كيف فكّكت تكنولوجيا الـ«DNA» لغز الابن الفرنسي السري لهتلر؟

«اسم والدك كان هتلر» ...شبح في قطار التاريخ... قصة جان ماري لوريه الذي عاش ومات يطارد أشباح النازية

كيف فكّكت تكنولوجيا الـ«DNA» لغز الابن الفرنسي السري لهتلر؟
TT

كيف فكّكت تكنولوجيا الـ«DNA» لغز الابن الفرنسي السري لهتلر؟

كيف فكّكت تكنولوجيا الـ«DNA» لغز الابن الفرنسي السري لهتلر؟

بين صرامة المختبر العلمي البيولوجي وغموض الوثائق التاريخية، تظل مسألة الأنساب الشائكة لرجال صنعوا كوارث العالم المعاصر تثير من الأسئلة الأخلاقية أكثر مما تقدمه من إجابات حاسمة. فمن بين أكثر السرديات إثارة للجدل في القرن العشرين، تبرز حكاية عامل السكك الحديدية الفرنسي الراحل، جان ماري لوريه، الذي عاش ومات مثقلاً بعبء ادعائه أنه ليس سوى الابن غير الشرعي للديكتاتور النازي أدولف هتلر.

واليوم، في عصر الطفرة الجينية الهائلة التي يشهدها عالمنا، إذ باتت فحوصات الحمض النووي المنزلي (DNA) تباع في مغلفات بريدية وتفك شفرات الأنساب كأنها ألعاب رقمية، تعود هذه القضية إلى الواجهة نموذجاً صارخاً للصراع الأزلي بين الحقيقة العلمية الصارمة وعاطفة الحكايات السردية.

تُعيد هذه القصة صياغة تساؤلات ملحة حول الهوية والوراثة، وتطرح معضلة أخلاقية وقانونية يواجهها المجتمع الدولي اليوم: هل يملك الأبناء والأحفاد الحق في نبش قبور التاريخ، وملاحقة الرفات البيولوجي بحثاً عن هوية قد تجلب اللعنة أكثر من الفخر؟

وكيف نجح المختبر العلمي في حسم ما عجزت عنه وثائق الاستخبارات ومذكرات الحروب؟

الديكتاتور الألماني أدولف هتلر (أ.ف.ب)

لقاء عابر في خنادق الحرب: ولادة الأسطورة

تبدأ السردية التاريخية لهذه الدراما الإنسانية في ذروة الحرب العالمية الأولى، تحديداً في صيف عام 1917 في بلدة «فورنيس إن فيب»، شمال فرنسا، كان العريف الألماني الشاب أدولف هتلر، الملحق بكتيبة المشاة البافارية الاحتياطية السادسة عشرة، يقضي فترة استراحة بعيداً عن خطوط المواجهة الأمامية.

وفقاً لرواية السيدة الفرنسية شارلوت لوبجوا، التي نقلتها لاحقاً لابنها، فإنها كانت تقطع العشب مع نساء آخرين عندما شاهدت جندياً ألمانياً على الجانب الآخر من الطريق يحمل لوحة ويرسم عليها.

شارلوت لوبجوا (ويكيبيديا)

كان ذلك الجندي هو هتلر. نشأت بينهما علاقة عابرة، أسفرت في مارس (آذار) من عام 1918 عن ولادة طفل غير شرعي أُطلق عليه اسم «جان ماري».

عاش الطفل طفولة قاسية، إذ كانت نظرة المجتمع الفرنسي المحيط به غاضبة تجاه طفل وُلد من «علاقة مع العدو المحتل».

قامت الجدة بتربيته بعد أن تخلت عنه أمه، وتبنته لاحقاً عائلة «لوريه» في عام 1934، ليحمل اسمهم ويشق طريقه عاملاً بسيطاً في السكك الحديدية الفرنسية، محاولاً نسيان أصوله الغامضة.

 

«اسم والدك كان هتلر»: لحظة الحقيقة والمواجهة النفسية

عاش جان ماري لوريه عقوداً طويلة من الزمن حياة هادئة وبسيطة، وانخرط في صفوف الجيش الفرنسي إبان الحرب العالمية الثانية ليقاتل ببسالة ضد القوات النازية، دون أن يخطر بباله للحظة واحدة أنه ربما كان يوجه سلاحه نحو جيش يأتمر بأمر والده البيولوجي.

جان ماري لوريه (ويكيبيديا)

ولم تتكشف فصول هذه الدراما النفسية المعقدة إلا في أواخر الأربعينات من القرن الماضي، عندما شعرت والدته شارلوت بدنو أجلها، وقررت أن تبوح له بالسر الذي ظل يؤرقها طويلاً، لتفاجئه بالعبارة الصادمة التي غيرت مجرى حياته وهزت كيانه إلى الأبد قائلة إن والده الحقيقي هو الديكتاتور الألماني أدولف هتلر.

أحدث هذا الاعتراف زلزالاً نفسياً مدمراً في وجدان لوريه، الذي وجد نفسه فجأة ممزقاً بين مشاعر الذهول والإنكار والخوف من حمل دماء أكثر الشخصيات كراهية في التاريخ الحديث.

وقد وصف لوريه تلك المرحلة المظلمة من حياته بدقة في كتاب سيرته الذاتية الشهير الصادر عام 1981 بعنوان «اسم والدك كان هتلر»، إذ اعترف بأنه كاد يصاب بالاكتئاب الحاد، ولم يجد سبيلاً للهروب من هذا العبء النفسي الثقيل سوى الانغماس التام في العمل الشاق ودون انقطاع لعشرين عاماً متواصلة، مدفوعاً بأسئلة وجودية حائرة حول ما إذا كان يتوجب عليه تغيير اسمه، أو إخبار العالم بحقيقته، أو الانكفاء على نفسه واللوذ بالصمت المطلق.

كتاب سيرة جان ماري لوريه الذاتية الصادر عام 1981 بعنوان «اسم والدك كان هتلر»

أمضى عامل السكك الحديدية الفرنسي أكثر من عشرين عاماً من عمره في محاولة مستميتة لجمع أي أدلة ملموسة يمكن أن تدعم الرواية الشفهية لوالدته الراحلة وتمنحها صكاً من الشرعية التاريخية.

واستعان لوريه في سبيل ذلك بمؤرخين وخبراء أنثروبولوجيا، مرتكزاً على دراسات طبية وبصرية أولية أظهرت تشابهاً لافتاً في ملامح الوجه وتقاطيع الجسد بينه وبين الزعيم النازي، بالإضافة إلى تحليلات متخصصة لخط اليد، وتطابق في فصيلة الدم التي تبين لاحقاً أنها قاسم مشترك بين ملايين البشر ولا تصلح دليلاً قاطعاً، فضلاً عن عثوره في منزله على لوحات زيتية قديمة تحمل توقيع هتلر وتصور امرأة تشبه أمه في سن الشباب تماماً.

 

لغة المختبرات لا تكذب: كيف حسم الـDNA المعركة؟

رغم أن المؤرخين المعتمدين لسيرة هتلر، على رأسهم البريطاني السير إيان كيرشو، رفضوا الرواية واعتبروها «مستحيلة تاريخياً» بناءً على سجلات تحركات الجيش الألماني وغياب أي دليل ملموس، فإن القضية لم تمت إلا عندما تدخل العلم الحديث بصرامته المعهودة.

المؤرخ البريطاني السير إيان كيرشو (ويكيبيديا)

في عام 2008، قاد الصحافي البلجيكي جان بول مولدرز تحقيقاً استقصائياً علمياً حاسماً نشره على مجلة «ناك» (Knack) الفلمنكية. نجح مولدرز في الحصول على عينات من الحمض النووي (DNA) من أحفاد عائلة هتلر المقيمين في منطقة والدفيرتل بالنمسا، بالإضافة إلى عينات من أقارب آخرين للديكتاتور يعيشون تحت أسماء مستعارة في نيويورك بالولايات المتحدة.

بمقارنة هذه الشفرات الجينية المرجعية الصارمة مع عينات بيولوجية مأخوذة من مسودات وأوراق تخص جان ماري لوريه، جاءت النتيجة قاطعة وبنسبة حسم لا تقبل الشك: لا توجد أي صلة قرابة وراثية بين لوريه وعائلة أدولف هتلر.

تبيّن أن الخصائص الجينية الفريدة لكروموسوم «Y» الخاص بعائلة هتلر غائبة تماماً عن السلالة الفرنسية، مما وضع حداً علمياً لأسطورة «الابن السري».

 

من الأب إلى الابن: هوس السلالة يطارد الأحفاد

مع ذلك، فإن الطبيعة البشرية تميل إلى التمسك بالقصص المثيرة حتى لو كذّبها المختبر. ففي عام 2012، أعادت مجلة «لوبوان» الفرنسية إحياء القضية بنشر مستندات تُظهر أن الجيش الألماني كان يرسل مبالغ نقديّة للسيدة شارلوت خلال فترة احتلال فرنسا في الحرب العالمية الثانية، مما أعاد فتح الجدل الشعبي.

هذا الهوس انتقل وراثياً إلى الجيل الثالث، ففي عام 2018، ظهر فيليب لوريه (ابن جان ماري، الذي يعمل سباكاً في فرنسا) على شاشات التلفزيون الروسي ليعلن تمسكه برواية والده.

وقام بتقديم عينات من لعابه إلى السلطات في موسكو لمطابقتها مع بقايا عظام الفك والجمجمة المنسوبة لهتلر والمحفوظة في خزائن الاستخبارات الروسية (FSB) منذ عام 1945.

ورغم أن الفحوصات الروسية لم تسفر عن تغيير الحقيقة العلمية القائمة، فإنها أثبتت كيف يمكن لعقدة النسب أن تطارد أجيالاً تعيش في القرن الحادي والعشرين.

انتصار العلم على شائعات الحروب

تظل قصة جان ماري لوريه درساً بليغاً في كيفية تشكّل الأساطير التاريخية في فترات الفوضى والحروب. إذ تكشف عن الجانب الإنساني الهش لأفراد قضوا حياتهم في ملاحقة «شبح وراثي» خوفاً أو طمعاً في هوية استثنائية.

وفي العصر الحالي، يوجه هذا الملف رسالة واضحة: لقد انتهى زمن «الأبناء السريين» والمدعين الذين يظهرون في عواصم العالم لادعاء نسب ملوك أو طغاة غابوا عن المشهد.

ففي عالم تحكمه الجينات وتتحكم به تكنولوجيا الـDNA، تلاشت تماماً المساحات الرمادية التي كانت تتحرك فيها الشائعات، لتنتصر في النهاية لغة الأرقام والمختبرات على الخيال السردي لقصص الحروب القديمة.


مقالات ذات صلة

دوري الأبطال: رحلة حذرة لسان جيرمان الباحث عن فوز رابع توالياً

رياضة عالمية رحلة حذرة لسان جيرمان الباحث عن فوز رابع توالياً (أ.ف.ب)

دوري الأبطال: رحلة حذرة لسان جيرمان الباحث عن فوز رابع توالياً

يخوض باريس سان جيرمان الفرنسي بطل الموسمين الماضيين رحلة حذرة إلى أرض فياريال الإسباني، الثلاثاء، باحثاً عن تحقيق فوزه الرابع توالياً في دوري أبطال أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية باريس سان جيرمان يسعى لمواصلة الصدارة بلقاء لوهافر (رويترز)

«الدوري الفرنسي»: سان جيرمان لمواصلة انطلاقته... ورين يترقب الفرصة

يسعى باريس سان جيرمان، الذي استعاد صدارة الدوري الفرنسي لكرة القدم، إلى مواصلة تقدُّمه عندما يحلُّ ضيفاً على لوهافر، الجمعة، ضمن المرحلة الـتاسعة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية الجورجي خفيتشا كفاراتسخيليا خرج مصاباً من مواجهة برشلونة بالأبطال (أ.ب)

كفاراتسخيليا يخضع لجراحة ناجحة في الركبة بالدوحة

أعلن نادي باريس سان جيرمان بطل فرنسا وأوروبا، الثلاثاء، أن مهاجمه الجورجي خفيتشا كفاراتسخيليا خضع لعملية جراحية ناجحة لعلاج تمزق في الرباط الصليبي.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
رياضة عالمية النجم الإنجليزي الدولي بوكايو ساكا يحتفل بجائزة سقراط (إ.ب.أ)

«الكرة الذهبية»: ساكا يتوج بجائزة «سقراط»... وسان جيرمان أفضل ناد

توّج النجم الإنجليزي الدولي بوكايو ساكا بجائزة سقراط خلال حفل جائزة الكرة الذهبية، المقامة حاليا في العاصمة البريطانية لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية ميكا غودتس يحتفل بهدف سان جيرمان الثاني في مرمى ليون (إ.ب.أ)

«الدوري الفرنسي»: سان جيرمان ينفرد بالصدارة «ببصمة البدلاء»

واصل باريس سان جيرمان سلسلة انتصاراته، وانفرد بقمة الدوري الفرنسي لكرة القدم بعد الفوز على ضيفه أولمبيك ليون بنتيجة 2 / صفر، مساء الإثنين.

«الشرق الأوسط» (باريس)

لضيق المساحة… متحف يبيع لوحة كاندينسكي بـ62 ألف دولار وسعرها اليوم 80 مليوناً

من المتوقع أن تسجل لوحة «زوايا بارزة» رقماً قياسياً في المزادات (دار كريستيز)
من المتوقع أن تسجل لوحة «زوايا بارزة» رقماً قياسياً في المزادات (دار كريستيز)
TT

لضيق المساحة… متحف يبيع لوحة كاندينسكي بـ62 ألف دولار وسعرها اليوم 80 مليوناً

من المتوقع أن تسجل لوحة «زوايا بارزة» رقماً قياسياً في المزادات (دار كريستيز)
من المتوقع أن تسجل لوحة «زوايا بارزة» رقماً قياسياً في المزادات (دار كريستيز)

بعد نحو 15 عاماً على وفاة سولومون آر. غوغنهايم، خلصت المؤسسة المشرفة على مجموعته الفنية الضخمة إلى أنها تمتلك من أعمال الرسام الروسي فاسيلي كاندينسكي عدداً يفوق ما تستطيع التعامل معه أو استيعابه، حسب موقع «سي إن إن» الأميركي.

وكان رجل الأعمال الأميركي الراحل من أبرز مقتني أعمال كاندينسكي وأكثرهم دعماً له. لكن في عام 1964، وعلى الرغم من إدارته المتحف الذي يحمل اسمه في مانهاتن، قررت مؤسسة غوغنهايم طرح 50 لوحة من أصل 170 عملاً للفنان الروسي للبيع، مبررة الخطوة بـ«ضيق المساحة».

وعند إعلان القرار، قال هاري إف. غوغنهايم، ابن شقيق سولومون، إن أعضاء مجلس الأمناء يخشون أن ينتهي المطاف بهذه الأعمال حبيسة المخازن، بعيداً عن أعين الجمهور، وفقاً لما أوردته تقارير صحافية آنذاك. وأضاف: «خلصنا إلى أن هذا لا ينبغي أن يكون مصير هذه اللوحات».

كان ذلك موقفاً نبيلاً في حينه، لكنه ربما بدا، عند النظر إليه اليوم، قراراً باهظ الكلفة.

ففي مزاد أقيم في لندن في وقت لاحق من العام نفسه، بيعت اللوحات الخمسون مقابل 536 ألفاً و580 جنيهاً إسترلينياً، أي ما كان يعادل آنذاك نحو 1.5 مليون دولار. ومنذ ذلك الحين، عادت لوحات كثيرة من المجموعة إلى سوق الفن، ولكن بأسعار أعلى بكثير.

واليوم، تستعد إحدى تلك الأعمال، وهي لوحة «Betonte Ecken» (زوايا بارزة)، للعودة إلى قاعة المزادات، وسط تقديرات تشير إلى إمكان بيعها بسعر يتراوح بين 60 و80 مليون دولار. وكانت اللوحة قد بيعت في مزاد عام 1964 مقابل 22 ألف جنيه إسترليني فقط، أي نحو 62 ألف دولار آنذاك، أو ما يعادل 540 ألف دولار بقيمة اليوم، بعد أن رسا المزاد على تاجر أعمال فنية من نيويورك.

وقال ماكس كارتر، الرئيس العالمي لقسم فنون القرنين العشرين والحادي والعشرين في دار «كريستيز» للمزادات، التي تتولى تنظيم عملية البيع المرتقبة هذا الشهر: «كانت لدى غوغنهايم وفرة استثنائية من الأعمال الفنية في ذلك الوقت». وأضاف، في اتصال هاتفي من نيويورك، أن المؤسسة «باعت روائع فنية هائلة، وهو أمر يصعب تخيل حدوثه اليوم».

ولا تبدو لوحة «Betonte Ecken» مرشحة لتحطيم الرقم القياسي المسجل لأعمال كاندينسكي في المزادات فحسب، بل إن تحطيمه بات أمراً مؤكداً. فقد أعلنت «كريستيز» أن جهة ضامنة أكدت تقديم عرض يتجاوز الرقم القياسي السابق، البالغ 37.2 مليون جنيه إسترليني (44.55 مليون دولار)، والذي سُجل عام 2023 مقابل لوحة الفنان «Murnau mit Kirche II» (مورناو مع الكنيسة الثانية).

ويعكس الارتفاع الكبير في القيمة السوقية لأعمال كاندينسكي المكانة التي بات يحتلها الفنان في سوق الفن العالمية اليوم. فعلى الرغم من أن سمعته الفنية كانت راسخة بالفعل عندما باعت مؤسسة غوغنهايم اللوحات عام 1964، أي بعد مرور عقدين على وفاته، فإن لوحة «Betonte Ecken» كانت آنذاك، حسب كارتر، «متقدمة على عصرها إلى حد كبير».

أما اليوم، فقد أصبحت، على حد تعبيره، عملاً فنياً مرجعياً ضمن تاريخ الفن الحديث، واصفاً إياها بأنها «تجسيد نموذجي لفن كاندينسكي».


«بوابة الأفلام المحلية»... كيف تُقرأ اقتصاديات السينما السعودية؟

لقطة من الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» (الشرق الأوسط)
لقطة من الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» (الشرق الأوسط)
TT

«بوابة الأفلام المحلية»... كيف تُقرأ اقتصاديات السينما السعودية؟

لقطة من الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» (الشرق الأوسط)
لقطة من الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» (الشرق الأوسط)

بعد خبرة امتدت لأكثر من 18 عاماً في صناعة المحتوى والإنتاج السينمائي، أسَّس المنتج التنفيذي فؤاد الخطيب، بالشراكة مع المخرج والكاتب عبد الله بامجبور، منصة «بوابة الأفلام المحلية»، التي تجمع بيانات الأفلام السعودية وأدوات التخطيط المالي لها. وأُطلقت النسخة التجريبية للمنصة على هامش منتدى الأفلام السعودي الذي اختُتم مؤخراً في الرياض، بالتزامن مع توقيع شراكة استراتيجية مع شركة «قنوات للتوزيع».

يتحدث الخطيب لـ«الشرق الأوسط» عن فكرة تشكَّلت خلال عمله في إنتاج الأفلام السينمائية وتطويرها ودراسة أدائها التجاري في شباك التذاكر السعودي. وخلال هذه التجربة، لاحظ أن صنّاع الأفلام طوروا مهاراتهم الفنية في الكتابة والإخراج والتصوير والإنتاج، بينما برزت الحاجة إلى تعميق فهمهم لميزانيات الأفلام وحجم السوق وسلوك الجمهور والعوائد المالية المتوقعة.

ومن هذا المنطلق، يرى الخطيب أن إنتاج الفيلم المعدّ للعرض في شباك التذاكر يختلف في حساباته عن إنتاج الإعلانات والبرامج والأفلام الوثائقية والمسلسلات والأعمال المعدّة للمنصات الرقمية. ففي هذه المجالات، يستطيع المنتج تحديد هامش الربح ومعرفة مواعيد الدفعات قبل الإنتاج، أما الفيلم السينمائي فتتحدد إيراداته بعد عرضه واستجابة الجمهور له، وتظل المخاطرة مرتبطة بعدد المشاهدين وحجم الإقبال.

حاسبة التعادل السينمائي

فؤاد الخطيب المنتج التنفيذي ومؤسس منصة «بوابة الأفلام المحلية» (الشرق الأوسط)

من أبرز أدوات المنصة «حاسبة التعادل السينمائي»، التي تساعد المنتج أو المستثمر على تقدير الإيرادات وعدد التذاكر اللازم بيعها لاسترداد التكاليف المحتسبة للمشروع. ويختصر الخطيب فكرتها بالسؤال: «كم تذكرة يجب أن أبيع حتى أسترد رأس المال المستثمر؟».

وتشمل مدخلات الحاسبة ميزانية إنتاج الفيلم وتكاليف التسويق، ومتوسط سعر التذكرة، وعمولة الموزع، إلى جانب افتراضات تتعلق بحصة الفيلم من إيرادات شباك التذاكر بعد الاستقطاعات ذات الصلة. وبناءً على هذه المدخلات، تقدّر الحاسبة إجمالي الإيرادات المطلوبة وعدد التذاكر اللازم للوصول إلى نقطة التعادل، أي المرحلة التي يسترد فيها الفيلم التكاليف المحتسبة.

ويقول الخطيب: «أهمية هذه الأداة أنها تنقل النقاش من مجرد الرغبة في إنتاج فيلم ناجح إلى تحديد هدف تجاري واضح وقابل للقياس قبل بدء الإنتاج». ويؤكد أن الحاسبة أداة تقديرية وليست ضماناً للربحية، إذ تختلف النتائج الفعلية حسب العقود وحصص الأطراف والإيرادات والمصروفات الأخرى، لكنها تمنح المنتج والمستثمر نقطة انطلاق مهمة لفهم المخاطر المالية.

بيانات شباك التذاكر

تضم البوابة، إلى جانب الحاسبة، تقارير عن أداء الأفلام السعودية وشباك التذاكر، وقائمة بالأعمال المرتقب عرضها، ودليلاً للإنتاجات السعودية وصنّاعها، وآخر لمزوّدي الخدمات السينمائية. كما تتيح الاطلاع على الأداء التاريخي للأفلام منذ عودة دور السينما إلى المملكة عام 2018، ومقارنة أداء عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية والأسبوع الأول والعوائد التراكمية، فضلاً عن ترتيب الأفلام وفق مبيعات التذاكر والإيرادات.

وعن مصادر البيانات، يؤكد الخطيب أن المنصة تستند إلى البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة الأفلام السعودية، ومنها أعداد التذاكر المبيعة وإجمالي الإيرادات. ويشرح أن فريق البوابة ينظم البيانات التاريخية ويجمعها في تقارير تسهّل قراءتها ومقارنتها، بما يتيح متابعة الأداء التجاري للأفلام السعودية عبر السنوات. ويضيف: «هدفنا هو تحويل الأرقام المتاحة إلى معلومات قابلة للاستخدام في التخطيط والإنتاج والتوزيع والتسويق».

ووفقاً لبيانات المنصة حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استقطب 71 فيلماً سعودياً أكثر من 8.45 مليون مشاهد، بإيرادات تجاوزت 381.6 مليون ريال (نحو 101.76 مليون دولار)، منذ عودة دور السينما إلى المملكة. وتعرض البوابة هذه الحصيلة إلى جانب مؤشرات الأداء ومبيعات التذاكر والإيرادات، لتكون متاحة للعاملين في الصناعة والباحثين والإعلاميين وطلاب السينما والجمهور المهتم بالأفلام السعودية.

وتخدم المنصة، وفقاً للخطيب، أطرافاً عدة في صناعة الفيلم؛ إذ يستطيع المنتج الاستفادة من أداء الأعمال السابقة لدراسة حجم السوق وتحديد مستهدفات فيلمه، بينما يستخدم المستثمر الحاسبة لتقدير الإيرادات اللازمة لاسترداد رأس المال، ويستفيد الموزع والمسوق من مؤشرات الأداء التاريخية للأفلام المحلية. كما تتيح البيانات المتاحة مجالاً للباحثين والإعلاميين وطلاب السينما والجمهور المهتم بمتابعة الأفلام السعودية وصنّاعها وأدائها التجاري.

ميزانيات الأفلام

مشهد من الفيلم السعودي «عكس سير» الذي حقق حضوراً لافتاً في شباك التذاكر (الشرق الأوسط)

في ظل محدودية الإفصاح عن ميزانيات الأفلام المحلية، يبرز التساؤل عن كيفية التغلب على صعوبة مقارنة الإيرادات بالتكاليف. ويقرّ الخطيب بأن هذه من أبرز التحديات التي تواجه السوق، موضحاً أن فيلماً قد يحقق إيرادات مرتفعة مقابل تكلفة إنتاج كبيرة، بينما يحقق فيلم آخر إيرادات أقل، لكنه يكون أفضل من الناحية الاستثمارية بسبب انخفاض ميزانيته.

ويتابع: «هنا تأتي أهمية حاسبة التعادل السينمائي، التي تتيح للمنتج أو المستثمر إجراء تحليله المالي بناءً على ميزانيته الفعلية، حتى في ظل غياب الإفصاح عن ميزانيات الأفلام الأخرى». ويضيف أن الخطوة المقبلة في تطور القطاع السينمائي تتمثل في تعزيز ثقافة الشفافية المالية، وقياس الأداء الاقتصادي للأفلام، وفهم العلاقة بين حجم الاستثمار والعائد المحقق.

ويستشهد الخطيب بفيلم «The Odyssey» للمخرج كريستوفر نولان، مشيراً إلى أن المعلومات المتاحة عن ميزانيته تقدر بنحو مليار ريال (250 مليون دولار). ويرى أن معرفة ميزانيته وإيراداته، إلى جانب إيرادات أفلام نولان السابقة، تتيح إجراء مقارنات بين أعماله، وهي معلومات تعكس، في رأيه، نضج سوق الإنتاج الأميركي. ويتطلع إلى أن تسهم البوابة في بناء هذا الوعي وإثرائه في القطاع السعودي بما يفيد العاملين فيه.

ويختتم الخطيب حديثه بالقول: «الاستدامة الحقيقية لصناعة السينما تبدأ عندما لا يكون السؤال فقط: (كم حقق الفيلم في شباك التذاكر؟)، بل أيضاً: (كم كلّف إنتاجه وتسويقه؟ وكم عاد على المستثمر؟)».

يُذكر أن فؤاد الخطيب منتج تنفيذي وكاتب سيناريو سعودي حائز على جوائز، وعضو في جمعية السينما، ويتمتع بخبرة تتجاوز 18 عاماً في مجالات الدعاية والإعلان، والبرامج التلفزيونية، والمسلسلات، والأفلام الروائية الطويلة. كما يُعرف بصفته استراتيجياً في شباك التذاكر، ويتمتع بفهم عميق لآليات عمل السينما السعودية. وسبق له قيادة قسم الإنتاج السينمائي في «Muvi Studios (Muvi Cinemas)»، والإشراف بصفته منتجاً تنفيذياً على تطوير وإنتاج وتسليم أعمال سعودية ومصرية إلى شباك التذاكر، من بينها «السنيور: عقدة الخواجة»، و«ليل نهار»، و«فار بسبعة أرواح».


قنوات «الشرق» و«الثقافية» تتيح بثها المباشر عبر تطبيق «ثمانية»

بث قنوات «الشرق» و«الثقافية» متاح الآن عبر تطبيق «ثمانية» (الشرق الأوسط)
بث قنوات «الشرق» و«الثقافية» متاح الآن عبر تطبيق «ثمانية» (الشرق الأوسط)
TT

قنوات «الشرق» و«الثقافية» تتيح بثها المباشر عبر تطبيق «ثمانية»

بث قنوات «الشرق» و«الثقافية» متاح الآن عبر تطبيق «ثمانية» (الشرق الأوسط)
بث قنوات «الشرق» و«الثقافية» متاح الآن عبر تطبيق «ثمانية» (الشرق الأوسط)

أعلنت منصة «ثمانية» عن إتاحة خدمة البث المباشر لمجموعة من أبرز القنوات الإخبارية والثقافية والوثائقية عبر تطبيقها الرقمي. وأصبح بإمكان مستخدمي التطبيق الآن متابعة البث الحي لكل من: قنوات «الشرق بلومبرغ»، و«الشرق ديسكفري»، و«الشرق الوثائقية»، و«راديو الشرق مع بلومبرغ»، بالإضافة إلى قناة «الثقافية»، وتسعى هذه الخطوة إلى تعزيز المحتوى الرقمي المتاح للمستخدمين وتسهيل الوصول إليه في مكان واحد، حيث تضمن الباقة المضافة تنوعاً فريداً.

وتقدم «الشرق بلومبرغ»، بالشراكة مع «بلومبرغ ميديا»، تغطية للأخبار الاقتصادية والمالية وتحليلات للأسواق والشركات. أما «الشرق ديسكفري»، بالتعاون مع «وارنر براذرز ديسكفري»، فتقدم برامج ووثائقيات عربية وعالمية مدبلجة في مجالات تشمل الطبيعة والحياة البرية والعلوم والمغامرات والسفر والسيارات وأسلوب الحياة.

وتعرض «الشرق الوثائقية» أفلاماً وبرامج وثائقية تتناول قضايا وأحداثاً من المنطقة والعالم في مجالات السياسة والاقتصاد والتاريخ والمجتمع والثقافة. ويقدم «راديو الشرق مع بلومبرغ» الأخبار والتحديثات الاقتصادية وتغطية الأسواق السعودية والعالمية.

وتُعدّ قناة «الثقافية»، التابعة لوزارة الثقافة، منصة إعلامية تُعنى بتقديم محتوى يعكس تنوع المشهد الثقافي في المملكة ويبرز ملامحه العريقة والمعاصرة، من خلال برامج تسلط الضوء على الإبداع السعودي وتعزز حضور الثقافة السعودية محلياً ودولياً. ويعمل فريق «الثقافية» على تقديم محتوى ثقافي متجدد يعكس طموحات المرحلة، ويواكب تطلعات الجمهور، وتُشغَّل ضمن المظلة التشغيلية لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام».

وتُعدّ «ثمانية» شركة إعلامية سعودية تنتج محتوى عربياً متنوعاً، يشمل البرامج الصوتية والأفلام الوثائقية والمحتوى الرقمي. كما تُعدّ «ثمانية» الناقل الحصري لدوري روشن السعودي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى جانب كأس الملك وكأس السوبر السعودي ودوري يلو، حتى موسم 2030-2031