حملات عالمية لـ«محو أمية» الذكاء الاصطناعي

قوانين أميركية وأوروبية لتطوير مهارات التفكير النقدي وتقييم استخدامه المناسب

حملات عالمية لـ«محو أمية» الذكاء الاصطناعي
TT

حملات عالمية لـ«محو أمية» الذكاء الاصطناعي

حملات عالمية لـ«محو أمية» الذكاء الاصطناعي

مع ازدياد توظيف التكنولوجيا في الحياة اليومية، يواجه الباحثون والمعلمون عقبتين متميزتين: تعليم الناس كيفية استخدام هذه الأدوات بمسؤولية بدلاً من الاعتماد عليها بشكل مفرط، مع إقناع المتشككين في الذكاء الاصطناعي بتعلم ما يكفي عن التكنولوجيا ليكونوا مواطنين مطلعين، حتى لو اختاروا عدم استخدامها، كما كتبت جاكي سنو(*).

هدف نشر الذكاء الاصطناعي

الهدف لا يتعلق بمجرد محاولة «إصلاح» نماذج الذكاء الاصطناعي من هفواتها وهلوساتها، التي تقول عنها ماريا دي أرتيغا، الأستاذة المساعدة في كلية ماكومبس لإدارة الأعمال بجامعة تكساس في أوستن: «إن النماذج لا تفشل. نحن الذين نستخدم النماذج لأشياء لا تصلح للغرض المقصود منها».

بل إن الهدف هو التعرف على أوجه القصور في الذكاء الاصطناعي وتطوير المهارات اللازمة لاستخدامه بحكمة. وهذا يُذكِّرنا بكيفية اضطرار مستخدمي الإنترنت الأوائل إلى تعلم كيفية التنقل عبر المعلومات عبر الإنترنت، إذ إنهم فهموا في النهاية أنه في حين قد تكون «ويكيبيديا» نقطة انطلاق جيدة للبحث، فلا ينبغي الاستشهاد بها كمصدر أساسي. وكما أصبحت معرفة القراءة والكتابة الرقمية ضرورية للمشاركة في الحياة الحديثة، فإن معرفة القراءة والكتابة في مجال الذكاء الاصطناعي أصبحت أساسية لفهم وتشكيل مستقبلنا.

هلوسة الذكاء الاصطناعي

في قلب هذه الحوادث المؤسفة للذكاء الاصطناعي، تقبع الهلوسة والتشوهات التي تدفع نماذج الذكاء الاصطناعي إلى توليد معلومات كاذبة بثقة ظاهرية. وهذه المشكلة منتشرة على نطاق واسع: في إحدى الدراسات التي أجريت عام 2024، أخطأت برامج المحادثة الآلية في الاستشهادات الأكاديمية الأساسية بنسبة تتراوح بين 30 في المائة و90 في المائة من الوقت، مما أدى إلى تشويه عناوين الأوراق البحثية وأسماء المؤلفين وتواريخ النشر.

بينما تَعِد شركات التكنولوجيا بإمكانية ترويض هذه الهلوسة من خلال هندسة أفضل، تقول دي أرتيغا إن الباحثين يجدون أنها قد تكون أساسية لكيفية عمل التكنولوجيا. وتشير إلى ورقة بحثية من OpenAI -شركة «أوبن إيه آي» التي خلصت إلى أن نماذج اللغة «المعايرة جيداً» يجب أن تهلوس كجزء من عمليتها الإبداعية. وإذا جرى تقييدها لإنتاج معلومات واقعية فقط، فإنها ستتوقف عن العمل بشكل فعال. وتضيف دي أرتيغا: «من وجهة نظر رياضية وفنية، هذا هو ما صُممت النماذج للقيام به».

قوانين تعليمية لمحو «أمية الذكاء الاصطناعي»

مع اعتراف الباحثين بأن هلوسات الذكاء الاصطناعي أمر لا مفر منه وأن البشر يميلون بطبيعة الحال إلى وضع كثير من الثقة في الآلات، يتدخل المعلمون وأصحاب العمل لتعليم الناس كيفية استخدام هذه الأدوات بشكل مسؤول.

وقد أقرَّت ولاية كاليفورنيا أخيراً قانوناً يتطلب دمج التعرف وتعليم الذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية من الروضة حتى الصف الثاني عشر بدءاً من هذا الخريف. كما يتطلب قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي، الذي دخل حيز التنفيذ في 5 فبراير (شباط) الحالي، من المنظمات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في منتجاتها تنفيذ برامج معرفة الذكاء الاصطناعي.

يقول فيكتور لي، الأستاذ المشارك في كلية الدراسات العليا للتربية بجامعة ستانفورد: «معرفة الذكاء الاصطناعي مهمة للغاية الآن، خصوصاً أننا نحاول معرفة السياسات، وما الحدود، وما الذي نريد قبوله بوصفه الوضع الطبيعي الجديد. في الوقت الحالي، يتحدث الأشخاص الذين يعرفون أكثر بثقة كبيرة، وهم قادرون على توجيه الأمور، وهناك حاجة إلى مزيد من الإجماع المجتمعي».

ويرى لي أوجه تشابه مع كيفية تكيف المجتمع مع التقنيات السابقة: «فكر في الآلات الحاسبة - حتى يومنا هذا، لا تزال هناك انقسامات حول متى تستخدم الآلة الحاسبة في الروضة حتى الصف الثاني عشر، وما يجب أن تعرفه مقابل ما يجب أن تكون الآلة الحاسبة مصدراً للأشياء»، كما يقول. ويضيف: «مع الذكاء الاصطناعي، نجري نفس المحادثة غالباً مع الكتابة كمثال».

تدريب على المهارات وفهم أعمق للتكنولوجيا

وبموجب القانون الجديد في كاليفورنيا، يتعين على تعليم معرفة الذكاء الاصطناعي أن يشمل فهم كيفية تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وتدريبها، وتأثيراتها المحتملة على الخصوصية والأمن، والآثار الاجتماعية والأخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي. ويذهب الاتحاد الأوروبي إلى أبعد من ذلك، حيث يطلب من الشركات التي تنتج منتجات الذكاء الاصطناعي تدريب الموظفين المناسبين على «المهارات والمعرفة والفهم التي تسمح للمزودين والموزعين والأشخاص المتضررين... بنشر أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل مستنير، فضلاً عن اكتساب الوعي بالفرص والمخاطر التي يفرضها الذكاء الاصطناعي والأضرار المحتملة التي يمكن أن يسببها».

ويؤكد الإطاران أن معرفة الذكاء الاصطناعي ليست مجرد معرفة تقنية بل تتعلق بتطوير مهارات التفكير النقدي لتقييم الاستخدام المناسب للذكاء الاصطناعي في مجالات وسياقات مختلفة.

تسويق «سحري»

وفي خضمّ هجوم تسويقي من شركات التكنولوجيا الكبرى، فإن التحدي الذي يواجه المعلمين معقَّد. وتُظهِر الأبحاث الحديثة المنشورة في «مجلة التسويق» Journal of Marketing، أن الأشخاص الذين لديهم فهم أقل للذكاء الاصطناعي هم في الواقع أكثر عرضة لاحتضان التكنولوجيا، واعتبارها سحرية تقريباً. ويقول الباحثون إن هذا الرابط بين «انخفاض معرفة القراءة والكتابة والاستقبال الأعلى» للتكنولوجيا يشير إلى «أن الشركات قد تستفيد من تحويل جهودها التسويقية وتطوير المنتجات نحو المستهلكين الذين لديهم معرفة أقل بالذكاء الاصطناعي».

ويقول المعلمون إن الهدف ليس إضعاف الانفتاح على التكنولوجيا الجديدة، بل الجمع بينها وبين مهارات التفكير النقدي التي تساعد الناس على فهم إمكانات الذكاء الاصطناعي وحدوده. وهذا مهم بشكل خاص للأشخاص الذين يفتقرون إلى القدرة على الوصول إلى التكنولوجيا، أو الذين يشككون ببساطة في الذكاء الاصطناعي أو يخشونه.

بالنسبة إلى الباحث لي، فإن النجاح في محو أمية الذكاء الاصطناعي يتطلب رؤية السحر فيه. يقول: «يغذّي القلق وعدم اليقين الكثير من الشكوك أو عدم الرغبة في تجربة الذكاء الاصطناعي. إن رؤية أن الذكاء الاصطناعي هو في الواقع مجموعة من الأشياء المختلفة، وليس جهاز كمبيوتر حساساً يتحدث، وأنه ليس حتى يتحدث حقاً، بل مجرد يلفظ الأنماط المناسبة، هو جزء مما قد يساعد على محو أمية الذكاء الاصطناعي في غرسه».

تطوير مناهج تدريس الذكاء الاصطناعي

في جامعة مدينة نيويورك يقود لوك والتزر، مدير مركز التدريس والتعلم في مركز الدراسات العليا بالمدرسة، مشروعاً لمساعدة أعضاء هيئة التدريس في تطوير مناهج لتدريس محو أمية الذكاء الاصطناعي ضمن تخصصاتهم.

يقول والتزر إن الطلاب يحتاجون إلى فهم أن هذه الأدوات لها أساس مادي - فهي مصنوعة من رجال ونساء، ولها آثار في العمل، ولها تأثير بيئي».

ويعمل المشروع «CUNY»، المدعوم بمنحة قدرها مليون دولار من «غوغل» مع 75 أستاذاً على مدار ثلاث سنوات لتطوير أساليب التدريس التي تدرس آثار الذكاء الاصطناعي عبر مجالات مختلفة. وسيتم توزيع المواد والأدوات التي تم تطويرها من خلال المشروع علناً حتى يتمكن المعلمون الآخرون من الاستفادة من عمله. يقول والتزر: « ثلاث سنوات تسمح للأمور بالاستقرار. سنكون قادرين على رؤية المستقبل بوضوح أكبر».

مناهج جامعية

تنتشر مثل هذه المبادرات بسرعة عبر التعليم العالي. إذ تهدف جامعة فلوريدا إلى دمج الذكاء الاصطناعي في كل تخصص جامعي وبرنامج دراسات عليا. وابتكرت كلية بارنارد نهجاً «هرمياً» يبني تدريجياً معرفة الطلاب بالذكاء الاصطناعي من الفهم الأساسي إلى التطبيقات المتقدمة. وفي كلية كولبي، وهي كلية خاصة للفنون الليبرالية في ولاية ماين، يعزز الطلاب معرفتهم بالقراءة والكتابة باستخدام بوابة مخصصة تتيح لهم اختبار ومقارنة روبوتات الدردشة المختلفة.

ووفقاً لبحث أجراه مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة، فقد أطلقت نحو 100 جامعة وكلية مجتمعية شهادات الذكاء الاصطناعي، مع زيادة منح الدرجات العلمية في المجالات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بنسبة 120 في المائة منذ عام 2011.

فصل مزاعم التسويق عن الحقائق

بالنسبة إلى معظم الناس، فإن تعلم كيفية التنقل في الذكاء الاصطناعي، يعني فرز ادعاءات التسويق للشركات مع القليل من التوجيه. على عكس الطلاب الذين سيحصلون قريباً على تعليم رسمي في مجال الذكاء الاصطناعي، يجب على البالغين أن يكتشفوا بأنفسهم متى يثقون في هذه الأدوات المنتشرة بشكل متزايد - ومتى يتم بيعها بشكل مفرط من الشركات الحريصة على استرداد استثمارات الذكاء الاصطناعي الضخمة.

يحدث هذا التعلم الذاتي بسرعة، فقد وجدت «لينكد إن» أن العاملين يضيفون مهارات معرفة الذكاء الاصطناعي مثل الهندسة السريعة والكفاءات مع أدوات مثل «تشات جي بي تي» بمعدل خمسة أضعاف تقريباً من المهارات المهنية الأخرى.

دورات لشركات التكنولوجيا

مع محاولة الجامعات والمشرعين مواكبة ذلك، تقدم شركات التكنولوجيا فصولها وشهاداتها الخاصة. فقد أعلنت «نفيديا» أخيراً عن شراكة مع كاليفورنيا لتدريب 100000 طالب ومعلم وعامل في مجال الذكاء الاصطناعي، بينما تقدم شركات مثل «غوغل» و«أمازون Services» برامج شهادة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها.

وتهدف شركة «إنتل» إلى تدريب 30 مليون شخص على مهارات الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، بالإضافة إلى دورات مهارات الذكاء الاصطناعي المجانية عبر الإنترنت التي تقدمها مؤسسات مثل جامعة هارفارد وجامعة بنسلفانيا، يمكن للأشخاص أيضاً تعلم أساسيات الذكاء الاصطناعي من شركات مثل «آي بي إم» و«مايكروسوفت» و«غوغل».

وتقول دي أرتيغا: «إن معرفة الذكاء الاصطناعي تشبه معرفة القراءة والكتابة الرقمية -إنها شيء حقيقي. ولكن من الذي ينبغي أن يعلمك ذلك؟ ستحب شركتا (ميتا) و(غوغل) أن تعلماك وجهتي نظريهما حول الذكاء الاصطناعي».

بدلاً من الاعتماد على الشركات ذات المصلحة في بيعك فائدة الذكاء الاصطناعي، يقترح الخبراء البدء بأدوات الذكاء الاصطناعي في المجالات التي تتمتع فيها بالخبرة، حتى تتمكن من التعرف على فائدتها وحدودها. قد يستخدم المبرمج الذكاء الاصطناعي للمساعدة في كتابة التعليمات البرمجية بكفاءة أكبر مع القدرة على اكتشاف الأخطاء وقضايا الأمان التي قد يغفلها المبتدئ.

يكمن المفتاح في الجمع بين الخبرة العملية والتوجيه من أطراف ثالثة موثوقة يمكنها تقديم معلومات غير متحيزة حول قدرات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في المجالات ذات المخاطر العالية مثل الرعاية الصحية والتمويل والدفاع.

إن معرفة الذكاء الاصطناعي لا تتعلق فقط بكيفية عمل النموذج أو كيفية إنشاء مجموعة بيانات، فالأمر يتعلق بفهم مكانة الذكاء الاصطناعي في المجتمع. الجميع -من الأطفال إلى المتقاعدين- لديهم مصلحة في هذه المحادثة، ونحن بحاجة إلى التقاط كل هذه وجهات النظر.

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».

حقائق

بين 30 و90 %

من الوقت أخطأت برامج المحادثة الآلية في الاستشهادات الأكاديمية الأساسية مما أدى إلى تشويه عناوين الأوراق البحثية وأسماء المؤلفين وتواريخ النشر وفق إحدى الدراسات التي أُجريت عام 2024

حقائق

100

جامعة وكلية مجتمعية أميركية تقريباً تُصدر شهادات الذكاء الاصطناعي


مقالات ذات صلة

كأن الخطر النووي لا يكفي... العالم على أعتاب «حرب الخوارزميات»

تحليل إخباري هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)

كأن الخطر النووي لا يكفي... العالم على أعتاب «حرب الخوارزميات»

يصف بعض الباحثين هذا التحول بأنه بداية «حرب الخوارزميات» التي تصبح فيها البرمجيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من موازين القوة الدولية.

أنطوان الحاج
يوميات الشرق الجهاز الجديد يتمتع بقدرة فائقة على كشف فساد الطعام (جامعة كاليفورنيا في بيركلي)

أنف مدعوم بالذكاء الاصطناعي يرصد الغذاء الفاسد

طوّر باحثون في جامعة كاليفورنيا في بيركلي بالولايات المتحدة، جهازاً مبتكراً يُعرف باسم «الأنف الإلكتروني»، يتمتع بقدرة فائقة على كشف فساد الطعام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
تكنولوجيا يجمع النظام بين 16 مستشعراً للغازات ونموذج للتعلم الآلي (الجامعة)

«أنف إلكتروني» يكتشف فساد الطعام والحساسيات بالذكاء الاصطناعي

طوّر باحثون أنفاً إلكترونياً يستخدم مستشعرات وتعلماً آلياً لتمييز الأطعمة ورصد فسادها ومسببات الحساسية تمهيداً لتطبيقات منزلية مستقبلية أكثر أماناً.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «إيه إس إم إل» على مقرها في مدينة فلدهوفن الهولندية (رويترز)

واشنطن قلقة من تسرب جهاز رقائق متقدم إلى الصين

أبلغ وزير التجارة الأميركي، هوارد لوتنيك، شركة «إيه إس إم إل» الهولندية، بأن واشنطن قلقة من احتمال وصول إحدى أحدث آلات تصنيع الرقائق الخاصة بها إلى الصين.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
تكنولوجيا مؤسس شركة «أمازون» جيف بيزوس (أ.ب)

بيزوس: استعمار القمر ضرورة لإنقاذ الأرض

طرح الملياردير الأميركي ومؤسس شركة «أمازون»، جيف بيزوس، رؤية طموحة تقوم على نقل الصناعات الملوِّثة خارج كوكب الأرض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي
TT

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

تشغل ليلى إبراهيم في «غوغل ديب مايند» منصباً لم يكن موجوداً من قبل: رئيسة قسم الاستعداد للذكاء الاصطناعي، حيث تُركز على كيفية إعداد العالم للتطور السريع للذكاء الاصطناعي. وهي تُساعد الحكومات على التفكير في السياسات، وتُعزز فهم الجمهور للذكاء الاصطناعي، وتعمل على ضمان استخدام «جوجل» للذكاء الاصطناعي بمسؤولية.

وتقول ليلى إبراهيم، التي شغلت سابقاً منصب الرئيس التنفيذي للعمليات في «ديب مايند» لمدة ثماني سنوات تقريباً: «أتمنى لو كان المزيد من الناس يُجرون هذا النوع من الحوارات، لأنني أعتقد أن لدينا القدرة على التأثير في كيفية تشكيل هذا المجال».

تحسين الوعي بالذكاء الاصطناعي

يتضمن جزء من العمل تحسين الوعي بالذكاء الاصطناعي. تقول: «إن كنت لا تستخدمه، فلن تُتاح لك الفرصة لاتخاذ قرارات مدروسة بشأن المجالات التي تشعر فيها بالراحة عند استخدامه أو عدم استخدامه، أو كيفية تطوير الأمور».

وتتساءل: «كيف يمكننا أن نُساعد المعلمين على الشعور بالراحة عند التعامل مع البرمجة وإنشاء أدوات لفصولهم الدراسية؟»، و«كيف نتعاون مع صانعي السياسات لفهم الذكاء الاصطناعي؟».

تمارين ميدانية في سنغافورة

وفي وقت سابق من هذا العام، قاد فريقها تمريناً تمثيلياً مع مسؤولين في سنغافورة، لمساعدتهم على دراسة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُعيد تشكيل اكتشاف الأمراض، وما قد يعنيه ذلك لإصلاح نظام الرعاية الصحية أو الحاجة إلى مؤسسات علمية جديدة. في هذا التمرين، المشابه لأعمال الشركة في أماكن أخرى.

وقد اقترح المسؤولون بعض السياسات، ثم درسوا كيف يمكن أن يتغير المشهد بعد عامين، ما قد يُحفز تغييرات إضافية في السياسات. كما يعمل فريقها مع الحكومات لتقييم كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي الفاعل على الوظائف، وأين قد تكون هناك حاجة إلى إعادة تأهيل المهارات.

وتقول: «نحن نعرف إلى أين تتجه التكنولوجيا، لذا يمكننا التعامل مع هذه المحادثات بطريقة أكثر تعاوناً، مدركين أن التكنولوجيا لم تصل بعد، ولكن ما الذي نحتاج إلى فعله للاستعداد لما هو قادم؟

* مجلة «فاست كومباني».


الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران
TT

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

تُفكّر إليزابيث مينور منذ سنوات في مخاطر الذكاء الاصطناعي، وتحديداً الأسلحة ذاتية التشغيل. ومينور هي رئيسة قسم السياسات في «أوقفوا الروبوتات القاتلة»، وهو تحالف تأسس عام 2012 لضمان احتفاظ البشر بالسيطرة على التكنولوجيا في أوقات الحرب. وقد نما هذا التحالف ليُمثّل أكثر من 300 منظمة في أكثر من 70 دولة، بما في ذلك «هيومن رايتس ووتش» ومنظمة العفو الدولية، كما كتبت ريبيكا هايلويل(*).

خرق أطر القانون الدولي

تُوضّح مينور قائلةً: «هذا أمرٌ يُهمّ العالم أجمع، لذا يجب أن يكون هناك تفاوض في إطار القانون الدولي. لا يزال القانون الدولي مُهماً، حتى وإن كان مُعرّضاً للهجمات في الوقت الراهن، وله قيودٌ تُحدّد كيفية رسم حدود ما هو مُتاح في العالم».

تسعى مينور ومنظمة «أوقفوا الروبوتات القاتلة» إلى استخدام القانون الدولي بوصفه أداةً في مكافحة انتشار أسلحة الذكاء الاصطناعي. ويتضمن جزء كبير من عملها حضور اجتماعات في الأمم المتحدة، في كل من نيويورك وجنيف. وتسعى المنظمة إلى إبرام معاهدة دولية يمكن لجميع الدول التوقيع عليها للحد من استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل، على غرار اتفاقيات نزع السلاح والحد من التسلح التي أبرمها المجتمع الدولي بالفعل.

استخدام إسرائيل وأميركا للذكاء الاصطناعي

وقد ازداد عمل منظمة «أوقفوا الروبوتات القاتلة» أهميةً مع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في ساحات المعارك. وتشير مينور إلى بعض الأمثلة من النزاعات الأخيرة، بما في ذلك استخدام إسرائيل لتقنية تحديد الأهداف خلال الحرب على غزة، واستناد الولايات المتحدة إلى نظام «كلود» في عمليتها للقبض على نيكولاس مادورو وفي الحرب على إيران.

وتوضح مينور قائلةً: «خلال العقد الماضي فقط، شهدنا تسارعاً هائلاً في محاولات تطوير هذه الأدوات ودمجها في استخدامها في ساحات المعارك». لقد رأينا دولاً أكثر تُعلن أن هذا النوع من الحرب «الثورية» مرغوب فيه وضروري، بدلاً من اعتباره أمراً خطيراً لا ترغب أبداً في خوضه.

* مجلة «فاست كومباني».


«طائرات روبوتية مسيّرة قاتلة»... سجلت أولى الضحايا

الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
TT

«طائرات روبوتية مسيّرة قاتلة»... سجلت أولى الضحايا

الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة

أفاد مسؤول رفيع المستوى في قطاع الصناعات الدفاعية الأوكرانية لمجلة «نيو ساينتست» بأن اختباراً أُجري قبل عامين على طائرات مسيّرة ذاتية التشغيل بالكامل، مُصممة لتدمير أي شيء في منطقة محددة، أسفر عن وقوع إصابات مؤكدة.

مسيرات روبوتية قاتلة

شمل الاختبار الذي أُجري لمرة واحدة، 10 طائرات مسيّرة من طراز «تيرميناتور Terminator» (المُدمر) تعمل بالذكاء الاصطناعي على خط المواجهة في الحرب الأوكرانية. وقُتل جنود روس، كما كتب ماثيو سباركس (*). ويقول ألكسندر كوخانوفسكي، المشرف على تصنيع الطائرات المسيّرة: «لقد جربنا ذلك. إنه اختبار، ولم نُطبّقه على نطاق أوسع».

وقد أُجري الاختبار قبل عامين، وشمل طائرات مسيّرة رباعية المراوح مُبرمجة للطيران باتجاه خط المواجهة، وقطع مسافة تتراوح بين 3 و5 كيلومترات خلال نحو 10 دقائق، ثم تفعيل «وضع تيرميناتور»، حيث يقوم نموذج الذكاء الاصطناعي بالبحث عن الأهداف واعتراضها.

إبادة شاملة

ويضيف كوخانوفسكي: «نطلقها ببساطة، ونعلم أن كل شيء سيُباد. كل ما يُعثر عليه في هذه المنطقة سيُباد». ويضيف: «لا يوجد أي اتصال بالطائرة المسيّرة على الإطلاق، لا يمكنك رؤية الفيديو، لا شيء... وكل من تراه سيُقتل».

ولعدم وجود أي وسيلة لمعرفة ما رصدته الطائرات المسيّرة الآلية أو ما استهدفته، أُرسلت طائرات مسيّرة يقودها طيارون بشريون إلى المنطقة لاحقاً للتحقق من النتائج يدوياً. ويشير كوخانوفسكي إلى أن الضحايا كانوا «جنديين وشاحنة واحدة». وبينما لا يوجد تسجيل للطائرات المسيّرة الآلية وهي تهاجم هذه الأهداف، فقد استُنتج أنها قتلتهم.

ويقول كوخانوفسكي إنه نُفذ بواسطة وحدة عسكرية، لم يُكشف عن اسمها، بالقرب من مدينتي باخموت وتشاسيف يار، كجزء من هجوم مضاد أوكراني. ولم ترد وزارة الدفاع الأوكرانية على أسئلة حول الاختبار أو الموقف القانوني الحالي بشأن استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل بالكامل.

ذكاء اصطناعي مستقل عن البشر

يُعدّ استخدام الذكاء الاصطناعي شائعاً في الجيوش حول العالم، حيث يُساعد في اختيار الأهداف من بين كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية، وأتمتة بعض وظائف الأسلحة، إلا أن العنصر البشري يبقى حاضراً في مرحلة ما. ويُعتبر اعتراف كوخانوفسكي أقوى دليل حتى الآن على وقوع حالة وفاة في معركة نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي وحده.

وفقاً لمصادر في شركات الدفاع فإن الحكومة الأوكرانية تحظر حالياً استخدام الذكاء الاصطناعي في المرحلة النهائية من اعتراض الأهداف، على الرغم من استخدامه في أجزاء كثيرة من العملية بواسطة العديد من الأجهزة حتى تلك المرحلة. ويقول كوخانوفسكي إن الحكومة تُدرك القدرات المتنامية للذكاء الاصطناعي، وأنها تُجري محادثات مع شركات الدفاع حول إمكانية تخفيف القواعد.

وكانت تقارير قد أشارت في عام 2023 إلى أن طائرات هجومية أوكرانية مُسيّرة مُجهزة بالذكاء الاصطناعي كانت تعثر على أهداف وتهاجمها دون مساعدة بشرية، ولكنها كانت تُستخدم ضد مركبات مثل الدبابات، وليس ضد المشاة. ولم يتم تأكيد وقوع أي إصابات بشرية في ذلك الوقت.

مسيَّرة كارغو التركية

دعوات لحظر النظم القاتلة ذاتية التشغيل

رغم عدم وجود حظر دولي رسمي على الأسلحة ذاتية التشغيل القادرة على القتل دون تدخل بشري، فقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى فرض حظر، مصرحاً العام الماضي بأنه «لا مكان لأنظمة الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل في عالمنا». وأشارت الأمم المتحدة إلى وجود مخاوف من أن تنتهك هذه الأسلحة القوانين الدولية الإنسانية وقوانين حقوق الإنسان، وذلك بإقصاء العنصر البشري عن العمليات العسكرية. كما يُوجد خطر من أن ترتكب الأنظمة ذاتية التشغيل أخطاءً، سواء بمهاجمة جنود من الجانب نفسه أو مدنيين.

وتعمل معظم الجيوش على تطوير أجهزة تُؤتمت جزءاً على الأقل من عملية مهاجمة الأهداف، إذ تمتلك الولايات المتحدة برمجيات تجمع وتحلل كميات هائلة من البيانات المتنوعة، وتختار أهدافاً في ساحة المعركة يمكن استهدافها بطائرات مسيرة. ولكن، نظرياً، يتطلب ذلك تأكيداً بشرياً. وقد وردت مزاعم بأن الولايات المتحدة تُطور أيضاً ما يُسمى بطائرات «حارس المرمى Goalkeeper» المسيرة، وطائرات «ويبلش Whiplash» البحرية المسيرة، القادرة على تحديد أهدافها وتدميرها.

مسيرات تركية قاتلة

وكان تقرير للأمم المتحدة قد صدر عام 2021، أشار إلى احتمال استخدام طائرة «كارغ -2» Kargu-2 رباعية المراوح، من إنتاج شركة تركية، في هجمات ذاتية على البشر في العام السابق. ولم يُفصّل التقرير مصدر هذه الادعاءات أو ما إذا كان قد سقط قتلى أو جرحى، لكنه رجّح أن حكومة «الوفاق الوطني» الليبية استخدمت هذه الطائرات المسيّرة ضد قوات حفتر المنسحبة.

أنظمة أميركية

وصرح الرائد دانيلو بولوجوخنو، وهو شخصية بارزة في فوج الأنظمة غير المأهولة الحادي والعشرين التابع للفيلق الثالث بالجيش الأوكراني، الذي لم يكن على علم بالتجربة أو مشاركاً فيها، لمجلة «نيو ساينتست» بأن جنوده يستخدمون أنظمة تحكم شبه ذاتية، لكن يبقى هناك عنصر بشري في عملية التحكم.

ويضيف بولوجوخنو: «تستطيع هذه الأنظمة والمنصات المسيّرة تحديد الأهداف وتتبعها تلقائياً، فضلاً عن توجيه نفسها ذاتياً خلال الأمتار الأخيرة من الاقتراب، ما يُسهّل عمل المشغلين. مع ذلك، لا نستخدم أنظمة مسيّرة ذاتية التشغيل بالكامل تقوم باختيار الأهداف ومهاجمتها بشكل مستقل دون أي تدخل بشري».

هل نريد مجتمعاً يقتل الآخرين.. دون تدخل بشري؟

وتقول مارياروزاريا تاديو الباحثة في جامعة أكسفورد، إن القتل باستخدام الذكاء الاصطناعي يسلب كرامة الجندي، ويُعفي المهاجم من المسؤولية، ويجب حظره. وتضيف: «الأمر ليس مجرد مشكلة، بل هو أمر مروع. هل نريد أن نكون مجتمعاً يقتل الآخرين، ويسمح لحكومته بقتل الآخرين، دون تدخل بشري؟».

طائرات اعتراضية ذاتية التشغيل

يقول كوخانوفسكي إن مشروع «المُدمر» لم يتقدم منذ تجربته، بسبب القوانين الأوكرانية. وهو الآن الرئيس التنفيذي لشركة «أيرو سنتر» لصناعة الطائرات المسيّرة - التي يقول إنها لم تشارك في التجربة لأنها لم تكن قد أُنشئت آنذاك - وهي شركة أوكرانية تعمل على تطوير طائرات اعتراضية ذاتية التشغيل. صُممت هذه الطائرات لاستهداف مسيرات «شاهد» الروسية الانتحارية القادمة وإسقاطها قبل وصولها إلى مناطق مكتظة بالمدنيين أو بنى تحتية حيوية.

سيتألف نظام «أليتا» التابع للشركة من 16 منصة إطلاق، مُجهزة بـ64 طائرة مسيّرة. سيكون النظام جاهزاً بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وقادراً على رصد الطائرات المسيّرة القادمة، والإقلاع تلقائياً، والتحرك نحو الهدف بسرعة 450 كيلومتراً في الساعة، لإسقاط أي شيء بدءاً من الطائرات المسيّرة الصغيرة وصولاً إلى المروحيات.

لكن القوانين الأوكرانية الحالية تمنع التشغيل الذاتي الكامل، وتُلزم بشرياً بالتحقق من الأهداف في المراحل النهائية للاعتراض. حتى في هذه الحالة، لن تحتاج مجموعة الطائرات المسيّرة الـ 64 بأكملها إلا إلى مُشغّلين بشريين فقط، ما يعني تقليصاً كبيراً في عدد الأفراد.

* مجلة «نيو ساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».