دراسة جديدة: بقايا فيروسات قديمة في جيناتنا... أساسية لتطور الجنين البشري

إمكانات واعدة لفهم أسباب العقم ومشكلات الحمل وتشوُّهات الأجنة

دراسة جديدة: بقايا فيروسات قديمة في جيناتنا... أساسية لتطور الجنين البشري
TT

دراسة جديدة: بقايا فيروسات قديمة في جيناتنا... أساسية لتطور الجنين البشري

دراسة جديدة: بقايا فيروسات قديمة في جيناتنا... أساسية لتطور الجنين البشري

لطالما ظن العلماء أن بعض أجزاء الحمض النووي في أجسامنا ليست سوى بقايا عديمة الفائدة من ماضٍ تطوري بعيد. ولكن دراسة جديدة من جامعة ستانفورد الأميركية قلبت هذه الفكرة رأساً على عقب. فقد تبيَّن أن بقايا فيروسات قديمة مدفونة في جيناتنا ليست خاملة كما كان يُعتقد؛ بل هي ضرورية لبداية الحياة نفسها. ومن دونها لا يمكن للأجنة البشرية أن تتطور.

فيروسات قديمة وإنسان حديث

يُقدِّر العلماء أن نحو 9 في المائة من الجينوم البشري يتكوَّن من شظايا فيروسات قديمة، تُعرف باسم الفيروسات القهقرية الذاتية ERVs) Endogenous Retroviruses) (هو نوع من فيروسات الحمض النووي الريبي «RNA» ترتبط بأمراض مختلفة، بما في ذلك بعض أنواع السرطان، وفيروس نقص المناعة البشرية «الإيدز»). وهذه البقايا هي آثار لعدوى أصابت أسلافنا منذ ملايين السنين. ومع مرور الزمن اندمج الحمض النووي الفيروسي داخل شفرتنا الوراثية، وأصبح جزءاً موروثاً يُنسَخ جيلاً بعد جيل.

وكان الاعتقاد السائد أن هذه البقايا التطورية مجرد «حمض نووي غير مفيد»؛ لكن الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة «Nature» بتاريخ 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أثبتت أن بعض هذه الفيروسات القديمة تلعب دوراً أساسياً في مراحل التكوين الأولى للإنسان.

نافذة على الأيام الأولى للحياة

يواجه العلماء صعوبة في دراسة المراحل الأولى من تكوين الجنين البشري، بسبب القيود الأخلاقية التي تمنع إجراء التجارب المباشرة على الأجنة. ولتجاوز هذا التحدي، استخدم الباحثون ما تُعرف بـالبلاستويدات (Blastoids)، وهي نماذج ثلاثية الأبعاد تُنشأ من الخلايا الجذعية، وتشبِه الأجنة في أسبوعها الأول من الحياة.

وفي هذه المرحلة المعروفة باسم الكيسة الأُرَومِيَّة (Blastocyst) تتشكل كرة صغيرة من الخلايا قادرة على تكوين جميع أنسجة وأعضاء الجسم لاحقاً؛ حيث تسمح هذه التقنية للعلماء بمراقبة بدايات الحياة الأولى في بيئة مخبرية آمنة، دون استخدام أجنة حقيقية، ما يفتح الباب أمام فهم أعمق لأسرار النمو البشري المبكر.

تعطيل الشفرة الفيروسية

وركَّزت الدراسة على عنصر فيروسي محدد يُسمى «HERVK LTR5Hs» دخل إلى الحمض النووي البشري، بعد انفصال الانسان كجنس بيولوجي مستقل في العالم القديم.

واستخدم العلماء أدوات تحرير جيني دقيقة لتعطيل أو حذف هذا الجزء الفيروسي من الخلايا الجذعية، وكانت النتائج مذهلة.

فبمجرد تعطيل هذه التسلسلات فشلت الخلايا في التكوُّن بشكل طبيعي، وتحولت إلى كتل غير منظمة من الخلايا ثم ماتت لاحقاً. وكانت هذه النتيجة دليلاً قاطعاً على أن هذا الحمض النووي الفيروسي ضروري لبداية الحياة.

بمعنى آخر: هذه الشفرة الفيروسية القديمة تُنظِّم التعليمات التي تُوجِّه الخلايا الأولى لكيفية النمو والانقسام والتخصص. فما كان يوماً فيروساً غازياً أصبح اليوم مفتاحاً لبناء الحياة البشرية.

الفيروس الذي يشغِّل الحياة

وأظهرت الدراسة أن بقايا الفيروسات القديمة تعمل كمفاتيح تشغيل قوية، تتحكم في نشاط الجينات المسؤولة عن تكوين الجنين في مراحله الأولى. فعند تعطيلها توقفت الجينات الحيوية؛ خصوصاً تلك التي تُسهم في تكوين الطبقة التي تُشكل لاحقاً جسم الإنسان.

بمعنى آخر: إن هذا الجزء الفيروسي لم يعد خطراً كما في الماضي؛ بل أصبح جزءاً أساسياً يوجِّه الخلايا الأولى نحو بناء الإنسان.

مفتاح رئيسي في حمضنا النووي

ومن بين النتائج اللافتة اكتشاف دور فريد لجين بشري يُدعى «ZNF729»، فقد تبين أن قطعة واحدة من الحمض النووي الفيروسي تعمل كمفتاح رئيسي لتفعيل هذا الجين الذي يتحكم في عمليات حيوية، مثل النمو والأيض. واللافت أن هذا الإدخال الفيروسي لا يوجد إلا عند البشر، وهو ما يشير إلى أن تطورنا كنوع كان سيتخذ مساراً مختلفاً تماماً من دونه.

إنه مثال رائع على قدرة التطور على تحويل فيروس كان يهدد الحياة إلى أداة جينية تحفظها وتبنيها.

إعادة التفكير في معنى أن نكون بشراً

تكشف هذه النتائج أن الحمض النووي البشري ليس «بشرياً خالصاً»؛ بل فسيفساء من جينات الإنسان وشظايا الفيروسات القديمة التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ منا عبر ملايين السنين. فقد تحولت هذه الفيروسات التي كانت أعداءً في الماضي إلى عناصر أساسية في تكوين الحياة.

وكذلك تشير دراسات أخرى إلى أن الفيروسات القهقرية القديمة ساهمت في تكوين المشيمة وتنظيم جهاز المناعة، ما يعزز الفكرة بأن هذه البقايا الجينية ليست خردة؛ بل مكونات فاعلة في منظومتنا الحيوية.

من التهديد إلى التحالف

تقول الدكتورة جوانا ويسوكا، عالمة الأحياء التطورية بجامعة ستانفورد، والمؤلفة الرئيسية للدراسة، تُظهر نتائجنا كيف يمكن للعناصر الجينية المنقولة حديثاً أن تكتسب وظائف أساسية في التطور البشري.

أي بعبارة أخرى: الفيروسات التي أصابت أسلافنا أصبحت اليوم جزءاً مما يجعلنا بشراً.

من الماضي إلى الحاضر

تسلِّط هذه الاكتشافات الضوء على علاقة معقدة بين الإنسان وتاريخه الفيروسي. فهي لا تغيِّر فهمنا لأصلنا فقط؛ بل تفتح أيضاً آفاقاً جديدة لعلاج العقم ومشكلات الحمل واضطرابات النمو الجنيني التي قد تنتج من خلل في هذه العناصر الفيروسية.

وفي مفارقة مذهلة، يمكن القول إن الفيروسات التي كادت تُفني أسلافنا أصبحت اليوم من مهندسي الحياة نفسها. وكما تقول ويسوكا: نحن بطريقة ما مصنوعون من الفيروسات التي كانت تحاول القضاء علينا.

ففي داخل كل واحد منا سجلٌّ حي من العدوى القديمة، تحوَّل إلى شفرة للحياة الجديدة. قصة البشرية في جوهرها هي أيضاً قصة الفيروسات التي تحوَّلت من أعداء إلى شركاء في خلقنا.


مقالات ذات صلة

خريطة جينية لإدمان الكوكايين تكشف دوراً مفاجئاً للكبد

علوم الكبد لاعب رئيس في الإدمان

خريطة جينية لإدمان الكوكايين تكشف دوراً مفاجئاً للكبد

اختلافات في الجينات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمعدل وسلوك تعاطي الكوكايين بصورة قهرية

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث

قواعد إنسانية جديدة لعصر الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية

نظم تحلل البيانات، وتقرر النتائج في ثوانٍ... وتقنيات يمكن أن تعيد تشكيل مستقبل البشر قبل ولادتهم

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
علوم خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

رصدت 130 مليون متغير جيني

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم «الهندسة البيولوجية»: هل يستطيع العلماء إعادة كتابة رموز الجينوم المعقَّدة؟

«الهندسة البيولوجية»: هل يستطيع العلماء إعادة كتابة رموز الجينوم المعقَّدة؟

محاولات لتوليد تسلسلات جينية جديدة وصولاً إلى بناء كائنات حية حسب الطلب

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم خطوات محورية في دراسة السرطان واضطرابات المناعة

تطورات «كريسبر»: من قصّ الجينات إلى قراءة عقل الخلية

خطوات محورية في دراسة السرطان واضطرابات المناعة... حيث تتفاعل مسارات جينية متعددة لإحداث المرض

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي
TT

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

تشغل ليلى إبراهيم في «غوغل ديب مايند» منصباً لم يكن موجوداً من قبل: رئيسة قسم الاستعداد للذكاء الاصطناعي، حيث تُركز على كيفية إعداد العالم للتطور السريع للذكاء الاصطناعي. وهي تُساعد الحكومات على التفكير في السياسات، وتُعزز فهم الجمهور للذكاء الاصطناعي، وتعمل على ضمان استخدام «جوجل» للذكاء الاصطناعي بمسؤولية.

وتقول ليلى إبراهيم، التي شغلت سابقاً منصب الرئيس التنفيذي للعمليات في «ديب مايند» لمدة ثماني سنوات تقريباً: «أتمنى لو كان المزيد من الناس يُجرون هذا النوع من الحوارات، لأنني أعتقد أن لدينا القدرة على التأثير في كيفية تشكيل هذا المجال».

تحسين الوعي بالذكاء الاصطناعي

يتضمن جزء من العمل تحسين الوعي بالذكاء الاصطناعي. تقول: «إن كنت لا تستخدمه، فلن تُتاح لك الفرصة لاتخاذ قرارات مدروسة بشأن المجالات التي تشعر فيها بالراحة عند استخدامه أو عدم استخدامه، أو كيفية تطوير الأمور».

وتتساءل: «كيف يمكننا أن نُساعد المعلمين على الشعور بالراحة عند التعامل مع البرمجة وإنشاء أدوات لفصولهم الدراسية؟»، و«كيف نتعاون مع صانعي السياسات لفهم الذكاء الاصطناعي؟».

تمارين ميدانية في سنغافورة

وفي وقت سابق من هذا العام، قاد فريقها تمريناً تمثيلياً مع مسؤولين في سنغافورة، لمساعدتهم على دراسة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُعيد تشكيل اكتشاف الأمراض، وما قد يعنيه ذلك لإصلاح نظام الرعاية الصحية أو الحاجة إلى مؤسسات علمية جديدة. في هذا التمرين، المشابه لأعمال الشركة في أماكن أخرى.

وقد اقترح المسؤولون بعض السياسات، ثم درسوا كيف يمكن أن يتغير المشهد بعد عامين، ما قد يُحفز تغييرات إضافية في السياسات. كما يعمل فريقها مع الحكومات لتقييم كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي الفاعل على الوظائف، وأين قد تكون هناك حاجة إلى إعادة تأهيل المهارات.

وتقول: «نحن نعرف إلى أين تتجه التكنولوجيا، لذا يمكننا التعامل مع هذه المحادثات بطريقة أكثر تعاوناً، مدركين أن التكنولوجيا لم تصل بعد، ولكن ما الذي نحتاج إلى فعله للاستعداد لما هو قادم؟

* مجلة «فاست كومباني».


الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران
TT

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

تُفكّر إليزابيث مينور منذ سنوات في مخاطر الذكاء الاصطناعي، وتحديداً الأسلحة ذاتية التشغيل. ومينور هي رئيسة قسم السياسات في «أوقفوا الروبوتات القاتلة»، وهو تحالف تأسس عام 2012 لضمان احتفاظ البشر بالسيطرة على التكنولوجيا في أوقات الحرب. وقد نما هذا التحالف ليُمثّل أكثر من 300 منظمة في أكثر من 70 دولة، بما في ذلك «هيومن رايتس ووتش» ومنظمة العفو الدولية، كما كتبت ريبيكا هايلويل(*).

خرق أطر القانون الدولي

تُوضّح مينور قائلةً: «هذا أمرٌ يُهمّ العالم أجمع، لذا يجب أن يكون هناك تفاوض في إطار القانون الدولي. لا يزال القانون الدولي مُهماً، حتى وإن كان مُعرّضاً للهجمات في الوقت الراهن، وله قيودٌ تُحدّد كيفية رسم حدود ما هو مُتاح في العالم».

تسعى مينور ومنظمة «أوقفوا الروبوتات القاتلة» إلى استخدام القانون الدولي بوصفه أداةً في مكافحة انتشار أسلحة الذكاء الاصطناعي. ويتضمن جزء كبير من عملها حضور اجتماعات في الأمم المتحدة، في كل من نيويورك وجنيف. وتسعى المنظمة إلى إبرام معاهدة دولية يمكن لجميع الدول التوقيع عليها للحد من استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل، على غرار اتفاقيات نزع السلاح والحد من التسلح التي أبرمها المجتمع الدولي بالفعل.

استخدام إسرائيل وأميركا للذكاء الاصطناعي

وقد ازداد عمل منظمة «أوقفوا الروبوتات القاتلة» أهميةً مع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في ساحات المعارك. وتشير مينور إلى بعض الأمثلة من النزاعات الأخيرة، بما في ذلك استخدام إسرائيل لتقنية تحديد الأهداف خلال الحرب على غزة، واستناد الولايات المتحدة إلى نظام «كلود» في عمليتها للقبض على نيكولاس مادورو وفي الحرب على إيران.

وتوضح مينور قائلةً: «خلال العقد الماضي فقط، شهدنا تسارعاً هائلاً في محاولات تطوير هذه الأدوات ودمجها في استخدامها في ساحات المعارك». لقد رأينا دولاً أكثر تُعلن أن هذا النوع من الحرب «الثورية» مرغوب فيه وضروري، بدلاً من اعتباره أمراً خطيراً لا ترغب أبداً في خوضه.

* مجلة «فاست كومباني».


«طائرات روبوتية مسيّرة قاتلة»... سجلت أولى الضحايا

الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
TT

«طائرات روبوتية مسيّرة قاتلة»... سجلت أولى الضحايا

الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة

أفاد مسؤول رفيع المستوى في قطاع الصناعات الدفاعية الأوكرانية لمجلة «نيو ساينتست» بأن اختباراً أُجري قبل عامين على طائرات مسيّرة ذاتية التشغيل بالكامل، مُصممة لتدمير أي شيء في منطقة محددة، أسفر عن وقوع إصابات مؤكدة.

مسيرات روبوتية قاتلة

شمل الاختبار الذي أُجري لمرة واحدة، 10 طائرات مسيّرة من طراز «تيرميناتور Terminator» (المُدمر) تعمل بالذكاء الاصطناعي على خط المواجهة في الحرب الأوكرانية. وقُتل جنود روس، كما كتب ماثيو سباركس (*). ويقول ألكسندر كوخانوفسكي، المشرف على تصنيع الطائرات المسيّرة: «لقد جربنا ذلك. إنه اختبار، ولم نُطبّقه على نطاق أوسع».

وقد أُجري الاختبار قبل عامين، وشمل طائرات مسيّرة رباعية المراوح مُبرمجة للطيران باتجاه خط المواجهة، وقطع مسافة تتراوح بين 3 و5 كيلومترات خلال نحو 10 دقائق، ثم تفعيل «وضع تيرميناتور»، حيث يقوم نموذج الذكاء الاصطناعي بالبحث عن الأهداف واعتراضها.

إبادة شاملة

ويضيف كوخانوفسكي: «نطلقها ببساطة، ونعلم أن كل شيء سيُباد. كل ما يُعثر عليه في هذه المنطقة سيُباد». ويضيف: «لا يوجد أي اتصال بالطائرة المسيّرة على الإطلاق، لا يمكنك رؤية الفيديو، لا شيء... وكل من تراه سيُقتل».

ولعدم وجود أي وسيلة لمعرفة ما رصدته الطائرات المسيّرة الآلية أو ما استهدفته، أُرسلت طائرات مسيّرة يقودها طيارون بشريون إلى المنطقة لاحقاً للتحقق من النتائج يدوياً. ويشير كوخانوفسكي إلى أن الضحايا كانوا «جنديين وشاحنة واحدة». وبينما لا يوجد تسجيل للطائرات المسيّرة الآلية وهي تهاجم هذه الأهداف، فقد استُنتج أنها قتلتهم.

ويقول كوخانوفسكي إنه نُفذ بواسطة وحدة عسكرية، لم يُكشف عن اسمها، بالقرب من مدينتي باخموت وتشاسيف يار، كجزء من هجوم مضاد أوكراني. ولم ترد وزارة الدفاع الأوكرانية على أسئلة حول الاختبار أو الموقف القانوني الحالي بشأن استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل بالكامل.

ذكاء اصطناعي مستقل عن البشر

يُعدّ استخدام الذكاء الاصطناعي شائعاً في الجيوش حول العالم، حيث يُساعد في اختيار الأهداف من بين كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية، وأتمتة بعض وظائف الأسلحة، إلا أن العنصر البشري يبقى حاضراً في مرحلة ما. ويُعتبر اعتراف كوخانوفسكي أقوى دليل حتى الآن على وقوع حالة وفاة في معركة نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي وحده.

وفقاً لمصادر في شركات الدفاع فإن الحكومة الأوكرانية تحظر حالياً استخدام الذكاء الاصطناعي في المرحلة النهائية من اعتراض الأهداف، على الرغم من استخدامه في أجزاء كثيرة من العملية بواسطة العديد من الأجهزة حتى تلك المرحلة. ويقول كوخانوفسكي إن الحكومة تُدرك القدرات المتنامية للذكاء الاصطناعي، وأنها تُجري محادثات مع شركات الدفاع حول إمكانية تخفيف القواعد.

وكانت تقارير قد أشارت في عام 2023 إلى أن طائرات هجومية أوكرانية مُسيّرة مُجهزة بالذكاء الاصطناعي كانت تعثر على أهداف وتهاجمها دون مساعدة بشرية، ولكنها كانت تُستخدم ضد مركبات مثل الدبابات، وليس ضد المشاة. ولم يتم تأكيد وقوع أي إصابات بشرية في ذلك الوقت.

مسيَّرة كارغو التركية

دعوات لحظر النظم القاتلة ذاتية التشغيل

رغم عدم وجود حظر دولي رسمي على الأسلحة ذاتية التشغيل القادرة على القتل دون تدخل بشري، فقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى فرض حظر، مصرحاً العام الماضي بأنه «لا مكان لأنظمة الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل في عالمنا». وأشارت الأمم المتحدة إلى وجود مخاوف من أن تنتهك هذه الأسلحة القوانين الدولية الإنسانية وقوانين حقوق الإنسان، وذلك بإقصاء العنصر البشري عن العمليات العسكرية. كما يُوجد خطر من أن ترتكب الأنظمة ذاتية التشغيل أخطاءً، سواء بمهاجمة جنود من الجانب نفسه أو مدنيين.

وتعمل معظم الجيوش على تطوير أجهزة تُؤتمت جزءاً على الأقل من عملية مهاجمة الأهداف، إذ تمتلك الولايات المتحدة برمجيات تجمع وتحلل كميات هائلة من البيانات المتنوعة، وتختار أهدافاً في ساحة المعركة يمكن استهدافها بطائرات مسيرة. ولكن، نظرياً، يتطلب ذلك تأكيداً بشرياً. وقد وردت مزاعم بأن الولايات المتحدة تُطور أيضاً ما يُسمى بطائرات «حارس المرمى Goalkeeper» المسيرة، وطائرات «ويبلش Whiplash» البحرية المسيرة، القادرة على تحديد أهدافها وتدميرها.

مسيرات تركية قاتلة

وكان تقرير للأمم المتحدة قد صدر عام 2021، أشار إلى احتمال استخدام طائرة «كارغ -2» Kargu-2 رباعية المراوح، من إنتاج شركة تركية، في هجمات ذاتية على البشر في العام السابق. ولم يُفصّل التقرير مصدر هذه الادعاءات أو ما إذا كان قد سقط قتلى أو جرحى، لكنه رجّح أن حكومة «الوفاق الوطني» الليبية استخدمت هذه الطائرات المسيّرة ضد قوات حفتر المنسحبة.

أنظمة أميركية

وصرح الرائد دانيلو بولوجوخنو، وهو شخصية بارزة في فوج الأنظمة غير المأهولة الحادي والعشرين التابع للفيلق الثالث بالجيش الأوكراني، الذي لم يكن على علم بالتجربة أو مشاركاً فيها، لمجلة «نيو ساينتست» بأن جنوده يستخدمون أنظمة تحكم شبه ذاتية، لكن يبقى هناك عنصر بشري في عملية التحكم.

ويضيف بولوجوخنو: «تستطيع هذه الأنظمة والمنصات المسيّرة تحديد الأهداف وتتبعها تلقائياً، فضلاً عن توجيه نفسها ذاتياً خلال الأمتار الأخيرة من الاقتراب، ما يُسهّل عمل المشغلين. مع ذلك، لا نستخدم أنظمة مسيّرة ذاتية التشغيل بالكامل تقوم باختيار الأهداف ومهاجمتها بشكل مستقل دون أي تدخل بشري».

هل نريد مجتمعاً يقتل الآخرين.. دون تدخل بشري؟

وتقول مارياروزاريا تاديو الباحثة في جامعة أكسفورد، إن القتل باستخدام الذكاء الاصطناعي يسلب كرامة الجندي، ويُعفي المهاجم من المسؤولية، ويجب حظره. وتضيف: «الأمر ليس مجرد مشكلة، بل هو أمر مروع. هل نريد أن نكون مجتمعاً يقتل الآخرين، ويسمح لحكومته بقتل الآخرين، دون تدخل بشري؟».

طائرات اعتراضية ذاتية التشغيل

يقول كوخانوفسكي إن مشروع «المُدمر» لم يتقدم منذ تجربته، بسبب القوانين الأوكرانية. وهو الآن الرئيس التنفيذي لشركة «أيرو سنتر» لصناعة الطائرات المسيّرة - التي يقول إنها لم تشارك في التجربة لأنها لم تكن قد أُنشئت آنذاك - وهي شركة أوكرانية تعمل على تطوير طائرات اعتراضية ذاتية التشغيل. صُممت هذه الطائرات لاستهداف مسيرات «شاهد» الروسية الانتحارية القادمة وإسقاطها قبل وصولها إلى مناطق مكتظة بالمدنيين أو بنى تحتية حيوية.

سيتألف نظام «أليتا» التابع للشركة من 16 منصة إطلاق، مُجهزة بـ64 طائرة مسيّرة. سيكون النظام جاهزاً بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وقادراً على رصد الطائرات المسيّرة القادمة، والإقلاع تلقائياً، والتحرك نحو الهدف بسرعة 450 كيلومتراً في الساعة، لإسقاط أي شيء بدءاً من الطائرات المسيّرة الصغيرة وصولاً إلى المروحيات.

لكن القوانين الأوكرانية الحالية تمنع التشغيل الذاتي الكامل، وتُلزم بشرياً بالتحقق من الأهداف في المراحل النهائية للاعتراض. حتى في هذه الحالة، لن تحتاج مجموعة الطائرات المسيّرة الـ 64 بأكملها إلا إلى مُشغّلين بشريين فقط، ما يعني تقليصاً كبيراً في عدد الأفراد.

* مجلة «نيو ساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».