أميركا تعلّق ترخيص لقاح فيروس «شيكونغونيا» بعد تقارير عن آثار جانبية خطرة

عامل صحي يجهز لقاحاً خلال حملة تطعيم ضد الحصبة في إندونيسيا (أرشيفية - أ.ب)
عامل صحي يجهز لقاحاً خلال حملة تطعيم ضد الحصبة في إندونيسيا (أرشيفية - أ.ب)
TT

أميركا تعلّق ترخيص لقاح فيروس «شيكونغونيا» بعد تقارير عن آثار جانبية خطرة

عامل صحي يجهز لقاحاً خلال حملة تطعيم ضد الحصبة في إندونيسيا (أرشيفية - أ.ب)
عامل صحي يجهز لقاحاً خلال حملة تطعيم ضد الحصبة في إندونيسيا (أرشيفية - أ.ب)

علّقت السلطات الصحية الأميركية الترخيص الممنوح للقاح «شيكونغونيا» من تصنيع شركة «فالنيفا» الفرنسية - النمساوية، مستندةً في قرارها إلى تقارير جديدة عن آثار جانبية مرتبطة باللقاح، على ما أفادت الشركة يوم الاثنين.

وقالت «فالنيفا»، في بيان: «يُطبَّق هذا التعليق فوراً، ويشمل وقف شحن (إكشيك) - الاسم التجاري للقاح - وبيعه في الولايات المتحدة»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

هذا اللقاح هو من أوائل اللقاحات التي ابتُكرت ضد «شيكونغونيا»، وهو مرض فيروسي ينتقل بين البشر عن طريق لدغات البعوض، إلا أن توزيعه تعطّل بسبب تقارير عن آثار جانبية خطرة كثيرة.

واستخدمت السلطات الصحية الفرنسية لقاح «إكشيك» كأداة رئيسية في مكافحة المرض، لكن تم الإبلاغ عن نحو عشرين أثراً جانبياً خطراً، كلّها لدى كبار السن. وبحسب أحدث تقرير، من المرجح جداً أن تكون حالة وفاة واحدة مرتبطة باللقاح.

شعار شركة «فالنيفا» الفرنسية - النمساوية لتصنيع الأدوية واللقاحات كما يظهر على مقر الشركة في نانت بغرب فرنسا (أ.ف.ب)

في هذا السياق، أوقفت فرنسا استخدام اللقاح، ثم الاتحاد الأوروبي، لمن تزيد أعمارهم على 65 عاماً، قبل أن تحذو الولايات المتحدة حذوها. ومع ذلك، أعاد الاتحاد الأوروبي ترخيص اللقاح في يوليو (تموز)، معتبراً أن هذه الآثار الجانبية لا تطغى على فوائد اللقاح ضد مرض يحمل خطراً كبيراً على كبار السن.

في المقابل، قررت الولايات المتحدة من خلال إدارة الغذاء والدواء الأميركية تعليق استخدام اللقاح للجميع، مفسّرة هذا القرار بورود تقارير عن آثار جانبية خطرة جديدة في الولايات المتحدة.

وذكرت إدارة الغذاء والدواء الأميركية، عبر موقعها الإلكتروني، أن هذا القرار «يستند إلى مخاوف جدية بشأن سلامة اللقاح الذي يبدو أنه يسبب اضطرابات مشابهة لحمى (شيكونغونيا)»، مؤكدة أن «فوائد اللقاح لا تفوق مخاطره، بحسب أكثر السيناريوهات ترجيحاً».

يأتي هذا القرار في وقت يخشى عدد كبير من الباحثين من أن تتخذ السياسة الصحية الأميركية منحى متشككاً في اللقاحات برعاية روبرت كيندي جونيور الذي عيّنه الرئيس دونالد ترمب وزيراً للصحة والخدمات الإنسانية.

ومن دون أن تنتقد قرار إدارة الغذاء والدواء الأميركية بشكل مباشر، وصفت «فالنيفا» تعليق الترخيص بأنه قرار «مفاجئ»، واعتبرت أن الآثار الجانبية المُبلغ عنها حديثاً والتي أثرت على أربعة أشخاص تتراوح أعمارهم بين 55 و82 عاماً، هي «مشابهة» لتلك المعروفة أصلاً.

ولم تُراجع المجموعة توقعاتها المالية بعد، لكنها تقول إنها تُقيّم الأثر المالي الذي قد يُسببه سحب اللقاح نهائياً في الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

مخاوف من تأثر قطاع الدواء في مصر بسبب «الحرب الإيرانية»

شمال افريقيا مخاوف من تأثر صادرات الدواء المصرية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية (ميناء سفاجا)

مخاوف من تأثر قطاع الدواء في مصر بسبب «الحرب الإيرانية»

تزداد مخاوف قطاع الدواء المصري من تداعيات «الحرب الإيرانية» بعد أن حقَّق نمواً في الصادرات خلال العام الماضي.

أحمد جمال (القاهرة)
الاقتصاد شعار شركة «مصنع جمجوم للأدوية» السعودية (الموقع الإلكتروني للشركة)

أرباح «جمجوم للأدوية» السعودية تقفز 30 % في 2025

سجلت شركة «جمجوم للأدوية» السعودية نمواً قوياً في نتائجها المالية لعام 2025 إذ قفز صافي الربح بنسبة 30 % ليصل إلى 463.8 مليون ريال (123.6 مليون دولار)

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا مكتب النائب العام المصري (الصفحة الرسمية)

حكم دستوري يُربك بعض قضايا المخدرات في مصر

قضت المحكمة الدستورية العليا في مصر، الاثنين، بعدم دستورية قرار صادر عن رئيس هيئة الدواء المصرية بتعديل جداول المخدرات.

محمد عجم (القاهرة)
صحتك تستهدف مذكرة التفاهم تلبية احتياجات سوق لقاحات الدواجن في المملكة (الشرق الأوسط)

تعاون سعودي - فرنسي لتوطين صناعة اللقاحات البيطرية

تهدف المذكرة إلى توطين صناعة اللقاحات البيطرية، بما يضمن توافقها مع سلالات أمراض الدواجن المنتشرة في المملكة، ويشمل ذلك نقل التكنولوجيا والخبرات التقنية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
علوم صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)

سابقة طبية... علاج جنين مصاب بورم وعائي نادر في رحم والدته بفرنسا

عُولج جنين مصاب بورم وعائي نادر كان على وشك أن يموت في رحم والدته في مستشفى بفرنسا، في سابقة في العالم لهذا النوع من الأمراض.

«الشرق الأوسط» (باريس)

هل نحن أصحاء حقاً؟... ما لا تكشفه التحاليل عن صحتنا

هل نحن أصحاء حقاً؟... ما لا تكشفه التحاليل عن صحتنا
TT

هل نحن أصحاء حقاً؟... ما لا تكشفه التحاليل عن صحتنا

هل نحن أصحاء حقاً؟... ما لا تكشفه التحاليل عن صحتنا

في أعقاب اليوم العالمي للصحة، الذي يسلّط الضوء سنوياً على أهمية التشخيص المبكر، وتحسين جودة الحياة، تتجدد الدعوة العالمية للنظر إلى الصحة بوصفها مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود العيادات، والمستشفيات.

وقد حمل شعار هذا العام 2026 الذي رفعته منظمة الصحة العالمية:

«معاً من أجل الصحة... نقف مع العلم (Together for health. Stand with science)» رسالة واضحة تؤكد أهمية التعاون العلمي، والاعتماد على الحلول القائمة على الأدلة في حماية صحة الأفراد، والمجتمعات على حد سواء.

"معًا من أجل الصحة... نقف مع العلم" شعار اليوم العالمي للصحة

مفهوم الصحة

وفي خضم هذا الطرح، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه: هل نحن أصحاء حقاً؟ وهل يكفي أن تكون نتائج التحاليل ضمن الحدود الطبيعية لنطمئن إلى سلامة أجسامنا؟ أم أن هناك أبعاداً أخرى للصحة لا تظهر في التقارير الطبية، لكنها تؤثر بعمق في جودة حياتنا، واستقرارنا النفسي، والجسدي؟

وعليه، لم يعد الحديث عن الصحة مقتصراً على علاج المرض بعد وقوعه، بل أصبح يتمحور حول فهم أوسع، وأعمق، يأخذ في الاعتبار نمط الحياة، والصحة النفسية، والتوازن اليومي في مواجهة تحديات صحية متسارعة يفرضها العصر الحديث.

إن «الصحة لم تعد تعني غياب المرض: إذ تعرف منظمة الصحة العالمية الصحة بأنها «حالة من اكتمال السلامة بدنياً، ونفسياً، واجتماعياً، وليس مجرد الخلو من المرض، أو العجز»، وهو تعريف يعكس تحولاً عميقاً في الفهم الطبي الحديث.

فلم تعد الصحة الجسدية وحدها المعيار، ولم تعد الصحة النفسية ترفاً يمكن تأجيله، كما لم يعد الاستقرار الاجتماعي عنصراً هامشياً في معادلة العافية. وتشير الأدلة العلمية إلى أن الصحة النفسية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمراض المزمنة، حيث تؤثر في المناعة، وسلوكيات الالتزام بالعلاج، وحتى في نتائج التعافي.

كما أن العزلة الاجتماعية، وفق عدد من الدراسات الحديثة، تُعد الآن عامل خطر صحياً قد يوازي في تأثيره بعض العوامل التقليدية، مثل التدخين، وهو ما يعكس اتساع مفهوم الصحة ليشمل أبعاداً لم تكن تُؤخذ بعين الاعتبار في السابق.

"معًا من أجل الصحة... نقف مع العلم" شعار اليوم العالمي للصحة

التحديات الصحية الحديثة

في ظل هذا المفهوم المتسع، يواجه الإنسان المعاصر مجموعة من التحديات الصحية المعقدة التي ترتبط غالباً بنمط الحياة أكثر من ارتباطها بمرض محدد.

• الأمراض المزمنة. لم تعد الأمراض المزمنة مجرد تحدٍ صحي فردي، بل أصبحت القضية الصحية الأولى عالمياً، حيث تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أنها مسؤولة عن نحو 70 في المائة من الوفيات سنوياً حول العالم.

ولم تعد أمراض مثل السكري وأمراض القلب مقتصرة على كبار السن، بل أصبحت تُشخّص في أعمار أصغر، نتيجة قلة النشاط البدني، وسوء التغذية، والتغيرات السلوكية المرتبطة بالحياة الحديثة.

كما أن هذه الأمراض ترتبط بعوامل يمكن التحكم بها، مثل نمط الحياة، والعادات اليومية، إلا أن طبيعتها الصامتة، وتطورها التدريجي يجعلان اكتشافها متأخراً في كثير من الحالات.

ولا تكمن خطورتها في شدتها فقط، بل في كونها أمراضاً طويلة الأمد، وتفرض عبئاً مستمراً على جودة حياة المريض، وتستهلك جزءاً كبيراً من موارد الأنظمة الصحية، مما يجعل الوقاية منها خياراً استراتيجياً لا غنى عنه.

• السمنة: وباء صامت. في عالم اليوم، لم تعد السمنة مشكلة فردية، أو جمالية، بل تحولت إلى وباء عالمي؛ إذ تشير التقديرات الحديثة إلى أن أكثر من مليار شخص حول العالم يعانون من السمنة بدرجات متفاوتة.

ولم تعد السمنة مجرد زيادة في الوزن، بل هي حالة مرضية معقدة ترتبط باضطرابات أيضية متعددة، مثل مقاومة الإنسولين، وارتفاع ضغط الدم، واضطراب الدهون، ما يجعلها أحد أبرز عوامل الخطر للأمراض المزمنة، بما في ذلك أمراض القلب، وبعض أنواع السرطان.

وتكمن خطورتها في أنها تتطور بصمت، ودون أعراض واضحة في مراحلها المبكرة، ما يؤدي إلى التقليل من شأنها، أو تأجيل التعامل معها. كما أن الدهون الحشوية، خاصة في منطقة البطن، ترتبط بنشاط التهابي مزمن داخل الجسم، وهو ما يفسر علاقتها الوثيقة بعدد كبير من الأمراض.

ومن هنا، أصبحت السمنة مؤشراً صحياً بالغ الأهمية، ويتطلب تدخلاً مبكراً، وتغييراً مستداماً في نمط الحياة.

• الصحة النفسية.رغم التقدم الطبي، لا تزال الصحة النفسية تمثل أحد أكثر جوانب الصحة إهمالاً، حيث تشير التقديرات إلى أن واحداً من كل أربعة أشخاص قد يعاني من اضطراب نفسي في مرحلة ما من حياته.

وفي عصر تتسارع فيه الإيقاعات اليومية، وتزداد فيه الضغوط الرقمية والاجتماعية، برزت اضطرابات القلق والاكتئاب والإجهاد المزمن كأحد أبرز التحديات الصحية، خاصة بين فئة الشباب. وتكمن صعوبة هذا التحدي في كونه غير مرئي في كثير من الأحيان، حيث قد يعاني الفرد بصمت دون تشخيص، أو دعم كافٍ، كما أن الوصمة الاجتماعية لا تزال تعيق طلب المساعدة في بعض المجتمعات.

ولا تقتصر آثار الصحة النفسية على الحالة المزاجية، بل تمتد لتؤثر في الصحة الجسدية، من خلال تأثيرها على المناعة، والنوم، والسلوكيات الصحية، مما يجعلها عنصراً أساسياً في الصحة الشاملة.

• نمط الحياة. إذا كان هناك عامل واحد يختصر معادلة الصحة في العصر الحديث، فهو نمط الحياة، وهو العامل الحاسم؛ إذ تشير الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من الأمراض المزمنة ترتبط بشكل مباشر بعادات يومية قابلة للتغيير.

إن قلة النوم، والجلوس لفترات طويلة، والاستهلاك المفرط للأطعمة غير الصحية، جميعها تسهم في خلق بيئة داخلية غير متوازنة، حتى في غياب أعراض مرضية واضحة.

وتُظهر الأبحاث أن الجلوس لفترات طويلة، حتى مع ممارسة بعض النشاط البدني، يرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب، والسكري، بينما يؤدي اضطراب النوم إلى خلل في التوازن الهرموني، وزيادة الشهية، واضطراب التمثيل الغذائي.

وفي المقابل، يمكن لتغييرات بسيطة -مثل المشي اليومي، وتحسين جودة النوم، وتنظيم الوجبات- أن تُحدث أثراً كبيراً في الوقاية من الأمراض، مما يجعل إدارة نمط الحياة عنصراً حاسماً في الحفاظ على الصحة على المدى الطويل.

التحول العالمي في مفهوم الصحة

• الأنظمة الصحية وتحدي الاستدامة. رغم التقدم الطبي الهائل، لا تزال العديد من الأنظمة الصحية تواجه صعوبة في تحقيق نتائج مستدامة، ويعود ذلك إلى تركيزها التقليدي على علاج المرض بعد حدوثه، بدلاً من الوقاية منه قبل ظهوره.

إن المؤسسات الصحية، مهما بلغت كفاءتها، لا يمكنها وحدها تعويض غياب الوعي الصحي، أو نمط الحياة غير المتوازن. كما أن ضعف الوعي الصحي لدى الأفراد، وعدم ترجمة المعرفة إلى سلوك يومي، يشكلان عائقاً أمام تحقيق الأثر المرجو من الخدمات الصحية.

وتشير الأدلة إلى أن نسبة كبيرة من الأمراض المزمنة يمكن الوقاية منها عبر تعديلات بسيطة في نمط الحياة، وهو ما يؤكد أن الصحة لا تُبنى داخل المستشفيات فقط، بل تبدأ من اختياراتنا اليومية.

• التحول في مفهوم الصحة. استجابة لهذه التحديات، يشهد العالم تحولاً متسارعاً في فلسفة الرعاية الصحية، ويتماشى مع شعار هذا العام الذي يؤكد الوقوف مع العلم، والحلول المبنية على الأدلة، فمن نموذج «العلاج» إلى نموذج «الوقاية»، من خلال:

-الوقاية أولاً (قبل العلاج): أصبحت استراتيجيات الوقاية، مثل الفحص المبكر، والتطعيم، والتثقيف الصحي، حجر الأساس في السياسات الصحية الحديثة.

-الصحة الرقمية: التقنيات الصحية الحديثة، مثل التطبيقات الذكية والأجهزة القابلة للارتداء، أصبحت أدوات تتيح للأفراد متابعة مؤشراتهم الصحية بشكل مستمر، مما يعزز من قدرتهم على اتخاذ قرارات صحية مبنية على بيانات دقيقة.

-الطب الشخصي: مع التقدم في علوم الجينات، بات بالإمكان تصميم تدخلات صحية، وخطط علاجية ووقائية موجهة تتناسب مع الخصائص الفردية لكل شخص، وهو ما يمثل نقلة نوعية في كفاءة الرعاية الصحية.

هذا التحول لا يقتصر على الأنظمة الصحية فقط، بل يتطلب أيضاً تغييراً في سلوك الأفراد، وانتقالهم من دور «المتلقي» للرعاية الصحية إلى دور «الشريك» الفاعل في إدارتها، والحفاظ على الصحة.

-دور الفرد. في نهاية المطاف، يبقى الفرد هو المحور الأساسي في معادلةالصحة، ليس بوصفه متلقياً للخدمة الصحية فحسب، بل أصبح شريكاً فاعلاً في بنائها، والحفاظ عليها. وتبقى الصحة مسؤولية شخصية قبل أن تكون نظاماً مؤسسياً، فهي، في جوهرها، انعكاس مباشر للخيارات اليومية التي يتخذها الإنسان.ويأتي الاهتمام بالصحة النفسية في مقدمة هذه الأولويات، إذ لم تعد خياراً ثانوياً، بل صارت ضرورة للحفاظ على التوازن العام.

ويشمل ذلك القدرة على إدارة التوتر، والضغوط، والحفاظ على جودة النوم، وبناء علاقات إنسانية داعمة، إضافة إلى اللجوء للدعم المتخصص عند الحاجة دون تردد.

وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الخطوات البسيطة التي تحمل أثراً عميقاً على المدى الطويل، من أبرزها: ممارسة النشاط البدني بانتظام، واتباع نظام غذائي متوازن، وتقليل التعرض المفرط للشاشات، وتنظيم أوقات النوم.

ورغم بساطة هذه الإجراءات، فإنها تمثل الركيزة الأساسية للوقاية من عدد كبير من الأمراض، وتعكس حقيقة أن الصحة لا تُبنى بقرارات مفاجئة، بل بعادات يومية متراكمة.

السعودية كنموذج

في إطار رؤية المملكة 2030، يشهد القطاع الصحي في المملكة العربية السعودية تحولاً استراتيجياً يركز على الوقاية، وتحسين جودة الحياة بما يتماشى مع التوجهات العالمية الحديثة.

وقد انعكس ذلك في:

-التوسع في برامج الفحص المبكر.

-إطلاق حملات توعوية صحية واسعة.

-تعزيز التحول الرقمي في الخدمات الصحية.

-دمج مفاهيم نمط الحياة الصحي ضمن السياسات العامة.

ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً بأن الاستثمار في الوقاية يمثل الخيار الأكثر كفاءة واستدامة لتحسين صحة المجتمع.

وفي عالم تتسارع فيه المتغيرات، لم تعد الصحة خياراً مؤجلاً، أو استجابة لحالة طارئة، بل أصبحت عملية مستمرة تتطلب وعياً يومياً، وتوازناً دقيقاً بين متطلبات الحياة الحديثة واحتياجات الجسد والنفس.

وبينما يذكّرنا اليوم العالمي للصحة بأهمية الوقوف مع العلم، فإن المسؤولية لا تقع على الأنظمة الصحية وحدها، بل تمتد إلى كل فرد في المجتمع.

الصحة ليست قراراً مؤقتاً... بل أسلوب حياة يُبنى كل يوم.

* استشاري طب المجتمع


كيف يقيم الأطفال مفهوم اللعب؟

كيف يقيم الأطفال مفهوم اللعب؟
TT

كيف يقيم الأطفال مفهوم اللعب؟

كيف يقيم الأطفال مفهوم اللعب؟

على الرغم من أن اللعب يُعد أمراً أساسياً لنمو الأطفال على المستويات النفسية والإدراكية والعاطفية، فإن مفهوم اللعب (play) نفسه في الأبحاث العلمية، يتم تعريفه بواسطة علماء بالغين بطبيعة الحال، وليس الأطفال أنفسهم، ما يجعل التعريف قاصراً. ويهدف التعريف إلى فهم احتياجات الأطفال الحقيقية، وإدراك شعورهم الحقيقي أثناء ممارستهم للألعاب المختلفة سواء البدنية أو الذهنية من خلال الكمبيوتر.

تقييم الأطفال للعب

فكر العلماء في تقييم اللعب كأنه فعل مادي من خلال وجهة نظر ممارسيه أي الأطفال، ولذلك قام فريق بحثي من جامعة آرهوس aarhus university في الدنمارك بعمل دراسة لاستطلاع آرائهم، حول تجارب اللعب الجيدة والسيئة، ونُشرت هذه الدراسة في مجلة علم النفس Frontiers in Psychology في نهاية شهر مارس من العام الحالي.

قام الباحثون في البداية بعمل مقابلات مع ما يزيد على مائة طفل، تم فيها استطلاع آرائهم حول كل ما يتعلق باللعب. ومن خلال آراء الأطفال، تمكن العلماء من تحديد عناصر معينة متكررة في معظم الإجابات، تصف الأمور التي تجعل من اللعب تجربة سيئة أو تجربة جيدة، ووضعوا قائمة تضم 83 عبارة أُخذت من هذه المقابلات تمثل هذه العناصر المتكررة.

بعد ذلك طلب الباحثون من 500 طفل آخرين، تتراوح أعمارهم بين 5 و11 عاماً، أن يتذكروا تجربة لعب جيدة أو سيئة، وأن يقوموا بتقييمها، عن طريق الموافقة أو عدم الموافقة على العبارات المختلفة، حيث تم اختيار الأطفال من أربع مدارس ابتدائية موزعة جغرافياً لتشمل كل المناطق في الدنمارك.

وقام الباحثون بتثبيت كل العوامل التي يمكن أن تؤثر في النتيجة النهائية للاستبانة، مثل العِرق والخلفية الثقافية، والمستوى الاجتماعي للأسرة، وإجمالي الدخل، ومستوى تعليم الوالدين، ووجود أشقاء من عدمه، وحرصوا على أن تكون عينة الطلاب ممثلة لكل شرائح المجتمع.

عوامل تحدد خصائص اللعب

حدّد الفريق البحثي سبعة عوامل تنطبق على أكبر عدد ممكن من تجارب اللعب، لتشكيل ما تم تعريفه على أنه «قائمة خصائص اللعب»، وهذه العوامل السبعة هي، الاندماج الاجتماعي مع الآخرين، والخيال، والشعور بالقبول، وسهولة ممارسة اللعبة، واللعب الحر والمثير، والمشاركة في دور معين، وشيء خاص مميز لتجربة اللعب بشكل عام، أطلق عليه العلماء اسم «شعور اللعب»، وهذا العامل الأخير يفسر الاختلاف في تجارب اللعب الجيدة والسيئة من طفل إلى آخر.

من خلال تحليل عبارات الأطفال، لاحظ الباحثون أنهم يعدون الراحة النفسية، العامل الأهم في التجربة الجيدة، خصوصاً في اللعب الجماعي، حيث تكررت عبارات مثل «إنه أمر جيد لأنه مريح»، وأيضاً: «نحن جميعاً نركض معاً». وتبعاً للإجابات اهتم معظم الأطفال بالمتعة على حساب المنافسة، وعلى سبيل المثال كانت جملة مثل «في بعض الأحيان تنسى ترتيبك» كاشفة عن أهمية عنصر المرح في هذه المرحلة العمرية.

وأوضح الباحثون أن تجارب اللعب الجيدة، تبعاً للاستبانة، هي التي يشعر فيها الأطفال بالانطلاق والمرح والمتعة، وأكدوا أن وصف الأطفال لتجارب اللعب على أنها جيدة من عدمه، يتوقف على مفاهيم خاصة بهم، ربما تختلف تماماً مع مفاهيم الكبار، بمعنى أن ممارسة لعبة معينة، (حتى من دون الالتزام بقوانينها المتعارف عليها)، يمكن أن يكون تجربة جيدة أكثر من ممارستها بشكل رسمي.

وعلى سبيل المثال يمكن لتجربة لعبة كرة القدم، تتم بين أصدقاء بشكل يتناوبون فيه التهديف على المرمى نفسه، ويتخطون القواعد ويسخرون منها، أن تكون تجربة لعب جيدة جداً أفضل من تجربة لعب خلال مباره رسمية، حتى لو انتهت بالفوز، لأن التجربة الأولى مقترنة بالمتعة، بينما التجربة الثانية مقترنة بالإنجاز فقط.

التوافق الاجتماعي

في معظم الحالات لا تتضمن تجربة اللعب الجيدة أي تجاوزات، ولكن في بعض الحالات، فإن الأمر الذي يجعل اللعب ممتعاً ومميزاً هو القدرة على الانطلاق بحرية، ومداعبة الأطفال لبعضهم بعضاً، وتحدي قوانين المجتمع التي تكون ممثلة في قوانين الملعب بشكل عام، وبذلك يصبح اللعب نوعاً من التمرد على القيود.

واكتشف العلماء أن عدم الانسجام يُفسد اللعب. وتبعاً للدراسة، فإن عدم وجود توافق اجتماعي مع الأطفال الآخرين، يحول تجربة اللعب الجيدة إلى تجربة سيئة، والعكس صحيح أيضاً، إذ يمكن لتجربة سيئة أن تصبح جيدة من خلال الصداقة. وعلى سبيل المثال شملت عبارات الأطفال جملاً مثل «المطر هطل بغزارة ولكن الجميع استمتعوا باللعب معاً»، و«كنا أصدقاء مقربين»، ما يُشير إلى أن تجربة اللعب الجيدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتوافق الاجتماعي.

وحسب مفهوم التوافق الاجتماعي، يجب أن يضع الكبار في اعتبارهم، التركيز على تجانس الفريق أكثر من التركيز على تفوقه، وعلى سبيل المثال يمكن تغيير المراكز داخل الفريق الواحد، (ولو على حساب النتيجة في اللعب غير النظامي) حتى تكون تجربة اللعب مبهجة، مع مراعاة عدم إقصاء لاعب معين بطبيعة الحال، ولكن توظيفه مع مجموعة أخرى تتقبله نفسياً.

ويشير العلماء إلى أن الأطفال يحبون أشياءً مختلفة، مما يعني أن ما يُعد تجربة لعب جيدة لطفل قد يكون تجربة سيئة لطفل آخر، خصوصاً بين الثقافات المختلفة، لذلك من المهم توفير فرص لعب أوسع نطاقاً، حيث يمكن لكل طفل اختيار تجربة لعبة ممتعة حسب مفهومه.

وفي النهاية، أشارت الدراسة إلى الأهمية الكبيرة للعب، ودوره الكبير في نمو الأطفال النفسي والوجداني، وأكدت على ضرورة أن تكون تجربة اللعب ممتعة، أكثر منها مفيدة، تبعاً لمفهوم الأطفال عن المتعة وليس مفهوم البالغين.

* استشاري طب الأطفال


تقنية لمراقبة صحة القلب من المنزل

سماعات الأذن تتحول إلى أجهزة لمراقبة صحة القلب (جامعة كارنيغي ميلون)
سماعات الأذن تتحول إلى أجهزة لمراقبة صحة القلب (جامعة كارنيغي ميلون)
TT

تقنية لمراقبة صحة القلب من المنزل

سماعات الأذن تتحول إلى أجهزة لمراقبة صحة القلب (جامعة كارنيغي ميلون)
سماعات الأذن تتحول إلى أجهزة لمراقبة صحة القلب (جامعة كارنيغي ميلون)

طوّر باحثون في جامعة كارنيغي ميلون الأميركية تقنية جديدة تُحول سماعات الأذن الشائعة مثل «إيربودز» إلى أجهزة لمراقبة صحة القلب من المنزل، بما في ذلك اكتشاف اضطرابات صمامات القلب.

واستطاع الفريق، من خلال إعادة توظيف المكونات الداخلية للسماعات، تحويلها إلى حساسات لرصد اهتزازات القلب الدقيقة، بحيث أصبح بالإمكان قياس نشاط صمامات القلب بدقة تُقارب الأجهزة الطبية التقليدية. ونُشرت النتائج، الأربعاء، عبر منصة «arXiv» للأبحاث.

وأصبحت مراقبة صحة القلب من الاتجاهات الحديثة في مجال الرعاية الصحية الذكية، حيث تهدف إلى تمكين الأفراد من متابعة حالة قلوبهم بشكل مستمر دون الحاجة إلى زيارات متكررة للمستشفى. وتعتمد هذه المراقبة على أجهزة قابلة للارتداء أو تقنيات يومية بسيطة مثل السماعات والساعات الذكية، لتسجيل نبض القلب ومراقبة الإشارات الحيوية المهمة، بما يُعزز الوقاية المبكرة من المشكلات القلبية ويحسّن نمط الحياة، ويضمن متابعة دقيقة لصحة القلب على المدى الطويل.

وأجرى الباحثون دراسة أولية شملت 18 مستخدماً، وقارنوا النظام القائم على السماعات مع أجهزة الاستشعار الطبية المثبتة على الصدر، ووجدوا أن اهتزازات القلب تنتقل عبر الجسم بطريقة متوقعة ويمكن رصدها في كل من الصدر والأذن. وبالاستفادة من هذه العلاقة الفيزيائية، طوّر الفريق خوارزمية تعليم آلي تعيد بناء إشارات حركة القلب التفصيلية من تسجيلات السماعات، وكانت النتائج متقاربة للغاية مع تلك التي تُسجلها أجهزة الصدر الطبية.

وقال الدكتور جاستن تشان، الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة كارنيغي ميلون: «عادةً ما يتطلب جمع إشارات حركة القلب التفصيلية بيئة سريرية، حيث يستلقي المريض ويخلع ملابسه، ويجري تثبيت أجهزة تسارع وجيروسكوب على صدره، وغالباً ما يقتصر التسجيل على بضع دقائق بسبب ضيق الوقت وانزعاج المريض من الجلسات الطويلة، لكن تقنيتنا تُزيل كل هذه العقبات».

وأضاف، عبر موقع الجامعة، أن التقنية تعمل عبر أنواع مختلفة من سماعات الأذن، بدءاً من السماعات الذكية مثل «إيربودز» و«غالاكسي بودز»، وصولاً إلى السماعات منخفضة التكلفة، كما يمكن استخدامها في المنزل بسهولة، إذ لا يحتاج النظام إلى بيئة سريرية أو خلع الملابس أو تثبيت أجهزة على الصدر، مما يتيح مراقبة طويلة ومستمرة للقلب دون أي إزعاج للمستخدم.

وأشار الباحثون إلى أن هذه التقنية تتجاوز مجرد قياس معدل ضربات القلب، إذ «بدلاً من قياس سرعة ضربات القلب فقط، نستمع إلى كيفية نبضه، وهذا فرق مهم، فالاختلالات الميكانيكية في توقيت ضربات القلب يمكن أن تسبق ظهور الأعراض الواضحة. وقد تشير التغيرات الطفيفة في ديناميكيات الصمامات إلى تقدم المرض قبل أن يشعر الشخص بضيق التنفس».

ويأمل الفريق أن تساعد هذه التقنية مستقبلاً في المراقبة غير التدخلية لحالات القلب المختلفة، بما في ذلك الرجفان الأذيني، إلى جانب الكشف المبكر عن اضطرابات صمامات القلب، لتصبح متابعة صحة القلب أكثر سهولة وفاعلية من المنزل.