الخوف من الكوارث العامة يلحق الضرر بالأم والجنين

يؤدي إلى حدوث كثير من المشاكل العضوية

الخوف من الكوارث العامة يلحق الضرر بالأم والجنين
TT

الخوف من الكوارث العامة يلحق الضرر بالأم والجنين

الخوف من الكوارث العامة يلحق الضرر بالأم والجنين

كشفت دراسة نفسية حديثة لباحثي من جامعة واسيدا في اليابان، وجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأميركية، وجامعة سيول الوطنية في كوريا، عن احتمالية أن تتسبب الضغوط النفسية الناتجة عن حدوث كوارث عامة، مثل الزلازل والحروب والأحداث الضاغطة، في مشاكل عضوية تنعكس بالسلب على صحة الأم والجنين.

وصدرت الدراسة إلكترونياً في الأسبوع الأول من شهر مارس (آذار) من العام الحالي. ونظراً لأهميتها الكبيرة، سوف تنشر لاحقاً في المجلد 107 من مجلة «اقتصادات الصحة» the Journal of Health Economics، في مطلع شهر مايو (أيار) المقبل.

الضغوط النفسية على الأم

تنعكس الضغوط النفسية على الأم أثناء فترة حملها، عليها وعلى جنينها بشكل عضوي، لأن الجسم يفرز هرمونات معينة، تؤدي إلى حدوث كثير من المشاكل العضوية، حيث تكون الأم أكثر عُرضة للإصابة بمرض السكري، وارتفاع ضغط الدم، وزيادة احتمالية حدوث تسمم الحمل، بالإضافة إلى أن هرمونات التوتر تمر عبر المشيمة وتصل إلى الجنين. وهذه العوامل جميعها تزيد من خطر الولادة المبكرة، وانخفاض وزن المولود، وحدوث خلل في النمو العصبي.

من المعروف أن نمو الجنين يُعد مرحلة حاسمة لها آثار قد تستمر مدى الحياة. وترتبط الضغوط التي تتعرض لها الأم أثناء الحمل سواء الجسدية أو النفسية، مثل المخاوف المختلفة، ارتباطاً مباشراً بصحة الجنين، وهذه الضغوط في الأغلب تكون خاصة نتيجة لمشاكل نفسية تتعرض لها الأم، لذلك من الطبيعي أن تؤثر بالسلب على صحة الأم وجنينها.

ولكن هل يمكن أن تؤثر المشاكل النفسية العامة على كل أو معظم السيدات الحوامل، على الرغم من اختلاف ظروفهن النفسية؟ للإجابة عن هذا السؤال، قام الفريق البحثي بدراسة الآثار النفسية لكارثة طبيعية، أحدثت قلقاً واسع النطاق يتجاوز بكثير تأثيرها المادي المباشر، وهي حادثة محطة فوكوشيما Fukushima النووية في اليابان، التي وقعت في عام 2011، حيث قام الباحثون برصد آثار القلق على الأمهات، فيما يتعلق بتعرض أجنتهن للإشعاع النووي، بسبب الصدمة التي أحدثها الحادث في نفوس الناس، خصوصاً النساء الحوامل والأمهات الشابات، حتى في المناطق البعيدة عن أي خطر مادي.

فحص الفريق ثلاث مجموعات مواليد، شملت عدداً من الولادات يزيد على مليون ولادة، ضمت المجموعة الأولى (التعرض قبل الولادة) الأطفال الذين كانوا في الرحم أثناء الحادث ووُلدوا بعده، أما المجموعة الثانية (التعرض بعد الولادة) فضمت الأطفال الذين وُلدوا قبل الحادث، بينما ضمت المجموعة الثالثة (الضابطة) الأطفال الذين وُلدوا خلال الفترة نفسها التي وُلدت فيها مجموعة ما بعد الولادة ولكن في العام السابق (2010).

لرصد الحالة النفسية للأمهات، قام الباحثون بتطوير اختبار نفسي، مخصص لقياس القلق من الكوارث العامة، لمعرفة ما إذا كانت نتائج الولادة تتأثر بالسلب مع ازدياد حدة القلق، في المناطق الجغرافية التي تتعرض للكوارث الطبيعية من عدمه.

ولادات مبكرة وأقل وزناً

وجدت الدراسة أن الولادات المبكرة كانت أكثر شيوعاً بنسبة تصل إلى 18 في المائة، في مجموعة ما قبل الولادة مقارنة بمجموعتي ما بعد الولادة والمجموعة الضابطة، وكان متوسط وزن المواليد أقل بمقدار يصل إلى 26 غراماً، كما كانت معدلات انخفاض وزن المواليد بشكل واضح، وانخفاض وزن المواليد بشكل مفرط، أعلى بنسبة 50 في المائة و77 في المائة تقريباً على التوالي، مقارنة بالمجموعات الأخرى.

وقام الباحثون بتحليل الاختلافات في نسب الولادات المبكرة، ومعرفة هل تمت بسبب القلق من الإشعاع أم لأسباب أخرى، عن طريق البحث في السجلات عن نسب الولادة المبكرة، في المناطق الجغرافية المحيطة بمحطات الطاقة النووية، في الفترة نفسها من العام السابق لحدوث الكارثة، وأظهرت التحليلات أن القلق المرتبط بالإشعاع يُفسر حدوث ما يقرب من 80 في المائة من الاختلافات في نسب الولادات المبكرة.

أوضح الباحثون أيضاً، أن القلق من الإشعاع لعب دوراً مهماً، في زيادة معدلات انخفاض وزن المواليد عند الولادة، خصوصاً قلة الوزن بشكل مفرط، وقالوا إن السبب في حدوث النقص الشديد في الوزن ربما يكون بسبب الولادة المبكرة.

وأظهرت النتائج أن التأثيرات السلبية للقلق من الإشعاع على نتائج الولادة، كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية، فقد كان الأطفال الذين وُلدوا لأمهات حاصلات على شهادات جامعية أو لأسر تتمتع بدخل مادي جيد، هم الأقل تأثراً.

وقال العلماء إن السبب في ذلك ربما يكون لأن التعليم العالي يوفر سهولة الوصول إلى معلومات دقيقة حول مخاطر الإشعاع، وبالتالي يمكن تقييم المخاطر، وعدم الإحساس بالقلق المبالغ فيه. أما فيما يخص العامل الاقتصادي، فإن ارتفاع دخل الأسرة يُتيح الوصول إلى رعاية صحية أفضل، كما أنه يُعطي نوعاً من الطمأنينة للأم.

أكدت الدراسة أن الآثار النفسية غير المرئية للأزمات الكبرى الأخرى، ربما تكون هي السبب المباشر في زيادة المشاكل المتعلقة بصحة النساء الحوامل وأطفالهن، ويجب أن توضع في الحسبان أثناء التشخيص، خصوصاً في المناطق التي تعاني من وجود صراعات أو أثناء الأزمات الكبرى مثل جائحة «كوفيد - 19».

وأوصت الدراسة بضرورة توفير الدعم النفسي، والاستشارات الطبية للسيدات الحوامل أثناء الأزمات، خصوصاً في فترة الثلث الأخير من الحمل، لأنه يُعد فترة حرجة بشكل خاص، لأن أجهزة الجسم المختلفة في الجنين تكون في طريقها للاكتمال، وبالتالي يترك التوتر تأثيرات عميقة طويلة الأمد على الجنين.

*استشاري طب الأطفال


مقالات ذات صلة

ما العلاجات الفعالة حقاً لألم الركبة؟

علوم ما العلاجات الفعالة حقاً لألم الركبة؟

ما العلاجات الفعالة حقاً لألم الركبة؟

حتى لو ظهر الألم تدريجياً يجدر بك التفكير في زيارة أحد أخصائي الرعاية الصحية 

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
صحتك الشتاء أم الصيف! الزمن يعيد تشكيل النشاط الجيني البشري

الشتاء أم الصيف! الزمن يعيد تشكيل النشاط الجيني البشري

البرد يوقظ المناعة… والحرّ يضبط الساعة البيولوجية

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك فوائد وأضرار الفيتامينات المتعددة للمراهقين

فوائد وأضرار الفيتامينات المتعددة للمراهقين

يجب تفادي نقصان الفيتامينات، والحد من تفاعلاتها الخطيرة مع الأدوية...

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
يوميات الشرق سخونة القدمين ليلاً شكوى شائعة نسبياً (مجلة بريفنشن)

9 أسباب لسخونة القدمين ليلاً تنذر بالخطر

قد يشعر بعض الأشخاص بسخونة في القدمين في أثناء الليل، ما يدفعهم إلى إخراجهما من تحت الأغطية بحثاً عن بعض الراحة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك فتاة تستخدم أحد منتجات التدخين الإلكتروني بلندن (إ.ب.أ)

من تلف الرئتين إلى السرطان... 5 أضرار خطيرة للتدخين الإلكتروني

رغم الاعتقاد الشائع بأن السجائر الإلكترونية أقل ضرراً من السجائر التقليدية، تكشف أبحاث متزايدة عن أضرار محتملة للتدخين الإلكتروني.

«الشرق الأوسط» (لندن)

لماذا يعد سرطان القلب من الأمراض النادرة التي تصيب البشر؟

السمات الفسيولوجية للقلب التي تجعله مختلفاً عن باقي أعضاء الجسم هي ذاتها التي تكفل له الحماية من الأورام السرطانية (بيكساباي)
السمات الفسيولوجية للقلب التي تجعله مختلفاً عن باقي أعضاء الجسم هي ذاتها التي تكفل له الحماية من الأورام السرطانية (بيكساباي)
TT

لماذا يعد سرطان القلب من الأمراض النادرة التي تصيب البشر؟

السمات الفسيولوجية للقلب التي تجعله مختلفاً عن باقي أعضاء الجسم هي ذاتها التي تكفل له الحماية من الأورام السرطانية (بيكساباي)
السمات الفسيولوجية للقلب التي تجعله مختلفاً عن باقي أعضاء الجسم هي ذاتها التي تكفل له الحماية من الأورام السرطانية (بيكساباي)

يعد سرطان الجلد أكثر أنواع السرطان شيوعاً لدى البشر، حيث تصل نسبة الإصابة بهذا المرض إلى واحد من كل خمسة أشخاص في بعض الدول، حسب بعض الإحصاءات، مقابل واحد من كل 18 شخصاً بالنسبة لسرطان الرئة، وواحد من كل مائة بالنسبة لسرطان الكبد، غير أن نسبة الإصابة بسرطان القلب تبلغ واحد من كل خمسين ألف شخص. وحتى في حالات الإصابة بسرطان القلب، فإنه يكون في الغالب على هيئة أورام ثانوية بمعنى أنها انبثاثات من أورام رئيسية ظهرت في أعضاء أخرى في الجسم قبل أن تنتشر إلى القلب.

ولكن ما الذي يجعل سرطان القلب مرضاً نادر الحدوث؟

ويقول العلماء إن السمات الفسيولوجية للقلب التي تجعله مختلفاً عن باقي أعضاء الجسم هي ذاتها التي تكفل له الحماية من الأورام السرطانية. ويعد تجدد الخلايا من أهم سمات الكائنات الحية، حيث إن هذه العملية الفسيولوجية التي تتعلق بتعويض الخلايا التالفة بأخرى جديدة هي التي تنظم آليات النمو والحفاظ على الصحة العامة للجسم، ولكن في بعض الأحيان، تحدث طفرات أثناء تجدد الخلايا ويترتب عليها نمو بعض الخلايا بصورة تفوق المعدل المطلوب، مما يؤدي بدوره إلى تكوين كتل أو أورام داخل الأنسجة تمتص طاقة الجسم وموارده وتؤثر على الأعضاء السليمة... وهذا النمو غير المنضبط للخلايا هو ما يعرف باسم السرطان، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورغم أن العوامل الوراثية والبيئية تلعب دوراً رئيسياً في الإصابة بمرض السرطان، فإن تكون الورم الناجم عن الطفرات الخلوية عادة ما يحدث في الأعضاء التي تشهد معدلات مرتفعة من تجدد الخلايا، فكلما زاد نشاط تجدد الخلايا، ارتفعت احتمالات الإصابة بالسرطان، ولعل هذه القاعدة هي التي تفسر سبب ارتفاع إصابة المدخنين بالسرطان لأن التدخين يؤدي إلى تلف خلايا الرئة والحلق والفم، مما يستدعي تجديدها بوتيرة أعلى، مما يزيد بدوره من فرص الإصابة بالسرطان.

ولكن بعكس باقي أعضاء الجسم، يتكون القلب من أنسجة عضلية قوية تنمو وتتجدد بوتيرة بطيئة للغاية بنسبة تصل إلى واحد في المائة فقط سنوياً لدرجة أن أقل من نصف خلايا القلب فقط هي التي تتجدد أو يتم استبدالها على مدار عمر الإنسان، بعكس خلايا الجلد مثلاً التي يتم تجديدها بالكامل كل 40 إلى 56 يوماً. ويرى بعض العلماء أن بطء معدل تجدد خلايا القلب هو نوع من «المفاضلة التطورية» على حد وصفهم، بمعنى أن متانة وقدرة عضلة القلب على العمل منذ اللحظة الأولى لميلاد الإنسان وعلى امتداد فترة حياته هي التي تعوض البطء في تجدد خلاياه. ومن المعتقد أيضاً أن بطء تجدد خلايا القلب هو من الأسباب الرئيسية وراء ندرة تكوين الأورام السرطانية داخله، وحتى عندما ينتشر السرطان من أعضاء أخرى في الجسم إلى القلب، فإن الورم السرطاني ينمو داخله ببطء شديد.

ويقول الأطباء إنه بالرغم من أن خلايا السرطان تتحرك في الجسم عبر مجرى الدم، فإنها نادراً ما تصيب القلب رغم أن كل دماء الجسم تمر من خلاله. وقد أكدت بعض الدراسات أن انخفاض ضغط الدم يزيد معدل تجدد الخلايا في الجسم، وإذا كان ارتفاع وتيرة تجدد الخلايا في الجسم يقترن بزيادة معدلات الإصابة بالسرطان.

ما انعكاس هذه الفرضية العلمية على القلب؟

وقد كشفت دراسة للمركز الدولي للهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في مدينة تريست الإيطالية أن الضغط المرتفع الناجم عن النبض المستمر للقلب يلعب دوراً رئيساً للحيلولة دون تكون الأورام السرطانية داخله. وسعى الباحثون في المركز إلى إجراء تجربة لتحديد ما إذا كان انخفاض الضغط يزيد احتمالات الإصابة بسرطان القلب، حيث قاموا بزرع قلوب تضخ الدم بوتيرة أقل من الطبيعي داخل فئران تجارب، مما يؤدي إلى انخفاض ضغط الدم لدى هذه الفئران، وبالتالي زيادة معدل تجدد الخلايا، ثم قاموا بزرع خلايا سرطانية في هذه القلوب المعدلة، وكذلك في قلوب فئران طبيعية لتحديد سرعة انتشار السرطان في المجموعتين. ووجد الباحثون أن السرطان ينتشر بوتيرة أسرع في القلوب التي تنبض بضعف مما يؤدي لانخفاض ضغط الدم، كما استطاعوا إيجاد صلة بين هذه التغيرات وبين بروتين معين في الجسم يؤثر في معدل النبض، وتوصلوا إلى أن القوة والضغط الناجمين عن النبض المعتاد للقلب يجعلان هذا البروتين يقلل من أنشطة الجينات ذات الصلة بنمو الأورام السرطانية، حسب دراسة نشرتها الدورية العلمية Journal of American Heart Association المتخصصة في أمراض القلب.

نتائج الدراسة

توصل فريق علمي إلى أن تغير وظائف القلب ربما يكون من المؤشرات المبكرة على الإصابة بأنواع معينة من السرطان، حيث قام الباحثون بمتابعة الحالة الصحية لآلاف المرضى على مدار 18 عاماً، مع مقارنة صور الأشعة بالرنين المغناطيسي للمتطوعين التي تقيس وظائف القلب مع تسجيل معدلات إصابتهم بأنواع السرطان المختلفة، ووجدوا أن بعض التغيرات الدقيقة في وظائف القلب ترتبط بارتفاع معدلات الإصابة بأنواع معينة من السرطان، حيث اتضح على سبيل المثال أن تراجع وظيفة الأذين الأيسر في القلب تزيد احتمالات الإصابة بسرطان القولون في مراحل لاحقة من العمر. وصرّح رئيس فريق الدراسة تشين جيانج كاي بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجليس الأميركية في تصريحات للموقع الإلكتروني «بوبيولار ساينس» المتخصص في الأبحاث العلمية بأن «التغيرات في وظائف القلب قد تحدث بالتزامن، أو حتى قبل حدوث التغيرات البيولوجية المرتبطة بنمو الورم السرطاني»، وأكد أن فهم الصلة الوثيقة بين صحة القلب والسرطان قد يفسح المجال أمام الأطباء من أجل اكتشاف السرطان في مراحل مبكرة من الإصابة. ومن الناحية الإحصائية، إذا كانت احتمالات الإصابة بسرطان القلب تعد ضئيلة للغاية، فإن القلب يظل عضواً مهماً لمساعدة الأطباء في اكتشاف هذا المرض في أعضاء أخرى من الجسم.


ماذا يحدث لسكر الدم عند تناول وجبة كبيرة في وقت متأخر؟

هل يجعل تناول وجبة كبيرة في وقت متأخر من الليل ضبط سكر الدم أعلى صعوبة؟
هل يجعل تناول وجبة كبيرة في وقت متأخر من الليل ضبط سكر الدم أعلى صعوبة؟
TT

ماذا يحدث لسكر الدم عند تناول وجبة كبيرة في وقت متأخر؟

هل يجعل تناول وجبة كبيرة في وقت متأخر من الليل ضبط سكر الدم أعلى صعوبة؟
هل يجعل تناول وجبة كبيرة في وقت متأخر من الليل ضبط سكر الدم أعلى صعوبة؟

قد يبدو توقيت تناول الطعام أمراً ثانوياً مقارنة بما تحتويه الوجبة من مكونات، لكن الجسم لا يتعامل مع الطعام بالطريقة نفسها على مدار اليوم. وتناول وجبة كبيرة في وقت متأخر من المساء قد يؤدي إلى ارتفاع سكر الدم مدة أطول، مقارنة بتناول الوجبة في وقت أبكر.

ويرتبط ذلك بإيقاع الجسم اليومي، الذي يؤثر على طريقة استجابة الخلايا للإنسولين وتنظيم مستويات الغلوكوز. وفي المساء، قد تصبح استجابة الجسم للإنسولين أقل كفاءة؛ مما يجعل التعامل مع كمية كبيرة من الكربوهيدرات والطاقة أصعب.

لماذا قد يرتفع سكر الدم مدة أطول ليلاً؟

بعد تناول الطعام، يرتفع مستوى الغلوكوز في الدم، فيستجيب البنكرياس بإفراز الإنسولين، الذي يساعد الخلايا على استخدام الغلوكوز أو تخزينه. لكن حساسية الجسم للإنسولين تتغير خلال اليوم تبعاً لإيقاع الساعة البيولوجية.

وعندما تكون الوجبة كبيرة وغنية بالكربوهيدرات في وقت متأخر، فقد يستغرق الجسم وقتاً أطول لإعادة سكر الدم إلى مستوياته المعتادة. وقد يكون هذا التأثير أكبر أهمية لدى الأشخاص الذين يعانون بالفعل من صعوبة في تنظيم مستويات السكر.

الوجبة الكبيرة ليلاً قد تكون أصعب على الجسم

لا يتعلق الأمر فقط بوقت تناول الطعام، وإنما أيضاً بحجم الوجبة ومكوناتها. فالوجبة الكبيرة قد توفر كمية مرتفعة من الكربوهيدرات والسعرات خلال مدة قصيرة؛ مما يزيد كمية الغلوكوز التي يتعين على الجسم التعامل معها.

وعندما يحدث ذلك في وقت تكون فيه حساسية الإنسولين أقل، يمكن أن يستمر ارتفاع سكر الدم مدة أطول، بدلاً من عودته سريعاً إلى مستوياته الطبيعية.

مَن الأعلى عرضة لهذا التأثير؟

قد يكون توقيت الوجبات أكبر أهمية بالنسبة إلى الأشخاص المصابين بالسكري أو الذين يواجهون صعوبة في ضبط مستويات سكر الدم. فضعف استجابة الجسم للإنسولين يجعل التعامل مع الارتفاع الناتج عن وجبة كبيرة في وقت متأخر أكبر تحدياً.

ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن تناول الطعام ليلاً يؤدي وحده إلى الإصابة بالسكري، كما أن تأثير توقيت الوجبات يختلف من شخص إلى آخر وفق النظام الغذائي والنشاط البدني والحالة الصحية والأدوية المستخدمة.

هل الأفضل تناول وجبة العشاء في وقت أبكر؟

قد يساعد تقديم موعد الوجبة الأخيرة وتجنب تناول وجبة كبيرة قبل النوم على تحسين تنظيم سكر الدم لدى بعض الأشخاص، خصوصاً عندما يترافق ذلك مع نظام غذائي متوازن ونشاط بدني منتظم.

ويمكن أن يكون التركيز على حجم الوجبة ومكوناتها وتوقيتها معاً أعلى فائدة من التركيز على عامل واحد فقط. كما أن الأشخاص المصابين بالسكري يجب أن يراعوا توصيات الطبيب بشأن مواعيد الوجبات والأدوية ومراقبة سكر الدم.

الخلاصة

تناول وجبة كبيرة في وقت متأخر من الليل قد يجعل ضبط سكر الدم أشد صعوبة؛ لأن استجابة الجسم للإنسولين قد تكون أقل كفاءة في المساء؛ مما قد يؤدي إلى استمرار ارتفاع الغلوكوز مدة أطول.

لذلك؛ فقد يكون تناول وجبات متوازنة وفي أوقات منتظمة مع تجنب الوجبات الكبيرة قرب موعد النوم، خطوة مفيدة ضمن نمط حياة يساعد في الحفاظ على مستويات سكر الدم ضمن نطاق صحي.


الشتاء أم الصيف! الزمن يعيد تشكيل النشاط الجيني البشري

الشتاء أم الصيف! الزمن يعيد تشكيل النشاط الجيني البشري
TT

الشتاء أم الصيف! الزمن يعيد تشكيل النشاط الجيني البشري

الشتاء أم الصيف! الزمن يعيد تشكيل النشاط الجيني البشري

كشفت دراسة دولية واسعة أن نحو 85 بالمائة من الجينات البشرية تُظهر تقلبات في نشاطها داخل الشخص الواحد عبر الزمن، وهي تفوق الاختلافات المسجلة بين الأشخاص المختلفين، وذلك في نتائج قد تعيد النظر في كثير من الأسس التي بُنيت عليها الدراسات السريرية التقليدية.

* الصورة الجزيئية للإنسان تتغير باستمرار تبعاً لعوامل بيولوجية وبيئية متعددة*

وتشير هذه النتائج إلى أن الصورة الجزيئية للإنسان ليست ثابتة كما كان يُعتقد، بل تتغير باستمرار تبعاً لعوامل بيولوجية وبيئية متعددة.

تحليل 14 ألف جين

نُشرت الدراسة في دورية «Nature Communications» في 29 مايو (أيار) 2026، وأجراها فريق بحثي دولي بقيادة مجموعة التميز PMI في جامعة كيل الألمانية، وجامعة لوفان الكاثوليكية KU Leuven، والمركز الألماني لأمراض التنكس العصبي DZNE في بون. وتابع الباحثون 333 متطوعاً في منطقة فلاندرز البلجيكية على مدى ستة أشهر، حيث سُحبت من كل مشارك ثلاث عينات دم في أوقات مختلفة، وحُلّل نشاط نحو 14 ألف جين في كل عينة.

وتوضح النتائج أن عينة دم تُسحب من الشخص نفسه في فصل الشتاء قد تُظهر نمطاً جينياً مختلفاً بصورة لافتة عن عينة أخرى تُسحب منه في الصيف رغم إجراء الفحوص في المختبر ذاته. ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف يكشف عن طبيعة ديناميكية غير متوقعة للنشاط الجيني البشري، ويحمل تداعيات مهمة على مستقبل الطب الدقيق، وتشخيص الأمراض، ومتابعة تطورها.

عندما يصبح الشخص نفسه أكبر مصدر للاختلاف

لطالما افترضت الدراسات السريرية أن القياسات البيولوجية تمثل صورة ثابتة نسبياً لحالة الإنسان. لكن الدراسة الجديدة تقلب هذه الفرضية، كاشفة أن التغيرات التي تطرأ على الشخص نفسه مع مرور الوقت قد تكون أكبر من الفروق الموجودة بين شخص وآخر.

ويقول البروفسور فيليب روزنستيل، من معهد البيولوجيا الجزيئية السريرية بجامعة كيل الألمانية، وأحد كبار مؤلفي الدراسة: «عندما نقارن عينات الدم نفكر عادة في مريض مقابل سليم، أو شخص مقابل آخر. لكن ما وجدناه هو أن أكبر مسافة بيولوجية قد لا تكون بين فردين مختلفين، بل بين الشخص نفسه في أوقات مختلفة».

شتاء يوقظ المناعة... وصيف يضبط الساعة البيولوجية

كما تشير النتائج إلى أن الفصول تؤدي دوراً رئيساً في هذه التحولات. فقد رصد الباحثون أكثر من أربعة آلاف جين يتغير نشاطها بصورة منتظمة بين الشتاء والصيف. ففي الأشهر الباردة تنشط الجينات المرتبطة بالمناعة، بينما تبرز في الصيف الجينات المنظمة للساعة البيولوجية، والنوم، والتمثيل الغذائي، والتوازن الهرموني.

ولا تقتصر التأثيرات على الفصول، إذ يترك توقيت سحب العينة خلال اليوم وحتى الالتهابات البسيطة بصمات واضحة على النشاط الجيني. وتقول فرانزيسكا كيميج وهي من مؤلفات الدراسة: «فوجئنا بحجم التحولات الموسمية. فعينة دم تُسحب في يناير (كانون الثاني) وأخرى في يوليو (تموز) من الشخص نفسه قد تعكس حالتين بيولوجيتين مختلفتين تماماً».

كما سلطت الدراسة الضوء على ما يُعرف بـ«الوصل البديل» Alternative Splicing، وهي آلية تسمح للجين الواحد بإنتاج بروتينات مختلفة بحسب الظروف والوقت، ما يضيف طبقة جديدة من التنوع البيولوجي لم تحظَ بالاهتمام الكافي في الأبحاث السابقة.

*15 % من الجينات حافظت على استقرار لافت- تمثل البصمة المناعية*

بصمة مناعية لا تتغير

ورغم هذا التغير المستمر، اكتشف الباحثون أن نحو 15 في المائة من الجينات حافظت على استقرار لافت عبر الزمن. وتتركز هذه الجينات في الجهاز المناعي، خصوصاً المرتبطة بالخلايا التائية والبائية.

وهذه الجينات لا تختلف كثيراً داخل الشخص الواحد، ولكنها تختلف بوضوح بين الأفراد، ما يجعلها بمثابة «بصمة مناعية» فريدة لكل إنسان.

ويقول البروفسور ستيفان شرايبر، مدير الطب الباطني في مستشفى كيل الجامعي، يبدو أن لكل شخص توقيعاً مناعياً خاصاً به يبقى مستقراً لأشهر. وهذا هو الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه الطب الدقيق، أي التركيز على الملف المناعي الفردي لا على فكرة المريض المتوسط.

*النساء لديهن مستويات أعلى من التقلبات الجينية عبر الزمن مقارنة بالرجال*

مفاجأة تتعلق بالنساء

ومن أكثر النتائج إثارة للاهتمام ما كشفته الدراسة بشأن الفروق بين الرجال والنساء. فقد أظهرت النساء مستويات أعلى من التقلبات الجينية عبر الزمن مقارنة بالرجال.

وفي البداية ظن الباحثون أن الدورة الشهرية هي السبب الرئيس، لكن المفاجأة أن هذه التقلبات استمرت حتى بعد انقطاع الطمث.

وتقول الدكتورة نيها ميشرا وهي من المؤلفات الأوليات للدراسة: توقعنا أن تفسر الدورة الشهرية معظم هذا الفرق، لكن استمرار التقلبات بعد انقطاع الطمث يشير إلى وجود عوامل أعمق ما زلنا لا نفهمها بالكامل.

في المقابل بدا الرجال أكثر استقراراً مع مرور الوقت، لكنهم أظهروا اختلافات أكبر فيما بينهم. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة، لأن كثيراً من التجارب السريرية اعتمدت تاريخياً على المشاركين الذكور، ثم عممت نتائجها على النساء.

إعادة التفكير في التجارب السريرية

تمتد أهمية هذه النتائج إلى ما هو أبعد من علم الوراثة، إذ تثير تساؤلات حول كيفية تفسير نتائج آلاف الدراسات الطبية السابقة. فقد يكون جزء من التغيرات التي اعتُبرت مؤشرات مرضية في أمراض القلب أو الاضطرابات العصبية أو الحالات الالتهابية المزمنة مجرد انعكاس لتقلبات بيولوجية طبيعية مرتبطة بالوقت، أو الموسم، أو الجنس.

ويقول البروفسور ييرون ريس من جامعة لوفان إن هذا لا يعني أن الأبحاث السابقة كانت خاطئة، لكنه يعني أننا بحاجة إلى التعامل مع الزمن بجدية أكبر، وأن ننظر إلى الجنس، والموسم، ووقت اليوم باعتبارها عوامل بيولوجية أساسية.

واللافت أن الحل لا يتطلب تقنيات جديدة معقدة، بل يحتاج تغييراً في منهجية البحث. فبدلاً من الاعتماد على عينة واحدة تمثل لحظة عابرة، يدعو الباحثون إلى قياسات متكررة تراعي توقيت سحب الدم، والظروف البيولوجية المحيطة.

وبعبارة أخرى، ربما حان الوقت لأن يتوقف العلم عن التعامل مع الزمن كعامل مزعج يجب التحكم فيه، وأن يبدأ في النظر إليه بوصفه جزءاً أساسياً من القصة البيولوجية للإنسان.