سرطان الغدّة الدرقية... مراجعة علمية للأدلة والعلاجات

مستجدات بيولوجية وتحديات إكلينيكية

سرطان الغدّة الدرقية... مراجعة علمية للأدلة والعلاجات
TT

سرطان الغدّة الدرقية... مراجعة علمية للأدلة والعلاجات

سرطان الغدّة الدرقية... مراجعة علمية للأدلة والعلاجات

الغدة الدرقية هي غدة صغيرة تقع في مقدمة العنق، وتلعب دوراً في تنظيم عملية الأيض بالجسم. على الرغم من صِغر حجم هذه الغدّة وتموضعها الخفي في مقدّمة العنق، فإنّ أي اضطرابٍ يطولها قد ينعكس على استقلاب الجسم بأسره.

تصاب الغدة الدرقية بالسرطان عندما تطرأ تغييرات في الحمض النووي (DNA) لخلايا الغدة. ويُصنَّف سرطان الغدة الدرقية حاليّاً سابعَ أكثر الأورام شيوعاً عالميّاً، وفقاً لإحصاءات المرصد العالمي للسرطان (GCO)، مع تبايناتٍ لافتة بين الجنسَين في معدّلات التشخيص.

وعلى الصعيد العالمي، تُشخَّص النساء بالإصابة بسرطان الغدة الدرقية بمعدل يقارب ضعف معدل الرجال. ومع ذلك، تُظهر بحوث حديثة أن الرجال يواجهون مستوى الخطر نفسه، ومن ذلك بحوث صادرة عن «مايو كلينيك» تُظهر أنّ مستوى الخطـر الحقيقي متقـارب بين الرجال والنساء، ما يستدعي إعادة النظر في استراتيجيات التحري والتوعية، ويستوجب أن يكون الرجال والنساء -على حد سواء- على دراية بخطر الإصابة بسرطان الغدة الدرقية، وفقاً لما نشر في موقع أخبار «مايو كلينيك» (newsnetwork.mayoclinic.org).

وتقُدر الإصابات العالمية بسرطان الغدة الدرقية بنحو نصف مليون حالة وفق إحصاءات عام 2022، أي بمعدّل يقارب 10 حالات لكل 100 ألف من السكان؛ حسب المرصد العالمي للسرطان (GCO) المتخصص في رصد إحصاءات السرطان العالمية، وتعزيز البحث العلمي في هذا المجال.

وتحتل النساء تقليديّاً النسبة الأكبر من حالات التشخيص؛ إذ تُشخَّص إصابتهن بمعدل يناهز ضعفي الرجال. ولكن التحليل المرحلي لبيانات السجلات الطبية يشير إلى أنّ هذا الفرق يرتبط أساساً بأنواعٍ منخفضة العدوانية للسرطان، لا تهدد الحياة نسبياً، تُكتشَف مبكراً لدى النساء، لا بارتفاع حقيقي في قابلية الإصابة البيولوجيّة.

أما في الأورام المتقدّمة من سرطان الغدة الدرقية عالية الخطورة، فتتلاشى الفروق بين الجنسَين؛ ويصبح مستوى الخطر متساويًا بين الرجال والنساء؛ بل إنّ بعض الدراسات تُلمِح إلى تأخر تشخيص الرجال نتيجة انخفاض معدّلات الفحص الوقائي لديهم.

الأسباب وعوامل الخطورة

• الأسباب: في معظم الحالات، لا يُعرف سبب التغيرات التي طرأت على الحمض النووي وأدت إلى الإصابة بسرطان الغدة الدرقية. فإن التعرّض لمستويات عالية من الإشعاع، مثل العلاج الإشعاعي لمنطقة الرأس والعنق، قد يزيد من خطر الإصابة، كذلك بعض أنواع سرطان الغدة الدرقية قد تكون وراثية وتتوارث بين أفراد العائلة.

ويتعرض الرجال لخطر الإصابة أيضاً، ولكن حالاتهم لا تُكتشف بالقدر الكافي، والسبب غير واضح، ولكن إحدى النظريات تُرجّح أن النساء أكثر اهتماماً بصحتهن، ويلجأن إلى زيارة الطبيب بانتظام؛ ما يؤدي إلى تشخيص مزيد من الحالات بينهن.

• عوامل الخطورة: تشمل:

- التعرّض للإشعاع المؤيَّن: ولا سيما العلاجات الشعاعية للرأس والعنق في مرحل الطفولة.

- الاستعداد الوراثي: طفرات RET أو BRAF أو TP53 في السرطان الحليمي أو اللبّي.

- العوامل الهرمونية: أدوار الإستروجين والبروجسترون في تفسير فروق التشخيص، ولكن الأدلة غير حاسمة.

- نمط الحياة والبيئة: نقص أو فرط اليود، والبدانة، وملوِّثات معيّنة.

• طيف الأنواع النسيجية للسرطان، وتشمل:

- السرطان الحُلَيمي (PTC): يمثّل نحو 80– 85 في المائة من مجمل الحالات. ونموّه بطيء، وينتشر عادة إلى العقد اللمفاوية القريبة. مؤشرات الإنذار بحدوثه ممتازة؛ إذ يتخطى معدّل البقاء على قيد الحياة 95 في المائة خلال 10 سنوات.

- السرطان الجُريبي (FTC): يشكّل تقريباً 10– 15 في المائة من الحالات. يميل إلى الانتشار دمويّاً، ولا سيما إلى الكبد والعظام. يُعدّ إنذاره جيّداً عموماً.

- السرطان اللبّي (MTC): تبلغ نسبته نحو 2– 3 في المائة من جميع سرطانات الغدة الدرقية، وقد يرتبط بمتلازمة الأورام الصمّاوية المتعدّدة من النوع الثاني (MEN2). الإنذار متوسّط.

- السرطان اللانمطي/ الكشمي: نادر جدّاً (أقل من 2 في المائة). يتميّز بشدّة عدوانيته وسرعة انتشاره، ويُعدّ إنذاره ضعيفاً.

الدكتور إريك مور

الأعراض والتشخيص والعلاج

• الأعراض: قد لا يسبب سرطان الغدة الدرقية أي أعراض في البداية، فيظلّ المرض صامتاً غالباً؛ ثم تظهر الشكوى الأولى في صورة عُقدة درقية يكتشفها المريض أو الطبيب الفاحص السريري. ومع التقدّم قد تتطور إلى:

- بحّة أو تغيّر مستمر في الصوت.

- تورّم أو ألم في الرقبة.

• التشخيص القياسي، ويشمل:

- تصوير العنق بالموجات فوق الصوتية لتوصيف العقدة وتقويم العقد اللمفاويّة.

- خزعة الشفط بالإبرة الرفيعة (FNA) للتحليل الخلوي.

- المقايسة الجينية للطفرات في العينات المشتبه فيها، لفرز الحاجة إلى الجراحة.

• خيارات العلاج: يقول الدكتور إريك مور (Dr. Eric Moore) جرّاح الرأس والعنق ورئيس قسم طب الأنف والأذن والحنجرة في «مايو كلينيك» بمدينة روتشستر، مينيسوتا، والمدير الطبي في «مايو كلينيك إنترناشيونال»: إنّ بعض أنواع سرطان الغدة الدرقية، رغم ندرتها، تكون شديدة العدوانية ويصعب علاجها. ورغم أن هذه الأنواع كانت تعدُّ في السابق غير قابلة للعلاج، فإننا أخيراً أحرزنا تقدماً كبيراً في علاج أكثرها عدوانية، وقد أحدثت العلاجات الحديثة تغييرات جذرية في نتائج المرضى المصابين بهذه الأنواع من سرطان الغدة الدرقية.

ويضيف: إن معظم أنواع سرطان الغدة الدرقية قابلة للعلاج، ويكون التدخل كالتالي:

- استئصال الغدة الدرقية: قد تتضمن العملية الجراحية لإزالة الغدة الدرقية استئصال نسيج الغدة بالكامل (استئصال كلي) أو استئصال معظم نسيج الغدة (استئصال شبه كلي). يترك الجراح عادة حوافَّ صغيرة من نسيج الغدة الدرقية حول الغدد الجار درقية لتقليل خطر تلف هذه الغدد التي تساعد في تنظيم مستويات الكالسيوم في الدم.

- استئصال فص الغدة الدرقية: في أثناء استئصال فص الغدة الدرقية، يزيل الجراح نصف الغدة الدرقية. وقد يُوصَى باستئصال الفص في حال الإصابة بسرطان بطيء النمو في جزء واحد من الغدة الدرقية، ولا توجد عقيدات مشتبه فيها في أجزاء أخرى من الغدة، ولا توجد علامات على وجود سرطان في العقد الليمفاوية.

- إزالة العقد الليمفاوية في العنق: عادة ما ينتشر سرطان الغدة الدرقية إلى العقد الليمفاوية القريبة في العنق. قد يكشف فحص العنق بالموجات فوق الصوتية قبل الجراحة عن علامات تشير إلى أن خلايا السرطان قد انتشرت إلى العقد الليمفاوية. إذا كان الأمر كذلك، فقد يستأصل الجراح بعض العقد الليمفاوية في العنق لفحصها وتحليلها.

- العيادة متعددة التخصصات: فريق طبي يشمل أطباء الغدد الصماء، وجراحي الرأس والعنق، واختصاصيي الأنف والأذن والحنجرة، وأطباء الأورام، وأطباء الأشعة، واختصاصيي الباثولوجي (علم الأمراض). تُركز هذه العيادة على الأنواع الشرسة والمتقدمة من سرطان الغدة الدرقية. يدرس الفريق جميع مراحل المرض، من المراحل المبكرة إلى السرطانات المتقدمة، بهدف الوصول إلى أحدث التقنيات والأساليب والأدلة، وموازنة خيارات العلاج لوضع خطة مخصصة لكل مريض، تضمن تحقيق أفضل النتائج.

- العلاجات الموجهة: تُوظف مثبطات (RET، BRAF، NTRK) والأشعة الموضعية في الأنواع الكشمية أو المنتكسة.

توصيات التوعية والرعاية

• توصيات التوعية العالمية، وتشمل:

- الرجال بحاجة إلى تحرٍّ نشط؛ إذ قد يحجب انخفاض زياراتهم الوقائية التشخيص المبكّر؛ وينبغي أن تستهدفهم حملات التوعية مباشرة.

- الفحص الذاتي للعقد الرقبية، وتعليم المرضى متى يلجؤون للفحص المتخصص.

- تدريب أطباء الرعاية الأولية على رصد العلامات المبكرة، وتوجيه المرضى لتقييم الغدّة الدرقية.

• جودة الرعاية: وهي لا تتوقف عند حدود العمل الجراحي أو العلاجات الدوائية؛ بل تشمل أيضاً:

- رعاية المتابعة طويلة الأمد: مراقبة مستويات الثيروغلوبيولين، وتعديل جرعات هرمون الدرق التعويضي بدقة لمنع قصور أو فرط المعاوضة، وتقييم التأثيرات المتأخرة للعلاج بالإشعاع أو العلاجات الهادفة.

- الدعم النفسي والاجتماعي: إذ يواجه كثير من المرضى قلق تكرار الورم أو تحدّيات في صورة الجسد بعد الجراحة، ويتطلب ذلك برامجَ شاملة للصحة النفسية وإعادة التأهيل الصوتي.

- تقليل التفاوتات الصحية: لا يزال الوصول إلى التشخيص المبكر والعلاجات المتقدّمة متفاوتاً بين المناطق الريفية والحضرية وبين الدول مرتفعة ومنخفضة الدخل. وتوفّر مبادرات الصحة العالمية بقيادة هيئات مثل «المرصد العالمي للسرطان» (GCO) بيانات حيّة تساعد واضعي السياسات على توجيه الموارد؛ حيث تمسّ الحاجة.

التعرُّض للإشعاع المؤيَّن والاستعداد الوراثي والعوامل الهرمونية أهم أسباب حدوثه

دور الذكاء الاصطناعي

• نظرة مستقبلية: يكشف المنظور المعاصر لسرطان الغدّة الدرقية أنّ الفروق الظاهريّة في معدّلات الإصابة بين الرجال والنساء ليست ناجمة عن اختلافات بيولوجيّة جوهرية، بقدر ما تعكس فجوة في الاكتشاف المبكّر وأنماط الاستعانة بالخدمات الصحية. ومع تصحيح هذا التحيّز عبر برامج التثقيف المجتمعي والفحص الدوري، ولا سيما بالتصوير فوق الصوتي للعنق وخزعة الإبرة الرفيعة لدى أي عُقَيْدَة مشتبه بها، يُمكن تقليص التأخّر التشخيصي وتحديد الأورام في مراحل يسهل علاجها.

لقد أفضت الثورة الجزيئية إلى كشْف الطفرات المحرِّكة مثل (BRAF وRET وNTRK وTERT) وتطوير علاجات موجَّهة أحدثت تحسّناً كبيراً في معدلات الاستجابة، حتى في الأنماط الأكثر عدوانية، كالسرطان الكشمي واللبّي المنتشر. وفي الوقت نفسه، أظهرت الجراحات المحافظة بقيادة مراكز رائدة أن استئصال الفص أو الاستئصال شبه الكلي خيارٌ آمنٌ لبعض الأورام منخفضة الخطورة، ما يقلِّل اختلاطات نقص الكالسيوم وقصور الدرق المزمن، مع الحفاظ على معدلات بقاء مرتفعة.

• دور الذكاء الاصطناعي: على صعيد البحث، يُعدّ دمج الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي في تحليل صور الموجات فوق الصوتية والخزعات خطوة واعدة لرفع دقّة التشخيص، وخفض الأخطاء البشرية. كذلك تَعِدُ دراسات المناعة الورمية (Immuno-oncology) بإضافة خيارات علاجية جديدة يمكن أن تُغيّر قواعد اللعبة؛ خصوصاً للأنماط المقاومة للأدوية الموجّهة التقليدية.

ختاماً، فإن المستقبل القريب يشهد تقاطعاً مثمراً بين الاكتشاف الجزيئي، والتكنولوجيا الجراحية قليلة التوغّل، والطبّ الدقيق الشخصي. عند هذا التقاطع، تبرز الفرصة لتحويل سرطان الغدّة الدرقية من تهديدٍ صامت إلى مرضٍ مُحكَم السيطرة، مع رفع معدلات الشفاء وتحسين جودة الحياة لمئات الآلاف سنوياً حول العالم.

وتتحقق هذه الرؤية بالاستثمار المتواصل في البحث متعدد التخصصات، وبناء الشبكات المرجعية العالمية، وضمان عدالة الوصول إلى الرعاية المتقدمة، لتصبح قصص النجاة القاعدة، لا الاستثناء.

* استشاري طب المجتمع.


مقالات ذات صلة

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يوميات الشرق يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق خلايا تولد كأنَّ الذاكرة اختارت أن تتأخَّر في الرحيل (شاترستوك)

«المعمّرون الخارقون» يكشفون عن سرّ الدماغ الذي لا يشيخ

يُعرَّف «المعمّر الخارق» بأنه شخص يبلغ 80 عاماً أو أكثر، ويتمتّع بوظائف إدراكية تماثل شخصاً متوسّط المستوى في منتصف العمر تقريباً...

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك النظام الغذائي الصحي يلعب دوراً مهماً في تقليل خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم (أ.ف.ب)

4 أطعمة قد تقلل خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم

يُعد سرطان القولون والمستقيم أحد أكثر السرطانات شيوعاً في العالم، لكن خبراء الصحة يؤكدون أن للنظام الغذائي دوراً مهماً في تقليل خطر الإصابة به.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك  معظم حالات التهاب الجيوب الأنفية ناتجة عن عدوى فيروسية (بيكسلز)

التهابات الجيوب الأنفية: معدية أم لا؟

يعاني العديد من الأشخاص من التهابات الجيوب الأنفية، التي قد تسبب صعوبة في التنفس، وضغطاً مؤلماً في الوجه، إلى جانب السعال وكثرة الإفرازات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك التعرّض لـ«المواد الكيميائية الأبدية» قد يُسرّع شيخوخة الرجال بعد الخمسين (رويترز)

«المواد الكيميائية الأبدية» قد تسرّع شيخوخة الرجال بعد الخمسين

كشفت دراسة حديثة عن أن التعرّض لما تُعرف بـ«المواد الكيميائية الأبدية (PFAS)» قد يُسرّع شيخوخة الرجال في الخمسينات وأوائل الستينات من العمر.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

ضوضاء المرور ليلاً تزيد ضربات القلب وتسبب الالتهابات

ضوضاء الطرق تعد أحد أبرز مصادر التلوث الضوضائي في المدن (رويترز)
ضوضاء الطرق تعد أحد أبرز مصادر التلوث الضوضائي في المدن (رويترز)
TT

ضوضاء المرور ليلاً تزيد ضربات القلب وتسبب الالتهابات

ضوضاء الطرق تعد أحد أبرز مصادر التلوث الضوضائي في المدن (رويترز)
ضوضاء الطرق تعد أحد أبرز مصادر التلوث الضوضائي في المدن (رويترز)

أظهرت دراسة دولية أن التعرض لضوضاء حركة المرور ليلاً، حتى لمدة ليلة واحدة فقط، قد يسبب إجهاداً ملحوظاً للقلب والأوعية الدموية، ويزيد مستويات الالتهاب، ويؤثر على جودة النوم.

وأوضح الفريق البحثي التابع للجمعية الأوروبية لطب القلب، بقيادة جامعة يوهانس غوتنبرغ في ألمانيا، أن هذه الدراسة تُساعد على تفسير ارتفاع معدلات ضغط الدم وأمراض القلب والشرايين بين الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من الطرق المزدحمة، ونُشرت النتائج، الأربعاء، في دورية «Cardiovascular Research».

وتُعد ضوضاء الطرق أحد أبرز مصادر التلوث الصوتي في المدن، إذ تنتج بشكل رئيسي عن حركة السيارات والشاحنات والدراجات النارية. وتتسبب هذه الأصوات في اضطراب النوم، وزيادة معدل ضربات القلب، وإحداث تغيرات التهابية في الجسم، مما يؤثر سلباً على صحة القلب والأوعية الدموية.

وشارك في الدراسة 74 متطوعاً بصحة جيدة، على مدار ثلاث ليالٍ، حيث تعرضوا في كل ليلة لأحد السيناريوهات التالية: إما من دون ضوضاء (المجموعة الضابطة)، وإما للتعرض لـ30 حدثاً متفرقاً من ضوضاء المرور خلال الليل، وإما 60 حدثاً متفرقاً من الضوضاء. وكان كل «حدث» عبارة عن تسجيل قصير لحركة المرور، مثل مرور سيارة، أو شاحنة، أو مجموعة سيارات في وقت محدد، تصل ذروتها إلى نحو 60 ديسيبلاً. وكانت الدراسة مزدوجة التعمية، بحيث لم يكن المشاركون ولا الباحثون على علم بمستوى الضوضاء في كل ليلة.

تغيرات مناعية

وفي صباح اليوم التالي، خضع المشاركون لسلسلة من الاختبارات الصحية، أبرزها اختبار تمدد الأوعية الدموية، وهو اختبار معتمَد طبياً لقياس صحة الأوعية الدموية. وأظهرت النتائج انخفاض نسبة التمدد من 9.35 في المائة في المجموعة الضابطة إلى 8.19 في المائة مع التعرض لـ30 حدثاً، وإلى 7.73 في المائة مع التعرض لـ60 حدثاً، مما يشير إلى ضعف وظيفة الأوعية الدموية وارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب.

كما أظهرت تحاليل الدم تغيرات في مسارات مناعية مرتبطة بالالتهاب والاستجابة للتوتر، بالإضافة إلى ارتفاع متوسط معدل ضربات القلب بنحو 1.23 نبضة في الدقيقة. وأفاد المشاركون بتدهور واضح في جودة النوم والشعور بالراحة بعد التعرض للضوضاء.

وأشار الباحثون إلى أن الجسم يظل «يقظاً» حتى في أثناء النوم، وأن تنشيط استجابات التوتر بشكل متكرر ليلاً قد يؤدي، على المدى الطويل، إلى تطور أمراض قلبية مزمنة.

وأضافوا أن الحد من التعرض للضوضاء يُعد جزءاً مهماً من استراتيجيات الوقاية من أمراض القلب في المدن.

ونصح الفريق البحثي بعدة إجراءات فردية لتقليل تأثير ضوضاء المرور، منها إبعاد غرف النوم عن مصادر الضوضاء قدر الإمكان، واستخدام نوافذ عازلة للصوت، واتباع نمط حياة صحي يشمل التغذية المتوازنة والنشاط البدني، إلا أنهم أكدوا أن الأثر الأكبر يتطلب حلولاً مجتمعية وهيكلية، مثل تقليل حركة المرور ليلاً، واستخدام طرق أقل ضوضاء، وتحسين التخطيط العمراني والعزل الصوتي للمباني.


فيتامين «د» والاكتئاب... ما الرابط؟

نقص فيتامين «د» قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب (بكسلز)
نقص فيتامين «د» قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب (بكسلز)
TT

فيتامين «د» والاكتئاب... ما الرابط؟

نقص فيتامين «د» قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب (بكسلز)
نقص فيتامين «د» قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب (بكسلز)

تشير الأبحاث إلى أن نقص فيتامين «د» قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب، إذ يلعب هذا الفيتامين دوراً محورياً في صحة العظام، ووظائف الدماغ، والجهاز المناعي. ومع ذلك، لا تزال نتائج الدراسات متباينة بشأن فاعلية مكملات فيتامين «د» في تخفيف أعراض الاكتئاب.

ويعرض تقرير لمجلة «هيلث» العلاقة بين نقص فيتامين «د» والمزاج، والعلامات والأعراض التي قد تشير إلى الاكتئاب.

هل يؤدي نقص فيتامين «د» إلى الاكتئاب؟

نقص فيتامين «د» شائع، ويصيب نحو 35 في المائة من البالغين في الولايات المتحدة، ويرتبط بعدة مشكلات صحية. فهو يرتبط بأمراض السرطان، والقلب، والسكري، والتصلب المتعدد، والأمراض المناعية الذاتية. وفي الآونة الأخيرة، أصبح فيتامين «د» محل اهتمام الباحثين بوصفه عاملاً محتملاً في الاكتئاب.

مع ذلك، لم يُثبت الباحثون بشكل قاطع أن نقص فيتامين «د» يسبب الاكتئاب، رغم وجود علاقة بين الاثنين. فقد أظهرت دراسة سكانية كبيرة ارتباط مستويات فيتامين «د» بالاكتئاب لدى البالغين في منتصف العمر، مما يشير إلى أن نقصه قد يساعد على تحديد الأشخاص المعرّضين لخطر الاكتئاب، وربما يكون مؤشراً مفيداً لمتابعة المرضى الذين تستمر لديهم الأعراض رغم العلاج.

دور فيتامين «د» في الجسم

يساعد فيتامين «د» الجسم على امتصاص الكالسيوم، ويعد عنصراً أساسياً في تطوير عظام وأسنان قوية. مع الكالسيوم، يقي فيتامين «د» الجسم من هشاشة العظام، وهي حالة تجعل العظام ضعيفة وسهلة الكسر. كما أن نقص الفيتامين يزيد خطر الإصابة بترقق العظام، الذي يسبب آلاماً في العظام، وضعفاً في العضلات، وتشوهات مثل الكساح عند الأطفال.

لكن دور فيتامين «د» لا يقتصر على صحة العظام فقط؛ فهو يتمتع بخصائص مضادة للالتهاب والأكسدة، ويحمي الدماغ، ويدعم وظائف الجسم المختلفة. فالمستويات الكافية من الفيتامين تعزز قدرة جهاز المناعة على مكافحة الفيروسات والجراثيم، وتساعد العضلات على الحركة، والأعصاب على نقل الإشارات بين الدماغ والجسم.

علامات وأعراض الاكتئاب

الاكتئاب اضطراب مزاجي يؤثر على شعور الشخص، وطريقة تفكيره، وقدرته على أداء الأنشطة اليومية. وتشمل الأعراض الشائعة، التي قد تستمر أسبوعين أو أكثر:

- الحزن والقلق.

- فقدان الاهتمام بالأنشطة والهوايات.

- شعور باليأس أو انعدام القيمة.

- التهيج أو الانفعال أو القلق المستمر.

- التعب أو فقدان الطاقة.

- صعوبة التركيز واتخاذ القرارات.

- اضطرابات النوم.

- تغيّر الشهية أو الوزن.

- آلام جسدية متفرقة، مثل الصداع أو تقلصات العضلات.

- أفكار عن الموت أو الانتحار.

يختلف الاكتئاب من شخص لآخر، ولا يمر الجميع بكل هذه الأعراض.

هل يمكن للمكملات الغذائية من فيتامين «د» علاج الاكتئاب؟

أظهرت بعض الدراسات الصغيرة تحسناً في أعراض الاكتئاب بعد تناول مكملات فيتامين «د»، لكن أبحاثاً أخرى لم تجد أي تأثير واضح. فعلى سبيل المثال، دراسة كبيرة شملت أكثر من 18 ألف شخص لم تُظهر أي اختلاف في درجات الاكتئاب عند تناول 2000 وحدة دولية يومياً من فيتامين «د» مقارنةً بالدواء الوهمي على مدى خمس سنوات.


القهوة أم الشاي... أيهما الأفضل لصحة قلبك ودماغك وأمعائك؟

تُعدّ القهوة والشاي من أكثر المشروبات استهلاكاً في العالم (رويترز)
تُعدّ القهوة والشاي من أكثر المشروبات استهلاكاً في العالم (رويترز)
TT

القهوة أم الشاي... أيهما الأفضل لصحة قلبك ودماغك وأمعائك؟

تُعدّ القهوة والشاي من أكثر المشروبات استهلاكاً في العالم (رويترز)
تُعدّ القهوة والشاي من أكثر المشروبات استهلاكاً في العالم (رويترز)

تُعدّ القهوة والشاي من أكثر المشروبات استهلاكاً في العالم، ويستمتع بهما ملايين الأشخاص يومياً. وعلى الرغم من انتشار استهلاكهما، يظل الجدل قائماً حول أيهما أكثر فائدة للصحة.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن لكل من القهوة والشاي خصائص فريدة تؤثر على القلب، والدماغ، والجهاز الهضمي بطرق مختلفة، سواء من خلال تحسين وظائف الأوعية الدموية، تعزيز اليقظة الذهنية، أو دعم صحة الأمعاء.

وقد تناول تقرير نشرته صحيفة «التلغراف» البريطانية مقارنة بين القهوة والشاي لتحديد أيهما الأفضل لصحة القلب والعظام والدماغ والجهاز الهضمي.

صحة العظام

الفائز: الشاي

كشفت دراسة حديثة أن الأشخاص الذين يشربون الشاي بانتظام قد يكونون أقل عرضة للإصابة بهشاشة العظام من أولئك الذين يشربون القهوة.

ووجدت الدراسة التي أجرتها جامعة فليندرز في أستراليا واستمرت عشر سنوات وشملت ما يقرب من 10 آلاف امرأة تبلغ أعمارهن 65 عاماً فأكثر، أن اللواتي يشربن الشاي يومياً يتمتعن بكثافة معدنية أعلى قليلاً في عظام الورك مقارنةً بالنساء اللواتي لا يشربن الشاي.

ويبدو أن تناول القهوة باعتدال غير ضار، ولكن استهلاك أكثر من خمسة أكواب يومياً يرتبط بانخفاض كثافة العظام، خاصةً بين النساء اللواتي يستهلكن كميات أكبر من الكحول.

وتوصي آيسلينغ بيغوت، اختصاصية التغذية المسجلة والمتحدثة باسم الجمعية البريطانية للتغذية، بعدم تناول أكثر من ثلاثة مشروبات تحتوي على الكافيين يومياً (شاي أو قهوة).

وتقول: «إن الإفراط في تناول الكافيين قد يؤثر سلباً على صحة العظام. يحتوي الشاي على مستويات أقل من الكافيين مقارنةً بالقهوة؛ لذا فهو أقل ضرراً. كما يحتوي الشاي على مركبات الفلافونويد، التي قد تدعم العظام».

والفلافونويدات مضادات أكسدة طبيعية نباتية المصدر، تدعم كثافة العظام من خلال تعزيز تكوين عظام جديدة ومنع تكسر العظام الموجودة. وتوجد هذه المركبات في الفواكه والخضراوات والأعشاب، بالإضافة إلى الشاي، وتساعد في إدارة الإجهاد التأكسدي والالتهابات.

صحة القلب

الفائز: الشاي

تشير الدراسات إلى أن كلاً من الشاي والقهوة قد يُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية.

مع ذلك، ثمة أدلة قوية تشير إلى أن مضادات الأكسدة الموجودة في الشاي لها تأثير وقائي أعلى على صحة القلب، حيث تعزز وظائف الأوعية الدموية؛ ما يُساعد على تدفق الدم بسهولة أكبر عبر الأوعية الدموية، ويجعلها أكثر مرونة، ويُخفض ضغط الدم.

وتشير دراسة واسعة نُشرت عام 2022 إلى وجود أدلة قوية على أن شرب الشاي الأخضر بانتظام، على وجه الخصوص، يُمكن أن يُقلل من الكثير من عوامل الخطر المرتبطة بأمراض القلب، بما في ذلك ضغط الدم ومستويات الدهون.

الأمعاء والهضم

الفائز: القهوة

القهوة تتفوق على الشاي في دعم صحة الأمعاء؛ إذ تحتوي على كمية أكبر من المركبات النباتية المعروفة بالبوليفينولات، التي تعمل بمثابة غذاء للبكتيريا المفيدة في الأمعاء؛ ما يعزز التمثيل الغذائي ويقلل الالتهاب.

كما تحتوي القهوة على ألياف قابلة للذوبان تغذي ميكروبات الأمعاء، بينما يُفضَّل تناولها باعتدال لتجنب مشاكل الهضم لدى بعض الأشخاص.

التركيز

الفائز: القهوة

تختلف كمية الكافيين في كوب الشاي وكوب القهوة باختلاف النوع وطريقة التحضير، لكن القهوة المغلية تحتوي على ضعف الكمية تقريباً.

ومن المعروف أن الكافيين يعزز التركيز ويحسّن أداء الدماغ. لكن الإفراط في تناوله قد يؤدي إلى القلق واضطرابات النوم.

صحة الدماغ

لا يوجد فائز

يُعدّ كل من القهوة والشاي مفيدين لصحة الدماغ، حيث ربطت الدراسات بينهما وبين انخفاض خطر الإصابة بالخرف والسكتة الدماغية.

وأجريت دراسة حديثة من قِبل علماء في كلية الطب بجامعة هارفارد تحليل بيانات أكثر من 130 ألف شخص لدراسة ما إذا كان تناول الكافيين مرتبطاً بخطر الإصابة بالخرف. ووجدوا أن شرب كوبين إلى ثلاثة أكواب من القهوة المحتوية على الكافيين يومياً يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بالخرف بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة. ولوحظت النتائج نفسها مع تناول كوب أو كوبين من الشاي يومياً، بينما لم تُلاحظ أي فوائد مع الشاي أو القهوة منزوعة الكافيين، مما يشير إلى أن الكافيين «يحمي الأعصاب».