلقني حقاً هو سرعة تطور التكنولوجيا مقارنةً بالمؤسسات الحكومية التي يتعين عليها الاستجابة»، هذا ما قالته جايد ليونغ، مستشارة الذكاء الاصطناعي لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والمديرة التقنية لمعهد أمن الذكاء الاصطناعي.

نشوء المعهد

نشأ معهد الأمن البريطاني هذا بعد اجتماع عُقد عام 2023 في مقر رئاسة الوزراء البريطانية بين ريتشي سوناك رئيس الوزراء حينذاك وثلاثة من أبرز قادة الذكاء الاصطناعي في العالم: سام ألتمان من «أوبت إيه آي»، وداريو أمودي من «أنثروبيك»، وديميس هاسابيس من«غوغل ديب مايند». وأشار سوناك إلى قول أولئك الخبراء إن قدرات الذكاء الاصطناعي تتسارع، مما يُؤثر بشكلٍ كبير على الحكومة والوظائف والأمن القومي. وأضاف: «لقد فوجئوا حتى أنفسهم، بوتيرة التطور».

وأصبح المعهد نموذجاً يُحتذى به، كما صرّحت أوليفيا شين، مديرة برنامج التقنيات الاستراتيجية في مركز الدراسات الأميركية، وهو مركز أبحاث أسترالي تابع لجامعة سيدني. في العام الماضي، سافرت جايد ليونغ من المعهد البريطاني إلى أستراليا للقاء قادة حكوميين. وفي هذا العام، افتتحت أستراليا مركزها الخاص لأمن الذكاء الاصطناعي.

وقالت شين، التي ساعدت في تنظيم الزيارة: «على الحكومات أن تواكب التطور التكنولوجي. فمع سرعة تطور التكنولوجيا، تتخلف الحكومات يوماً بعد يوم».

تهديدات إلكترونية بسرعة أكبر من أي اختراق بشري

يعمل المعهد البريطاني على دراسة أخطر المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي المتقدم: التهديدات السيبرانية، والأسلحة الكيميائية والبيولوجية، والتلاعب بالسلوك البشري. وفي الأسابيع الأخيرة، وجد المعهد أن نماذج الذكاء الاصطناعي من شركتي أنثروبيك وأوبن إيه آي قادرة على إنجاز هجوم معقد على شبكة شركة، يتألف من 32 خطوة، بسرعة أكبر بكثير، وهو هجوم يستغرق عادةً 20 ساعة من قبل مخترق بشري ماهر.

الخداع والتحكم بالسلوك البشري

ويبحث مجال بحثي آخر في إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في الخداع إذ تُدرك النماذج متى يتم اختبارها وتُعدّل سلوكها، وهو تطور يُشير إلى مستوى وعي الذكاء الاصطناعي وقدرته على الخداع.

آدم بومونت المدير المؤقت لمعهد أمن الذكاء الاصطناعي

وقال آدم بومونت، المدير المؤقت لمعهد أمن الذكاء الاصطناعي، إن أحد المخاوف الرئيسية هو محاكاة هذه التقنية للسلوك البشري. في العام الماضي، نشر المعهد دراسة وجدت أن برامج الدردشة الآلية قادرة على التأثير على الآراء السياسية للأفراد.

وأضاف السيد بومونت، وهو مسؤول سابق رفيع المستوى في مجال الذكاء الاصطناعي في مقر الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ)، وكالة الاستخبارات والأمن السيبراني البريطانية: «يدرس الكثيرون في هذا المبنى كل هذه الأمور».

صلاحيات محدودة

يخشى الكثيرون من عدم كفاية عمل المعهد. لا تملك هذه المجموعة البريطانية أي سلطة تنظيمية، ولا يتلقى باحثوها معلومات حول كيفية تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة وإنشائها. كما يُبقي المعهد الكثير من أبحاثه سرية، ولا تُشاركه إلا مع بعض الوكالات الحكومية والشركات.

يُمثِّل التوظيف تحدياً أيضاً. فباستثناء كبار القادة، يمكن أن يصل راتب العاملين فيها إلى 145 ألف جنيه إسترليني سنوياً، أو ما يُعادل 195 ألف دولار أميركي تقريباً. تخلى الكثيرون عن رواتب بملايين الدولارات في شركات الذكاء الاصطناعي للقيام بما وصفه البعض بـ«خدمة حكومية».

كان إيان هوغارث، مستثمر التكنولوجيا والمؤسس المشارك للمعهد، من أوائل الداعمين لشركة أنثروبيك. ولتجنُّب تضارب المصالح، باع حصته في الشركة بعد انضمامه إليه. ومن المتوقع أن تصل قيمة هذا المعهد بوصفه شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى 900 مليار دولار قريباً، بعد أن كانت نحو 4 مليارات دولار في بداية عام 2023.

* خدمة«نيويورك تايمز».


الجينوم الأفريقي يعيد رسم خريطة السكري

الجينوم الأفريقي يعيد رسم خريطة السكري
TT

الجينوم الأفريقي يعيد رسم خريطة السكري

الجينوم الأفريقي يعيد رسم خريطة السكري

كشفت دراستان جينوميتان حديثتان عن صورة أكثر تعقيداً ودقة لداء السكري من النوع الثاني لدى سكان القارة الأفريقية، مؤكِّدتين أن الاعتماد على نماذج تشخيصية وعلاجية مطوَّرة في سياقات سكانية محدودة لم يعد كافياً. وتُبرز النتائج الدور الحاسم للتنوُّع الجيني الأفريقي في فهم آليات المرض، وتشير إلى آفاق جديدة لطب دقيق أكثر عدالة وفعالية.

*أوسع تحليل يربط بين بروتينات الدم والاختلافات الجينية لدى أفراد من أفريقيا*

الدراسة الأولى التي نُشرت في مجلة «Nature Genetics» في 8 يناير (كانون الثاني) 2026 قدَّمت أوسع تحليل حتى اليوم يربط بين بروتينات الدم والاختلافات الجينية لدى أفراد من أفريقيا القارية، وقادها باحثون من معهد «هيلمهولتز» في ميونيخ، بالتعاون مع جامعة «كوين ماري» في لندن، والجامعة التقنية في ميونيخ، إلى جانب مجلس البحوث الطبية ومعهد بحوث فيروس أوغندا، ووحدة بحوث أوغندا التابعة لكلية لندن للصحة وطب المناطق الحارة.

وتعالج هذه الدراسة فجوة تاريخية في البحوث الطبية العالمية؛ حيث ظلَّت المجتمعات الأفريقية ممثَّلة تمثيلاً محدوداً في الدراسات الجينية واسعة النطاق.

سد فجوة العدالة في الصحة العالمية

ويُعدُّ السكري من النوع الثاني تحدياً صحياً متزايداً في أفريقيا جنوب الصحراء؛ لكنه غالباً ما يُشخَّص تشخيصاً ناقصاً أو غير دقيق. ويعود ذلك جزئياً إلى أن مؤشرات التشخيص الشائعة مثل الهيموغلوبين السكري (HbA1c) طُوِّرت اعتماداً على دراسات أُجريت على سكان من أصول أوروبية. وقد تكون أقل دقة لدى السكان الأفارقة بسبب الاختلافات الجينية والبيولوجية. وحتى وقت قريب كان النقص الحاد في الدراسات الجينية والبروتينية داخل أفريقيا يحدُّ من تطوير أدوات تشخيصية وعلاجية ملائمة لهذه المجتمعات.

أنماط بروتينية فريدة تكشف أسرار المرض

واعتمد الباحثون برئاسة الدكتور أوبييمي سوريميكون (الباحث الأول في الدراسة من معهد علم الجينوم الانتقالي، وزميل بحوث سابق في معهد «هيلمهولتز» بميونيخ) في هذه الدراسة على دمج البيانات الجينومية مع بيانات البروتينات البلازمية لعينة من أوغندا، ما أتاح رسم خريطة لنحو 400 منطقة جينية تتحكم في مستويات البروتينات في الدم، من بينها 58 منطقة لم تكن معروفة سابقاً لدى أفراد من أصول أفريقية. كما حدد الفريق 18 بروتيناً يُحتمل أن يكون لها دور سببي مباشر في الإصابة بالسكري من النوع الثاني. ويجري استهداف بعض هذه البروتينات بالفعل بأدوية متوفرة، ما يفتح المجال لتحسين أو إعادة توظيف علاجات قائمة بما يتناسب مع الخصائص البيولوجية للسكان الأفارقة.

اختلاف أفريقي أوروبي

ولوحظ أن عدداً من البروتينات، مثل «أبوليبوبروتين إف» (apolipoprotein F) وإنزيم «ليبوبروتين ليباز» (lipoprotein lipase) أظهرت أنماطاً مميَّزة لدى المشاركين الأوغنديين لم تُسجَّل لدى الأوروبيين، وهو ما يؤكد أهمية البحوث المصممة خصيصاً لكل مجموعة سكانية. ويشير الباحثون إلى أن هذه النتائج لا تعمِّق فهم بيولوجيا السكري فحسب؛ بل توفِّر أيضاً أساساً عملياً لتطوير مؤشرات حيوية جديدة وتشخيص أكثر دقة.

*السكري من النوع الثاني ليس مرضاً ذا مسار بيولوجي واحد بل يختلف من مجتمع إلى آخر*

وتتكامل هذه النتائج مع دراسة جينومية سابقة نُشرت في مجلة «Diabetologia» بتاريخ 1 مارس (آذار) 2025، بقيادة فيفيان شيبي (باحثة في المعلوماتية الحيوية في معهد سيدني برينر للعلوم البيولوجية الجزيئية، جامعة ويتواتر سراند، جنوب أفريقيا) ركَّزت على سمات مستوى السكر في الدم لدى سكان القارة الأفريقية، من خلال دراسات الارتباط على مستوى الجينوم (GWAS). فقد تناولت الدراسة 4 سمات رئيسية مرتبطة بخطر السكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأيض، هي: مستوى الغلوكوز في الدم خلال الصيام، ومستوى الإنسولين خلال الصيام، ومقاومة الإنسولين (HOMA-IR)، ووظيفة خلايا «بيتا» في البنكرياس (HOMA-B)، وتُعد هذه السمات الأربع متغيرات كمية محورية في تحديد الاستعداد للإصابة بالمرض.

ورغم أن دراسات الارتباط الجيني السابقة حدَّدت مئات المتغيرات المرتبطة بهذه السمات، فإن القليل جداً منها شمل سكان القارة الأفريقية. وقد أظهرت هذه الدراسة أن تكرار الإشارات الجينية المعروفة كان محدوداً، ما يشير إلى وجود بنية وراثية مميَّزة لسمات مستوى السكر في الدم لدى السكان الأفارقة. ويعني ذلك أن جزءاً مهماً من الأساس الجيني للسكري قد لا يكون ممثَّلاً في النماذج العالمية الحالية.

توسيع البحوث لتعكس تنوُّع أفريقيا

وتؤكد النتائج أن السكري من النوع الثاني ليس مرضاً ذا مسار بيولوجي واحد؛ بل نتيجة تفاعل معقَّد بين الجينات والبروتينات والبيئة يختلف من مجتمع إلى آخر. كما تبرز النتائج الحاجة الملحَّة إلى توسيع البحوث الجينومية والبروتينية في أفريقيا، بما يعكس تنوُّعها الجيني والثقافي والغذائي والبيئي.

ويخطط الباحثون لتوسيع نطاق هذه الدراسات، لتشمل مجموعات سكانية أفريقية إضافية، على أمل تطوير مؤشرات تشخيصية واستراتيجيات علاجية أكثر تمثيلاً وفاعلية. ومن خلال احتضان التنوع الجيني في البحث العلمي تقترب الرعاية الصحية خطوة إضافية نحو طب دقيق يخدم الجميع بعدالة، ويمنح ملايين الأشخاص فرصاً أفضل للوقاية والتشخيص والعلاج المبكر.


أجهزة استشعار متطورة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض الوراثية

أجهزة استشعار متطورة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض الوراثية
TT

أجهزة استشعار متطورة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض الوراثية

أجهزة استشعار متطورة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض الوراثية

في خطوة علمية قد تُحدِث تحولاً جذرياً في أبحاث الدماغ طوّر فريق من الباحثين أجهزة استشعار بسيطة ومنخفضة التكلفة قادرة على مراقبة النشاط الكهربائي داخل النماذج الدماغية المصغرة التي يتم زراعتها في المختبر. ولا يَعِد هذا الابتكار فقط بتسريع فهم الاضطرابات الجينية المعقدة، بل قد يجعل أبحاث الدماغ المتقدمة في متناول عدد أكبر من المختبرات حول العالم.

ويظل الدماغ البشري أحد أكثر الأعضاء غموضاً وتعقيداً. وعلى الرغم من الاعتماد الطويل على النماذج الحيوانية، فإنها لم تتمكن من محاكاة التعقيد الحقيقي للدماغ البشري. وقد دفع هذا التحدي العلماء إلى تطوير ما يُعرف بـ«العضيات الدماغية» وهي أنسجة صغيرة تُزرع من الخلايا الجذعية وتحاكي بعض خصائص الدماغ.

وقد فتحت هذه العضيات باباً واسعاً لدراسة الأمراض العصبية الوراثية، مثل متلازمة أنجلمان Angelman syndrome وهي حالة تتميز بتأخر النمو والإعاقات الذهنية واضطرابات النطق وصعوبات الحركة والقدرات التواصلية. ومع ذلك واجهت هذه الأبحاث عقبة كبرى هي ارتفاع تكلفة الأجهزة المستخدمة لمراقبة النشاط الكهربائي داخل هذه العضيات.

جهاز استشعار ذكي

لطالما شكّلت التكلفة الباهظة للأجهزة التقليدية عائقاً أمام تقدم الأبحاث العصبية، حيث تعتمد الأدوات الحالية على مواد نادرة وطرق تصنيع معقدة ما يجعل التجارب محدودة بعدد قليل من العينات فقط. ويحرم هذا القيد المالي العلماء من الحصول على بيانات شاملة، ويحد من قدرتهم على فهم التباين البيولوجي بين العينات.

لكنّ فريقاً بحثياً من جامعة ولاية كارولاينا الشمالية في الولايات المتحدة نجح في كسر هذا الحاجز من خلال تطوير جهاز مبتكر يحمل اسم «مصفوفة مطابقة لرصد الفيزيولوجيا الكهربائية للعضيات» Conformal Array for Monitoring Electrophysiology of Organoids (CAMEO) في دراسة نُشرت في مجلة «npj Biosensing» في أبريل (نيسان) 2026.

وقد أوضحت الباحثة نافيا ميشرا المؤلفة الرئيسية للدراسة من قسم الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسوب في كارولاينا الشمالية أن هذا الجهاز يقدم حلاً عملياً يجمع بين الدقة العالية والتكلفة المنخفضة ما يمهّد لمرحلة جديدة في أبحاث الدماغ تتسم بقدرة أكبر على التوسع، ودقة أعلى في النتائج.

وتعتمد المصفوفه أو CAMEO على تقنية مبتكرة تستخدم أنابيب الكربون النانوية المرنة التي تُرتب على شكل سلة دقيقة. إذ تُوضع العضية الدماغية داخل هذه «السلة»، وتعمل الخيوط النانوية كأنها أقطاب كهربائية تلتقط الإشارات العصبية.

ثم تُنقل هذه الإشارات إلى جهاز تسجيل مما يسمح للعلماء بمراقبة النشاط الكهربائي بدقة عالية وفي الوقت الفعلي تماماً كما تفعل الأجهزة التقليدية ولكن بتكلفة أقل بكثير. وفي الاختبارات الأولية أظهر الجهاز قدرة فائقة على التقاط الإشارات الضعيفة والاستجابة للتغيرات الكيميائية، مما يؤكد كفاءته في التطبيقات البحثية.

شكل تصويري لخلايا حية تزرع مختبريا لتطوير الأنسجة الحية الصغيرة التي تحاكي اعضاء الجسم

أهمية التطوير

• لماذا يُعد هذا التطور مهماً؟ أولاً لأنه يوسّع نطاق الأبحاث بشكل غير مسبوق. كما أن انخفاض التكلفة يعني أن الباحثين يمكنهم دراسة عدد أكبر بكثير من العضيات في تجربة واحدة ما يعزز دقة النتائج، ويقربهم من فهم أعمق للأمراض.

ثانياً لأنه يمهّد لتوحيد طرق البحث، حيث إن وجود نظام بسيط وموحّد يسهل على المختبرات في مختلف أنحاء العالم مقارنة نتائجها وتبادل البيانات، وهو أمر أساسي لتسريع الاكتشافات العلمية.

وثالثاً إتاحة أبحاث الدماغ للمختبرات الصغيرة. فالمختبرات الصغيرة أو الموجودة في دول ذات موارد محدودة لم تعد مستبعدة من هذا المجال المتقدم، بل يمكنها الآن المساهمة فيه بفاعلية.

• آفاق أوسع من مجرد اضطراب واحد. ولا يقتصر تأثير هذا الابتكار على دراسة متلازمة أنجلمان فقط، بل يمتد إلى طيف واسع من الاضطرابات العصبية، مثل التوحد والصرع والأمراض التنكسية مثل ألزهايمر. كما يمكن استخدامه في اختبار الأدوية الجديدة عبر مراقبة كيفية استجابة الخلايا العصبية للعلاجات المختلفة، مما قد يسرّع تطوير علاجات أكثر دقة وفاعلية.

ويرى الباحثون أن هذا الإنجاز ليس سوى البداية. فمع تطور تقنيات زراعة العضيات ستصبح الأدوات مثل CAMEO جزءاً أساسياً من المختبرات، وتساعد في فك أسرار الدماغ بطرق لم تكن ممكنة من قبل.

في النهاية، لا يمثل هذا الابتكار مجرد تحسين تقني بل سيكون تحولاً جذرياً في طريقة إجراء أبحاث الدماغ ما يجعلها أسرع وأوسع وأكثر شمولاً. وبالنسبة للمرضى وعائلاتهم يحمل هذا التقدم رسالة أمل أن الطريق نحو فهم أفضل للأمراض العصبية وربما علاجها قد أصبح أقصر مما كان عليه بالأمس.

لدراسة الأنسجة الصغيرة التي تحاكي بعض خصائص الدماغ