بعد «ديب سيك»: 4 شركات ناشئة صينية بارزة في مجال الذكاء الاصطناعي

«مارثون النمور الستة» يمهد الطريق لمنافسة محتدمة

بعد «ديب سيك»: 4 شركات ناشئة صينية بارزة  في مجال الذكاء الاصطناعي
TT

بعد «ديب سيك»: 4 شركات ناشئة صينية بارزة في مجال الذكاء الاصطناعي

بعد «ديب سيك»: 4 شركات ناشئة صينية بارزة  في مجال الذكاء الاصطناعي

أذهل الصعود الأسطوري لـ«ديب سيك»، شركة الذكاء الاصطناعي الصينية الناشئة التي تتحدى الآن عمالقة العالم، المراقبين وسلط الضوء على قطاع الذكاء الاصطناعي في الصين.

بدائل صينية للسوق المحلية

منذ ظهور ChatGPT «تشات جي بي تي» لأول مرة في عام 2022، سعت الصين بشكل لا هوادة فيه إلى تطوير البدائل المحلية له، ما أدى إلى ظهور موجة من الشركات الناشئة والرهانات بمليارات الدولارات.

اليوم، يهيمن على السباق عمالقة التكنولوجيا مثل «علي بابا» Alibaba و«بايت دانس» وByteDance، إلى جانب جهات منافسة أخرى ممولة جيداً ومدعومة من قبل المستثمرين الكبار.

ولكن بعد عامين من طفرة الذكاء الاصطناعي التوليدي في الصين، نشهد تحولاً: يتعين على المبتكرين الأصغر حجماً أن ينحتوا مكانتهم الخاصة أو يخاطروا بالخسارة.

ماراثون «النمور الستة»

لقد بدأ الأمر بسباق سريع ثم تحول إلى ماراثون عالي المخاطر -لم تكن طموحات الذكاء الاصطناعي في الصين أعلى من هذا قط، وفقاً لمجلة «تكنولوجي ريفيو» الصادرة عن معهد ماساتشوستس الأميركي للتكنولوجيا.

وتعتبر مجموعة النخبة من الشركات المعروفة باسم «النمور الستة» -«ستيب فان»، و«زهيبو»، و«ميني ماكس»، و«مون شوت»، و«01AI»، و«بيتشوان»- في طليعة قطاع الذكاء الاصطناعي في الصين. ولكن إلى جانبها، تواصل الشركات التي تركز على البحث مثل «ديب سيك» و«موديل بيست» نمو نفوذها. وتتخلى بعض الشركات، مثل «ميني ماكس» و«مون شوت»، عن التدريب على النماذج الأساسية المكلفة من أجل التركيز على بناء تطبيقات لخدمة المستهلكين. وتضاعف شركات أخرى، مثل «ستيبفون» و«إنفينيجنس إيه آي»، جهودها في مجال البحث، مدفوعة جزئياً بالقيود التي تفرضها الولايات المتحدة على أشباه الموصلات.

4 شركات رائدة

وقد حدد الخبراء الشركات الصينية الأربع المتخصصة في الذكاء الاصطناعي باعتبارها الشركات التي تستحق المتابعة.

* «ستيب فان». تأسست «ستيب فان» Stepfun في أبريل (نيسان) 2023 على يد نائب الرئيس الأول السابق لشركة «مايكروسوفت» جيانغ داكسين، وظهرت في وقت متأخر نسبياً على ساحة الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، لكنها سرعان ما أصبحت منافساً بفضل محفظتها من النماذج الأساسية. وهي ملتزمة أيضاً ببناء الذكاء الاصطناعي العام (AGI)، وهي المهمة التي تخلت عنها العديد من الشركات الناشئة الصينية.

وبدعم من مستثمرين مثل مؤسسة «Tencent» وتمويل من حكومة شنغهاي، أصدرت الشركة 11 نموذجاً أساسياً للذكاء الاصطناعي العام الماضي -تشمل اللغة والأنظمة المرئية والفيديو والصوت والأنظمة متعددة الوسائط.

نماذج متميزة

ويحتوي أكبر نموذج لغوي لديها حتى الآن، Step - 2، على أكثر من تريليون مُعامل (جي بي تي - 4 يحتوي على نحو 1.8 تريليون). وهي حالياً في المرتبة خلف نماذج ChatGPT «جي بي تي» و«ديب سيك» و«كلود» و«جيمناي» على سلم تقييم« LiveBench»، وهو موقع مرجعي يقيم قدرات نماذج اللغة الكبيرة.

كما يحتل نموذج «ستيب فان» المتعدد الوسائط، Step - 1V، مرتبة عالية لقدرته على فهم المدخلات المرئية على Chatbot Arena، وهي منصة حشد المصادر حيث يمكن للمستخدمين مقارنة أداء نماذج الذكاء الاصطناعي وتصنيفه.

تعمل هذه الشركة الآن مع مطوري تطبيقات الذكاء الاصطناعي الذين يعملون على بناء نماذجها. ووفقاً لمؤسسة الإعلام الصينية «كيه آر 36» 36Kr، ارتفع الطلب من المطورين الخارجيين لاستخدام واجهة برمجة التطبيقات المتعددة الوسائط الخاصة بـStepfun «ستيب فان» بأكثر من 45 ضعفاً في النصف الثاني من عام 2024.

نماذج للهواتف الذكية والكمبيوترات

* «موديل بيست». أسس باحثون من جامعة تسينغهوا المرموقة شركة «موديل بيست» ModelBest في عام 2022 في منطقة هايديان ببكين. ومنذ ذلك الحين، تميزت الشركة بالاعتماد على الكفاءة وتبني اتجاه نماذج اللغة الصغيرة.

تم تصميم سلسلة MiniCPM الخاصة بها -والتي غالباً ما يطلق عليها دار الطاقة الصغيرة «Little Powerhouses» باللغة الصينية - للمعالجة على الجهاز في الوقت الفعلي على الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر الشخصية وأنظمة السيارات وأجهزة المنزل الذكي وحتى الروبوتات. وتتلخص وجهة نظرها للعملاء في أن هذا المزيج من النماذج الأصغر حجماً ومعالجة البيانات المحلية يقلل التكاليف ويعزز الخصوصية.

يحتوي أحدث طراز من «موديل بيست»، MiniCPM 3.0، على 4 مليارات معامل فقط ولكنه يطابق أداء GPT - 3.5 في معايير مختلفة. ولاحظ المستثمرون ذلك: في ديسمبر (كانون الأول) 2024، أعلنت الشركة عن جولة ثالثة جديدة من التمويل بقيمة عشرات الملايين من الدولارات.

«زهيبو» المحظورة أميركياً

* «زهيبو». نشأت Zhipu AI أيضاً في جامعة تسينغهوا، ونمت لتصبح شركة ذات علاقات قوية بالحكومة والأوساط الأكاديمية. تعمل الشركة على تطوير نماذج أساسية بالإضافة إلى منتجات الذكاء الاصطناعي القائمة عليها، بما في ذلك ChatGLM، وهو نموذج محادثة، ومولد فيديو يسمى Ying، وهو أشبه بنظام Sora من «أوبن إيه آي».

ويعتبر GLM - 4 - Plus، نموذج اللغة الكبيرة الأكثر تقدماً للشركة حتى الآن، يتم تدريبه على بيانات اصطناعية عالية الجودة، ما يقلل من تكاليف التدريب، ولكنه يضاهي أداء GPT - 4 كما طورت الشركة GLM - 4V - Plus، وهو نموذج رؤية قادر على تفسير صفحات الويب ومقاطع الفيديو، والذي يمثل خطوة نحو الذكاء الاصطناعي بقدرات «وكيلة» أكثر.

من بين مجموعة الشركات الناشئة الصينية الجديدة في مجال الذكاء الاصطناعي، تعد «زهيبو» أول من دخل على رادار الحكومة الأميركية. في 15 يناير (كانون الثاني) الماضي، قامت إدارة بايدن بمراجعة لوائح مراقبة الصادرات، مضيفة أكثر من 20 كياناً صينياً - بما في ذلك 10 شركات تابعة لشركة «زهيبو» إلى قائمة التجارة المقيدة، ما يمنعها من تلقي السلع أو التكنولوجيا الأميركية لأسباب تتعلق بالمصلحة الوطنية.

أزاحت الشركة الصينية الستار لكشف كيف قد تقوم المختبرات الكبرى ببناء نماذج الجيل التالي الخاصة بها. الآن أصبحت الأمور مثيرة للاهتمام.

وتقدر قيمة «زهيبو» بأكثر من ملياري دولار، وهي حالياً واحدة من أكبر شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة في الصين ويقال إنها تخطط قريباً لطرح عام أولي. يشمل مستثمرو الشركة صناديق تابعة لحكومة مدينة بكين والعديد من شركات رأس المال الاستثماري المرموقة.

بنية تحتية إلكترونية للذكاء الاصطناعي

* «إنفينيجنس». تأسست شركة Infinigence AI «إنفينيجنس إيه آي» في عام 2023، وهي أصغر من الشركات الأخرى في هذه القائمة، رغم أنها لا تزال تجتذب 140 مليون دولار من التمويل حتى الآن. تركز الشركة على البنية التحتية بدلاً من تطوير النماذج.

تتمثل نقطة البيع الرئيسة للشركة في قدرتها على الجمع بين الرقائق من العديد من العلامات التجارية المختلفة بنجاح لتنفيذ مهام الذكاء الاصطناعي، وتشكيل ما تسمى «مجموعة الحوسبة غير المتجانسة». هذا هو التحدي الفريد الذي تواجهه شركات الذكاء الاصطناعي الصينية بسبب عقوبات الرقائق الأميركية.

تزعم شركة «Iإنفينيجنس» أن نظامها يمكن أن يزيد من فاعلية تدريب الذكاء الاصطناعي من خلال تبسيط كيفية عمل بنيات الرقائق المختلفة -بما في ذلك نماذج مختلفة من AMD وHuawei وNvidia - في المزامنة.

بالإضافة إلى ذلك، أطلقت الشركة منصة Infini - AI السحابية، التي تجمع بين منتجات العديد من البائعين لتطوير ونشر النماذج. وتقول الشركة إنها تريد بناء حل فعال لاستخدام الحوسبة «بخصائص صينية» وأصلي لتدريب الذكاء الاصطناعي. وتدعي أن نظام التدريب الخاص بها HetHub يمكن أن يقلل من وقت تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي بنسبة 30٪ من خلال تحسين مجموعات الحوسبة غير المتجانسة التي تمتلكها الشركات الصينية غالباً.


مقالات ذات صلة

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تكنولوجيا تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

الصوت يحمل بيانات شخصية حساسة تكشف الصحة والمشاعر والهوية، ومع تطور تقنيات تحليل الكلام تزداد تحديات الخصوصية والحاجة لحمايتها بوعي وتشريعات.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد من داخل معرض «سيمكون تايوان» للرقائق في تايبيه (أرشيفية - رويترز)

تايوان تطرق أبواب واشنطن بـ«سلاح» الذكاء الاصطناعي

تهدف تايوان إلى أن تصبح شريكاً استراتيجياً للولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي بعد إبرام اتفاقية لتخفيض الرسوم الجمركية وتعزيز استثماراتها في البلاد.

«الشرق الأوسط» (تايبيه)
تكنولوجيا تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)

«تيك توك» تحذف نحو 3.9 مليون محتوى مخالف في السعودية نهاية 2025

«تيك توك» تحذف أيضاً أكثر من 17.4 مليون مقطع فيديو مخالف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

نسيم رمضان (لندن)
خاص يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)

خاص التصوير الجُزيئي كـ«بنية تحتية»: كيف يدعم التحول الصحي في السعودية؟

يتوسع التصوير الجزيئي في السعودية لدعم التشخيص المبكر والطب الدقيق، فيما يظل التنسيق والبنية التحتية والكوادر التحدي الأبرز، لا توفر الأجهزة فقط.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «تي إس إم سي» خلال معرض تايوان للابتكار التكنولوجي في مركز التجارة العالمي بتايبيه (أ.ب)

«تي إس إم سي» التايوانية تتجاوز التوقعات بأرباح قياسية نهاية 2025

أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة (تي إس إم سي)، الرائدة عالمياً في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي والمورد الرئيسي لشركة «إنفيديا».

«الشرق الأوسط» (تايبيه )

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».