«مدرّبو الذكاء الاصطناعي»... يُخبرون القادة بما يُريدون سماعه

قرارات القيادة تعتمد على تقييم سياق الأفكار والأعمال

«مدرّبو الذكاء الاصطناعي»... يُخبرون القادة بما يُريدون سماعه
TT

«مدرّبو الذكاء الاصطناعي»... يُخبرون القادة بما يُريدون سماعه

«مدرّبو الذكاء الاصطناعي»... يُخبرون القادة بما يُريدون سماعه

تشاركت إحدى كبار المديرات التنفيذيات مؤخراً بأمر بدا مُفاجئاً في البداية. قالت: «أجد أنه من الأسهل عليّ الانفتاح على الذكاء الاصطناعي أكثر من الانفتاح على شخص (آدمي)»، كما كتب لويس فيلاسكيز(*).

مدرّب ذكاء اصطناعي للشركة

وكانت تُشير إلى منصة تدريب تعتمد على الذكاء الاصطناعي أطلقتها شركتها. وتُحفز هذه الأداة أسئلة تأملية، وتُساعدها على التفكير في التحديات، وتُقدم اقتراحات بناءً على أنماط إجاباتها. وقد قدّرت خصوصية النظام وخلوه من الأحكام المُسبقة. وأوضحت قائلةً: «لا يوجد أي ضغط. النظام يُساعدني فقط على التفكير».

لم يكن رد فعلها هذا غريباً. فمع ازدياد تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، تُجرّب العديد من المؤسسات منصات التدريب المدعومة بالذكاء الاصطناعي. إذ تُبشر هذه الأنظمة بإمكانية التوسع والاتساق والوصول الفوري إلى التوجيه - وهي مزايا جذابة للمؤسسات التي تُعاني من محدودية موارد تطوير القيادة.

بين استخلاص الرؤى... والنمو الحقيقي

لكن هذا التوجه يُثير تساؤلاً مهماً: إذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعي مُساعدة القادة على التأمل وتحليل القرارات واستخلاص الرؤى، فهل هذا كافٍ لتسريع النمو؟

تكشف الإجابة عن جانب أعمق في تطوير القيادة. لا يقتصر التدريب على إيجاد حلول أفضل فحسب، بل غالباً ما يتعلق بمواجهة الأسئلة التي يفضل القادة تجنبها.

الاحتكاك وتحدي الأفكار.. مهم للقادة

وهنا تبرز أهمية الاحتكاك إذ يتطلب نمو القيادة وجود الاحتكاك أي شحذ الأفكار أو تحديها. ولا تتحقق معظم الإنجازات القيادية عندما يكون التأمل سهلاً، بل عندما يتحدى أحدهم الرواية التي يرويها القادة لأنفسهم.

في جلسات التدريب، غالباً ما يأتي القادة بتفسير واضح لمشكلتهم. أحياناً يكون هذا التفسير دقيقاً، لكنه غالباً ما يكون ناقصاً.

قد يعزو قائد ما صراع فريق العمل إلى ضعف التواصل، بينما تكمن المشكلة الأساسية في غموض السلطة. وقد يعتقد آخر أنه يُتجاهل لأسباب تتعلق بسياسة المؤسسة، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في أن تفكيره الاستراتيجي غير واضح لأصحاب المصلحة الرئيسيين.

نادراً ما تكون هذه التفسيرات الخاطئة مقصودة، بل تنشأ عن اختصارات معرفية، ومنطق دفاعي، والميل البشري الطبيعي إلى حماية الشعور بالكفاءة.

ذكاء اصطناعي مؤطر ضمن الرواية المقدمة له

يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي مساعدة القادة في تحليل المعلومات، لكنها عادةً ما تعمل ضمن إطار الرواية التي يقدمها القائد. يتفوق الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأنماط وتحسينها، لكن قرارات القيادة تعتمد في نهاية المطاف على التقييم السياقي، وهو أمر لا يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاته حتى الآن.

في المقابل، يُشكك المدربون البشريون في هذه الرواية، ويُضيفون عنصر التحدي.

المدرب البشري.. أفضل

ما الذي يفعله المدربون البشريون ولا يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله؟

من خلال عملي (مدرباً بشرياً) مع كبار القادة، ألاحظ أدواراً عديدة يؤديها المدربون البشريون، التي تعجز التكنولوجيا عن محاكاتها.

*تحدي رواية القائد

غالباً ما يصل القادة إلى جلسات التدريب وهم يحملون تفسيراً واثقاً لوضعهم.

ولا يقتصر دور المدرب البشري على المساعدة في تحسين هذا التفسير، بل يتعداه إلى اختباره. على سبيل المثال، قد يقول أحد المديرين التنفيذيين: «فريقي يُقاوم التغيير». لكن البحث الأعمق قد يكشف أن الفريق في الواقع يفتقر إلى الوضوح بشأن الأولويات أو سلطة اتخاذ القرار.

قد يعتقد قائد آخر أنه يُعاني من صعوبة التأثير، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في أن عمله غير مرئي إلى حد كبير لأصحاب المصلحة الأكثر أهمية.

يتطلب اختبار هذه الافتراضات حكمةً وبديهةً واستعداداً لتحدي رواية القائد.. ونادراً ما تقوم الخوارزميات بذلك.

كشف المخبوءات الداخلية

*كشف ما يتجنبه القادة

كثير من أهم تحديات القيادة مشحونة عاطفياً. وتتعلق هذه التحديات بالهوية، والسمعة، وديناميكيات السلطة داخل المؤسسة، وهي مواضيع غالباً ما يجد القادة صعوبة في مواجهتها بشكل مباشر.

في جلسات التدريب، غالباً ما تتحول المحادثات من الأسئلة التشغيلية إلى مخاوف أعمق:

• الخوف من فقدان المصداقية

• القلق بشأن التعامل مع الديناميكيات السياسية

• عدم اليقين بشأن كيفية نظر الآخرين إليهم

نادراً ما تظهر هذه القضايا من خلال أسئلة منظمة أو أدوات تأمل ذاتي، بل تظهر من خلال الحوار. يساعد المدرب الماهر القادة على استكشاف هذه التوترات بدلاً من تجاهلها.

توسيع آفاق رؤية القادة لفهم أنفسهم

غالباً ما تحدث أقوى لحظات التدريب عندما يبدأ القادة في إعادة تفسير دورهم، وعندما يبدأون في رؤية أنفسهم والعالم الذي يعملون فيه بشكل مختلف.

قد يكتشف القائد الذي يعتقد أنه يجب عليه حل كل مشكلة بنفسه أن التحدي الحقيقي الذي يواجهه هو تمكين الآخرين من تحمّل المسؤولية. وقد يدرك قائد آخر أن موثوقيته جعلته، دون قصد، بمثابة شبكة الأمان للمنظمة، حيث يمتص المشاكل بدلاً من مساعدة النظام على معالجتها.

نادراً ما تأتي هذه التحولات من فكرة واحدة، بل تنشأ من خلال حوار مستمر وإعادة صياغة الأفكار.

يمكن للذكاء الاصطناعي توليد الأفكار، لكن تحولات المنظور غالباً ما تحدث من خلال العلاقات مع شخص يرى أنماطاً لا يستطيع القائد رؤيتها بعد.

الفرصة الحقيقية للذكاء الاصطناعي

لا يهدف هذا المقال إلى تصوير الذكاء الاصطناعي والتدريب البشري بوصفهما عنصرين منافسين، بل على العكس، يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة فعّالة لتطوير القيادة، حيث يمكنه مساعدة القادة على التأمل بشكل متكرر، ومعالجة المعلومات بسرعة، واستكشاف وجهات نظر بديلة. لكن التأمل وحده نادراً ما يُحدث تحولاً جذرياً.

*قد يُسهم التدريب المدعوم بالذكاء الاصطناعي في تطوير القيادة بنسبة 90 في المائة

عادةً ما يتطلب نمو القيادة ما هو أصعب: مواجهة نقاط الضعف، وتحدي الافتراضات، وتجربة طرق جديدة في التفكير والسلوك. نادراً ما تحدث تلك اللحظات بمعزل عن غيرها، بل تحدث في خضم الحوار البشري.

قد يُسهم التدريب المدعوم بالذكاء الاصطناعي في تطوير القيادة بنسبة 90 في المائة، لكنّ الإنجازات التي تُغيّر السلوك غالباً ما تنشأ من خلال التفاعل البشري والملاحظة.

الجمع بين التأمل بالذكاء الاصطناعي والتدريب البشري

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن النموذج الأكثر فعالية يجمع بين التأمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي والتدريب البشري بدلاً من استبداله.

مع استمرار تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، ستلعب بلا شك دوراً أكبر في تطوير القيادة. لكنّ جوهر تطوير القيادة سيظل قائماً على العلاقات، لأنّ القيادة نفسها علاقة. فكلما زادت كفاءة القادة بفضل الأدوات الرقمية، ازداد حرصهم على الحوار البشري المصاحب والضروري.

يتفوق مدربو الذكاء الاصطناعي في السرعة، والتعرف على الأنماط، وقابلية التوسع. بينما يتميز المدربون البشريون بقدرتهم على التقييم السياقي، وبناء الثقة، وتحدي الأفكار التي يرويها القادة لأنفسهم.

النموذج الأمثل هو النموذج الهجين: الذكاء الاصطناعي لتحقيق الكفاءة والزخم، والبشر لإحداث الاحتكاك والحوار الذي يدفع نحو التغيير.

* مجلة «فاست كومباني».


مقالات ذات صلة

نموذج ذكاء اصطناعي من «أنثروبيك» يرسل بلاغاً كاذباً لشرطة فيلادلفيا

تكنولوجيا شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)

نموذج ذكاء اصطناعي من «أنثروبيك» يرسل بلاغاً كاذباً لشرطة فيلادلفيا

أرسل نموذج ذكاء اصطناعي طورته شركة «أنثروبيك» بلاغاً كاذباً إلى شرطة فيلادلفيا في الولايات المتحدة بشأن جريمة قتل لم تُحل.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
تكنولوجيا تقدّم «غوغل كلاود» وكيل «جيميناي» بوصفه أداة تنفذ مهام كاملة بدلاً من الاكتفاء بالإجابة عن الأسئلة (شاترستوك)

«غوغل كلاود» تحوّل «جيميناي» من مساعد ذكي إلى «زميل عمل» رقمي

تقدّم «غوغل كلاود» وكيل «جيميناي» الجديد لتنفيذ مهام العمل عبر التطبيقات، مع ذاكرة مستمرة وصلاحيات مؤسسية وأدوات تحليل متقدمة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تقل نسبة المراهقين الذين يستمرون في جلسات تتجاوز 3 ساعات متواصلة عن 2 % (د.ب.أ)

«أوبن إيه آي»: المراهقون يستخدمون «ChatGPT» أقل من 15 دقيقة يومياً

تكشف «أوبن إيه آي» أن المراهقين يستخدمون «ChatGPT» أقل من 15 دقيقة يومياً، وسط تدقيق متزايد في فاعلية أدوات الحماية.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد كلمات «الذكاء الاصطناعي» ومجسّم روبوت صغير وعلم الولايات المتحدة في رسم توضيحي (رويترز)

الذكاء الاصطناعي يقود السوق الصاعدة للأسهم الأميركية إلى عامها الرابع

تواصل السوق الصاعدة للأسهم الأميركية مسيرتها القوية مع اقتراب الذكرى السنوية الرابعة لانطلاقها، مدفوعة بمحرك الإنفاق على الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
تكنولوجيا يمكن للمقياس أن يدفع الأنظمة الذاتية إلى تعديل طريقة التعلم أو إعادة تقييم خطتها عند ظهور معلومات مهمة (أدوبي)

مقياس جديد يساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على «فهم المفاجأة»

يقترح باحثون مقياساً جديداً يساعد الأنظمة الذاتية على تمييز الأحداث النادرة من التغيرات التي تتطلب إعادة التقييم وتعديل السلوك.


«النينيو» تهدّد صحة الملايين... والعلماء يحدّدون 5 خطوات للمواجهة

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
TT

«النينيو» تهدّد صحة الملايين... والعلماء يحدّدون 5 خطوات للمواجهة

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

حدّد علماء مناخ 5 إجراءات رئيسية يمكن للدول اتخاذها لتعزيز استعدادها لظاهرة «النينيو» والحدّ من تداعياتها الصحية، محذّرين من ارتفاع مُحتَمل في مخاطر انتشار الأمراض المعدية وسوء التغذية، فضلاً عن المشكلات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، مثل الجفاف وضربة الشمس.

وجاءت التوصيات في دراسة قادها باحثون من جامعة بريستول البريطانية، ونُشرت الخميس في دورية «ذا لانسيت» الطبية.

و«النينيو» ظاهرة مناخية طبيعية تحدث عند ارتفاع درجة حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي على نحو غير معتاد، ممّا يُغيّر أنماط الرياح والأمطار ودرجات الحرارة في مناطق مختلفة من العالم، وقد يزيد احتمالات موجات الحرّ والجفاف والفيضانات.

وشدَّدت الدراسة على أهمية الاستعداد المبكر للمخاطر الصحية المرتبطة بالظاهرة، خصوصاً أنّ العلماء يستطيعون التنبّؤ بحدوثها قبل أشهر، ممّا يمنح الحكومات فرصة لاتخاذ إجراءات وقائية لحماية السكان.

وأوضح الباحثون أنّ «النينيو» تؤثّر في أنماط الطقس عالمياً، وقد تدفع مناطق مختلفة إلى ظروف مناخية أشدّ تطرفاً، لكن حجم الأعباء الصحية الناجمة عنها تحديداً لا يزال غير معروف بما يكفي.

وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة والمتخصصة في علوم المناخ بجامعة بريستول، الدكتورة روبي ليبر، إن أعداد المتضرّرين من الكوارث المرتبطة بالمناخ تتأثر بدرجة كبيرة بدورة «النينيو»، لكن الأدلة العلمية لا تزال محدودة بشأن التمييز بين الأعباء الصحية الناجمة عن تغيُّر المناخ وتلك المرتبطة بالظاهرة نفسها.

وأضافت، وفق موقع الجامعة، أنّ «النينيو» الحالية تدفع مناطق عدّة إلى ظروف مناخية أكثر تطرفاً، ممّا يجعل فهم المخاطر الصحية وقياسها على مستوى الدول والمناطق أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

ولمواجهة هذه المخاطر، أوصى الباحثون بأن تضع الأمم المتحدة والهيئات الدولية حماية الصحة والوقاية من الأمراض في مقدّمة أولوياتها عند الإعلان رسمياً عن حدوث «النينيو»، مع دعم الحكومات في تقييم آثارها الصحية واتخاذ التدابير الوقائية، بما فيها إنشاء أنظمة الإنذار المبكر وتعزيزها.

ودعوا أيضاً إلى توسيع البحوث بشأن الآثار الصحية للظاهرة، وتوظيف نتائجها في صياغة السياسات الصحية والمناخية، ومواصلة رصد تداعياتها لتحديد الثغر في الأدلة العلمية وسدّها.

وشملت التوصيات تقييم فاعلية إجراءات التكيّف وتكاليفها، ومنها تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز قدرة الأنظمة الصحية على مواجهة الأزمات، وحماية المدن من الفيضانات، وزيادة قدرة النظم الغذائية على الصمود أمام التقلبات المناخية.

ووفق الباحثين، يُتوقّع حدوث ظاهرة قوية من «النينيو» قرب نهاية العام، فيما ترجّح بعض التوقعات احتمال أن تكون من أقوى الظواهر المسجّلة. وقد تمتدّ تأثيراتها إلى الهند وشرق آسيا وأميركا الجنوبية وأجزاء من أفريقيا وغرب المحيط الهادئ، مع ارتفاع مُحتَمل في مخاطر الأمراض المعدية وسوء التغذية والجفاف وضربة الشمس، إلى جانب التداعيات الصحية للفيضانات والجفاف.

وأكد الباحثون أنّ التمييز بين الآثار الصحية المرتبطة بـ«النينيو» وتلك الناجمة عن تغيّر المناخ بفعل الأنشطة البشرية يمثّل تحدّياً رئيسياً. وقد يساعد تطوير الأساليب العلمية المستخدمة لتحديد إسهام تغيُّر المناخ في الظواهر المتطرّفة على فهم مصادر المخاطر بدقة أكبر، ووضع تدابير وقائية تتناسب مع طبيعة كلّ منها.


الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»
TT

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

انخفضت نسبة توظيف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً، في المهن التي تتأثر بشدة بالذكاء الاصطناعي بنحو 20 في المائة مقارنةً بالمهن الأخرى غير المتأثرة بالذكاء الاصطناعي.

وظائف المبتدئين مهددة بالانقراض

تُعدّ وظائف المبتدئين مهددة بالانقراض، على الأقل في المهن التي تتأثر بالذكاء الاصطناعي. فبينما لا يزال الخريجون الجدد يجدون فرصاً في مجالات مثل العقارات والمرافق العامة والبناء، فإن سوق التوظيف بشكل عام كانت قاسية للغاية: ففي الرُّبع الثاني من عام 2026، بلغت نسبة البطالة بين خريجي الجامعات الجدد 48 في المائة، بينما بلغت نسبة مَن يعملون في وظائف لا تتطلب شهادة جامعية 42 في المائة، كما كتب بيتر سالفيلد(*).

ويشير تحليل أجراه «مختبر ستانفورد للاقتصاد الرقمي» إلى أن الشباب قد يميلون إلى الوظائف «المقاومة للذكاء الاصطناعي» التي تتضمَّن أعمالاً يدوية وتفاعلات اجتماعية ومهارات أخرى يصعب أتمتتها. استند الباحثون إلى بيانات الرواتب الإدارية من شركة معالجة البيانات الآلية «ADP» لملايين العمال الأميركيين لدراسة تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي على التوظيف منذ انتشاره على نطاق واسع.

انحسار التوظيف في المهن الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي

وتُظهر الدراسة أن معدل التوظيف بين العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً في المهن التي تشهد استخداماً مكثفاً للذكاء الاصطناعي، مثل خدمة العملاء وهندسة البرمجيات، أقل بنسبة 19 في المائة مما كان عليه لو حافظ على وتيرة مماثلة لمعدل التوظيف في الفئة العمرية نفسها في المهن الأخرى منذ عام 2022.

وبينما انخفض معدل توظيف العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً بنحو 11 في المائة في 40 في المائة من الوظائف الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي، ارتفع بنحو 10 في المائة في فئات وظيفية أخرى أقل استخداماً له. وقد اتسعت الفجوة بين العمال الشباب بشكل ملحوظ منذ أغسطس (آب) الماضي، عندما رصد الباحثون تبايناً بنسبة 13 في المائة. ويُعزى انخفاض عدد الخريجين الجدد، الذين يتركزون في المهن التي يُؤتمت فيها الذكاء الاصطناعي المهام البشرية بدلاً من أن يُكملها، إلى تباطؤ التوظيف وليس إلى زيادة حالات التسريح.

تحولات جذرية في العمل المعرفي للمبتدئين

ويقتصر هذا الاتجاه الواضح على العمال الشباب فقط. لم تجد الدراسة أي دليل على «فقدان واسع النطاق للوظائف على مستوى الاقتصاد» مرتبط بالذكاء الاصطناعي. بالنسبة للعاملين ذوي الخبرة، لم تكن هناك أي فجوة على الإطلاق بين الوظائف التي تعتمد بشكل أكبر على الذكاء الاصطناعي والوظائف التي تعتمد بشكل أقل عليه.

تُعدُّ هذه النتائج أحدث دليل على أن الذكاء الاصطناعي يُحدث تحولاً جذرياً في العمل المعرفي للمبتدئين، ما يؤدي إلى فقدان بعض الوظائف وإثارة القلق بين العاملين الشباب. ووفقاً لـ«مركز بيو للأبحاث»، ارتفعت نسبة الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً والذين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى انخفاض عدد الوظائف بمقدار 12 نقطة مئوية خلال عامين، لتصل إلى 73 في المائة.

متطلبات عالية تدفع إلى العمل في المهن الحرفية

كما تُغير هذه التقنية توقعات العاملين المبتدئين في المجالات المتأثرة بالذكاء الاصطناعي. ووفقاً لدراسة أجرتها شركة «برايس ووترهاوس كوبرز»، فإن إعلانات الوظائف للمبتدئين في هذه المجالات تتطلب، بـ7 مرات أكثر، قدرات تُعدُّ تقليدياً من مستوى كبار الموظفين، مثل القيادة والتفكير الاستراتيجي، مقارنةً بعام 2019.

وإلى جانب الأمن الوظيفي، وتكاليف التعليم العالي، وغيرها من القضايا، قد يُسهم الذكاء الاصطناعي في زيادة اهتمام جيل الألفية (جيل زد) بالمهن الحرفية الماهرة مثل البناء والسباكة.

* مجلة «فاست كومباني».


ثورة في قياس الزمن... علماء يصنعون أول ساعتين نوويتين في العالم

بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
TT

ثورة في قياس الزمن... علماء يصنعون أول ساعتين نوويتين في العالم

بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)

طوَّر فريق علمي في فيينا وآخر في بكين أول ساعتين نوويتين عاملتين في العالم، فيما وصفاه بأنه تقدُّم مهم في مجال قياس الوقت يبشر بتطبيقات عملية واسعة النطاق، ويوفّر أداة جديدة لدراسة الفيزياء الأساسية.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، يمثّل الجهازان الجيل التالي من الساعات الذرية، وهي أجهزة قياس وقت فائقة الدقة ابتُكرت لأول مرة في 1949. وعرض كل فريق بحثي تفاصيل إنجازه، اليوم (الأربعاء)، في ورقة علمية بدورية «نيتشر»، حيث قالوا إن الساعات النووية لديها القدرة على التفوُّق في الأداء على أفضل الساعات الذرية التقليدية، لكنها لم تصل إلى ذلك بعد.

ويُطلَق عليها اسم الساعات النووية ليس لأنها تعمل بالاندماج أو الانشطار النووي، كما قد يظن الشخص العادي، وإنما لأن الوقت يُحسب من خلال مراقبة كيفية تفاعل الضوء - المتمثل في شعاع ليزر عالي القدرة - مع نواة الذرة. وتعتمد كلتا الساعتين النوويتين على شكل، أو نظير، من عنصر الثوريوم يسمى «الثوريوم 229»، محبوس في بلورات فلوريد الكالسيوم الصلبة.

حلم نصف قرن تحقق

وقال عالم الفيزياء، شي تشيان دينغ، من جامعة تسينغهوا في الصين، الذي ساعد في قيادة الفريق المسؤول عن ساعة بكين: «عمل الفريقان على نحو مستقل، وتوصلا في الوقت نفسه إلى ساعتين نوويتين تعملان بـ(الثوريوم 229)، باستخدام مناهج تجريبية مختلفة. أعتقد أن هذا أمر مشجع للغاية لأنه يُظهر أن المفهوم قوي ولا يعتمد على تطبيق تقني معين».

أما الفيزيائي ثورستن شوم من جامعة فيينا التقنية في النمسا، الذي ساعد في قيادة الفريق المسؤول عن ساعة فيينا، فقال: «كان صنع ساعة نووية حلماً راود الفيزيائيين منذ ما يقرب من 50 عاماً. وفي فريقي، كنا نعمل على تحقيق هذا الهدف منذ 2008».

وأضاف شوم أنه يتصور استخدامات للساعات النووية في مجالات مثل الملاحة عبر الأقمار الصناعية ومزامنة نقل البيانات والمسح وعلم القياس، وهو دراسة القياس وتطبيقاته العملية.

تقيس الساعات الذرية التقليدية الوقت باستخدام الليزر أو الموجات الدقيقة لجعل الجسيمات دون الذرية، التي تُعرَف بالإلكترونات، تقفز ذهاباً وإياباً بين مستويين من الطاقة في غلاف الذرة، باستخدام عناصر مثل السيزيوم أو السترونتيوم.

أما الساعات النووية الجديدة فتقيس الوقت باستخدام الليزر لجعل الجسيمات دون الذرية، التي تُعرَف بالبروتونات والنيوترونات، تقفز ذهاباً وإياباً بين مستويات الطاقة داخل نواة الذرة، وهي في هذه الحالة «الثوريوم 229».

وتكمن الفكرة في أن تتبع هذه الانتقالات داخل نواة الذرة قد يحقق مستويات دقة أعلى حتى من تتبعها في الإلكترونات، لأن نواة الذرة أصغر بكثير من الغلاف المحيط بها، الذي يحوي الإلكترونات.

إتقان التكنولوجيا

قال شوم إن الساعة النووية لا تزال «بعيدة عن الأداء المستهدف»؛ إذ يسعى الباحثون إلى إتقان هذه التكنولوجيا.

وأضاف: «ما يبعث على التفاؤل حقاً هنا هو أن (ساعة فيينا) تحتوي على بلورات ثوريوم أفضل قليلاً - بتركيز أعلى وخصائص بصرية أفضل - بينما لدى فريق بكين ليزر أقوى. لذا، بمجرد الجمع بين هذه المكونات، يمكننا تصميم ساعة أفضل بكثير».

ويمكن لأفضل الساعات الذرية التقليدية أن تعمل لمليارات السنين دون أن تفقد أو تكتسب سوى ثانية واحدة. وهذه الدقة الفائقة حيوية لتطبيقات، مثل أنظمة الملاحة العالمية عبر الأقمار الصناعية والإنترنت والاتصالات الخلوية والألياف الضوئية.

ويعتقد الباحثون أن الساعات النووية، بمجرد إتقانها، قد تؤدي المهمة على نحو أفضل، ويمكن تصنيعها بحيث تكون أقل ضخامة.

والساعات النووية واعدة في استكشاف الفيزياء الأساسية؛ فقد أثبت فريق فيينا أن ساعته قادرة على إجراء تجربة فيزيائية دقيقة، إذ سعى إلى اكتشاف المادة المظلمة، وهي مكوِّن أساسي في الكون، لم يرصد حتى الآن.

ولم تنجح التجربة في الواقع في اكتشاف المادة المظلمة، لكن الساعة النووية أدت أداء يضاهي أفضل الساعات الذرية. وقال شوم: «إنها تفتح الباب أمام عالم فيزيائي جديد تماماً».