التصوير الفلورسنتي... ثورة في جراحة الدماغ

تقنية حديثة تُحدث فرقاً في نسب الشفاء

التصوير الفلورسنتي... ثورة في جراحة الدماغ
TT

التصوير الفلورسنتي... ثورة في جراحة الدماغ

التصوير الفلورسنتي... ثورة في جراحة الدماغ

يُعد استئصال أورام الدماغ أحد التحديات الكبرى في مجال الجراحة العصبية، حيث تؤمن الإزالة الدقيقة والكاملة للورم عاملاً حاسماً في نجاح العلاج، وتحسين فرص بقاء المريض على قيد الحياة.

صعوبات جراحة أورام الدماغ

وتكمن صعوبة الجراحة في أن أورام الدماغ، وخاصة الأورام الدبقية (Glioma) عالية الدرجة، تمتلك حدوداً غير واضحة المعالم، مما يجعل من الصعب التمييز بين الأنسجة الورمية والخلايا الدماغية السليمة. ويؤدي ذلك إلى مخاطر متعددة، منها عدم استئصال كامل للورم، ما يزيد من احتمالية عودته بسرعة، أو التسبب في ضرر للنسيج العصبي السليم، ما قد يؤثر على الوظائف الحيوية للمريض مثل الحركة، والنطق، والإدراك.

في هذا السياق، جاءت الحاجة إلى تقنيات حديثة تُمكن الجراحين من زيادة دقة الاستئصال وتقليل المخاطر المصاحبة للجراحة التقليدية. من بين أبرز هذه الابتكارات، ظهرت تقنية 5 - أمينو ليفولينك أسيد (5 - AminoLevulinic Acid، 5 - ALA)، التي تعتمد على استخدام التألق الفلورسنتي للكشف عن الأنسجة السرطانية في أثناء الجراحة. وتسمح هذه التقنية للجراح برؤية حدود الورم بوضوح، ما يسهل استئصال نسبة أكبر من الخلايا السرطانية، ويقلل من احتمال ترك أجزاء سرطانية قد تؤدي إلى عودة الورم لاحقاً.

ومع تزايد الاهتمام العالمي بتطوير استراتيجيات أكثر دقة وأماناً في جراحة أورام الدماغ، أصبحت تقنية (5 - ALA) اليوم أحد المعايير الحديثة المستخدمة في كبرى المراكز الطبية المتقدمة، بفضل قدرتها على تحسين نتائج الجراحة وتقليل التأثيرات الجانبية التي قد تؤثر على نوعية حياة المريض بعد الاستئصال. وفقاً لدراسة (Roberts et al.، 2018).

تقنية «التألق الفلورسنتي»

- ما تقنية (5 - ALA)؟ وكيف تعمل؟ تقنية 5 - أمينو ليفولينك أسيد هي وسيلة حديثة ومبتكرة تُستخدم في جراحات أورام الدماغ لتعزيز دقة الاستئصال من خلال التصوير الفلورسنتي، ما يساعد الجراحين على التمييز بوضوح بين الأنسجة السرطانية والأنسجة السليمة في أثناء العملية.

- آلية العمل لهذه التقنية تعتمد على إعطاء المريض جرعة من محلول 5 - أمينو ليفولينك أسيد عن طريق الفم قبل 3 - 4 ساعات من بدء الجراحة. وبعد امتصاص المادة عبر الجهاز الهضمي، يتم استقلابها داخل الجسم إلى بروتوبورفيرين IX، وهو مركب حساس للضوء يتراكم بتركيز أعلى داخل الخلايا السرطانية مقارنة بالخلايا الطبيعية.

وعند تعريض الورم لضوء أزرق خاص بطول موجي بين 400 - 410 نانومتر في أثناء الجراحة، يصدر البروتوبورفيرين IX توهجاً وردياً أو أحمر، ما يسمح للجراح برؤية الورم بوضوح شديد.

- لماذا تتراكم المادة في الخلايا السرطانية؟ سبب التراكم الانتقائي لهذه المادة داخل الورم يعود إلى اختلاف آلية التمثيل الغذائي بين الخلايا الطبيعية والخلايا السرطانية. فالخلايا السرطانية تمتاز بمعدل تكاثر ونشاط أيضي مرتفع، ما يؤدي إلى زيادة امتصاص واستقلاب (5 - ALA)، مما يسمح بتراكم البروتوبورفيرين IX داخل الورم بمستويات عالية.

دور مهم في الجراحة

كيف تساعد تقنية (5 - ALA) في الجراحة؟ أثبتت الدراسات السريرية أن استخدام تقنية 5 - أمينو ليفولينك أسيد(5 - ALA) يرفع نسبة الاستئصال الكامل للورم الدبقي عالي الدرجة (GBM) بنسبة تصل إلى 30 في المائة مقارنة بالجراحات التقليدية. مما يعزز فرص تحسين البقاء على قيد الحياة. ومن الفوائد الرئيسية لهذه التقنية:

- تحسين رؤية الورم في أثناء العملية: يجعل التألق الفلورسنتي الورم يبدو أكثر وضوحاً مقارنة بالجراحة التقليدية، ما يساعد الجراح على استئصال نسبة أكبر من الأنسجة السرطانية دون التسبب في ضرر غير ضروري للأنسجة السليمة المحيطة. (Hadžić et al. 2019).

- تقليل خطر ترك بقايا الورم: بفضل هذه التقنية، يمكن تحديد أجزاء الورم غير المرئية بالعين المجردة التي قد تظل بعد الجراحة التقليدية، ما يساهم في تقليل معدلات تكرار الورم بعد العملية (Roberts et al.، 2018).

- تحسين معدلات الشفاء والبقاء على قيد الحياة: تُشير الدراسات إلى أن استخدام (5 - ALA) يزيد من معدل الاستئصال الكامل للأورام الدبقية عالية الدرجة، مما ينعكس إيجابياً على استجابة المرضى للعلاج الكيميائي والإشعاعي، وبالتالي يطيل فترة بقائهم على قيد الحياة (Widhalm et al. 2010).

تطبيق التقنية محلياً

تبنى مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بجدة تقنية 5 - أمينو ليفولينك أسيد (5 - ALA) للتغلب على تحديات استئصال ورم الدماغ الدبقي عالي الدرجة، حيث تساعد الأطباء على التمييز بوضوح بين الأنسجة المصابة والسليمة في أثناء العملية.

ويُعد «التخصصي» بجدة أول مستشفى في المملكة يستخدم هذه التقنية بشكل روتيني، الأمر الذي يعزز مكانته بصفته أحد المراكز الصحية الرائدة في الجراحة الدقيقة، وذلك في إطار مواصلة دوره وجْهَةً طبيةً متقدمةً. وبدأ «التخصصي» في التعاون مع مستشفيات أخرى داخل المملكة وخارجها لنقل هذه التقنية وتبادل الخبرات، بهدف توسيع نطاق استخدامها وتحقيق أقصى استفادة ممكنة للمرضى، وذلك في إطار جهود المستشفى الدائمة لتطبيق أحدث الابتكارات الطبية لتقديم رعاية صحية متقدمة للمرضى. وصُنف مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، الأول في الشرق الأوسط وأفريقيا والـ15 عالمياً، وضمن قائمة أفضل 250 مؤسسة رعاية صحية أكاديمية حول العالم، بحسب «براند فاينانس» لعام 2025. واستطاع المستشفى أن يكون العلامة التجارية الصحية الأعلى قيمة في المملكة والشرق الأوسط لعام 2024، كما أُدرج ضمن قائمة أفضل المستشفيات الذكية في العالم لعام 2025 من قبل مجلة «نيوزويك» الأميركية.

تطور التقنية وسلامتها

• تطور التقنية:

- في التسعينات: بدأ البحث حول (5 - ALA) بوصفه وسيلة لتمييز الأورام الدبقية (Stummer et al. 1998).

- في 2006: حصلت التقنية على موافقة الاتحاد الأوروبي للاستخدام السريري (Stummer et al. 2006).

- في2017: اعتمدتها إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) معياراً في جراحات أورام الدماغ (Roberts et al. 2018).

- في الوقت الحالي: أصبحت التقنية مستخدمة عالمياً في المراكز المتقدمة.

• السلامة والآثار الجانبية. يُعد حمض 5 - أمينو ليفولينك (5 - ALA) آمناً نسبياً، ويُستخدم على نطاق واسع في جراحة أورام الدماغ، إلا أنه كأي تقنية طبية قد يكون له بعض الآثار الجانبية التي تستدعي الانتباه. منها:

- حساسية الضوء: أحد الآثار الجانبية الأكثر شيوعاً هو حساسية الجلد والعينين للضوء، حيث يصبح المريض أكثر عرضة للتفاعل الضوئي لمدة 24 ساعة بعد تناول الجرعة. ويعود ذلك إلى تراكم البروتوبورفيرين IX، المادة الفعالة في التقنية، في خلايا الجلد، ما يجعلها أكثر حساسية للأشعة فوق البنفسجية. ولهذا السبب، يُنصح المرضى بتجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس، أو الإضاءة القوية، أو أجهزة الإضاءة ذات الأشعة فوق البنفسجية خلال الساعات التي تلي تناول الدواء.

- الاضطرابات الهضمية: قد يعاني بعض المرضى من آثار جانبية خفيفة إلى متوسطة مثل الغثيان، القيء، أو الانزعاج المعدي بعد تناول الجرعة، لكنها غالباً ما تكون مؤقتة وتتحسن بمرور الوقت. ينصح الأطباء بتناول الجرعة مع كمية كافية من السوائل لتقليل هذه الأعراض.

- التفاعلات الدوائية: على الرغم من أن (5 - ALA) لا تتداخل مع معظم الأدوية، فإن هناك بعض الحالات التي تستدعي الحذر، مثل المرضى الذين يتناولون أدوية تُحسّس للضوء (مثل بعض المضادات الحيوية من عائلة التتراسيكلين أو الفلوروكينولونات). لذلك، يجب إبلاغ الطبيب بجميع الأدوية المستخدمة قبل الجراحة لتجنب أي مضاعفات محتملة.

- تأثيرات على وظائف الكبد والكلى: في بعض الحالات النادرة، قد تؤدي (5 - ALA) إلى ارتفاع إنزيمات الكبد أو تغييرات طفيفة في وظائف الكلى، خاصة لدى المرضى الذين يعانون من أمراض كبدية أو كلوية مسبقة. لذا، يُنصح بإجراء اختبارات وظائف الكبد والكلى قبل إعطاء الدواء للمرضى المعرضين للخطر.

- التأثيرات العصبية المحتملة: في حالات نادرة جداً، قد تحدث اضطرابات مؤقتة في الجهاز العصبي، مثل الصداع أو الدوخة بعد تناول الجرعة، لكن هذه الأعراض نادراً ما تستدعي إيقاف استخدام التقنية.

وتتمثل إجراءات السلامة لتقليل المخاطر، في:

- إبقاء المرضى في بيئة خافتة الإضاءة بعد تناول الجرعة ولمدة 24 ساعة.

- ارتداء ملابس طويلة وقبعات ونظارات شمسية عند الخروج لتقليل التعرض للضوء.

- متابعة وظائف الكبد والكلى في المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة.

- إبلاغ الفريق الطبي عن أي تفاعلات دوائية أو حساسية سابقة.

بشكل عام، تُعد تقنية (5 - ALA) آمنة عند استخدامها وفق البروتوكولات الطبية الموصى بها، كما أن فوائدها في تحسين دقة الجراحة تفوق بكثير المخاطر الجانبية المحتملة.

يرفع نسبة الاستئصال الكامل للورم بنسبة تصل إلى 30%

الورم الدبقي الدماغي

• أنواع الأورام. الورم الدبقي(Glioma) هو ورم دماغي ينشأ من الخلايا الدبقية الداعمة للجهاز العصبي المركزي. يمثل نحو 30 في المائة من أورام الدماغ الأولية و80 في المائة من الأورام الخبيثة داخل الدماغ. والأورام الدبقية نوعان:

- منخفضة الدرجة (Grade I - II): تنمو ببطء، ولكن قد تتحول إلى أورام عدوانية لاحقاً.

- عالية الدرجة (Grade III - IV) مثل الورم الدبقي متعدد الأشكال (GBM)، وهو الأكثر عدوانية بمعدل بقاء لا يتجاوز 12 - 15 شهراً رغم العلاج.

تعتمد نسبة عودة الورم بعد الاستئصال على درجة الورم وحدود الاستئصال:

- الأورام منخفضة الدرجة: يمكن أن تعود بعد عدة سنوات من الجراحة.

- الأورام عالية الدرجة (GBM): أكثر من 90 في المائة من الحالات يعود فيها الورم خلال عام واحد رغم العلاج المكثف.

• الأسباب. ولا تزال الأسباب الدقيقة غير واضحة، لكن هناك عوامل خطر قد تزيد من احتمالية الإصابة، مثل:

- الطفرات الجينية.

- العوامل البيئية، مثل التعرض للإشعاع.

- وجود تاريخ عائلي للإصابة بأورام الدماغ.

• طرق العلاج. يعتمد العلاج على درجة الورم وموقعه، ومن بين الخيارات المتاحة:

- الجراحة: تُعد الخيار الأول، خاصة باستخدام تقنية (5 - ALA) لتحسين نتائج الاستئصال.

- العلاج الإشعاعي: ضروري بعد الجراحة لمنع نمو الورم مجدداً.

- العلاج الكيميائي: تيموزولوميد (Temozolomide - TMZ) هو الخيار الأول لعلاج.

- العلاج المناعي والجيني (تجريبي): الأبحاث الحديثة تركز على استخدام لقاحات وعلاجات مناعية لاستهداف الخلايا السرطانية.

ختاماً، يتضح أن الورم الدبقي، خصوصاً GBM، هو من أخطر الأورام، حيث يتميز بنسبة عودة مرتفعة رغم العلاجات المتقدمة.

إن تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في المستقبل والعلاجات المناعية في هذا المجال، يحملان آمالاً جديدة في تحسين العلاجات، ومع تقنية (5 - ALA) تزداد فرص تحسين النتائج، مما يمنح المرضى أملاً في حياة أطول وجودة حياة أفضل.

*استشاري طب المجتمع.


مقالات ذات صلة

هل تحتسي قهوتك وهي تغلي؟ تحذير من مخاطر المشروبات الساخنة جداً

صحتك  الاستمرار في تناول الأطعمة والمشروبات شديدة السخونة على مدى طويل قد يُلحق أضراراً بالمريء (بيكسلز)

هل تحتسي قهوتك وهي تغلي؟ تحذير من مخاطر المشروبات الساخنة جداً

يفضّل كثيرون احتساء الشاي أو القهوة أو تناول الحساء وهو في أقصى درجات سخونته، خصوصاً خلال الأجواء الباردة، لما يمنحه ذلك من شعور بالدفء والراحة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
صحتك إذا شممت رائحة طعام شهي فقد تسمع معدتك تقرقع (بيكسلز)

هل تصدر معدتك أصوات قرقرة؟ إليك أبرز الأسباب

سواء لاحظتها أم لا، يصدر جسمك أصواتاً مستمرة. قد لا تثير طقطقة المفاصل أو أصوات الغازات قلقك، لكن سماع قرقرة معدتك قد يثير شعوراً بالحرج أو الفضول.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك علماء يعملون في مختبرات تابعة لجامعة تشيلي في سانتياغو (أ.ف.ب)

علماء يطورون أجساماً مضادة واعدة للوقاية من فيروس «إبستاين بار»

ربما يكون ‌الباحثون قد اقتربوا من تطوير لقاح يحمي من فيروس «إبستاين بار»، وهو فيروس شائع مرتبط بداء كثرة الوحيدات، والتصلب ​المتعدد، وبعض أنواع السرطان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية قالت مجموعة القرصنة عبر وسائل التواصل الاجتماعي إنها «نشرت بيانات طبية حساسة لأكثر من 10 آلاف مريض» من الشبكة الإسرائيلية (رويترز)

مجموعة قرصنة مرتبطة بإيران تعلن اختراق أكبر شبكة رعاية صحية في إسرائيل

أعلنت مجموعة قرصنة تُعرف باسم «حنظلة» يُعتقد أنها مرتبطة بإيران، الأربعاء، أنها نجحت في اختراق أنظمة أكبر شبكة رعاية صحية في إسرائيل، وهي شبكة «كلاليت».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
صحتك لم تعد حمية اليويو تُعتبر مجرد تجربة فاشلة بل يمكن النظر إليها بوصفها جزءاً من رحلة طويلة نحو تحسين الصحة (بيكسلز)

تعرّف على فوائد حمية اليويو

تشير أبحاث حديثة إلى أن هذه حمية اليويو أو تقلّب الوزن، قد تحمل بعض الفوائد الصحية المهمة، حتى في حال استعادة الوزن لاحقاً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

هل تحتسي قهوتك وهي تغلي؟ تحذير من مخاطر المشروبات الساخنة جداً

 الاستمرار في تناول الأطعمة والمشروبات شديدة السخونة على مدى طويل قد يُلحق أضراراً بالمريء (بيكسلز)
الاستمرار في تناول الأطعمة والمشروبات شديدة السخونة على مدى طويل قد يُلحق أضراراً بالمريء (بيكسلز)
TT

هل تحتسي قهوتك وهي تغلي؟ تحذير من مخاطر المشروبات الساخنة جداً

 الاستمرار في تناول الأطعمة والمشروبات شديدة السخونة على مدى طويل قد يُلحق أضراراً بالمريء (بيكسلز)
الاستمرار في تناول الأطعمة والمشروبات شديدة السخونة على مدى طويل قد يُلحق أضراراً بالمريء (بيكسلز)

يفضّل كثيرون احتساء الشاي أو القهوة أو تناول الحساء وهو في أقصى درجات سخونته، خصوصاً خلال الأجواء الباردة، لما يمنحه ذلك من شعور بالدفء والراحة. لكن، خلف هذا الإحساس المطمئن، قد يكمن خطر صحي لا يتنبه إليه كثيرون؛ فبحسب خبراء في مجال الأورام، فإن الاستمرار في تناول الأطعمة والمشروبات شديدة السخونة على مدى طويل قد يُلحق أضراراً بالمريء والجهاز الهضمي العلوي. وتؤكد الأبحاث أن مسألة درجة الحرارة ليست تفصيلاً بسيطاً، بل عامل قد يكون مؤثراً في سياق الوقاية من بعض أنواع السرطان.

كيف تُلحق الأطعمة والمشروبات شديدة السخونة الضرر بالجهاز الهضمي؟

يوضح الدكتور أرون كومار جيري، مدير قسم جراحة الأورام في «أكاش للرعاية الصحية» بالهند: «عند تناول الطعام أو الشراب في درجات حرارة عالية جداً، قد يُسبب ذلك أضراراً بالغة للأغشية الحساسة للفم والحلق والمريء. هذا الضرر الحراري يؤدي إلى تلف مجهري والتهاب».

ويضيف أن المشكلة لا تكمن في التعرض العرضي، بل في التكرار المستمر. فمع مرور الوقت، يُجبر التلف المتكرر الجسم على إصلاح هذه الأنسجة بشكل دائم، وهو ما قد يزيد من احتمالية حدوث تغيرات غير طبيعية في الخلايا نتيجة عمليات التجدد المتكررة.

التهيُّج المزمن وعلاقته بخطر الإصابة بالسرطان

يُعدّ التهيج المزمن أحد العوامل المعروفة التي قد تسهم في تطور بعض أنواع السرطان. ويُعتبر المريء من أكثر الأعضاء حساسية للإصابة الناتجة عن الحرارة المرتفعة.

وقد أظهرت دراسات متعددة تناولت خطر الإصابة بسرطان المريء وجود ارتباط وثيق بين تناول المشروبات شديدة السخونة وارتفاع خطر الإصابة بهذا النوع من السرطان. ويزداد هذا الخطر لدى الأشخاص الذين يستهلكون هذه المشروبات يومياً، خصوصاً عند توافر عوامل أخرى مثل التدخين، واستهلاك الكحول، وسوء التغذية.

كما أن التلف الحراري المتكرر قد يجعل بطانة المريء أكثر عرضة لتأثير المواد المسرطنة والالتهابات المزمنة؛ ما يزيد من احتمال حدوث مضاعفات على المدى الطويل.

ولا تقتصر المخاطر المحتملة على الشاي والقهوة فحسب؛ فالحساء والمرق شديدا السخونة، وكذلك الأطعمة التي تُستهلك مباشرة بعد الطهي دون تركها لتبرد قليلاً، قد تُسبب بدورها إصابات حرارية متكررة للأنسجة الحساسة في الجهاز الهضمي.

المسألة، إذن، لا تتعلق بنوع الطعام أو الشراب، بل بدرجة حرارته عند الاستهلاك.

من هم الأكثر عرضة لخطر تلف المريء؟

توجد فئات قد تكون أكثر عرضة لتفاقم الضرر الناتج عن الحرارة، من بينها:

- الأفراد الذين يتناولون الشاي أو القهوة شديدة السخونة بانتظام.

- مرضى الارتجاع المعدي المريئي أو من يعانون من حرقة المعدة المزمنة.

- المدخنون بشراهة أو مدمنو الكحول.

- الأشخاص الذين يعانون من سوء صحة الفم أو سوء التغذية.

بالنسبة لهذه الفئات، قد يؤدي الضرر الحراري المتكرر إلى تسريع تفاقم التهيج أو الالتهاب الموجود مسبقاً، ما يزيد من احتمالية حدوث مضاعفات.

في المحصلة، لا تعني هذه التحذيرات ضرورة التوقف عن شرب المشروبات الساخنة، بل تدعو إلى التنبه لدرجة حرارتها وتركها لتبرد قليلاً قبل تناولها، لتجنب تعريض الأنسجة الحساسة لضرر متكرر قد تكون له تبعات صحية على المدى الطويل.


ماذا يحدث للجسم عند الإفراط في فيتامين «سي»؟

ماذا يحدث للجسم عند الإفراط في فيتامين «سي»؟
TT

ماذا يحدث للجسم عند الإفراط في فيتامين «سي»؟

ماذا يحدث للجسم عند الإفراط في فيتامين «سي»؟

تُعد مكملات فيتامين «سي» آمنة لمعظم الناس، لكن الإفراط في استخدامها أو تناول جرعات كبيرة جداً قد يؤدي إلى عدة آثار سلبية. ورغم أن ذلك نادر، فإن آثاراً جانبية خطيرة لفيتامين «سي» قد تحدث، خصوصاً عند تناوله بكميات كبيرة على مدى فترة طويلة. فما أبرز هذه الآثار؟

1- قد تُصاب بحصوات الكلى

يمكن للجرعات العالية من فيتامين «سي» أن تزيد مستويات الأوكسالات في البول. والأوكسالات مادة يمكن أن ترتبط بالكالسيوم لتشكّل حصوات الكلى. وعندما يستقلب الجسم كميات زائدة من فيتامين «سي»، قد يحوّل جزءاً منها إلى أوكسالات.

وتكون هذه العملية مثيرة للقلق خصوصاً لدى الأشخاص المعرّضين لحصوات الكلى أو الذين لديهم أمراض كلوية قائمة. وقد يكون الأفراد الذين لديهم تاريخ من حصوات الكلى أو مرض كلوي مزمن أو مستويات مرتفعة من الأوكسالات أكثر عرضة للخطر.

2- قد تعاني اضطرابات في الجهاز الهضمي

يُعد الانزعاج الهضمي أحد أكثر الآثار الجانبية شيوعاً لجرعات فيتامين «سي» العالية، ويشمل أعراضاً مثل تقلصات المعدة والغثيان والإسهال والغازات. وتكون هذه التأثيرات عادةً مرتبطة بالجرعة، أي تزداد احتمالاتها مع زيادة الكمية المتناولة.

وفيتامين «سي» حمضي، كما أنه نشط أسموزياً، ما يعني أنه عند تناوله بكميات كبيرة يسحب الماء إلى الأمعاء ويهيّج بطانة الجهاز الهضمي، مما يؤدي إلى براز رخو وعدم ارتياح.

وتظهر الأعراض الهضمية عادةً عند جرعات تتجاوز 2000 ملليغرام يومياً، رغم أن بعض الأشخاص قد يواجهون مشكلات عند مستويات أقل.

3- قد يحدث فرط في الحديد

يعزّز فيتامين «سي» امتصاص الحديد غير الهيمي (الموجود في الأطعمة النباتية). وبينما يكون ذلك مفيداً عادةً، فقد يضر بالأشخاص المصابين بداء ترسّب الأصبغة الدموية، وهو اضطراب وراثي يجعل الجسم يخزّن كميات زائدة من الحديد.

ولدى المصابين بهذا المرض، قد يؤدي تناول كميات كبيرة من فيتامين «سي» إلى تفاقم فرط الحديد، ما يزيد خطر تلف الكبد وأمراض القلب والسكري.

وينبغي للأشخاص الذين لديهم اضطرابات معروفة في استقلاب الحديد تجنّب مكملات فيتامين «سي» بجرعات عالية ما لم يوصِ بها مقدم رعاية صحية.

4- قد تحصل على نتائج مخبرية غير دقيقة

قد يتداخل الإفراط في فيتامين «سي» مع بعض الفحوص المخبرية، إذ يمكن أن يعطي قراءات خاطئة في أجهزة قياس سكر الدم، وفي اختبارات الكرياتينين في البول، وفي الفحوص التي تستخدم كواشف كيميائية حساسة للأكسدة.

5- قد يتآكل مينا الأسنان لديك

غالباً ما تكون مكملات فيتامين «سي» القابلة للمضغ أو على شكل علكة حمضية، وقد تؤدي مع مرور الوقت إلى تآكل مينا الأسنان. ويمكن أن يسبب هذا التآكل زيادة حساسية الأسنان وتغيّر لونها وارتفاع خطر التسوّس.

فالبيئة الحمضية التي تُحدثها منتجات فيتامين «سي» تضعف الطبقة الواقية من المينا، خصوصاً عند تناولها على شكل أقراص للمصّ أو للمضغ. ولتقليل الخطر، يجب غسل الفم بالماء بعد تناول مكملات فيتامين «سي» وتجنّب تنظيف الأسنان مباشرة بعد ذلك.

6- قد تحدث تأثيرات مُؤكسِدة

على الرغم من أن فيتامين «سي» معروف بخصائصه المضادّة للأكسدة، فإنه قد يعمل مؤكسِداً في ظروف معيّنة، خصوصاً عند الجرعات العالية وفي وجود أيونات معدنية حرّة (مثل الحديد أو النحاس). وقد يؤدي ذلك إلى زيادة الإجهاد التأكسدي بدلاً من تقليله.

وتشير دراسات مخبرية إلى أن المستويات المرتفعة جداً من فيتامين «سي» قد تولّد جذوراً حرّة (جزيئات عالية التفاعل) في وجود بعض المعادن، ما قد يسهم في تلف الخلايا. ولا تزال الأهمية السريرية لهذا التأثير لدى البشر قيد البحث، لكنه يثير مخاوف بشأن المخاطر المحتملة لتناول مضادات الأكسدة بجرعات مفرطة.

كم تُعدّ كمية فيتامين «سي» كثيرة؟

يبلغ الحدّ الأعلى المقبول لتناول فيتامين «سي» لدى البالغين 2000 ملليغرام يومياً، ويؤدي تجاوز هذا المقدار، خصوصاً لفترات طويلة، إلى زيادة خطر الآثار الجانبية، في حين قد تجعل المكمّلات الغذائية والأطعمة المدعّمة من السهل تجاوز هذا الحد من دون قصد. وتختلف الكمية الغذائية الموصى بها حسب العمر والجنس ومرحلة الحياة، إذ تبلغ نحو 90 ملغ يومياً للرجال، و75 ملغ للنساء، و85 ملغ للحوامل، و120 ملغ للمرضعات.

لماذا يحتاج الجسم إلى فيتامين «سي»؟

يُعد فيتامين «سي»، المعروف أيضاً باسم حمض الأسكوربيك، عنصراً أساسياً لنمو أنسجة الجسم وتطورها وإصلاحها. ونظراً لأن الجسم لا يخزّنه، فمن المهم الحصول على كميات كافية منه عبر الغذاء مثل الحمضيات والفراولة والفلفل الحلو، أو عبر المكمّلات عند الحاجة.

من الأكثر عرضة لمخاطر الجرعات العالية؟

قد يكون بعض الأشخاص أكثر عرضة لآثار الجرعات المرتفعة، مثل المصابين بأمراض الكلى بسبب خطر تراكم الأوكسالات، أو من لديهم اضطرابات فرط الحديد نتيجة زيادة امتصاصه، وكذلك مرضى السكري الذين قد تتأثر قراءات أجهزتهم لقياس السكر. كما يُنصح من يخضعون للعلاج الكيميائي أو الإشعاعي باستشارة فريقهم الطبي قبل استخدام مضادات الأكسدة، بما فيها فيتامين «سي»، لاحتمال تأثيرها في فاعلية العلاج.

كيف يمكن استخدامه بأمان؟

للاستخدام الآمن والفعّال، يُفضَّل الالتزام بالكمية الموصى بها ما لم يوجّه الطبيب بخلاف ذلك، والانتباه إلى أن الأطعمة المدعّمة والفيتامينات المتعددة قد تسهم في إجمالي الاستهلاك اليومي. كما قد يساعد اختيار أشكال غير حمضية مثل أسكوربات الصوديوم في تقليل التهيّج، مع ضرورة إبلاغ مقدم الرعاية الصحية بأي مكمّلات تُستخدم، خصوصاً قبل العمليات الجراحية أو الفحوص الطبية.


هل تصدر معدتك أصوات قرقرة؟ إليك أبرز الأسباب

إذا شممت رائحة طعام شهي فقد تسمع معدتك تقرقع (بيكسلز)
إذا شممت رائحة طعام شهي فقد تسمع معدتك تقرقع (بيكسلز)
TT

هل تصدر معدتك أصوات قرقرة؟ إليك أبرز الأسباب

إذا شممت رائحة طعام شهي فقد تسمع معدتك تقرقع (بيكسلز)
إذا شممت رائحة طعام شهي فقد تسمع معدتك تقرقع (بيكسلز)

سواء لاحظتها أم لا، يصدر جسمك أصواتاً مستمرة. قد لا تثير طقطقة المفاصل أو أصوات الغازات قلقك، لكن سماع قرقرة معدتك قد يثير شعوراً بالحرج أو الفضول. هذه الأصوات ليست إلا جزءاً طبيعياً من عمل الجهاز الهضمي، وتعكس حالة معدتك والأمعاء وحركتها.

يقول الدكتور بن ليفي، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي في جامعة شيكاغو للطب: «نتلقى هذا السؤال كثيراً. يشعر المرضى أحياناً بعدم الارتياح عند سماع أصوات معدتهم»، وفقاً لموقع «ويب ميد».

هنا، نشرح أسباب قرقرة المعدة، متى تكون طبيعية، وكيف يمكن تخفيف هذه الأصوات إذا كانت مزعجة.

1. قرقرة بعد الأكل: أصوات الهضم الطبيعية

عندما تصدر معدتك أصواتاً بعد تناول الطعام، فهذا يعود إلى حركة التمعج، أي انقباض العضلات الملساء لدفع الطعام عبر الأمعاء الدقيقة وصولاً إلى القولون. يُعرف هذا طبياً باسم قرقرة الأمعاء.

يشرح ليفي: «تخيل معدتك كغسالة ملابس. أثناء تناول الطعام، يختلط الطعام والسوائل مع الهواء الذي نتنفسه. هذه الأصوات هي نتيجة تفاعل هذه العناصر».

حتى التوتر يمكن أن يثير قرقرة المعدة، سواء تناولت الطعام للتو أم لا.

2. عامل الجوع: عندما تسمع معدتك «تتحدث»

إذا شممت رائحة طعام شهي، فقد تسمع معدتك تقرقع. السبب هو أن الدماغ يرسل إشارة للمعدة لإفراز هرمون الغريلين، المسؤول عن تحفيز الشهية، الذي بدوره يحفز الأمعاء والمعدة على الانقباض.

ومع ذلك، ليست كل القرقرة مرتبطة بالجوع. بعض الأطعمة صعبة الهضم، مثل البازلاء، العدس، الملفوف، البروكلي، الكرنب، وقد تسبب أصوات المعدة حتى في حالة الشبع. كما أن المحليات الصناعية، مثل المشروبات الغازية الدايت والعلكة الخالية من السكر، قد تساهم أيضاً في زيادة القرقرة.

يضيف ليفي: «أهم ما أبحث عنه هو منتجات الألبان. فعدم تحمل اللاكتوز شائع جداً وقد يكون سبباً لأصوات المعدة».

3. لماذا تسمع قرقرة المعدة في الليل؟

قد تكون أصوات المعدة الليلية نتيجة الجوع إذا لم تحتوِ وجبتك الأخيرة على بروتين كافٍ للشبع لفترة طويلة. أو قد يكون السبب وجبة دسمة غنية بالدهون أو الكحول قبل النوم.

أيضاً، في الليل، حين يسود الهدوء، تصبح الأصوات في المعدة أكثر وضوحاً لك.

4. متى يجب ألا تقلق؟

أصوات المعدة جزء طبيعي من عملية الهضم والجوع. إذا كانت مجرد أصوات عابرة، فلا داعي للقلق.

ومع ذلك، يجب الاتصال بالطبيب إذا كانت مصحوبة بأعراض أخرى، مثل:

- الألم أو الانتفاخ.

- تغيّر حركة الأمعاء، مثل البراز الرخو أو عدم التبرز لعدة أيام.

5. ماذا عن الأصوات العالية جداً؟

يقول ليفي: «عندما يمر الماء عبر الأنابيب، تسمعه في السباكة. الأمر نفسه يحدث في معدتك. معظم أصوات الأمعاء غير ضارة، ويستفيد الأطباء منها عند الاستماع إليها بالسماعة الطبية لتقييم وظائف الأمعاء أو اكتشاف انسداد محتمل».

اطلب استشارة طبية فوراً إذا كانت أصوات المعدة عالية جداً ومصحوبة بالإسهال، الغثيان، ألم البطن، أو نزيف المستقيم.

6. كيف يمكن تقليل أصوات المعدة؟

للتخفيف من هذه الأصوات، يمكن تجربة النصائح التالية:

- امشِ قليلاً بعد تناول الطعام لتخفيف حركة العضلات الملساء.

- إدارة التوتر وتخصيص وقت للاسترخاء.

- تناول وجبة متوازنة أو وجبة خفيفة.

- شرب الماء على مدار اليوم وببطء.

- تجنب الأطعمة المسببة للغازات والمشروبات الغازية والمُحليات الصناعية.

- تناول الطعام ببطء وبفم مغلق أثناء المضغ.

- الإقلاع عن التدخين إذا كنت مدخناً.

- لا تشرب كميات كبيرة من الماء أثناء ممارسة الرياضة.

باتباع هذه الإرشادات، يمكنك تقليل أصوات المعدة المزعجة مع الحفاظ على عملية الهضم الطبيعية.