عام 2024.. طموحات استكشاف الفضاء

6 بعثات تنطلق نحو أطراف الكون

رسم تصويري لسفينة فضائية ضمن برنامج «أرتميس» (شاترستوك)
رسم تصويري لسفينة فضائية ضمن برنامج «أرتميس» (شاترستوك)
TT

عام 2024.. طموحات استكشاف الفضاء

رسم تصويري لسفينة فضائية ضمن برنامج «أرتميس» (شاترستوك)
رسم تصويري لسفينة فضائية ضمن برنامج «أرتميس» (شاترستوك)

أظهرت سنة 2023 أهميّة كبيرة في مجال البعثات الفضائية بعد عودة بعثة «أوزيريس - ريكس» لوكالة الطيران والفضاء الأميركية «ناسا»، حاملة عيّنة من كويكب، وبانطلاق بعثة «شاندرايان - 3» الهندية لاستكشاف قطب القمر الجنوبي.

بعثات القمر والمريخ

ويبدو أنّنا على موعد مع سنة أخرى «حماسية» على صعيد الاستكشاف الفضائي، إذ تشمل خطّة «أرتميس» ومبادرة الخدمات التجارية للحمولة القمرية التي وضعتها «ناسا»، إرسال عدّة بعثات جديدة إلى القمر.

ومن المقرّر أن يشهد النصف الثاني من العام عدّة إطلاقات بارزة، كبعثة استكشاف الأقمار المريخية في سبتمبر (أيلول)، وبعثتَي «أوروبا كليبر» و«هيرا» في أكتوبر (تشرين الأول)، و«أرتميس 2» و«فايبر» إلى القمر في نوفمبر (تشرين الثاني)، إذا سارت الأمور وفقاً للخطط الموضوعة.

6 بعثات فضائية

وبوصفي عالمة متخصصة في الكواكب، سأعرّفكم أهمّ ستّ بعثات فضائية في 2024.

1. «أوروبا كليبر» Europa Clipper. تعتزم «ناسا» إطلاق بعثة «أوروبا كليبر» التي ستستكشف «أوروبا»، أحد أكبر أقمار المشتري، الذي يصغر قمر الأرض بقليل، ويتميّز بسطحٍ جليدي يغطّي محيطاً من المياه المالحة. ويتوقّع العلماء احتواء هذا المحيط على ضعفَي كمية المياه المتوفرة في محيطات الأرض مجتمعة.

ومع إرسال «أوروبا كليبر»، يسعى العلماء للتحقيق فيما إذا كان محيط «أوروبا» مكاناً ملائماً للحياة خارج الأرض.

تخطّط البعثة لتنفيذ هذه المهمّة بالدوران عبر «أوروبا» لأكثر من 50 مرّة لدراسة قشرته الجليدية، وجيولوجيا سطحه، ومحيطه تحت السطح، بالإضافة للبحث عن احتمال وجود سخانات.

ستغيّر هذه البعثة التصورات بالنسبة للعلماء الذين يأملون فهم عالم المحيطات.

تبدأ نافذة الإطلاق -أي الفترة الزمنية التي سيحصل خلالها الإطلاق وستصل خلالها البعثة إلى طريقها المقرّر- في 10 أكتوبر 2024 وتُقفل بعد 21 يوماً. ومن المزمع أن تُقلع «أوروبا كليبر» على متن صاروخ فالكون تابع لـ«سبيس إكس»، وأن تصل إلى نظام المشتري في 2030.

رواد الفضاء قد يؤسسون لوجود طويل الامد على القمر (شاترستوك)

وجود طويل الأمد على القمر

2. إطلاق «أرتميس 2» Artemis II. وضعت وكالة «ناسا» برنامج «أرتميس» للعودة إلى القمر عبر إرسال بعثات بشرية لأوّل مرّة منذ عام 1972، على أن تضمّ هذه البعثات أوّل امرأة وأوّل شخص من أصحاب البشرة الملوّنة. ويشمل «أرتميس» أيضاً خططاً لوجود طويل الأمد ومستدام في الفضاء، يهدف إلى تحضير الوكالة لإرسال بعثات مأهولة لاحقاً إلى نقاط أبعد، كالمريخ.

وتُعدّ بعثة «أرتميس 2» الخطوة المأهولة الأولى في هذه الخطّة، على أن تشهد إرسال أربعة روّاد فضاء في بعثة مدّتها 10 أيّام.

تعتمد هذه البعثة على نتائج بعثة «أرتميس 1» التي أرسلت كبسولة غير مأهولة إلى مدار القمر في أواخر 2022.

وستحمل «أرتميس 2» روّاد الفضاء إلى المدار المحيط بالقمر قبل العودة بهم إلى الأرض. من المزمع أن تنطلق البعثة في نوفمبر 2024، ولكن قد تؤجّل إلى 2025، بناءً على جهوزية المعدّات كالبذّات الفضائية ومخزون الأكسجين.

3. «فايبر» VIPER للبحث عن المياه على القمر. «فايبر» هو روبوت بحجم عربة الغولف ستستخدمه «ناسا» لاستكشاف قطب القمر الجنوبي في أواخر 2024.

كان من المقرّر إرسال هذا الروبوت إلى وجهته في 2023، ولكنّ الوكالة عادت وأجّلت البعثة لاستكمال المزيد من الاختبارات على نظام سفينة الهبوط، الذي طوّرته شركة «أستروبوتيك» الخاصّة في إطار مبادرة الخدمات التجارية للحمولة القمرية.

صُممت هذه البعثة الآلية للبحث عن المواد المتطايرة، وهي عبارة عن جزيئات سهلة التبخّر، كالمياه وثاني أكسيد الكربون، في درجة حرارة القمر. وقد توفّر هذه المواد موارد للاستكشافات البشرية المستقبلية على القمر.

وخلال رحلة المائة يوم، سيتزوّد «فايبر» بطاقته من بطاريات، وأنابيب حرارية، ومشعّات تتيح له الصمود في كلّ الأوضاع، من الحرّ المتطرّف خلال النهار القمري -إذ يمكن أن تصل درجة الحرارة إلى 107 مئوية- إلى مناطق القمر الشديدة البرودة والظلّ، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى -240 درجة مئوية.

يشير برنامج البعثة إلى أنّ إطلاق «فايبر» مقرّر في نوفمبر 2024.

مهمّتان قمريتان منخفضتا التكلفة

4. بعثتا «تريل بلايزر» Lunar Trailblazer و«برايم - 1» PRIME – 1 القمريتان. استثمرت «ناسا» أخيراً في مجموعة من البعثات الكوكبية الصغيرة غير المكلفة التي تحمل اسم «سيمبل إكس». تخفّض هذه البعثات تكلفتها من خلال مرافقة إطلاقات أخرى بأسلوب يشبه مشاركة العربات في التنقّل البرّي، أو كحمولة ثانوية.

تحمل إحدى هذه البعثات اسم «تريل بلايزر». وكـ«فايبر»، تستهدف هذه البعثة البحث عن المياه على القمر.

ولكن الفارق أنّ «فايبر» ستهبط على سطح القمر وتستكشف منطقة محدّدة بالقرب من قطبه الجنوبي، في حين أنّ «تريل بلايزر» ستدور حول القمر لقياس درجة حرارة السطح وتحديد مواقع وجود جزيئات المياه.

تفيد التقارير الحالية بأنّ «تريل بلايزر» ستصبح جاهزة في بداية 2024.

ولكن لأنّ إطلاقها سيكون على شكل حمولة ثانوية، سيتوقّف توقيتها على جهوزية إطلاق الحمولة الأولية، أي بعثة «برايم - 1»، المزمع إطلاقها في منتصف 2024.

ستحفر «برايم - 1» طريقها إلى داخل القمر وستكون بمثابة اختبار للاختراق الذي سينفّذه «فايبر»، إلّا أنّ موعد إطلاقها يتوقّف على الإطلاقات التي ستسبقها.

كانت بعثة سابقة من مبادرة الخدمات التجارية للحمولة القمرية مقرّرة بالتنسيق مع شريك الهبوط نفسه، قد تأجّلت إلى فبراير (شباط) 2024، ما يرجّح مزيداً من التأخير في إطلاق «برايم - 1» و«تريل بلايزر».

مهمات يابانية وأوروبية

5. بعثة استكشاف الأقمار المريخية من «جاكسا» JAXA’s Martian Moon eXploration mission. بينما يتوقّع قمر الأرض استقبال عدّة «زائرين» -صغاراً وكباراً، وروبوتات، وبعثات مأهولة- خلال عام 2024، ينتظر قمرا المرّيخ، «فوبوس» و«ديموس»، زائراً أيضاً. إذ تعتزم وكالة استكشاف الفضاء الياباني (جاكسا) إطلاق بعثة آلية (لا تزال حالياً قيد التطوير) باسم «استكشاف القمر المريخي» (MMX)، في سبتمبر (أيلول) 2024.

هدف البعثة الأساسي هو تحديد أصل أقمار المريخ لأنّ العلماء لا يزالون غير متأكدين ما إذا كان «فوبوس» و«ديموس» كويكبين سابقين جذبهما المريخ إلى مداره بقوّة جاذبيته، أو تشكيلاً من الحطام الذي يدور في مدار المريخ.

ومن المخطّط له أن تُمضي السفينة ثلاث سنوات حول المريخ لتنفيذ إجراءات علمية لمراقبة «فوبوس» و«ديموس». ومن المزمع أنّ تهبط MMX أيضاً على سطح «فوبوس» لجمع عيّنة قبل العودة إلى الأرض.

قد تشهد 2024 إطلاق سفينة من «أسترو فورج» الأميركية العاملة بمجال تنقيب الكويكبات في بعثة تستهدف كويكباً صخرياً بالقرب من مدار الأرض (أرشيفية)

6. بعثة «هيرا» Hera التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية. صُممت «هيرا»، البعثة التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، للعودة إلى نظام كويكبي «ديمورفوس» و«ديديموس» الذي زارته بعثة «دارت» التابعة لـ«ناسا» عام 2022.

لم تكتفِ «دارت» بزيارة هذين الكويكبين فحسب، بل ارتطمت بأحدهما لاختبار تقنية دفاعية كوكبية اسمها «التأثير الحركي» -اصطدمت البعثة بـ«ديمورفوس» بقوّة ونجحت فعلاً في تغيير مداره.

قد تلعب هذه التقنية، التي تضرب شيئاً ما بجسمٍ بهدف تغيير مساره، دوراً بالغ الأهمية في حال واجهت البشرية خطر ارتطام جسمٍ ما بالأرض وأرادت إعادة توجيهه.

من المزمع أن تنطلق «هيرا» في أكتوبر 2024، لتصل إلى الكويكبين في 2026، إذ ستدرس خصائصهما الفيزيائية.

* أستاذة مساعدة في علوم الأرض والغلاف الجوي والكواكب في جامعة بيردو، مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

طالب يحلّ لغز «رجال الثلج» في أطراف النظام الشمسي

يوميات الشرق كتلتان تلامستا برفق قبل بلايين السنوات ولا تزالان متعانقتين (شاترستوك)

طالب يحلّ لغز «رجال الثلج» في أطراف النظام الشمسي

نجح أحد الطلاب في حلّ لغز كوني طال أمدُه يتعلَّق ببعض أكثر الأجسام غرابة في نظامنا الشمسي؛ «رجال الثلج» الجليديين الذين يستوطنون أطرافه البعيدة...

«الشرق الأوسط» (ميشيغان)
يوميات الشرق ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)

«قمر دموي» يلوّن السماء هذا الأسبوع... خسوف كلّي نادر قبل 2028

من المتوقَّع أن يُزيّن قمرٌ أحمر قانٍ السماء قريباً خلال خسوف كليّ للقمر، ولن يتكرَّر هذا المشهد مجدّداً قبل أواخر عام 2028...

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ كبسولة «أوريون» جزء من مهمة «أرتميس 2» التابعة لوكالة «ناسا» في فلوريدا (إ.ب.أ)

«ناسا» تجري تغييرات جذرية في برنامج للهبوط على القمر

أضافت إدارة ‌الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) مهمة جديدة إلى برنامجها «أرتميس» الخاص بالقمر، تتضمن اختبار التحام مركبة فضائية في مدار الأرض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق تحوّل في اللون... وربما في المصير (المرصد الوطني لأثينا)

نجم عملاق يقترب من نهايته... هل نشهد انفجاراً كونياً وشيكاً؟

أظهرت دراسة حديثة أنَّ أحد أضخم النجوم المعروفة على مستوى الكون مرَّ بتحولات دراماتيكية عام 2014، وربما يتهيَّأ للانفجار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل
TT

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

يُخفي الشخص العادي 9 أنواع من الأسرار، تتراوح بين الكذب والرغبات العاطفية الخفيّة، وقد يُشكل هذا عبئاً ثقيلاً؛ لأن للأسرار عادةً مُقلقةً؛ تتمثل في تبادرها إلى الذهن دون سابق إنذار. وقد يُخفف الاعتراف بها من وطأة الأمر، لكن بعض الأسرار حساس للغاية؛ فلا يُمكن مشاركته، كما كتبت أليس كلاين في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

العبء النفسي لإخفاء الأسرار

تقول فال بيانكي، من جامعة ملبورن في أستراليا: «قد تُفكر في الأسرار خلال الاستحمام، أو عند غسل الأطباق، أو حتى في طريقك إلى العمل».

وأمضت بيانكي سنوات في دراسة العبء النفسي لإخفاء الأسرار وسبل تخفيفه، وقد مُوِّل أحدث أبحاثها من قِبَل «مكتب الاستخبارات الوطنية الأسترالي». وتضيف أن على عملاء الاستخبارات الحفاظ على أسرار بالغة الحساسية لحماية الأمن القومي، لذا؛ فهم بحاجة إلى استراتيجيات لتحمل هذه المسؤولية.

دراسة 38 فئة من الأسرار

لفهم تأثير الأسرار على رفاهية الأفراد بشكل أفضل، استقطبت بيانكي وزملاؤها 240 شخصاً عبر الإنترنت، وطلبوا منهم ملء استبيان عن أسرارهم. أشار المشاركون إلى ما إذا كانوا يخفون أي أسرار من 38 فئة، بما في ذلك: الكذب، والخيانة الزوجية، والسرقة، والإدمان.

الكذب والعيوب الجسدية والسلوكيات الجنسية

في المتوسط، احتفظ المشاركون بـ9 أنواع من الأسرار، وكان أوسعها شيوعاً الكذب (78 في المائة من المشاركين)، والشعور بعدم الرضا عن جانب جسدي شخصي (71 في المائة). وشملت الأسرار الشائعة الأخرى الأمور المالية (70 في المائة)، والرغبات العاطفية (63 في المائة)، والسلوكيات الجنسية (57 في المائة).

أهم الأسرار... مقلق

بعد ذلك، طُلب من المشاركين تحديد أهم سر لديهم وكتابة يوميات لمدة أسبوعين بشأن شعورهم تجاهه. أفاد المشاركون عموماً بأن أهم أسرارهم سلبية، وعند التفكير فيها، تتشتت أفكارهم نحو مخاوف أو قلق يساورهم بشأنها، كما جاء في الدراسة المنشورة في دورية «PsyArXiv, doi.org/qs6j»

تسلل الأسرار إلى الذهن

خلصت أبحاث بيانكي السابقة إلى أن الأسرار المهمة تميل إلى التسلل إلى أفكار الناس مرة كل نحو ساعتين. وتقول: «غالباً ما تخطر هذه الأسرار على البال خلال فعل شيء لا يتطلب كامل انتباهك... لأن ذهنك يجد متسعاً للتفكير في السر والتأمل فيه».

البوح بالأسرار

وتضيف بيانكي أن البوح بالأسرار قد يوفر بعض الراحة في بعض الحالات، لا سيما عند إخبار أشخاص غير متأثرين بشكل مباشر بمحتواها، ويتسمون بالتعاطف، مثل رجال الدين أو المعالجين النفسيين.

من جهة أخرى، لا يمكن البوح ببعض الأسرار لأي شخص؛ بما في ذلك المعلومات السرية للغاية التي يحتفظ بها ضباط المخابرات. وفي هذه الحالات، قد يكون من المفيد لحامل السر التحدث مع شخص ما عن مشاعره تجاه السر، دون الكشف عن محتواه الفعلي، كما تقول بيانكي.

تدوين المذكرات اليومية... علاج نافع

يقول جيمس بينيباكر، من جامعة تكساس في أوستن بالولايات المتحدة، الذي أثبت أن تدوين المشاعر في مذكرات يومية غالباً ما يكون علاجياً، إن خياراً آخر قد يكون متاحاً للأشخاص الذين لا يعملون في مجال الاستخبارات، هو الكتابة سراً عن مشاعرهم وكيف تؤثر عليهم. ويضيف: «بدأ بحثي بملاحظة أن الأشخاص الذين مروا بأي نوع من الاضطرابات الكبيرة كانوا أكبر عرضة لمشكلات صحية إذا لم يتحدثوا عن هذه الأحداث مقارنةً بمن تحدثوا عنها».


الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات
TT

الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات

لم يكن دور الطبيب عبر التاريخ مجرد قراءة الأعراض ووصف العلاج، فالممارسة الطبية كانت دائماً عملية معقدة تجمع بين المعرفة العلمية والخبرة السريرية والحكم الأخلاقي.

التكامل بين الذكاء الاصطناعي وخبرة الطبيب

تحولات عميقة

لكن الطب يشهد اليوم تحولاً عميقاً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات. فقد أصبحت خوارزميات التعلم العميق قادرة على تحليل صور الأشعة بدقة عالية، والتنبؤ ببعض الأمراض قبل ظهور أعراضها، بل واقتراح خطط علاجية محتملة.

هذا التحول لا يطرح سؤالاً تقنياً فحسب، بل سؤالاً مهنياً أعمق: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على تحليل البيانات الطبية، فما هو الدور الجديد للطبيب؟

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في دراسة علمية حديثة نُشرت في 16 فبراير (شباط) 2026 بعنوان «العوامل المؤثرة في الثقة بالذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الصحي» (Determinants of Trust in Artificial Intelligence for Health-Related Decision-Making)، حاول الباحثون فهم موقف المرضى من استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. وقد نُشرت الدراسة في مجلة «جورنال أوف ميديكال إنترنت ريسيرش» (Journal of Medical Internet Research) المتخصصة في الصحة الرقمية، وأُجريت في مراكز الرعاية الصحية الأولية في المملكة العربية السعودية لتحليل مدى قبول المرضى لاستخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص والقرار الطبي.

ثقة المرضى أولاً

أظهرت نتائج الدراسة أن المرضى لا يعارضون استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، بل إن كثيراً منهم يرون في هذه التقنيات فرصة لتحسين دقة التشخيص وتسريع الوصول إلى العلاج. لكن القبول بهذه الأنظمة يبقى مشروطاً بعامل أساسي: أن يظل الطبيب هو صاحب القرار النهائي في العملية العلاجية.

كما كشفت الدراسة أن ثقة المرضى بالذكاء الاصطناعي ترتبط بدرجة كبيرة بثقتهم بالطبيب نفسه. فكلما كانت العلاقة بين الطبيب والمريض قائمة على الثقة والوضوح، ازداد استعداد المرضى لقبول استخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص أو اتخاذ القرار الطبي.

وبعبارة أخرى، لا ينظر المرضى إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلاً للطبيب، بل كأداة علمية يمكن أن تعزز خبرته وتساعده على اتخاذ قرار أكثر دقة.

ثلاثة أدوار للذكاء الاصطناعي في القرار الطبي

3 حالات للذكاء الاصطناعي في العيادة

عند استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية يمكن للطبيب أن يواجه ثلاث حالات مختلفة.

* الحالة الأولى: عندما يقدم النظام توصية تشخيصية أو علاجية واضحة بدرجة ثقة عالية اعتماداً على تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية.

* الحالة الثانية: عندما يقدم الذكاء الاصطناعي تقديرات احتمالية أو سيناريوهات تشخيصية متعددة تحتاج إلى تفسير سريري دقيق من الطبيب، لأن الخوارزمية هنا تعرض الاحتمالات لكنها لا تحسم القرار.

* الحالة الثالثة: ما يسميه بعض الباحثين «صمت الخوارزمية»، وهي الحالة التي يعجز فيها النظام عن إعطاء توصية واضحة بسبب نقص البيانات أو تعقيد الحالة الطبية. وفي مثل هذه الحالات يعود القرار بالكامل إلى خبرة الطبيب وحكمه السريري

لماذا يبقى الطبيب محور القرار؟

الذكاء الاصطناعي بارع في تحليل البيانات واكتشاف الأنماط الطبية المعقدة، لكنه لا يستطيع فهم جميع أبعاد الحالة الإنسانية للمريض. فالقرار الطبي لا يعتمد فقط على نتائج التحاليل أو الصور الشعاعية، بل يشمل أيضاً التاريخ الصحي للمريض، وحالته النفسية، وظروفه الاجتماعية، وحتى تفضيلاته الشخصية في العلاج.

وهذه عوامل لا تستطيع الخوارزميات تقييمها بصورة كاملة، لأنها تتجاوز حدود البيانات الرقمية إلى مساحة الخبرة الإنسانية والتقدير السريري. ولهذا يبقى دور الطبيب حاسماً في ترجمة نتائج الذكاء الاصطناعي إلى قرار طبي متوازن يجمع بين العلم والحكمة.

حكمة قديمة في زمن جديد

قبل أكثر من ألف عام كتب ابن سينا في كتابه «القانون في الطب» أن الطبيب الجيد هو الذي يجمع بين العلم والحكمة. واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه الحكمة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

إن الخوارزميات قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية في ثوانٍ، لكنها لا تستطيع أن تفهم الإنسان بكل تعقيداته. ولهذا يبقى التحدي الحقيقي في الطب الحديث ليس في قوة التكنولوجيا وحدها، بل في قدرة الطبيب على توظيفها بحكمة لخدمة المريض.

ولهذا يمكن القول إن الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مُشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي الذي يوازن بين البيانات والخبرة والبعد الإنساني في العلاج.

الطبيب مهندس القرار

ولهذا قد يكون أدق وصف لدور الطبيب في الطب الحديث أن الطبيب لم يعد مجرد مشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي في عصر الخوارزميات. فبين البيانات التي تقدمها الأنظمة الذكية والخبرة السريرية التي يمتلكها الطبيب، يتشكل القرار الطبي الذي يجمع بين دقة العلم وفهم الإنسان.


التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
TT

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)

يشيع الاعتقاد بأن النجاح في الحياة يرتبط أساساً بالذكاء الفائق أو الموهبة الفطرية، غير أن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن التفوق لا يقوم على هذه العوامل وحدها. فالأشخاص الذين يحققون إنجازات كبيرة في مجالات مختلفة لا يكونون دائماً الأكثر ذكاءً أو موهبة؛ بل غالباً ما يتميزون بقدرتهم على الاستمرار والعمل لفترات طويلة رغم الصعوبات.

وفي هذا السياق، تقدِّم عالمة النفس الأميركية أنجيلا دوكوورث (Angela Duckworth) تفسيراً مختلفاً لمعنى التفوق، في كتابها الشهير «العزيمة: قوة الشغف والمثابرة» (Grit: The Power of Passion and Perseverance)؛ حيث ترى أن العامل الحاسم في النجاح هو ما تسميه «العزيمة».

ما «العزيمة»؟

تعرِّف دوكوورث العزيمة بأنها مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد، والمثابرة في مواجهة العقبات. أي أن الشخص الذي يمتلك هذه الصفة لا يكتفي بوضع أهداف كبيرة؛ بل يواصل العمل لتحقيقها رغم الفشل أو الإحباط. فالعزيمة تعني الاستمرار وعدم الاستسلام عند التعثر، مع الحفاظ على التركيز على هدف واضح دون تشتت، وفق ما نقله موقع العالمة دوكوورث الإلكتروني.

وقد أظهرت بحوث دوكوورث التي شملت مجالات مثل التعليم والرياضة والمؤسسات العسكرية والأعمال، أن العزيمة تمثل القاسم المشترك بين المتفوقين. فالأشخاص الذين يحققون نتائج استثنائية ليسوا بالضرورة الأكثر موهبة؛ بل هم غالباً الأكثر قدرة على الصبر والعمل المتواصل.

الإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه ويتعلم من أخطائه ويواصل العمل رغم الإحباط يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة (بيكسلز)

تجربة شخصية تعكس الفكرة

توضح دوكوورث هذه الفكرة من خلال تجربة شخصية وردت في مقدمة كتابها. فقد نشأت وهي تسمع والدها يكرر لها باستمرار: «أنتِ لستِ عبقرية». كان والدها شديد الاهتمام بفكرة الذكاء والعبقرية، ويقارن أبناءه بالعلماء الكبار، مثل ألبرت أينشتاين، معتقداً أن غياب العبقرية قد يحد من فرصهم في النجاح.

ولكن المفارقة أن دوكوورث نفسها حصلت لاحقاً على «منحة ماك آرثر» الشهيرة التي تُعرف أحياناً باسم «منحة العبقرية». وقد أثار هذا الأمر لديها تأملاً عميقاً؛ فهي لم تحصل على الجائزة لأنها الأذكى بين زملائها؛ بل لأنها درست العامل الحقيقي وراء النجاح. وقد خلصت بحوثها إلى أن الشغف والمثابرة قد يكونان أكثر تأثيراً من الذكاء أو الموهبة الفطرية.

هل يمكن تنمية العزيمة؟

تؤكد دوكوورث أن العزيمة ليست صفة ثابتة يولد بها الإنسان ثم تبقى على حالها. صحيح أن العوامل الوراثية والبيئة قد تلعب دوراً في تشكيلها، ولكن البحوث تشير إلى أنه يمكن تنميتها بالممارسة والعمل الجاد والمرونة.

فالإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه، ويتعلم من أخطائه، ويواصل العمل رغم الإحباط، يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة. ومع مرور الوقت، تصبح هذه الصفة عاملاً أساسياً في تحقيق النجاح.

التفوق الحقيقي

في النهاية، تقدم فكرة العزيمة فهماً مختلفاً للتفوق. فالنجاح لا يعتمد فقط على الذكاء أو الحظ؛ بل على القدرة على العمل المستمر والسعي طويل الأمد نحو هدف واضح. وقد لا يكون الإنسان الأذكى في المكان، ولكنه قد يكون الأكثر عزيمة، وهذا غالباً ما يصنع الفارق الحقيقي في تحقيق الإنجازات.