التصوير الجُزيئي كـ«بنية تحتية»: كيف يدعم التحول الصحي في السعودية؟

يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)
يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)
TT

التصوير الجُزيئي كـ«بنية تحتية»: كيف يدعم التحول الصحي في السعودية؟

يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)
يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)

غالباً ما يُتناول تحوّل القطاع الصحي عبر محطات واضحة للعيان، مثل إنشاء مستشفيات جديدة، وإطلاق منصات رقمية، واعتماد أجهزة طبية متقدمة. غير أنّ جانباً أقل ظهوراً وأكثر حسماً يتمثل في بناء بنية تحتية تشخيصية قادرة على دعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية على نطاق وطني. ويقع التصوير الجزيئي، ولا سيما التقنيات الهجينة، مثل «PET - MRI» في صميم هذا التحول.

وعلى خلاف التصوير التقليدي، يجمع التصوير الجزيئي بين التفاصيل التشريحية والبيانات الوظيفية الآنية، ما يتيح للأطباء رؤية كيفية عمل الأنسجة لا مجرد شكلها. وفي مجالَي الأورام والأمراض العصبية، قد يُحدث هذا الفرق تحولاً في توقيت الاكتشاف أو في تعديل خطط العلاج أو في تجنّب إجراءات غير ضرورية. غير أن توسيع هذه القدرات عبر بلد واسع ومتنوّع جغرافياً يطرح تحديات تتجاوز كثيراً مجرد اقتناء الأجهزة.

الدكتور سامح الشيخ المدير العام لشركة التصوير الجزيئي والقطاع الطبي بوادي جدة

ما بعد الجهاز

أحرزت السعودية تقدماً تدريجياً في نشر أنظمة التصوير المتقدم، بما في ذلك «PET - CT» و«PET - MRI» داخل مراكز طبية كبرى. وبحسب الدكتور سامح الشيخ المدير العام لشركة التصوير الجزيئي والقطاع الطبي بوادي جدة، أثبتت هذه التقنيات قيمتها السريرية عبر الكشف عن انتشار سرطاني أو اضطرابات لم تُظهرها وسائل التصوير التقليدية، ما أتاح تعديل العلاج فوراً في عدد من الحالات.

لكن التركيز على المعدات وحدها قد يُبسّط المشكلة أكثر من اللازم؛ فالتصوير الجزيئي يعتمد على منظومة متكاملة تشمل إنتاج المستحضرات الصيدلانية الإشعاعية، وكوادر بشرية عالية التخصص، وإدارة آمنة للبيانات، ومسارات إحالة منسّقة.

ويشير الشيخ خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» إلى أن «وجود جهاز دون متتبعات إشعاعية أو كوادر مدرّبة أو بنية لوجستية فعّالة، يحوّله إلى أصل غير مستغل بالكامل».

عملياً، يتحدد مستوى الإتاحة بقدر ما تتحدد بسلاسة سلاسل الإمداد وتنمية رأس المال البشري.

توسّع غير متكافئ إقليمياً

من منظور بنيوي، لا تزال خدمات التصوير الجزيئي تتركز في المدن الكبرى في عدة دول عربية، وهو تحدٍّ يزداد تعقيداً مع التقنيات المعتمدة على متتبعات قصيرة العمر. فالمتتبعات المستخدمة في فحوصات «PET» تتلاشى إشعاعياً بسرعة، ما يحدّ من مسافات النقل وفترات الصلاحية السريرية. وبناءً عليه، تؤثر قدرات الإنتاج المحلي أو غيابها مباشرة في فرص الوصول.

ويوضح الدكتور سامح الشيخ أن توطين إنتاج المتتبعات أسهم في تقليص التأخير وتخفيف أعباء السفر، خصوصاً في المنطقتين الغربية والجنوبية، كما خفف الضغط على المراكز المركزية.

ولا يتعلق الأمر بالعدالة الجغرافية فحسب؛ إذ قد تتسبب تأخيرات التشخيص في سلاسل من الآثار، تشمل إطالة مسارات العلاج، وارتفاع التكاليف، وتراجع النتائج الصحية. ومن منظورٍ منظومي، يُقوّض التفاوت الإقليمي مكاسب الكفاءة التي يُفترض أن تحققها التقنيات المتقدمة.

يواجه التصوير الجزيئي تحدياً يتمثل في التفاوت الإقليمي حيث تتركز الخدمات المتقدمة في المدن الكبرى مقارنة بالمناطق الأخرى (شاترستوك)

التنسيق كبنية تحتية

تُبرز هذه القيود حقيقة أوسع؛ فالسعة التشخيصية تُعد بنية تحتية بحد ذاتها، لا تقنية منفصلة. ويتطلب التوسع الفعّال تنسيقاً متعدد المستويات بين مقدمي الرعاية في القطاعين العام والخاص والجهات التنظيمية والمؤسسات الأكاديمية وشبكات الخدمات اللوجستية.

في السعودية، يتقاطع هذا التنسيق بشكل متزايد مع أهداف «رؤية السعودية 2030»، التي تركز على الوقاية والاكتشاف المبكر وتحسين جودة الحياة. ويمكن للتصوير الجزيئي دعم هذه الأهداف، شريطة إدماجه ضمن إطار متماسك يضمن توحيد المعايير وحماية البيانات وتطوير الكفاءات. ويشير الشيخ إلى أن أنماط الإحالة تُعد مؤشراً على الثقة والتكامل داخل النظام؛ إذ تأتي نسبة متزايدة من حالات التصوير الجزيئي من مستشفيات حكومية، إلى جانب مزودين من القطاع الخاص وجهات خيرية. ويعكس هذا التنوع ثقة أوسع بالتقنية، لكنه يفرض أيضاً متطلبات أعلى على الجدولة وتبادل البيانات والتنسيق السريري.

رأس المال البشري كعنق زجاجة

يمثل توفر الكوادر المتخصصة عنق زجاجة آخر. فأطباء الطب النووي والصيادلة الإشعاعيون والفيزيائيون الطبيون والتقنيون المدرّبون عناصر أساسية لتشغيل خدمات التصوير الجزيئي بأمان وكفاءة. وهذه المهارات نادرة عالمياً نسبياً، وبناؤها محلياً يتطلب وقتاً واستثماراً مستداماً. وقد استثمرت السعودية في برامج تدريب واعتماد لتوسيع هذه القاعدة، غالباً بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية.

ويؤكد الشيخ أهمية التدريب العملي في مواقع العمل بما يربط التعليم الأكاديمي بالتطبيق السريري. ومن دون استثمار طويل الأمد في رأس المال البشري، قد يتجاوز نشر التقنيات القدرة التشغيلية الفعلية.

وهنا تبرز أهمية الشراكات بين مقدمي الرعاية والجامعات. فالمؤسسات المرتبطة بجامعة الملك عبد العزيز، عبر أذرع استثمار وابتكار، مثل وادي جدة، تُظهر كيف يمكن للمنظومات الأكاديمية دعم التقنيات الطبية التطبيقية عبر الربط بين البحث والتعليم وتقديم الخدمة.

قيمة هذه التقنيات لا تكمن في الأجهزة وحدها بل في المنظومة المتكاملة التي تشمل المتتبعات الإشعاعية والكوادر المتخصصة وسلاسل الإمداد (شاترستوك)

البيانات والأمن والتكامل

مع توسع التصوير الجزيئي، تتزايد أحجام البيانات وحساسيتها. وتُعد بيانات التصوير من أكثر أنواع المعلومات الصحية تفصيلاً، ما يستلزم ضوابط صارمة وإتاحة محدودة. وتفرض الأنظمة الوطنية في السعودية متطلبات مشددة لحماية البيانات، تضمن الخصوصية وقصر الوصول على المصرّح لهم.

غير أن التخزين الآمن ليس سوى جزء من المعادلة؛ فالقيمة طويلة الأمد للتصوير الجزيئي تكمن في تكامله مع أنظمة المعلومات الصحية الأوسع، بما يتيح دعم الرعاية الطولية وتحليل النتائج، وربما التحليلات التنبؤية مستقبلاً. ولا يزال تحقيق هذا التكامل من دون الإخلال بالأمن أو قابلية التشغيل البيني قيد التطوير.

منظور إقليمي

إقليمياً، يضع التبني المبكر للتصوير الجزيئي والدعم المالي المستمر السعودية في موقع متقدم مقارنة بعدد من الأسواق المجاورة. ويشير الدكتور سامح الشيخ إلى أن برامج التدريب والاستثمار في إنتاج المتتبعات وتوسيع التطبيقات السريرية أسهمت في تسريع الاعتماد. وفي المقابل، يعني الطلب المتنامي مدفوعاً بالنمو السكاني وتزايد عبء الأمراض أن توسيع السعة يجب أن يستمر لمجرد مواكبة الحاجة.

وتبرز هنا مفارقة النجاح؛ فكلما ازدادت فعالية التصوير الجزيئي، ارتفع الطلب عليه، ما يضع ضغوطاً إضافية على البنية التحتية والكوادر وسلاسل الإمداد. وإدارة هذا الطلب تتطلب تخطيطاً على المستوى الوطني، لا إضافات متفرقة على مستوى المراكز.

الطريق إلى «2030»

يُتوقع أن تُسهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأدوات المعتمدة على البيانات في تحسين تفسير الصور وتقليص زمن التقارير وتعزيز الاتساق. ويؤكد الشيخ أن هذه المكاسب لن تتحقق إلا بعد معالجة الأسس، من حيث توحيد سير العمل وتوفر الكوادر المدرّبة وتكامل أنظمة البيانات؛ فالذكاء الاصطناعي هنا مُسرّع، وليس بديلاً عن البنية التحتية.

بحلول عام 2030، سيُقاس نجاح التصوير الجزيئي أقلّ بتطور الأجهزة الفردية وأكثر بسلاسة دعمه لمسارات المرضى عبر النظام الصحي؛ فالتشخيص الأسرع وتقليل حالات الإغفال والعلاجات الأكثر دقة هي النتائج المنشودة، لكنها رهينة بتكامل التكنولوجيا والسياسات والموارد البشرية ضمن إطار وطني متماسك.

وتُظهر تجربة السعودية درساً أوسع للأنظمة الصحية عالمياً؛ إذ إن أعظم قيمة للتشخيص المتقدم تتحقق عندما يُعامل كبنية تحتية وطنية. وفي هذا السياق، لا يتمثل التحدي الحاسم في اقتناء المعدات بل في مواءمة المكوّنات العديدة التي تمكّنه من العمل بفعالية وعلى نطاق واسع.


مقالات ذات صلة

«أبل» تطلق «iOS 26.4» بتحسينات واسعة… لكن أين «سيري»؟

تكنولوجيا يقدّم تحديث «iOS 26.4» تحسينات عملية على التطبيقات الأساسية دون تغييرات جذرية في تجربة النظام (د.ب.أ)

«أبل» تطلق «iOS 26.4» بتحسينات واسعة… لكن أين «سيري»؟

تحديث «iOS 26.4» يقدم تحسينات يومية وميزات ذكاء اصطناعي محدودة بينما تأجل إطلاق النسخة المطورة من «سيري» المنتظرة لاحقاً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تجمع الشراكة بين البنية التحتية والنماذج لدى «هيوماين» وخبرة «Turing» في تطوير وتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي (هيوماين)

«هيوماين» و«Turing» تطلقان سوقاً عالمية لوكلاء الذكاء الاصطناعي للمؤسسات

«هيوماين» و«Turing» تطلقان سوقاً لوكلاء الذكاء الاصطناعي لتمكين المؤسسات من تشغيل مهامها عبر وكلاء أذكياء بدل البرمجيات التقليدية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)

خاص من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

قطاع «الفنتك» في السعودية ينتقل من التبنِّي السريع إلى تحديات التنفيذ مع الحاجة لتحديث الأنظمة والبيانات لتعزيز الابتكار والتوسع المستدام.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

نموذج جديد يتنبأ بحركة البعوض ويكشف كيف يدمج الإشارات البصرية والكيميائية لتحديد موقع الإنسان وتحسين استراتيجيات مكافحته والحد من الأمراض.

نسيم رمضان (لندن)

«أبل» تطلق «iOS 26.4» بتحسينات واسعة… لكن أين «سيري»؟

يقدّم تحديث «iOS 26.4» تحسينات عملية على التطبيقات الأساسية دون تغييرات جذرية في تجربة النظام (د.ب.أ)
يقدّم تحديث «iOS 26.4» تحسينات عملية على التطبيقات الأساسية دون تغييرات جذرية في تجربة النظام (د.ب.أ)
TT

«أبل» تطلق «iOS 26.4» بتحسينات واسعة… لكن أين «سيري»؟

يقدّم تحديث «iOS 26.4» تحسينات عملية على التطبيقات الأساسية دون تغييرات جذرية في تجربة النظام (د.ب.أ)
يقدّم تحديث «iOS 26.4» تحسينات عملية على التطبيقات الأساسية دون تغييرات جذرية في تجربة النظام (د.ب.أ)

مع كل تحديث جديد لنظام «iOS»، تتجه الأنظار عادةً إلى الميزة الأبرز التي قد تعيد تعريف تجربة الاستخدام. لكن التحديث جاء برسالة مختلفة عبارة عن تحسينات واسعة في النظام، مقابل غياب الميزة الأكثر ترقباً... «سيري».

أطلقت «أبل» تحديث «iOS 26.4» مع مجموعة من التعديلات التي تركز على تحسين التجربة اليومية، دون تغييرات جذرية في الواجهة أو إطلاق تقنيات جديدة بالكامل. وبينما أضاف التحديث وظائف متعددة عبر التطبيقات، بقيت «سيري» دون التحديث المنتظر، في إشارة إلى أن التحول الأكبر لا يزال قيد التطوير.

تحسينات عملية

يركز التحديث الجديد على جعل استخدام الهاتف أكثر سلاسة، بدلاً من تقديم قفزات تقنية كبيرة. ويظهر ذلك بوضوح في التعديلات التي طالت تطبيقات أساسية مثل «أبل ميوزيك» (Apple Music) و«بودكاستس» (Podcasts).

ومن أبرز الإضافات ميزة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإنشاء قوائم تشغيل موسيقية بناءً على وصف المستخدم. فبدلاً من اختيار الأغاني يدوياً، يمكن للمستخدم كتابة وصف بسيط مثل مزاج أو نشاط ليقوم النظام ببناء قائمة تشغيل تلقائياً.

كما أضافت الشركة ميزة تساعد على اكتشاف الحفلات الموسيقية القريبة، اعتماداً على تفضيلات الاستماع، إلى جانب تحسينات بصرية مثل عرض الأغلفة الموسيقية بشكل كامل داخل التطبيق. وفي جانب آخر، أصبح بالإمكان التعرف على الموسيقى حتى دون اتصال بالإنترنت، مع عرض النتائج لاحقاً عند عودة الاتصال، وهو ما يعكس توجهاً نحو جعل الوظائف الأساسية أكثر استقلالية.

أضافت «أبل» ميزات تعتمد على الذكاء الاصطناعي مثل إنشاء قوائم تشغيل موسيقية تلقائياً (شاترستوك)

تجربة محتوى أكثر تكاملاً

التحديث لم يقتصر على الموسيقى. فقد حصل تطبيق «Podcasts» على دعم أفضل للفيديو، مع إمكانية التبديل السلس بين المشاهدة والاستماع، وفقاً لجودة الاتصال بالإنترنت. كما شملت التغييرات أدوات إنشاء المحتوى، حيث حصل تطبيق «فري فورم» (Freeform) على ميزات إضافية، مثل مكتبة عناصر بصرية جاهزة يمكن استخدامها داخل المشاريع، ما يعزز من دوره كأداة إنتاج وليس مجرد مساحة ملاحظات.

في الوقت نفسه، ركزت «أبل» على تحسينات صغيرة لكنها مؤثرة، مثل دقة لوحة المفاتيح عند الكتابة السريعة وإدارة التذكيرات بشكل أكثر وضوحاً وتحسينات في إعدادات إمكانية الوصول. هذه التعديلات قد تبدو بسيطة، لكنها تستهدف نقاط احتكاك يومية يعاني منها المستخدمون.

ميزات جديدة... ولكن تدريجية

إلى جانب ذلك، أضاف التحديث مجموعة من الميزات العامة، مثل رموز تعبيرية جديدة، وتحسينات في مشاركة المشتريات داخل العائلة، حيث أصبح بإمكان كل فرد استخدام وسيلة دفع خاصة به. كما تم إدخال تحديثات مرتبطة بالخصوصية، مثل آليات التحقق من العمر في بعض المناطق، في إطار التكيف مع المتطلبات التنظيمية. تعكس هذه الإضافات أن التحديث لا يهدف إلى إعادة تعريف النظام، بل إلى تحسينه تدريجياً من الداخل.

لم يتضمن التحديث النسخة المطوّرة من «سيري» رغم التوقعات المرتفعة حولها (شاترستوك)

أين «سيري»؟

رغم كل هذه التحديثات، يبقى العنصر الأهم هو ما لم يتم إطلاقه. فالتحديث لم يتضمن النسخة الجديدة من «سيري» التي يُفترض أن تكون أكثر ذكاءً وتفاعلاً، مع قدرة أكبر على فهم السياق والتعامل مع البيانات الشخصية للمستخدم. وكانت التوقعات تشير إلى أن هذا التحديث سيشكل خطوة كبيرة في سباق الذكاء الاصطناعي، خاصة مع المنافسة المتزايدة من شركات أخرى تقدم مساعدين أكثر تطوراً. لكن غياب هذه الميزة لا يعني التخلي عنها، بل يبدو أنه يعكس نهجاً أكثر حذراً في تطويرها، مع احتمال إطلاقها في تحديثات لاحقة أو خلال فعاليات قادمة.

تحول تدريجي في فلسفة التحديثات

ما يكشفه «iOS 26.4» هو تحول في طريقة تعامل «أبل» مع التحديثات. فبدلاً من الاعتماد على ميزة واحدة كبيرة، تتجه الشركة نحو تحسينات متراكمة، تجعل النظام أكثر استقراراً وكفاءة بمرور الوقت. هذا النهج قد لا يكون لافتاً على المدى القصير، لكنه يراهن على تحسين التجربة بشكل مستمر. وفي هذا السياق، يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من تفاصيل الاستخدام اليومية، وليس مجرد إضافة منفصلة.

يعكس التحديث الحالي مرحلة انتقالية. فبينما يتم إدخال بعض عناصر الذكاء الاصطناعي تدريجياً مثل إنشاء قوائم التشغيل، يبقى التحول الأكبر مؤجلاً.

المعادلة هنا واضحة وهي أن «أبل» تعمل على إدخال الذكاء الاصطناعي إلى النظام، لكن دون التسرع في إطلاق ميزات قد تؤثر على تجربة المستخدم أو الخصوصية. وفي انتظار «سيري» الجديدة، يقدّم «iOS 26.4» تجربة أكثر نضجاً واستقراراً، حتى وإن كانت أقل إثارة من التوقعات.


طائرات تحاكي الطيور… هل تعيد تعريف مستقبل الطائرات دون طيار؟

يعمل الفريق على تطوير نماذج أولية لروبوت طائر يحاكي الطيور بمواد ذكية تعتمد على الجهد الكهربائي تمهيداً لاختباره في نفق الرياح (مختبر بيلغن)
يعمل الفريق على تطوير نماذج أولية لروبوت طائر يحاكي الطيور بمواد ذكية تعتمد على الجهد الكهربائي تمهيداً لاختباره في نفق الرياح (مختبر بيلغن)
TT

طائرات تحاكي الطيور… هل تعيد تعريف مستقبل الطائرات دون طيار؟

يعمل الفريق على تطوير نماذج أولية لروبوت طائر يحاكي الطيور بمواد ذكية تعتمد على الجهد الكهربائي تمهيداً لاختباره في نفق الرياح (مختبر بيلغن)
يعمل الفريق على تطوير نماذج أولية لروبوت طائر يحاكي الطيور بمواد ذكية تعتمد على الجهد الكهربائي تمهيداً لاختباره في نفق الرياح (مختبر بيلغن)

ظل التصميم التقليدي في عالم الطائرات دون طيار يعتمد على المراوح والمحركات، وهي مقاربة أثبتت فاعليتها لكنها تفرض حدوداً واضحة على الحركة والمرونة. اليوم، يحاول باحثون إعادة التفكير في هذا النموذج من خلال العودة إلى الطيور كمصدر إلهام قديم.

تسلط دراسة حديثة الضوء على جيل جديد من الروبوتات الطائرة، تُعرف باسم «الأورنيثوبتر» (Ornithopters)، وهي طائرات تحاكي طريقة الطيران الطبيعية للطيور عبر أجنحة مرنة تتحرك وتتكيف مع الهواء، بدلاً من الاعتماد على مراوح ثابتة.

تعتمد الطائرات دون طيار التقليدية على أنظمة ميكانيكية معقدة تشمل محركات وتروس وأجزاء متحركة. لكن هذا النموذج الجديد يتجه نحو ما يمكن وصفه بـ«التصميم الصلب» أو (solid-state) حيث يتم الاستغناء عن هذه المكونات بالكامل. بدلاً من ذلك، يستخدم الباحثون مواد ذكية تعتمد على ما يُعرف بالتأثير الكهروضغطي، وهي مواد تتغير أشكالها عند تطبيق جهد كهربائي عليها. وبهذه الطريقة، يمكن تحريك الأجنحة مباشرة من خلال الكهرباء، من دون الحاجة إلى وصلات ميكانيكية. هذا التحول لا يقلل فقط من تعقيد التصميم، بل يفتح الباب أمام حركة أكثر سلاسة وتكيفاً مع البيئة، حيث يمكن للأجنحة أن تنثني وتلتف بشكل مستمر، تماماً كما تفعل الطيور أثناء الطيران.

أدوات محاكاة متقدمة طوّرها باحثون تساعد على تصميم طائرات تحاكي الطيور رقمياً ما يسرّع التطوير ويقلل النماذج التجريبية (مختبر بيلغن)

مرونة أكبر في بيئات معقدة

تكمن أهمية هذا النهج في قدرته على التعامل مع البيئات المعقدة. فالطائرات التقليدية غالباً ما تواجه صعوبة في الأماكن الضيقة أو غير المتوقعة، مثل المناطق الحضرية المزدحمة أو البيئات الطبيعية المليئة بالعوائق. في المقابل، توفر الأجنحة المرنة قدرة أعلى على المناورة والاستجابة السريعة لتغيرات الهواء. وهذا يجعل هذه الروبوتات مناسبة لمجموعة واسعة من التطبيقات مثل عمليات البحث والإنقاذ ومراقبة البيئة وفحص البنية التحتية والتوصيل في المدن. في مثل هذه السيناريوهات، لا يكون التحدي في الطيران فقط، بل في القدرة على التكيف مع بيئة متغيرة بشكل مستمر.

محاكاة الطبيعة... دون نسخها

رغم أن الفكرة مستوحاة من الطيور، فإن الهدف لا يقتصر على تقليد الطبيعة. يشير الباحثون إلى أنهم لا يسعون إلى بناء نسخة ميكانيكية من جناح الطائر، بل إلى فهم المبادئ الأساسية التي تجعل الطيران الطبيعي فعالاً، ثم إعادة تصميمها بطرق أبسط وأكثر كفاءة. في هذا النموذج، تلعب المواد دوراً محورياً ومنها الألياف الكربونية التي تعمل كهيكل يشبه العظام والريش، والمواد الكهروضغطية تقوم بدور العضلات.

وبذلك، يصبح الجناح نفسه نظاماً متكاملاً للحركة، بدلاً من كونه مجرد سطح يتحرك بواسطة أجزاء خارجية.

نموذج رقمي لفهم الطيران

إلى جانب التطوير المادي، ركزت الدراسة على بناء نموذج حاسوبي متكامل يحاكي عملية الطيران. هذا النموذج يدمج عدة عناصر في وقت واحد كحركة الأجنحة والجسم والديناميكيات الهوائية والأنظمة الكهربائية وآليات التحكم. يسمح ذلك للباحثين باختبار التصاميم افتراضياً قبل تصنيعها، ما يسرّع عملية التطوير ويقلل الحاجة إلى تجارب مكلفة ومتكررة.

ورغم التقدم الذي تحققه هذه النماذج، لا تزال هناك تحديات رئيسية، أبرزها أداء المواد المستخدمة. فالمواد الكهروضغطية الحالية لا توفر بعد القوة أو الكفاءة الكافية للوصول إلى الأداء المطلوب في التطبيقات العملية واسعة النطاق. لكن الباحثين يرون أن هذه المشكلة قد تكون مؤقتة؛ إذ يسمح النموذج الحاسوبي بتوقع كيف يمكن أن تتحسن هذه الأنظمة مع تطور المواد في المستقبل.

في هذا التسلسل الحاسوبي تتحرك أجنحة الطائرة دون محركات باستخدام مشغلات كهروضغطية مرنة (مختبر بيلغن)

أكثر من مجرد طائرات

لا تقتصر أهمية هذه الأبحاث على الطائرات دون طيار فقط. فالمبادئ نفسها يمكن تطبيقها في مجالات أخرى، مثل الطاقة المتجددة. على سبيل المثال، يمكن استخدام مواد مرنة لتعديل شكل شفرات توربينات الرياح بشكل مستمر، ما قد يحسن كفاءتها في التقاط الطاقة. وهذا يعكس اتجاهاً أوسع في الهندسة، حيث لم يعد الهدف فقط بناء أنظمة أقوى، بل أنظمة أكثر ذكاءً وتكيفاً.

تشير هذه الدراسة إلى أن مستقبل الطائرات دون طيار قد لا يكون مجرد تحسين للأنظمة الحالية، بل إعادة تعريف كاملة لطريقة الطيران. فبدلاً من الاعتماد على أنظمة ميكانيكية معقدة، قد تتجه الصناعة نحو تصاميم أبسط من حيث المكونات، لكنها أكثر تعقيداً من حيث السلوك والتفاعل مع البيئة. في هذا السياق، تصبح الطائرة أقل شبهاً بآلة صلبة، وأكثر قرباً من كائن حي قادر على التكيف.

ما الذي يتغير فعلاً؟

لا يكمن التغيير في شكل الطائرة فقط، بل في فلسفة التصميم نفسها. الانتقال من المراوح إلى الأجنحة المرنة يعكس تحولاً أعمق من أنظمة تعتمد على القوة والثبات، إلى أنظمة تعتمد على المرونة والاستجابة. وبينما لا تزال هذه التقنيات في مراحل البحث، فإن اتجاه مستقبل الطيران قد يكون أقرب إلى الطبيعة مما كان يُعتقد.


النمسا تعتزم حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال تحت سن 14 عاماً

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
TT

النمسا تعتزم حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال تحت سن 14 عاماً

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)

أعلن الائتلاف الحاكم في النمسا، اليوم الجمعة، عن خطط لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال تحت سن 14 عاماً، لتنضم إلى سلسلة من الدول الأخرى في فرض مثل هذه القيود على الصغار.

وقال ألكسندر برول، مسؤول شؤون الرقمنة في مكتب المستشار النمساوي كريستيان شتوكر، إنه سوف يتم طرح مشروع قانون بهذا الشأن بحلول نهاية يونيو (حزيران) المقبل.

وأضاف أن «الأساليب الحديثة تقنياً للتحقق من العمر سوف تطبق للسماح بالتحقق من أعمار المستخدمين مع احترام خصوصيتهم».

ولم يتضح على الفور الموعد الذي ربما تدخل فيه الخطة لتحديد الحد الأدنى للعمر حيز التنفيذ والتي ستحتاج إلى موافقة برلمانية.

العديد من الدول تعتزم حظر وصول الأطفال دون سن الـ16 لوسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

يشار إلى أن أستراليا أخذت بزمام المبادرة في هذا الصدد عام 2024، لتصبح أول دولة تحظر استخدام الأطفال تحت سن 16 عاماً وسائل التواصل الاجتماعي بغرض حمايتهم من المحتوى الضار والإفراط في استخدام الشاشات، ومن المقرر سريان حظر مماثل في إندونيسيا غداً السبت.