استخدام الأسبرين وغيره في الوقاية من أمراض الشرايين القلبية

توصيات علمية جديدة من الكلية الأميركية لأمراض القلب

استخدام الأسبرين وغيره في الوقاية من أمراض الشرايين القلبية
TT

استخدام الأسبرين وغيره في الوقاية من أمراض الشرايين القلبية

استخدام الأسبرين وغيره في الوقاية من أمراض الشرايين القلبية

أصدرت الكلية الأميركية لأمراض القلب بيانها العلمي حول تناول «الأدوية المضادة للصفيحات الدموية» Antiplatelet Medication، مثل الأسبرين وغيره. وكان عنوان البيان «العلاج المضاد للصفيحات في إدارة أمراض القلب والأوعية الدموية التصلبية: بيان علمي صادر عن الكلية الأميركية لأمراض القلب لعام 2026: تقرير صادر عن الكلية الأميركية لأمراض القلب». وتم نشره ضمن عدد 30 يونيو (حزيران) الماضي من مجلة الكلية الأميركية لأمراض القلب Journal of the American College of Cardiology.

توصيات طبية

وقد جمع البيان العلمي الجديد حول «الأدوية المضادة للصفيحات الدموية»، سياقات استخداماتها في الوقاية الأولية من الإصابة بأمراض شرايين القلب للخالين منها، وكذلك الوقاية الثانوية المتقدمة للمُصابين فعلاً بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكتات الدماغية. وهي الأمراض القلبية التي تعتبر السبب الرئيسي الأول في الوفيات على مستوى العالم.

ويكتسب هذا البيان العلمي أهمية إكلينيكية عالية في تقديمه توصيات طبية مبنية على الأدلة العلمية عالية الدقة، كي توفر للأطباء والمرضى نظرة شاملة لإدارة وصف وتناول الأدوية المضادة للصفيحات ضمن منظومة معالجة أمراض القلب والأوعية الدموية التصلبية ASCVD.

وشملت التحديثات الرئيسية الحد من استخدام الأسبرين بشكل روتيني للوقاية الأولية، وتفضيل العلاج الأحادي بالكلوبيدوغريل بعد مرور عام على الإصابة بنوبة قلبية أو إجراء تركيب دعامة لتضيقات أو سدد أحد أو عدد من الشرايين التاجية القلبية.

وكانت الأدوية التي شمل البيان توضيح استخداماتها في معالجة أمراض شرايين القلب التاجية:

- الأسبرين Aspirin

- كلوبيدوغريل Clopidogrel

- تيكاغريلور Ticagrelor

- براسوغريل Prasugrel

ولخص بيان الكلية الأميركية لأمراض القلب استخدام «الأدوية المضادة للصفيحات الدموية»، والأسبرين من أهمها، خلال مراحل الوقاية الأولية من الإصابة بأمراض تصلّب شرايين القلب للأشخاص الأصحاء الخالين من الإصابة بأمراض الشرايين القلبية، وكذلك الشرايين الرئيسية الأخرى (وخاصة الدماغ والرقبة). وحددت الكلية الأميركية لأمراض القلب التوصيات الأساسية للوقاية الأولية (منع أول نوبة قلبية) بقولها: «لم يعد يُنصح بتناول الأسبرين بشكل روتيني يومياً للجميع. تنصح الكلية الأميركية لأمراض القلب باستخدامه فقط للبالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 40 و70 عاماً والذين لديهم خطر مرتفع جداً للإصابة بأمراض القلب وكذلك في نفس الوقت لديهم خطر منخفض للنزيف (وخاصة في المعدة أو الدماغ). ويُنصح عموماً بتجنب تناول الأسبرين للوقاية الأولية لدى الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 70 عاماً».

وأفاد رئيس فريق إعداد وصياغة هذا البيان العلمي، الدكتور دارام ج. كومبهاني، طبيب القلب في المركز الطبي الجنوبي الغربي لجامعة تكساس في دالاس، قائلاً: «هناك عدد من الإرشادات حول هذا الموضوع، لكن كل منها يُعنى بحالة مرضية محددة. ويُغيّر هذا البيان العلمي الجديد هذا النهج قليلاً، إذ يجمع كل هذه الإرشادات معاً بما يلائم معالجة جميع هذه الحالات المختلفة التي ترافق انتقال المرضى من المراحل المرضية الحادة للشرايين إلى المتابعة العلاجية المزمنة للمرض، وكذلك عندما تتداخل الحالات المرضية لديهم».

وأضاف توضيحاً مهماً بقوله: «لا يُقصد بهذا البيان أن يكون توجيهياً بالمعنى المتعارف عليه في الوثائق الإرشادية، ولا يُلغي الإرشادات الحالية الخاصة بكل حالة مرضية، بل قدم الفريق مقارنة بين الإرشادات المتعددة المتاحة لإدارة المرضى الذين يتناولون مضادات الصفيحات في مختلف مراحل أمراض القلب والأوعية الدموية التصلبية، مثل «إرشادات جمعية القلب الأميركية/الكلية الأميركية لأمراض القلب لعام 2025 لإدارة متلازمات الشريان التاجي الحادة»، وإرشادات الجمعية الأوروبية لأمراض القلب لعام 2024 بشأن متلازمات الشريان التاجي المزمنة».

علاج أحادي ومزدوج

ومما يُلاحظ إشارة البيان إلى التوافق بين الإرشادات الأميركية والأوروبية بشأن العلاج المزدوج بمضادات الصفيحات لمدة 12 شهراً كاستراتيجية افتراضية بعد الإصابة بمتلازمات الشريان التاجي الحادة، وبشأن استخدام الأسبرين للمرضى الذين يتلقون علاجاً طبياً لمتلازمات الشريان التاجي المزمنة أو الذين خضعوا للعلاج بالقسطرة عن طريق الجلد، وبشأن مدة العلاج المزدوج بمضادات الصفيحات بعد التدخل التاجي عن طريق الجلد.

وقال البيان: «عند استخدام أدوية الحالات الحادة في علاج متلازمة الشريان التاجي الحادة (ACS) أو عند تركيب دعامة، تُفضل الأدوية القوية مثل تيكاغريلور أو براسوغريل على الكلوبيدوغريل خلال السنة الأولى، مع تناول الأسبرين، شريطة أن يكون خطر النزيف لدى المريض منخفضاً. وأساس العلاج المضاد للصفيحات هو تحقيق التوازن بين الحماية من نقص التروية (وقف حصول الجلطات القلبية) وبين خطر حصول النزيف (وقف النزيف الخطير في المعدة أو الدماغ)».

وللتوضيح أبقى بيان الكلية الأميركية لأمراض القلب استمرار اتباع النهج الإكلينيكي لدى الأطباء في «العلاج المزدوج»، وذلك بوصف تلقي نوعين من أنواع أدوية مضادات الصفيحات DAPT (نوعين منها معاً) لمدة 12 شهراً. وأفادت قائلة: «هو الخيار العلاجي بعد تلقي المعالجة التدخلية بالقسطرة PCI لإصابات متلازمة الشريان التاجي الحادة ACS. وهو ما يتوافق مع توصيات الكلية الأميركية لأمراض القلب/ جمعية القلب الأميركية ACC/AHA والجمعية الأوروبية لأمراض القلب ESC».

وللتوضيح، في حالات الوقاية المتقدمة لمعالجة المُصابين فعلاً بأمراض القلب فإن الذين منهم قد نجوا من نوبة قلبية حادة Myocardial Infarction (نوبة الجلطة القلبية) أو الذين خضعوا لتركيب دعامة في أحد شرايين القلب المسدودة بالكامل أو المتضيقة بشدة، يُعد، بالنسبة لهم، تلقي تناول العلاج المزدوج بنوعين مختلفين من أدوية مضادات الصفيحات الدموية (DAPT) ـ أي باستخدام دوائين مثل الأسبرين ودواء آخر من فئة مثبط P2Y12 ـ هو العلاج الافتراضي المُتبّع عالمياً، وذلك خلال الأشهر الـ12 الأولى بعد ذلك الإجراء التدخلي أو تلك الإصابة بالنوبة القلبية. ثم بعد مضي تلك السنة الأولى، يتم التحول للعلاج الأحادي، أي تلقي تناول الأسبرين فقط (في الغالب) مدى الحياة.

ولكن في نفس الوقت أبرز البيان الجديد توافق آراء الكلية الأميركية لأمراض القلب (ACC) مع الدعم الإكلينيكي المتزايد لدى أوساط أطباء القلب أخيراً، وذلك لاستبدال تلقي الأسبرين وحده (بالرغم من زهادة ثمنه وانتشار توفره في مناطق العالم المختلفة) إلى تلقي العلاج الأحادي بالكلوبيدوغريل (أي تناول دواء واحد بدلاً من الأسبرين) بعد العام الأول لبقية العمر. وأفادت الكلية الأميركية لأمراض القلب قائلة في بيانها: «تُظهر بيانات الدراسات أنه (أي الكلوبيدوغريل) قد يمنع تكرار الأحداث بنفس فعالية الأسبرين مع تقليل خطر النزيف (وخاصة في المعدة)».

ولكن البيان أضاف: «توجد اختلافات جوهرية. فعلى سبيل المثال، توصي إرشادات الجمعية الأوروبية لأمراض القلب بشأن متلازمة الشريان التاجي الحادة باستخدام براسوغريل بدلاً من تيكاغريلور للمرضى المصابين بمتلازمة الشريان التاجي الحادة الذين يخضعون لتدخل تاجي عن طريق الجلد. ولا توجد توصية مماثلة في إرشادات جمعية القلب الأميركية/الكلية الأميركية لأمراض القلب لعام 2025 بشأن متلازمة الشريان التاجي الحادة».

وأضح البيان قائلاً: «يُعتبر العلاج الأحادي بمضادات الصفيحات بعد العلاج المزدوج بمضادات الصفيحات لفترة قصيرة أكثر أماناً في العديد من حالات متلازمة الشريان التاجي الحادة التي تلقت التدخل العلاجي بالقسطرة عن طريق الجلد. والأدلة الأقوى تدعم استخدام تيكاغريلور كعلاج أحادي؛ وفي بعض الحالات يُفضل استخدام كلوبيدوغريل على الأسبرين».

ويستند البيان إلى تلك الإرشادات مع أدلة علمية من نتائج دراسات طبية أحدث حول الحالات التي يُنصح فيها بتقصير مدة العلاج ونوع الدواء المناسب، مع وجود معظم الأدلة التي تدعم استخدام تيكاغريلور كعلاج وحيد بعد تقصير مدة العلاج المزدوج المضاد للصفيحات، ولبعض مرضى الشريان التاجي الانتقال إلى استخدام كلوبيدوغريل كعلاج وحيد بدلاً من الأسبرين، كما ذكر الدكتور كومبهاني. ويُفضل بيان الكلية الأميركية لأمراض القلب استخدام الأسبرين في حالات إصابات متلازمة الشريان التاجي المزمنة التي تُدار معالجتها طبياً، أي دون اللجوء الطبي للمعالجة التدخلية بالقسطرة لتركيب الدعامة الموسعة للشرايين المتضيقة أو المسدودة. ولعلّ أكثر ما يُفيد، بحسب تعليق الدكتور بهنود بيكديلي من مستشفى بريغهام والنساء في بوسطن، هو الرسم التوضيحي الرئيسي في الوثيقة، الذي يُحدد خوارزميات الإدارة قصيرة وطويلة الأمد لحالات تتراوح بين عالية ومنخفضة خطر النزيف. والذي قال: «من الناحية العملية، فهو يلخص الكثير من المعلومات المفيدة للطبيب... إنه أشبه بمتجر شامل لعرض ملخص شامل».

كما قارن البيان بين تلقي جرعات منخفضة من عقار ريفاروكسابان (لزيادة سيولة الدم) والعلاج المزدوج المضاد للصفيحات لعلاج مرض الشرايين المحيطية Peripheral Artery Disease في الساقين وغيرهما. وناقش موضوع الوقاية الأولية باستخدام الأسبرين لمرضى ارتفاع تكلس الشرايين التاجية High Coronary Calcium وغيرهم من المرضى المعرضين لمخاطر عالية، وتعمق في العلاج المضاد للصفيحات لأمراض الأوعية الدموية الدماغية وأمراض الصمامات واستخدامه جنباً إلى جنب مع مضادات التخثر الفموية Oral Anticoagulants.

4 نقاط حول استخدامات الأدوية المضادة للصفيحات الدموية

تُعدّ الأدوية المضادة للصفيحات الدموية أساسية في علاج أمراض القلب والأوعية الدموية التصلبية. ويتم اختيارها بعناية بناءً على توازن مخاطر نقص التروية (التخثر) مقابل مخاطر النزيف، لدى كل مريض. ويتراوح العلاج بين العلاج الأحادي مدى الحياة للحالات المزمنة، والعلاج الثنائي المضاد للصفيحات الدموية بعد الأحداث الحادة أو إجراءات تركيب الدعامات. ويُحدد الإجماع الإكلينيكي الحالي النهج القياسي التالي:

* الوقاية الثانوية Secondary Prevention (أمراض القلب والأوعية الدموية التصلبية المُثبتة): بالنسبة للمرضى الذين يعانون من مرض الشريان التاجي المزمن أو سبق لهم الإصابة بنوبات قلبية/ سكتات دماغية، يُعدّ العلاج الأحادي المضاد للصفيحات الدموية - والذي يكون عادةً جرعة منخفضة من الأسبرين Aspirin (81 ملغم) أو كلوبيدوغريل Clopidogrel (75 ملغم) يومياً - هو المعيار للوقاية من الأحداث على المدى الطويل.

* الوقاية الثانوية بعد متلازمة الشريان التاجي الحادة Post-Acute Coronary Syndrome أو تركيب الدعامات Stenting: بعد الإصابة بنوبة قلبية أو إجراء رأب الأوعية التاجية عن طريق الجلد، توصي الإرشادات بتناول علاج مزدوج مضاد للصفيحات (الأسبرين مع مثبط مستقبلات P2Y₁₂ مثل كلوبيدوغريل أو تيكاغريلور Ticagrelor أو براسوغريل Prasugrel) لمدة 12 شهراً.

* الوقاية الأولية Primary Prevention: يُتجنب عموماً الاستخدام الروتيني للأسبرين للوقاية الأولية، خاصةً لدى الأفراد الذين تزيد أعمارهم عن 70 عاماً. ومع ذلك، يمكن النظر في استخدامه للبالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 40 و70 عاماً والذين لديهم مخاطر قلبية وعائية مرتفعة ومخاطر نزيف منخفضة.

* تعديلات المرضى ذوي المخاطر العالية High-Risk Patient Adjustments: بالنسبة لبعض المرضى ذوي المخاطر العالية المصابين بتصلب الشرايين التاجية المستقر أو مرض الشرايين المحيطية، يمكن النظر في نظام علاجي يجمع بين جرعة منخفضة من الأسبرين وجرعة منخفضة من ريفاروكسابان Rivaroxaban (2.5 ملغم مرتين يومياً).


مقالات ذات صلة

نقص التستوستيرون... إعادة صياغة العلاج بالبدائل الهرمونية

صحتك ممارسة التمارين الرياضية قد تساعد في رفع مستويات التستوستيرون وتحسين التوازن الهرموني (بيكسلز)

نقص التستوستيرون... إعادة صياغة العلاج بالبدائل الهرمونية

كشفت دراسة، عن أن الرجال الذين يستخدمون علاج التستوستيرون دون تشخيص طبي مؤكد لنقص الهرمون يواجهون مخاطر أعلى بكثير للإصابة بمضاعفات صحية خطيرة

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك «مقارنات النفْسْ الرقمية» ترتبط بمشكلات الصحة النفسية

«مقارنات النفْسْ الرقمية» ترتبط بمشكلات الصحة النفسية

أشارت دراسة حديثة، إلى أن مقارنة المراهق نفسه بالآخرين على منصات التواصل الاجتماعي ترتبط ارتباطاً أقوى بأعراض القلق والاكتئاب، مقارنة باستخدام هذه المنصات

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك ضعف الانتصاب... هل هو علامة على مشكلات صحية خفيّة؟

ضعف الانتصاب... هل هو علامة على مشكلات صحية خفيّة؟

يُنظر إلى ضعف الانتصاب في كثير من الأحيان على أنه «مشكلة غرفة النوم»، لكنه في الغالب أبعد من ذلك بكثير.

مورين سالامون ( كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)
صحتك مرضى ارتفاع ضغط الدم لا يلتزمون ممارسات الوقاية من السكتة الدماغية

مرضى ارتفاع ضغط الدم لا يلتزمون ممارسات الوقاية من السكتة الدماغية

ارتفاع ضغط الدم من أكثر الأمراض المزمنة انتشاراً، ومن أبرز عوامل الخطر المؤدية إلى السكتة الدماغية التي تُعد أحد الأسباب الرئيسية للوفاة والإعاقة حول العالم.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك تشير أبحاث إلى أن بعض البكتيريا داخل الأورام قد تساعد الخلايا السرطانية على مقاومة العلاج (توضيحية - بيكسلز)

بكتيريا خفية داخل الأورام... كيف تجعل السرطان أصعب علاجاً؟

تكشف أبحاث حديثة عن أن بكتيريا داخل بعض الأورام قد تعطّل الأدوية وتضعف المناعة؛ مما يساعد السرطان على مقاومة العلاج، ويفتح مسارات بحثية جديدة لتحسين الاستجابة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

نقص التستوستيرون... إعادة صياغة العلاج بالبدائل الهرمونية

ممارسة التمارين الرياضية قد تساعد في رفع مستويات التستوستيرون وتحسين التوازن الهرموني (بيكسلز)
ممارسة التمارين الرياضية قد تساعد في رفع مستويات التستوستيرون وتحسين التوازن الهرموني (بيكسلز)
TT

نقص التستوستيرون... إعادة صياغة العلاج بالبدائل الهرمونية

ممارسة التمارين الرياضية قد تساعد في رفع مستويات التستوستيرون وتحسين التوازن الهرموني (بيكسلز)
ممارسة التمارين الرياضية قد تساعد في رفع مستويات التستوستيرون وتحسين التوازن الهرموني (بيكسلز)

كشفت دراسة عالمية ضخمة نُشرت في عدد أغسطس (آب) 2026 من مجلة eBioMedicine، عن أن الرجال الذين يستخدمون علاج التستوستيرون دون تشخيص طبي مؤكد لنقص الهرمون (قصور الغدد التناسلية) يواجهون مخاطر أعلى بكثير للإصابة بمضاعفات صحية خطيرة، وذلك مقارنة بالذين يستخدمونه لعلاج نقص حقيقي لديهم في هذا الهرمون.

هرمون التستوستيرون

وخلال فترة متابعة امتدت لـ10 سنوات وشملت ما يقرب من 359 ألف رجل (تتراوح أعمارهم بين 30 و75 عاماً)، تبين أن الرجال الذين تناولوا التستوستيرون دون وجود قصور في الغدد التناسلية واجهوا خطراً أعلى بنسبة 50 في المائة للإصابة بمشكلات خطيرة في القلب، مثل النوبات القلبية، السكتات الدماغية، والتوقف المفاجئ للقلب. كما كانوا أكثر عرضة للوفاة لأي سبب بمقدار الضعف، مقارنة بالرجال الذين يعالجون نقصاً موثقاً بوجود نقص فعلي في الهرمون لديهم.

وشملت الدراسة تحليل السجلات الصحية عبر 123 منظمة رعاية صحية حول العالم، وأظهرت أن نحو ثلث الرجال الذين يتناولون الهرمون ليس لديهم دليل طبي على إصابتهم بالقصور في مستوى هذا الهرمون. وحث الباحثون على ضرورة الخضوع لتقييم إكلينيكي كامل قبل بدء العلاج بهذا الهرمون الذكوري. لأن الاستخدام غير السليم يرتبط أيضاً بمخاطر أخرى، مثل ارتفاع عدد خلايا الدم الحمراء؛ ما قد يتسبب في حدوث جلطات دم خطيرة في أوردة الساقين والرئتين.

وفتحت إدارة الغذاء والدواء الأميركية السجلات البحثية في أكتوبر(تشرين الأول) الماضي لاستقبال المراجعات العلمية بهدف صياغة المسار الإكلينيكي لاعتماد مستحضرات تستوستيرون مخصصة للنساء؛ وذلك لعلاج اضطراب الرغبة الجنسية الخاملة HSDD، وباهتمام مخصوص لبناءً على معايير الأمان القلبية.

ينخفض مستوى هرمون التستوستيرون لدى الرجل بنحو 1.6 % سنوياً بدءاً من منتصف الثلاثين من عمره

من جانبها، حدّثت جمعية الغدد الصماء الدولية بروتوكول الأمان في وصف هرمون التستوستيرون، بدءاً من الشهر نفسه. وشدد الدليل الإكلينيكي المطبق هذا الشهر على منع الوصفات العشوائية للتستوستيرون؛ حيث أظهرت مراجعاتهم الإحصائية أن 12 في المائة فقط من الرجال يحصلون على تشخيص سليم ومطابق للإرشادات قبل كتابة الوصفة الطبية الأولى لهم. ودعت الجمعية الأطباء إلى ضرورة إجراء فحصين صباحيين منفصلين في حالة الصيام شرط أن يقل الهرمون عن عتبة 300 ng/dL لتفادي مخاطر تخثر الدم والانصمام الرئوي (جلطة الشرايين الرئوية) الناتجة من سوء الاستخدام.

وفي عمق الفسيولوجيا البشرية، يتربع هرمون التستوستيرون (Testosterone) كـ«مايسترو» غير متوج لجسد الرجل وعقله. ولقرون طويلة، ارتبط هذا الهرمون في المخيلة الفلوكلورية والإكلينيكية بالقوة البدنية، والخصوبة، والخصائص الذكورية الظاهرة فقط. إلا أن الأبحاث الطبية المتقدمة صاغت لنا مؤخراً مفهوماً مغايراً تماماً؛ فالإستروجين ليس وحده هرمون الحياة المتكاملة، بل إن التستوستيرون يُمثل «الوقود الحيوي» الذي ينظم عمل الشرايين، ويحمي متانة العظام، ويضبط وتيرة التمثيل الغذائي، بل ويعيد تشكيل كيمياء الدماغ للحفاظ على المزاج والإدراك والتركيز.

ومع تقدم الرجال في العمر، يواجه الكثير منهم انخفاضاً تدريجياً وصامتاً في مستويات هذا الهرمون، وهي الحالة التي باتت تُعرف طبياً بـ قصور الغدد التناسلية المتأخر Late-Onset Hypogonadism، أو ما يُطلق عليه مجازاً «سن اليأس الذكوري» Andropause.

وبينما كان العلاج التعويضي بالتستوستيرون TRT محاطاً لسنوات طويلة بهالة من المخاوف والتحذيرات المتعلقة بالقلب والأورام، صححت البيانات العلمية المحققة جوانب من هذا الأمر، حيث شهدت السنوات القليلة الماضية إعادة صياغة كاملة لبروتوكولات العلاج بالبدائل الهرمونية للتستوستيرون بعد صدور نتائج دراسات الأمان الإكلينيكية الكبرى.

أحدث التوجيهات الطبية

وتتلخص التوجيهات الطبية الأحدث فيما يلي:

1. حسم الجدل حول أمان القلب والأوعية الدموية. لسنوات، ظلت هناك مخاوف من أن تعويض التستوستيرون قد يزيد من خطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية. إلا أن الوضوح الطبي الأكبر جاء مع إعلان نتائج دراسة «ترافيرس» السريرية TRAVERSE Trial المشهورة، حيث أثبتت بالأدلة القاطعة أن العلاج التعويضي المنضبط والمدروس للتستوستيرون لدى الرجال الذين يعانون قصوراً حقيقياً في مستوى هذا الهرمون، لا يرفع مطلقاً مخاطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين مقارنة بالدواء الوهمي؛ ما أزال عقبة الخوف التاريخية أمام الأطباء والمرضى.

2. الخيارات العلاجية المتنوعة وتخصيص الجرعات. لم تعد الخيارات مقتصرة على الحقن المؤلمة؛ بل تتيح الإرشادات الحالية مجموعة علاجية تلاءم النمط الحياتي لكل مريض:

- الهلام الموضعي Testosterone Gels. يُدهَن يومياً على الكتفين أو الذراعين، ويوفر مستويات هرمونية مستقرة وثابتة في الدم دون تذبذب، ولكنه يتطلب حذراً شديداً لمنع ملامسة مكان الدهن للأطفال أو النساء.

- الحقن طويلة المفعول (مثل تستوستيرون أنديكانوات): تُعطى في العضل كل 10 إلى 14 أسبوعاً؛ ما يمنح المريض راحة ممتدة من الوخز المتكرر.

- الحقن قصيرة المفعول (مثل إنانثات أو سيبيونات): تُعطى كل أسبوع أو أسبوعين، وتتميز بقدرة الطبيب على التحكم في جرعتها وتعديلها سريعاً، وإن كانت تسبب أحياناً تذبذباً في المزاج والطاقة يُعرف بـ«تأثير الأفعوانية» Rollercoaster effect.

- الحلول الحديثة: مثل الكبسولات الفموية المطورة الذائبة في الليمفاوية لتقليل الضغط على الكبد، واللاصقات الجلدية، وبخاخات الأنف.

3. الحفاظ على الخصوبة عند الشباب. من الأخطاء الطبية الشائعة إعطاء التستوستيرون الخارجي لشاب يعاني نقص الهرمون ويرغب في الإنجاب. والسبب، أن التستوستيرون الخارجي يرسل إشارة سالبة للدماغ، تؤدي إلى إيقاف إنتاج الحيوانات المنوية تماماً داخل الخصية وتسبب العقم المؤقت أو الدائم. وتشدد التوجيهات الطبية الحديثة على استخدام البدائل المحفزة للخصية ذاتياً في هذه الفئة، مثل الكلوميفين Clomiphene Citrate أو حقن الموجهة الغدد التناسلية المشيمائية hCG، والتي ترفع التستوستيرون مع الحفاظ الكامل على كفاءة الخصية وإنتاج الحيوانات المنوية.

هرمون التستوستيرون «وقود حيوي» ينظم عمل الشرايين ويحمي متانة العظام ويضبط وتيرة التمثيل الغذائي

الأدوار الخفية للتستوستيرون... معاناة صامتة

يُفرز التستوستيرون بشكل رئيسي من الخلايا البينية (خلايا ليديج) في الخصيتين تحت توجيه دقيق من الغدة النخامية ومنطقة المهاد في الدماغ. ورغم شهرته الواسعة في تحفيز الكتلة العضلية والقدرة الجنسية، يمتلك الهرمون تأثيرات جهازية مذهلة، تشمل:

- صحة الهيكل العظمي: يعمل التستوستيرون على تحفيز الخلايا البانية للعظام (Osteoblasts). ويؤدي نقصه الحاد إلى إصابة الرجال بهشاشة عظام صامتة وقابلة للكسر السريع.

- التمثيل الغذائي وحساسية الإنسولين: يلعب الهرمون دوراً محورياً في توزيع الدهون في الجسم؛ حيث يمنع تراكم الدهون الحشوية (سمنة البطن) ويعزز من حساسية الخلايا للإنسولين؛ ما يجعله خط دفاع أول ضد متلازمة التمثيل الغذائي ومرض السكري من النوع الثاني.

- الإنتاج الدموي: يحفز التستوستيرون الكليتين على إفراز هرمون الإريثروبويتين (Erythropoietin)، المسؤول عن حث نخاع العظم على إنتاج خلايا الدم الحمراء، وبذلك يحمي الرجل من الأنيميا المزمنة.

- المرونة النفسية والذهنية: توجد مستقبلات التستوستيرون بكثافة في مناطق الدماغ المسؤولة عن الذاكرة والمزاج (مثل الحصين). لذا؛ يُعدّ الهرمون مسؤولاً مباشراً عن مستويات الطاقة اليومية، والدافعية، والوقاية من الاكتئاب وضبابية التفكير.

ولنقص التستوستيرون لدى الرجل قصة ذات سرد مختلف؛ إذْ على عكس انقطاع الطمث المفاجئ لدى النساء، ينخفض التستوستيرون لدى الرجال ببطء وبمعدل يتراوح بين 1 في المائة و2 في المائة سنوياً بعد سن الثلاثين. وتظهر أعراض النقص في صورة متلازمة إكلينيكية معقدة تشمل:

- تراجع حاد في الرغبة الجنسية وضعف الانتصاب (خاصة غياب الانتصاب الصباحي التلقائي).

- الإرهاق المزمن، الخمول، وفقدان الشغف والدافعية للعمل أو ممارسة الأنشطة اليومية.

- خسارة الكتلة العضلية والقوة البدنية مقابل زيادة تصاعدية في نسب دهون الجسم.

- تقلبات مزاجية، سرعة الاستثارة، واضطرابات النوم والأرق المزعج.

- تثدي الرجل Gynecomastia الناتج من خلل التوازن بين التستوستيرون والإستروجين.


«مقارنات النفْسْ الرقمية» ترتبط بمشكلات الصحة النفسية

«مقارنات النفْسْ الرقمية» ترتبط بمشكلات الصحة النفسية
TT

«مقارنات النفْسْ الرقمية» ترتبط بمشكلات الصحة النفسية

«مقارنات النفْسْ الرقمية» ترتبط بمشكلات الصحة النفسية

أشارت دراسة حديثة لباحثين من معهد كارولينسكا في السويد والمعهد النرويجي للصحة العامة، ونُشرت في مجلة الطب النفسي والصحة النفسية للأطفال والمراهقين Child and Adolescent Psychiatry and Mental Health في النصف الثاني من شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الحالي، إلى أن مقارنة المراهق نفسه بالآخرين على منصات التواصل الاجتماعي ترتبط ارتباطاً أقوى بأعراض القلق والاكتئاب، مقارنة باستخدام هذه المنصات لمجرد تمضية الوقت.

سلوكيات المراهقين الرقمية

على الرغم من أن الأبحاث السابقة حول وسائل التواصل الاجتماعي ركزت في الأغلب على إجمالي الوقت الذي يقضيه المراهقون على هذه المنصات، فإنها لم تدرس مدى ارتباط سلوكيات المراهقين وتجاربهم بالصحة النفسية بالشكل الكافي، بمعنى أن المراهق يمكن أن يقضي وقتاً قصيراً نسبياً على وسائل التواصل، ولكنه يصاب بالاكتئاب والقلق بسبب سلوكيات معينة، والعكس صحيح أيضاً؛ إذ يمكن أن تُحسن وسائل التواصل من حالته النفسية.

في الدراسة الحالية، ركز الباحثون بشكل أساسي على طبيعة السلوك الذي يمارسه كل مراهق على وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال فحص خمسة جوانب رئيسية لاستخدام وسائل التواصل، وهي: المقارنة الاجتماعية، وتمضية الوقت، وطلب الدعم، والتعرض للسلوك العدائي من الآخرين، وممارسة السلوك العدائي تجاه الآخرين.

استخدم الباحثون بيانات أُخذت من دراسة مسحية سابقة أُجريت خلال خريف عام 2025، وشملت ما يزيد على 4 آلاف مراهق من 21 مدرسة إعدادية في النرويج، وبلغ متوسط أعمارهم 14 عاماً، وكانت نسبة الذكور مساوية تقريباً لنسبة الإناث، حيث جرى تقييم لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي. كما أجاب المراهقون عن أسئلة تتعلق بأعراض الاكتئاب والقلق الاجتماعي، واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط ADHD واضطراب الرهاب الاجتماعي. وصُممت هذه الأسئلة لقياس الأعراض، لا لتشخيص حالات طبية محددة.

ثبَّت العلماء جميع العوامل التي يمكن أن تؤثر في النتيجة النهائية، مثل الجنس والعمر وعدد الساعات الإجمالية التي يقضيها كل طالب على الإنترنت، بجانب الخلفية الاجتماعية والتاريخ المرضي للإصابة بأي أمراض نفسية وحالة الأسرة الاقتصادية ومستوى تعليم الوالدين، وكذلك العوامل البيئية سواء داخل المنزل، مثل التعرض للعنف الجسدي أو اللفظي، أو البيئة الخارجية، مثل التعرض للتنمر والفشل الدراسي. ووجد الباحثون أن المراهقين يقضون جزءاً من وقتهم على مواقع التواصل الاجتماعي في تحديث ملفاتهم الشخصية ونشر المحتوى، لكنهم يقضون الجزء الأكبر من وقتهم في تصفح ملفات وصور أقرانهم؛ ما يؤدي إلى إجراء مقارنات مستمرة؛ وهو ما يجعل المقارنة الاجتماعية ظاهرة أخطر بكثير من توقع الآباء.

مقارنة النفس وأعراض القلق

أظهرت النتائج أن تمضية الوقت عند الشعور بالملل، كانت السبب الأكثر شيوعاً لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي بين المراهقين، لكنها في الوقت نفسه أظهرت ارتباطاً ضعيفاً بأعراض الاكتئاب والقلق، وفي المقابل كانت (مقارنة المراهق نفسه بالآخرين) شائعة أيضاً، لكنها أظهرت ارتباطاً أقوى بكثير مع أعراض القلق الاجتماعي والاكتئاب.

أوضحت النتائج أيضاً أن التعرض للسلوك العدائي من الآخرين مثل التنمر والسخرية، رغم ارتباطه بشكل واضح بظهور أعراض الاكتئاب والقلق، فإن هذا الارتباط في المجمل كان أقل حدة من الاكتئاب المرتبط بـمقارنة المراهق نفسه بالآخرين، وكانت هذه النتائج متماثلة في الفتيات والفتيان.

وأوضح الباحثون أن مقارنة المرء نفسه بالآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي قد تؤدي إلى نشوء أفكار سلبية متكررة حول الذات، وتزيد من شعوره بافتقاده لما يمتلكه الآخرون؛ ما ينعكس بالسلب على حالته النفسية ويصيبه بالاكتئاب.

وتكمن مشكلة المقارنة الاجتماعية في أنها تدخل المراهق في دائرة مفرغة، بمعنى أن المقارنة تؤدي إلى الإصابة بالقلق والاكتئاب وتراجع الحالة النفسية، وهذه الأعراض تدفع المراهق إلى إجراء المزيد من المقارنات الاجتماعية مما يضاعف من اكتئابه.

ونصحت الدراسة بضرورة التعامل مع ظاهرة المقارنة الرقمية بشكل إيجابي للتغلب على آثارها السلبية على الصحة النفسية، بمعنى أن مقارنة الذات بالآخرين يمكن أن تكون مصدراً للإلهام والتحفيز بدلاً من الإحباط والاكتئاب، وعلى سبيل المثال يمكن أن تدفع هذه المقارنات المراهقين إلى بذل جهد أكبر والتحسن في مجال معين مثل المجال الدراسي أو التفوق الرياضي، حتى يصبح في نفس مستوى الأقران الذين يقارن نفسه بهم.

وأوضح الباحثون أن أثر المقارنة على المراهق بالسلب أو الإيجاب يكون تبعاً لنوعها، حيث يوجد نوعان للمقارنة الاجتماعية. النوع الأول وهو (المقارنة بالمستوى الأعلى) ويحدث عندما يقارن المراهق نفسه بآخرين يعتقد أنهم أفضل منه في جانب معين وغالباً ما يشعر بالنقص نتيجة لهذا النوع من المقارنة.

أما النوع الآخر، وهو (المقارنة بالمستوى الأقل)، فيحدث عندما يقارن المراهق نفسه بأقران يراهم في وضع أسوأ سواء على المستوى الاجتماعي أو الدراسي أو المواصفات الجسدية، وفي الأغلب تسهِم هذه المقارنة في تحسين شعوره تجاه وضعه وما يملكه من مهارات.

ولذلك؛ فإن بعض المقارنات تجعل المراهق يشعر بعدم الكفاءة وتقلل من سعيه نحو تحقيق هدف معين، في حين توجد مقارنات أخرى تمنحه الثقة وتعزز تقديره لذاته.

وأكدت الدراسة أن هذه النتائج تستدعي من الآباء والعاملين في المدارس والمتخصصين في الرعاية الصحية، الاهتمام بما يمارسه المراهقون على منصات التواصل الاجتماعي، وليس فقط للوقت الذي يقضونه عليها، ونصحت الآباء بضرورة إظهار الدعم النفسي غير المشروط لأبنائهم؛ حتى يسهِم في تخفيف حدة الضيق المرتبط بالمقارنات الاجتماعية.

* استشاري طب الأطفال


ضعف الانتصاب... هل هو علامة على مشكلات صحية خفيّة؟

ضعف الانتصاب... هل هو علامة على مشكلات صحية خفيّة؟
TT

ضعف الانتصاب... هل هو علامة على مشكلات صحية خفيّة؟

ضعف الانتصاب... هل هو علامة على مشكلات صحية خفيّة؟

يُنظر إلى ضعف الانتصاب في كثير من الأحيان على أنه «مشكلة غرفة النوم»، لكنه في الغالب أبعد من ذلك بكثير. ففي عدد لافت من الحالات، يرتبط هذا الاضطراب -الذي يحول دون حدوث عملية الانتصاب، أو ديمومته بدرجة كافية لإتمام العلاقة الجنسية- بالصحة العامة للرجال.

إنذار صحي مبكر

ومع أن ضعف الانتصاب يؤثر بلا شك في ثقة الرجل بنفسه، وفي جودة حياته، فإن الأطباء باتوا ينظرون إليه بشكل متزايد بوصفه إنذاراً مبكراً محتملاً، لا مجرد مشكلة في الصحة الجنسية. وعلى وجه الخصوص، قد لا يدرك الرجال مدى أهمية صحة القلب والأوعية الدموية للانتصاب، بحسب الدكتور هوارد ليواين، كبير المحررين الطبيين في منشورات «هارفارد الصحية واختصاصي الطب الباطني» في مستشفى بريغهام والنساء التابع لجامعة هارفارد.

في الواقع، يمكن اعتبار ضعف الانتصاب المستمر بمنزلة إنذار مبكر يدل في نهاية المطاف على أمراض القلب والأوعية الدموية، وذلك وفق تحليل تجميعي نُشر عام 2024، وشمل 23 دراسة سابقة بحثت في العلاقة بين ضعف الانتصاب والمشكلات القلبية الوعائية، مثل النوبة القلبية، والسكتة الدماغية. ولدى الرجال الذين يعانون ضعف الانتصاب، وأمراض القلب والأوعية الدموية معاً، يظهر ضعف الانتصاب في الغالب أولاً، وقد يسبق ظهور المرض القلبي الوعائي بمدة تتراوح بين 3 و5 سنوات.

ويزداد ضعف الانتصاب شيوعاً مع التقدم في العمر، إذ يفيد به نحو 40 في المائة من الرجال في سن الأربعين، وترتفع النسبة إلى 70 في المائة في سن السبعين، بحسب المعهد الوطني الأميركي للسكري وأمراض الجهاز الهضمي والكلى.

ويقول الدكتور ليواين: «ندرك الآن بوضوح أنه عندما يعاني الرجل ضعف الانتصاب، ينبغي لنا على الأقل أن نفكر في صلته بالمشكلات نفسها التي يبدأ الرجال في الإصابة بها مع التقدم في السن، مثل تصلب الشرايين، أي تراكم اللويحات الدهنية التي تُضيّق الشرايين».

مشكلات صحية مرتبطة بضعف الانتصاب

• عوامل الخطر. تشمل أمراض القلب والأوعية الدموية مجموعة من عوامل الخطر، ويسهم كل منها في الإصابة بضعف الانتصاب بطريقته الخاصة، وذلك في المقام الأول عبر إضعاف الدورة الدموية، أو وظيفة الأعصاب. وتشمل هذه العوامل:

- ارتفاع ضغط الدم.

- ارتفاع مستويات الكوليسترول.

- داء السكري.

- التدخين.

- السمنة.

- انقطاع النفس الانسدادي النومي.

- نمط الحياة الخامل.

ويوضح الدكتور ليواين: «إن الشرايين في العضو الذكري أصغر قطراً بكثير من تلك الموجودة في القلب، أو الدماغ. وإذا بدأت تضيق بفعل تكوّن اللويحات (فيها)، فقد تزداد هذه العملية سوءاً مع مرور الوقت ما لم نتدخل عبر إجراءات مثل اتباع نظام غذائي صحي للقلب، والحفاظ على النشاط البدني، وتناول أحد الأدوية من فئة الستاتين إذا كانت مستويات الكوليسترول أعلى من المستوى المستهدف».

• أسباب أخرى لضعف الانتصاب. وفي حالات أخرى من ضعف الانتصاب، قد تكون هناك أسباب نفسية، مثل القلق، أو الاكتئاب. ويقول الدكتور ليواين: «ما يؤثر على العقل قد يؤثر على العضو التناسلي أيضاً».

كما يمكن أن تسهم بعض الأدوية في الإصابة بهذه المشكلة، ومنها بعض:

أدوية ضغط الدم.

- مضادات الاكتئاب، ولا سيما مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين الانتقائية.

- الأدوية المضادة للقلق.

- العلاجات الهرمونية المستخدمة في سرطان البروستاتا.

لكن «من الأسهل في كثير من الأحيان إلقاء اللوم على أحد الأدوية بدلاً من النظر في أسباب أخرى قد تكون وراء ضعف الانتصاب»، حسب الدكتور ليواين. الذي يضيف: «بالنسبة إلى معظم الرجال، لن يكون تغيير الأدوية على الأرجح هو الحل، وإن كان من المجدي مراجعة أدويتك مع طبيبك لمعرفة ما إذا كانت هناك أدوية لا تحتاج إليها، أو يمكنك تناولها بجرعة أقل».

• متى ينبغي التحدث إلى الطبيب؟ إذا كان ضعف الانتصاب جديداً عليك، أو استمر أكثر من بضعة أسابيع، أو أثّر في علاقتك الزوجية، أو في صحتك النفسية، فتحدث إلى طبيبك. وسيجري لك الطبيب فحصاً بدنياً، ويسألك عن نمط حياتك، ولا سيما التدخين، وتناول الكحول. كما سيفحص ضغط الدم، ومستويات الكوليسترول، والسكر في الدم.

ويقول الدكتور ليواين: «هذا لا يعني أن عليك الإسراع إلى حجز موعد، ولكن أخبر طبيبك بالأمر في المرة المقبلة التي تزوره فيها. فمعالجة هذه المشكلة لا تقتصر فقط على تقليل خطر الإصابة بنوبة قلبية، أو سكتة دماغية، بل إن معالجة هذه المشكلة ستساعدك أيضاً على تحقيق الانتصاب، والحفاظ عليه».

قد يسبق ظهور الأمراض القلبية الوعائية بمدة تتراوح بين 3 و5 سنوات

خيارات علاج ضعف الانتصاب

• علاجات طبية. يتضمن علاج ضعف الانتصاب في الغالب تناول دواء يساعد على زيادة تدفق الدم إلى القضيب، مثل سيلدينافيل sildenafil «فياغرا Viagra»، وتادالافيل tadalafil «سياليس Cialis»، وفاردينافيل vardenafil «ليفيترا Levitra»، وأفانافيل avanafil «ستيندرا Stendra». ويقول الدكتور ليواين إن استخدام أحد أدوية الستاتين لخفض الكوليسترول قد يحسّن كذلك من ضعف الانتصاب، إذ إنه يبطئ تكوّن اللويحات في الشرايين، وقد يذيب اللويحات الرخوة.

كما يمكن للرجال أيضاً مكافحة أعراض ضعف الانتصاب عبر تحسين السيطرة على ضغط الدم، والتحكم في داء السكري، وإنقاص الوزن، وممارسة التمارين الرياضية بانتظام، فضلاً عن علاج انقطاع النفس النومي، والإقلاع عن التدخين. وتتوفر علاجات أخرى إذا شُخّص سبب قابل للعلاج (مثل انخفاض هرمون التستوستيرون)، أو إذا لم تُحقق العلاجات الأولية نفعاً.

ويرى الدكتور ليواين أن التعامل مع ضعف الانتصاب قد يمثل فرصة لاكتشاف المشكلات الصحية في وقت مبكر.

ويقول: «لا تستسلم لضعف الانتصاب. ليس أمراً يجب أن تتعايش معه، لأن هناك عدداً من العوامل التي يمكنك العمل عليها».

• التمارين الرياضية والنظام الغذائي: انتصاب أفضل. يبدو أن ما يفيد القلب يفيد الانتصاب أيضاً. فاتباع نظام غذائي أكثر صحة وزيادة النشاط البدني قد يحسّنان الوظيفة الانتصابية بشكل متواضع، وفق مراجعة وتحليل تجميعي نُشرا في يونيو (حزيران) 2026 في «مجلة الطب الجنسي».

وقيّم الباحثون بيانات من 16 تجربة عشوائية سابقة مضبوطة، وتُعد المعيار الذهبي في هذا المجال، وشملت في مجموعها نحو 1500 رجل من متوسطي العمر، أو كبار السن. وقارنوا برامج تقتصر على النظام الغذائي، أو على التمارين الرياضية، أو تجمع بين الاثنين، بأخرى لم تتلقّ أي علاج، أو بالرعاية الصحية التي يتلقاها الرجال عادة، وهي رعاية شملت أدوية ضعف الانتصاب، والمتابعة الطبية الروتينية. وسجّل الرجال في أي من مجموعات تعديل نمط الحياة درجات أفضل في الوظيفة الانتصابية مقارنة بمن تلقوا الرعاية المعتادة، أو لم يتلقوا أي علاج.

ويقول الدكتور هوارد ليواين، كبير المحررين الطبيين في منشورات «هارفارد الصحية واختصاصي الطب الباطني» في مستشفى بريغهام والنساء التابع لجامعة هارفارد: «ما تُظهره هذه الدراسة حقاً هو أن الانتصاب يستجيب للعوامل نفسها التي يستجيب لها قلبك. فإذا تحركت أكثر، وتناولت طعاماً أفضل، فإن تدفق الدم الأمثل يتبع ذلك في الغالب».

* رسالة هارفارد «مراقبة صحة الرجل»

ـ خدمات «تريبيون ميديا»