نجاح «ديب سيك» يتحدث عن قدرة الصين على رعاية المواهب

بفضل خطط الاستكشاف الفكري بدلاً من الأرباح

نجاح «ديب سيك» يتحدث عن قدرة الصين على رعاية المواهب
TT

نجاح «ديب سيك» يتحدث عن قدرة الصين على رعاية المواهب

نجاح «ديب سيك» يتحدث عن قدرة الصين على رعاية المواهب

بالنسبة للعديد من الصينيين، فإن نجاح «ديب سيك» DeepSeek هو انتصار لنظام التعليم في الصين، ودليل على أنه يساوي نظام الولايات المتحدة أو حتى يتفوق عليه.

وتنتج الصين عدداً كبيراً من خريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، لكنها لم تكن معروفة بالابتكار. قد تساعد العوامل الثقافية والسياسية في تفسير السبب.

خريجو الجامعات الصينية يتصدرون الأبحاث

ووفقاً لمؤسس الشركة الناشئة الصينية التي هزت عالم الذكاء الاصطناعي، فإن الفريق الأساسي من المطورين والعلماء وراء «ديب سيك»، التحقوا جميعاً بالجامعة في الصين. وهذا يتناقض مع العديد من شركات التكنولوجيا الصينية، التي غالباً ما سعت إلى استقطاب المواهب المتعلمة في الخارج.

في حين كان المعلقون الصينيون على الإنترنت يتلذذون بردود الفعل الأميركية الصادمة، أشار البعض إلى العدد المرتفع من حاملي الدكتوراه في العلوم الذين تنتجهم الصين سنويا... «يثبت نجاح ديب سيك أن تعليمنا رائع»، هذا ما جاء في عنوان إحدى المدونات.

وتدفقت الإشادات أيضا من الخارج، إذ قال بافيل دوروف، مؤسس منصة الرسائل «تلغرام»، الشهر الماضي إن المنافسة الشرسة في المدارس الصينية غذت نجاحات البلاد في مجال الذكاء الاصطناعي. وكتب على الإنترنت: «إذا لم تقم الولايات المتحدة بإصلاح نظامها التعليمي، فإنها تخاطر بالتنازل عن قيادة التكنولوجيا للصين».

تعقيدات الواقع الصيني

الواقع أكثر تعقيدا. نعم، استثمرت الصين بكثافة في التعليم، وخاصة في العلوم والتكنولوجيا، ما ساعد في رعاية مجموعة كبيرة من المواهب، وهو أمر أساسي لطموحها في أن تصبح رائدة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2025.

ولكن خارج الفصول الدراسية، يجب على هؤلاء الخريجين أيضا أن يواجهوا عقبات تشمل ثقافة الشركات الطاحنة والأهواء السياسية للحزب الشيوعي الحاكم... الذي يؤكد على السيطرة، بدلاً من النمو الاقتصادي، وهو على استعداد لاتخاذ إجراءات صارمة ضد شركات التكنولوجيا التي يعتبرها مؤثرة للغاية.

الاستكشاف الفكري بدلاً من الأرباح

تمكنت شركة «ديب سيك» من التهرب من العديد من هذه الضغوط، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنها حافظت على مستوى منخفض وأعلن مؤسسها التزامه بالاستكشاف الفكري، بدلاً من الأرباح السريعة. ومع ذلك، يبقى أن نرى إلى متى يمكنها الاستمرار في القيام بذلك.

قال ييران تشين، أستاذ الهندسة الكهربائية والحاسوبية في جامعة ديوك: «هناك العديد من الباحثين والمهندسين الشباب الحيويين والموهوبين داخل الصين. لا أعتقد أن هناك فجوة كبيرة من حيث التعليم بين الصين والولايات المتحدة من هذا المنظور، وخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي. لكن القيد يأتي حقاً من أجزاء أخرى».

قوة النظام التعليمي

بالنسبة للعديد من الناس في الصين، ترتبط قوة نظامها التعليمي ارتباطاً وثيقاً بالمكانة العالمية للبلاد. لقد استثمرت الحكومة بكثافة في التعليم العالي، ونما عدد خريجي الجامعات كل عام، الذي كان ضئيلاً في السابق، بأكثر من 14 ضعفاً في العقدين الماضيين. والآن، تحتل العديد من الجامعات الصينية مرتبة بين الأفضل في العالم. ومع ذلك، على مدى عقود من الزمان، ذهب أفضل وألمع طلاب الصين إلى الخارج، وبقي الكثير منهم هناك. وبحسب بعض المقاييس، بدأ هذا يتغير.

وقد خرجت الصين أكثر من أربعة أضعاف عدد طلاب العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في عام 2020 مقارنة بالولايات المتحدة. وتحديداً في مجال الذكاء الاصطناعي، أضافت أكثر من 2300 برنامج جامعي منذ عام 2018، وفقاً لبحث أجرته شركة «ماكرو بولو»، وهي مجموعة بحثية مقرها شيكاغو تدرس الصين.

ووجدت شركة «ماكرو بولو» أنه بحلول عام 2022، جاء ما يقرب من نصف أفضل الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي في العالم من مؤسسات جامعية صينية، مقابل حوالي 18 في المائة من المؤسسات الأمريكية. وبينما لا يزال أغلب هؤلاء الباحثين البارزين يعملون في الولايات المتحدة، فإن عددا متزايدا منهم يعمل في الصين.

وقال داميان ما، مؤسس شركة «ماكرو بولو»: «لقد أنتجت كل هذه المواهب على مدى السنوات القليلة الماضية. يجب أن يذهبوا إلى مكان ما». كما جعلت واشنطن من الصعب على الطلاب الصينيين في مجالات معينة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، الحصول على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة، مستشهدة بمخاوف الأمن القومي.

وقال ما: «إذا لم يذهبوا إلى الخارج، فسوف يبدأون بعض الشركات» أو يعملون لصالح شركة صينية.

تعاون المؤسسات الأكاديمية مع الشركات

وقالت مارينا تشانج، أستاذة في جامعة سيدني للتكنولوجيا والتي تدرس الابتكار الصيني، إن الحكومة الصينية ساعدت أيضاً في تعزيز العلاقات الأكثر قوة بين الأوساط الأكاديمية والشركات مقارنة بالغرب. لقد ضخت الأموال في مشاريع البحث وشجعت الأكاديميين على المساهمة في مبادرات الذكاء الاصطناعي الوطنية.

ومع ذلك، فإن مشاركة الحكومة هي أيضاً من أكبر التهديدات المحتملة للابتكار الصيني.

وتبارك بكين قطاع الذكاء الاصطناعي -في الوقت الحالي. ولكن في عام 2020، بعد أن قررت أنها لا تملك سيطرة كبيرة على الشركات الكبرى مثل «علي بابا»، أطلقت حملة صارمة استمرت لسنوات على صناعة التكنولوجيا الصينية. وهنا تحول مؤسس «ديب سيك»، ليانغ وينفينغ، إلى الذكاء الاصطناعي.

الشباب يقودون الذكاء الاصطناعي

قال يانبو وانغ، الأستاذ في جامعة هونغ كونغ والذي يدرس ريادة الأعمال التكنولوجية في الصين، إن الذكاء الاصطناعي كان محمياً إلى حد ما من هجرة الأدمغة حتى الآن، ويرجع ذلك جزئياً إلى بصمته السياسية. وأضاف أنه يتوقع ظهور المزيد من الشركات الناشئة الصينية الناجحة في مجال الذكاء الاصطناعي قريباً، بقيادة الشباب. لكنه أضاف أن من المستحيل أن نقول كيف كان سيبدو مشهد الذكاء الاصطناعي في الصين لو كانت بكين أكثر تسامحاً تجاه شركات التكنولوجيا الكبرى في السنوات الأخيرة. ويتابع: «إن القدرة التنافسية لا تعتمد فقط على نظام التعليم في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، بل تعتمد أيضاً على تعاملها مع المستثمرين من القطاع الخاص ورجال الأعمال والشركات الهادفة إلى الربح».

توظيف العلوم الإنسانية مع علوم الكومبيوتر

قد يعتمد نجاح «ديب سيك» على كيفية اختلافها عن شركات التكنولوجيا الصينية الأخرى بقدر ما يعتمد على كيفية مشاركتها لقوتها. إذ تم تمويلها من الأرباح من صندوق التحوط الأصلي. ولقد وصف ليانغ توظيف خريجي العلوم الإنسانية بالإضافة إلى علماء الكومبيوتر، بروح تعزيز أجواء فكرية حرة.

ومنذ النجاح الباهر الذي حققته شركة «ديب سيك»، حثت بعض الأصوات المزيد من الشركات الصينية على محاكاة نموذجها. وأعلن تعليق عبر الإنترنت من لجنة الحزب الشيوعي في مقاطعة تشجيانغ، حيث يقع مقر شركة «ديب سيك»، عن الحاجة إلى «الثقة في المواهب الشابة» ومنح الشركات الرائدة «سيطرة أكبر على موارد الابتكار».

الابتكار يتفتح من دون تدخل

ولكن أفضل طريقة للصين للاستفادة من قوتها العاملة الطموحة والمتعلمة جيداً في مجال الذكاء الاصطناعي قد تكون أن تتنحى الحكومة جانباً (عن التدخل).

وقال ليانغ في مقابلة أخرى: «يتطلب الابتكار أقل قدر ممكن من التدخل والإدارة. وغالباً ما يأتي الابتكار من تلقاء نفسه، وليس كشيء مخطط له عمداً، ناهيك عن تدريسه».

* خدمة «نيويورك تايمز»

حقائق

50 %

من أفضل الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي في العالم تخرجوا في مؤسسات جامعية صينية، مقابل حوالي 18 % في المؤسسات الأميركية


مقالات ذات صلة

رئيس «جي بي مورغان» يحذر من «فقاعة»: المشهد الحالي يذكرني بما قبل أزمة 2008

الاقتصاد ديمون خلال مشاركته في منتدى دافوس (رويترز)

رئيس «جي بي مورغان» يحذر من «فقاعة»: المشهد الحالي يذكرني بما قبل أزمة 2008

أعرب الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان تشيس»، جيمي ديمون، عن قلقه العميق إزاء وضع الاقتصاد الأميركي.

الاقتصاد شاشات تعرض صورة رئيس «إنفيديا» جنسن هوانغ وشعار الشركة في تولوز بفرنسا (أ.ف.ب)

«إنفيديا» أمام اختبار نمو أرباحها وسط تحديات المنافسة وسلاسل التوريد

مع اقتراب إعلان «إنفيديا» عن أرباحها الفصلية يوم الأربعاء، يترقب مستثمرو قطاع الذكاء الاصطناعي مؤشرات على نمو أرباح الشركة المصنِّعة للرقائق بوتيرة متسارعة.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا )
علوم حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب

مخاطر المسؤولية والقرار الطبي في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية

المشكلة الحقيقية لا تظهر عندما يخطئ النظام... بل عندما لا نعرف أنه بدأ يخطئ

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد رسم بياني لمؤشر أسعار الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

تراجع أسهم أوروبا بفعل فوضى الرسوم والقلق من الذكاء الاصطناعي

شهدت الأسهم الأوروبية تراجعاً يوم الثلاثاء مع تجنّب المستثمرين المراهنات الكبيرة في ظل حالة عدم اليقين التجاري، في حين سجلت أسهم البنوك انخفاضاً حاداً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد متداولو عملات أمام شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» وسعر صرف الدولار مقابل الوون داخل مقر بنك هانا في سيول (أ.ب)

تباين الأسهم الآسيوية بعد موجة بيع في «وول ستريت»

تباين أداء الأسهم الآسيوية، الثلاثاء، عقب موجة بيع حادة ضربت «وول ستريت»، مدفوعة بعمليات تصفية واسعة لأسهم شركات يُخشى تعرضها لخسائر في سباق الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)

مخاطر المسؤولية والقرار الطبي في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية

حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب
حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب
TT

مخاطر المسؤولية والقرار الطبي في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية

حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب
حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب

في غرفة الطوارئ الحديثة، قد يسبق الذكاء الاصطناعي الطبيب أحياناً إلى قراءة الأشعة أو تقدير خطر التدهور السريري خلال ثوانٍ. ومع ذلك، يبقى السؤال الأول الذي يحمله المريض - بصمت - أبسط بكثير من كل الحسابات الخوارزمية: هل رآني أحد فعلاً؟

هذه المفارقة تختصر التحول الذي يعيشه الطب اليوم. فالأنظمة الذكية قد تبلغ دقة تنبؤية غير مسبوقة، لكنها لا تدرك السياق الإنساني الذي يمنح القرار الطبي معناه الأخلاقي... قد يكون القرار صحيحاً إحصائياً، لكنه يبدو بارداً إنسانياً، لأن الطريق الذي أوصل إليه لم يُصمَّم أصلاً لاحتواء هشاشة الإنسان لحظة المرض.

ولهذا لم يعد السؤال المطروح في الطب المعاصر هو مدى ذكاء الخوارزمية، بل كيف صُمِّم النظام الذي يسمح لها بالمشاركة في القرار السريري.

هندسة القرار

وهم «الضمير الاصطناعي»

يتكرر في النقاش العام سؤال جذاب إعلامياً: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمتلك ضميراً؟ لكن السؤال - رغم انتشاره - يقود النقاش في الاتجاه الخطأ. فالآلة لا تحمل نية، ولا تشعر بالندم، ولا تختبر التردد الأخلاقي الذي يسبق القرار الطبي الصعب... إنها نظام رياضي يحسّن احتمالات ويتعلم أنماطاً ضمن أهداف يحددها البشر مسبقاً.

الضمير ليس خاصية برمجية يمكن إضافتها عبر تحديثٍ تقني، بل تجربة إنسانية مرتبطة بالمسؤولية وتحمل العواقب. ومنذ أبقراط وابن سينا، لم يكن الطب مجرد حساب احتمالات، بل علاقة أخلاقية يتحمل فيها الطبيب تبعات قراره أمام إنسان حي، لا أمام نموذج بيانات.

حين يصبح الخطأ غير مرئي

المشكلة الحقيقية في الذكاء الاصطناعي الطبي لا تظهر عندما يخطئ النظام، بل عندما لا نعرف أنه بدأ يخطئ.

وفي دراسة حديثة نُشرت مطلع عام 2026 في مجلة الطبيعة للطب الرقمي (Nature Medicine)، قادها الباحث الدكتور مارشال تشينغ (Marshall Chin) من كلية الطب في جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة، حذّر الباحثون من ظاهرة تُعرف بـ«انجراف النماذج السريرية» (Model Drift)، حيث تتراجع دقة أنظمة الذكاء الاصطناعي تدريجياً مع تغيّر خصائص المرضى أو البيئات الصحية دون أن يلاحظ الأطباء ذلك فوراً.

وأظهرت الدراسة أن الأنظمة قد تستمر في إعطاء توصيات تبدو موثوقة، رغم أن الواقع السريري الذي دُرّبت عليه لم يعد موجوداً بالكامل. وهنا يتحول الخطأ من حادثة واضحة إلى انحراف صامت داخل منظومة القرار.

الخطر إذن ليس في فشل الخوارزمية، بل في نجاحها الظاهري أثناء فقدانها الدقة الفعلية.

القيم الخفية داخل الأنظمة الذكية

وفي تحليل نُشر عام 2026 في مجلة الذكاء الاصطناعي لمجلة (نيو إنغلاند) الطبية (NEJM AI)، ناقش باحثون بقيادة الدكتورة سوتشي سريا (Suchi Saria) من جامعة جونز هوبكنز كيف تحمل أدوات الذكاء الاصطناعي السريرية ما أسموه «القيم الضمنية المدمجة» فالخوارزمية لا تتنبأ فقط، بل تعكس أولويات جرى اختيارها مسبقاً أثناء التصميم:

- هل الهدف تقليل مدة بقاء المريض في المستشفى؟

- أم خفض التكلفة التشغيلية؟

- أم تقليل المخاطر القانونية على المؤسسة؟

هذه القرارات لا تظهر للطبيب أو المريض، لكنها تحدد اتجاه القرار الطبي بصمت. وعندما تُزرع القيم داخل النظام دون شفافية، تتحول التقنية إلى سياسة علاجية غير معلنة.

من تحسين الأداء إلى هندسة الحدود

لهذا السبب، لم يعد السؤال العلمي اليوم كيف نجعل الذكاء الاصطناعي أكثر دقة فحسب، بل كيف نجعله أكثر أماناً حين يفشل. ويدعو الاتجاه البحثي الأحدث في 2026 إلى تصميم أنظمة قادرة على الاعتراف بحدودها، بحيث يستطيع النظام أن يقول: لا أعلم عندما يرتفع مستوى عدم اليقين.

ويشمل ذلك:

- مراقبة الأداء بمرور الزمن لا عند الإطلاق فقط.

- جعل التوصيات قابلة للتفسير السريري.

- وإبقاء القرار النهائي ضمن مسؤولية بشرية واضحة.

فالذكاء الاصطناعي قد يتفوق في سرعة الحساب، لكنه لا يقف أمام المريض لتحمل نتائج القرار.

الطب داخل المعادلة

الإنسان في مركز المعادلة

دخل الذكاء الاصطناعي الطب بالفعل، ولم يعد النقاش يدور حول ما إذا كان ينبغي استخدامه، بل حول الشروط التي يجب أن يُستخدم ضمنها. فإذا صُمِّمت الأنظمة الصحية حول الكفاءة وحدها، فإنها تميل تدريجياً إلى اختصار الإنسان في رقم. وإذا بُنيت حول خفض التكلفة فقط، فقد يُعاد تعريف المريض كأنه مؤشر اقتصادي داخل منظومة تشغيلية واسعة. أما عندما يُصمَّم الذكاء الاصطناعي لحماية الحكم السريري البشري، فإنه يتحول إلى أداة تعزز الطبيب بدل أن تستبدل دوره الأخلاقي.

التحول الحقيقي إذن لا يحدث داخل الخوارزمية، بل في الفلسفة التي تحكم تصميمها. فالطب لم يكن يوماً سباقاً نحو القرار الأسرع، بل نحو القرار الأكثر مسؤولية.

* الطب لم يكن يوماً سباقاً نحو القرار الأسرع بل نحو القرار الأكثر مسؤولية*

التصميم الأخلاقي... الطب في عصر الخوارزميات

تشير الاتجاهات البحثية الحديثة في حوكمة الذكاء الاصطناعي الطبي خلال عام 2026 إلى مفهوم يُعرف بـ«التصميم الأخلاقي المسبق» (Ethics-by-Design)، وهو توجه تعمل عليه فرق بحثية في معهد الإنترنت بجامعة أكسفورد بقيادة الباحث البروفسور لوتشيانو فلوريدي (Luciano Floridi)، حيث تُدمج مبادئ المساءلة والشفافية وحدود القرار منذ مرحلة بناء النظام، لا بعد وقوع الخطأ. والفكرة بسيطة لكنها عميقة: الأخلاق لا تُضاف بعد التشغيل، بل تُبنى داخل (architecture) هندسة القرار نفسه.

وعندما يصبح النظام قادراً على كشف عدم اليقين، وتنبيه الطبيب إلى حدوده، وإبقاء الإنسان داخل دائرة المسؤولية، فإن الذكاء الاصطناعي لا يقلل إنسانية الطب - بل يحميها.

السؤال الذي سيحدد مستقبل الطب

لم يعد الذكاء الاصطناعي احتمالاً مستقبلياً في الممارسة الطبية، بل أصبح جزءاً من البنية اليومية لاتخاذ القرار السريري. والسؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الآلة قادرة على التفكير، بل ما إذا كنا قد صممنا الأنظمة التي تستخدمها بطريقة تحمي المعنى الإنساني للطب.

فالذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى ضمير، لأنه لا يعيش عواقب قراراته، ولا يقف أمام المريض حين تسوء النتائج. ما يحتاج إليه حقاً هو تصميمٌ يضع حدوداً واضحة بين التوصية والمسؤولية، وبين الحساب والحكم السريري.

تشير تجارب الأنظمة الطبية الذكية التي يجري تطويرها عالمياً في عام 2026 إلى أن مستقبل الطب لن يتحدد بمدى تطور الخوارزميات، بل بقدرتنا على إبقاء الإنسان داخل دائرة القرار، لا على هامشها.

ولهذا قد لا يكون السؤال الأهم في السنوات المقبلة: كم أصبح النظام ذكياً؟بل السؤال أبسط من ذلك... وأكثر جوهرية: هل أصبح الطب أكثر إنسانية بحكم التصميم؟


التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول

التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول
TT

التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول

التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول

في تطور علمي واعد يستكشف العلماء طريقة جديدة وجريئة لمحاربة أمراض القلب، تعتمد على تقنية تحرير الجينات التي قد تقدم يوماً ما حلاً دائماً لمشكلة ارتفاع الكوليسترول. لكن الباحثين يشددون على أن هذا النهج لا يزال في مراحله المبكرة، ويفصله سنوات عن الاستخدام الواسع، وأن على المرضى الاستمرار في تناول أدويتهم الموصوفة حالياً.

«كريسبر» لتعديل خلايا الكبد

تعتمد التجارب على تقنية «كريسبر» (CRISPR) الشهيرة التي تعدل الحمض النووي «دي إن إيه» في خلايا الكبد لخفض مستويات كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة الضار(LDL). ويعتبر هذا النوع من الكوليسترول المسؤول عن تراكم اللويحات في الشرايين، ما يؤدي إلى النوبات القلبية، والسكتات الدماغية.

وأصدرت شركتان هما «كريسبر ثيرابيوتكس» CRISPR Therapeutics و«فيرف ثيرابيوتكس» Verve Therapeutics دراستين صغيرتين تشيران إلى أن هذا النهج يمكن أن يقلل مستويات الكوليسترول بشكل كبير بجرعة واحدة فقط.

كيف تؤثر الجينات على الكوليسترول؟

يحتاج الجسم إلى كمية معينة من الكوليسترول، لكن الكمية الزائدة منه ضارة. ورغم أن النظام الغذائي يلعب دوراً، فإن الكبد هو المصدر الأساسي لإنتاج الكوليسترول. وتلعب الجينات دوراً حاسماً في تحديد مدى كفاءة الجسم في التعامل معه.

طفرات جينية نادرة لـ«المحظوظين»

ووجد الباحثون أن بعض الأشخاص المحظوظين يحملون طفرات جينية نادرة تعطل جينات معينة، ما يمنحهم مستويات منخفضة للغاية من الكوليسترول، ومناعة شبه كاملة ضد أمراض القلب. فعلى سبيل المثال، الأشخاص الذين لديهم طفرات تعطل جين ANGPTL3، أو جين PCSK9 لديهم مستويات منخفضة جداً من الكوليسترول الضار، والدهون الثلاثية. وقد ألهمت هذه التجارب الطبيعية العلماء محاولة تكرار هذا التأثير الوقائي باستخدام تقنية «كريسبر».

التجارب الأولية: نتائج واعدة

في دراسة «كريسبر ثيرابيوتكس» تلقى 15 بالغاً يعانون من مخاطر شديدة لارتفاع الكوليسترول حقنة واحدة تحتوي على أدوات التحرير الجيني التي تستهدف الكبد لتعطيل جين ANGPTL3. وفي غضون أسبوعين شهد المشاركون الذين تلقوا أعلى جرعة انخفاضاً في مستويات الكوليسترول الضار، والدهون الثلاثية إلى النصف.

وبالمثل أعلنت شركة «فيرف ثيرابيوتكس» أن التحرير الذي استهدف جين PCSK9 أنتج تخفيضات مماثلة في الكوليسترول الضار.

تحذير الخبراء

وكانت النتائج واعدة، لكن الخبراء يحذرون من أن تحرير الجينات لا يزال في مراحله المبكرة جداً. وقال الدكتور لوك لافين طبيب القلب الوقائي في كليفلاند كلينك في الولايات المتحدة إنه بعد مشاركته في تأليف دراسة واعدة نُشرت في مجلة نيوإنغلاند الطبية «the New England Journal of Medicine». في 5 فبراير (شباط) 2026 يريد الناس حلاً جذرياً لا مجرد حل مؤقت. وأضاف أنه بعد نشر الدراسة تلقى سيلاً من الاستفسارات من مرضى يأملون في المشاركة في التجارب المستقبلية، مما يعكس الرغبة الشديدة في التخلص من عبء تناول الأدوية اليومية.

جوانب السلامة وتغييرات غير مرغوب فيها في الجينوم

في حين أن الأفراد الذين لديهم هذه الجينات معطلة بشكل طبيعي لا تظهر عليهم آثار ضارة، يؤكد الخبراء على ضرورة إجراء المزيد من الأبحاث للإجابة عن أسئلة السلامة الحرجة.

وأشار الدكتور جوزيف وو من جامعة ستانفورد، الذي لم يشارك في الدراسة، إلى أن الجسيمات المستخدمة لنقل أدوات «كريسبر» يمكن أن تهيج الكبد. كما أن التأثيرات طويلة المدى لا تزال غير معروفة، ولا يوجد تأكيد كافٍ على أن التحرير الجيني يصيب الهدف المقصود بدقة دون التسبب في تغييرات غير مرغوب فيها في أماكن أخرى من الجينوم.

من جانبه قال الدكتور كيران موسونورو من جامعة بنسلفانيا المؤسس المشارك لشركة «فيرف» إن بعض المشاركين في دراسة سابقة للشركة تمت متابعتهم لمدة عامين مع استمرار انخفاض الكوليسترول لديهم. وفي الفئران أثبتت الدراسات أن هذه التعديلات استمرت مدى الحياة. ومع ذلك فإن هذه البيانات الأولية لا تغني عن الحاجة إلى دراسات أكبر تمتد لسنوات عديدة على البشر.

خطوات لصحة القلب

في الوقت الحالي تؤكد جمعية القلب الأميركية على أهمية الالتزام بالاستراتيجيات المثبتة لصحة القلب والوقاية من الأمراض:

*النظام الغذائي: تناول طعام صحي غني بالفواكه، والخضراوات، والحبوب الكاملة، والدهون الصحية.

*النشاط البدني: ممارسة الرياضة بانتظام، لتعزيز الكوليسترول الجيد (HDL).

*الوزن والنوم: الحفاظ على وزن صحي، والحصول على قسط كافٍ من النوم.

*الفحوصات: التحكم في ضغط الدم، وسكر الدم، وتجنب التدخين.

وبخصوص الكوليسترول تحديداً يجب على البالغين الأصحاء استهداف مستوى كوليسترول ضار (LDL) أقل من 100 ملغم/ديسيلتر. أما الذين يعانون من أمراض القلب، أو ارتفاع الكوليسترول فيجب أن يستهدفوا مستوى 70 ملغم/ديسيلتر أو أقل.

تناول الأدوية

وتظل أدوية الستاتين مثل «ليبيتور» Lipitor و«كريستور» Crestor، أو بدائلها العامة الرخيصة، الخيار الأول الفعّال والآمن لخفض الكوليسترول. كما تتوفر أدوية إضافية للحالات التي لا تستجيب بشكل كافٍ للستاتين، أو لمن لا يستطيعون تحملها.

وتستهدف دراسات التحرير الجيني في الوقت الراهن المرضى الأكثر عرضة للخطر، والذين فشلت معهم العلاجات التقليدية.

وإلى أن تثبت الأبحاث الجديدة فعاليتها وسلامتها على المدى الطويل، يحث الأطباء المرضى على عدم التخلي عن العلاجات الحالية المتوفرة. يخلص الدكتور لافين إلى القول: «هذا علم مثير، لكن في الوقت الحالي تناول دواءك».


علماء يكتشفون بكتيريا عمرها 5 آلاف عام مقاومة لمضادات حيوية حديثة

عُثر على البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا برومانيا (أرشيفية - رويترز)
عُثر على البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا برومانيا (أرشيفية - رويترز)
TT

علماء يكتشفون بكتيريا عمرها 5 آلاف عام مقاومة لمضادات حيوية حديثة

عُثر على البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا برومانيا (أرشيفية - رويترز)
عُثر على البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا برومانيا (أرشيفية - رويترز)

اكتشف علماء أن بكتيريا احتُجزت داخل كهف جليدي لمدة خمسة آلاف عام تُظهر مقاومة لعدة مضادات حيوية حديثة.

ووفق تقرير نشرته شبكة «فوكس نيوز»، عُثر على هذه البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا في رومانيا، حيث حفر الباحثون لبّاً جليدياً بعمق 25 متراً يمثل نحو 13 ألف عام من التاريخ المتجمّد.

ونُشرت نتائج البحث في مجلة «Frontiers in Microbiology».

ولمنع التلوّث، حُفِظت عينات الجليد بعناية ونُقلت إلى المختبر، وهي لا تزال متجمّدة. ومن داخل الجليد، عزل العلماء سلالة من البكتيريا تُعرف باسم «Psychrobacter SC65A.3».

وعلى الرغم من أن عمر هذه السلالة يعود إلى آلاف السنين، فقد تبيّن أنها تقاوم عشرة مضادات حيوية تُستخدم على نطاق واسع اليوم لعلاج العدوى الخطيرة.

وشملت هذه الأدوية، حسب الدراسة، ريفامبيسين وفانكوميسين وسيبروفلوكساسين.

وقالت كريستينا بوركاريا، كبيرة العلماء في معهد الأحياء في بوخارست التابع للأكاديمية الرومانية، في بيان صحافي: «المضادات الحيوية العشرة التي رصدنا مقاومة لها تُستخدم على نطاق واسع في العلاجات الفموية والحقنية لمعالجة مجموعة من الالتهابات البكتيرية الخطيرة في الممارسة السريرية».

اختبر الباحثون السلالة القديمة في مواجهة 28 مضاداً حيوياً تنتمي إلى 10 فئات دوائية، وحددوا أكثر من 100 جين مرتبط بمقاومة المضادات الحيوية.

وأضافت بوركاريا: «دراسة ميكروبات مثل Psychrobacter SC65A.3 المستخرجة من ترسّبات كهوف جليدية عمرها آلاف السنين تكشف كيف تطوّرت مقاومة المضادات الحيوية طبيعياً في البيئة، قبل وقت طويل من استخدام المضادات الحيوية الحديثة».

وأشار الباحثون إلى أن النتائج تشير إلى أن مقاومة المضادات الحيوية كانت موجودة في الطبيعة قبل زمن طويل من تطوير الأدوية الحديثة.

كما أظهرت السلالة مقاومة لأدوية تشمل تريميثوبريم وكليندامايسين وميترونيدازول، وهي تُستخدم لعلاج التهابات الرئتين والمسالك البولية والجلد والجهاز التناسلي.

قيود الدراسة

لفت الباحثون إلى أن الدراسة فحصت سلالة بكتيرية واحدة فقط من عينة واحدة في كهف واحد، ولا يوجد دليل على أن هذا الميكروب القديم يُصيب البشر حالياً أو ينتشر بينهم.

كما لفت خبراء إلى أن «Psychrobacter» بكتيريا بيئية لا تملك «حدود مقاومة» سريرية للمضادات الحيوية، وهي أرقام فاصلة واضحة يستخدمها الأطباء لتحديد ما إذا كانت البكتيريا تُعد رسمياً مقاومة لمضاد حيوي معين.

ولأن هذه البكتيريا البيئية لا توجد لها معايير اختبار سريرية معتمدة، فلا يمكن تفسير مقاومتها المقاسة في المختبر بالطريقة نفسها التي يصنّف بها الأطباء الجراثيم الخطيرة المقاومة للمضادات في المستشفيات.