الشيدر أم القريش؟ أفضل أنواع الجبن للجسم

كلير مالكة متجر الجبن «بارتيليمي» أمام متجرها في باريس (أ.ف.ب)
كلير مالكة متجر الجبن «بارتيليمي» أمام متجرها في باريس (أ.ف.ب)
TT

الشيدر أم القريش؟ أفضل أنواع الجبن للجسم

كلير مالكة متجر الجبن «بارتيليمي» أمام متجرها في باريس (أ.ف.ب)
كلير مالكة متجر الجبن «بارتيليمي» أمام متجرها في باريس (أ.ف.ب)

يقول محبو تناول الجبن إنه يجعل كل شيء أفضل، وفي دراسة حديثة، بحث العلماء في جامعة «أكسفورد» في العناصر البيئية التي يبدو أنها تزيد أو تقلل من خطر الوفاة المبكرة، ووجدوا أن هناك فوائد إيجابية لتناول الجبن.

وهناك جدل بين العلماء ومحبي الجبن. فلطالما كان الجبن غير مفضل بسبب محتواه من الدهون المشبعة وعلاقته بأمراض القلب والسكتة الدماغية والسكري من النوع الثاني. وهذه المخاوف تطمس أحياناً حقيقة أن الجبن هو أيضًا غذاء غني بالمغذيات؛ فهو مصدر ممتاز للبروتين، وهو أحد أفضل مصادر الكالسيوم، وغني بالمغذيات الدقيقة بما في ذلك فيتامينات بي 12 والزنك والفوسفور.

هل الجبن مفيد أو ضار للقلب؟

لعقود من الزمن، أوصت الإرشادات الغذائية بالحد من تناول الجبن بسبب محتواه العالي من الدهون المشبعة، وفقاً لموقع «تليغراف».

ويستند ذلك إلى فكرة أن الدهون المشبعة ترفع نسبة الكوليسترول وتزيد من خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية. ولكن تشير أدلة متزايدة إلى أن الأمر قد لا يكون بهذا الشكل.

سيدة مصرية تضع قطعاً من جبن القريش المصنع حديثاً (أ.ف.ب)

تقول إيما فيني، الأستاذ المساعد في معهد كلية دبلن للأغذية والصحة التابع لجامعة دبلن: «تشير الكثير من الأبحاث الآن إلى أن الدهون المشبعة الموجودة في الألبان (والجبن) قد يكون لها تأثير محايد أو مفيد على صحة القلب».

على سبيل المثال، وجدت دراسة في التغذية في عام 2023 أنه لا توجد علاقة بين استهلاك الجبن وأمراض القلب، بل تأثير محايد أو وقائي قليلاً. لا يزال العلماء لا يعرفون تماماً لماذا قد تكون أنواع الدهون الموجودة في الجبن مفيدة.

وتوضح فيني أنه من الممكن أن تكون هذه الدهون تساهم في تقليل ضرر الكوليسترول الضار مع رفع فائدة الكوليسترول الجيد. وتضيف: «هناك أيضاً تأثير (مصفوفة الألبان) وهذا يعني أن المكونات الغذائية الكلية داخل الجبن تتفاعل بطريقة تجعلها أكثر فائدة من مجموع أجزائها».

على سبيل المثال، على الرغم من أن الجبن والزبدة مصنوعان من المكونات نفسها، فإن العديد من الدراسات تظهر أن دهون الألبان من الجبن ترفع نسبة الكوليسترول في الدم أقل من الدهون نفسها من الزبدة، وفقاً لفيني.

ووجدت دراسة أخرى مثيرة للاهتمام أن الجبن المذاب قد يرفع نسبة الكوليسترول في الدم أكثر من الجبن غير المذاب، على الرغم من أن الباحثين لا يزالون يعملون على معرفة السبب.

فوندو الجبن من أشهر الأطباق السويسرية (الشرق الأوسط)

العلاقة بين الجبن والسكري من النوع الثاني

تشير بعض الأبحاث إلى وجود صلة بين استهلاك الجبن وانخفاض خطر الإصابة بالنوع الثاني من مرض السكري، لكن فيني تقول إنه «لم يتم إثبات أي شيء. ولا يمكننا افتراض السبب والنتيجة من هذه الأنواع من الدراسات، ولكن هناك مجموعة من الآليات المحتملة».

عندما ينضج الجبن، تتفكك بروتيناته إلى قطع أصغر، قد يساعد بعضها في التحكم في مستويات السكر في الدم.وتسمى هذه المركبات المفيدة بالببتيدات النشطة بيولوجياً. وتضيف فيني: «توجد بمستويات متفاوتة في معظم الأجبان، ولكن بشكل خاص في الأجبان الطرية».

وهناك أيضاً بعض الأدلة على أن منتجات الألبان المخمرة، بما في ذلك الجبن، تدعم ميكروبات الأمعاء التي تلعب دوراً في تنظيم نسبة السكر في الدم. لكن الخبراء يشددون على أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات الطويلة الأجل لتأكيد هذه التأثيرات، وتحديد أنواع الجبن الأكثر فائدة.

بعض أنواع الجبن المفيدة لصحة الأمعاء

تشمل الأجبان المخمرة التي تحتوي على البكتيريا الحية التي قد تساعد القناة الهضمية: جبنة جودة والجبن السويسري وجبن ستيلتون.

سيدة مصرية تقطع قالباً من الجبن المصنع حديثاً (أ.ف.ب)

تقول إيميلي ليمنغ، عالمة الميكروبيوم واختصاصية التغذية إنه ليست كل أنواع الجبن مفيدة لصحة الأمعاء، لكن بعض الأصناف قد تساعد. وتوضح: «تحتوي الأجبان المخمرة، مثل جبن جودة والسويسري وستيلتون، على بكتيريا حية من عملية التخمير. ولا يمكن لجميع البكتيريا الموجودة في الجبن أن تنجو من عملية الهضم».

يتم تخمير معظم الأجبان إلى حد ما، ولكن بعضها يتم تخميرها بشكل مكثف أكثر من غيرها، لذلك تحتوي على عدد أكبر من الميكروبات. فالجبن السويسري، على سبيل المثال، يحتوي على ثقوب مميزة هي من صنع بكتيريا «بروبيونيباكتيريوم فرودينريتشي» وهي بكتيريا تطلق ثاني أكسيد الكربون في أثناء تخمرها. ومن المعروف أن سلالات معينة منها تنجو من عملية الهضم، وتشير الأبحاث إلى أنها قد تساعد في تقليل التهاب الأمعاء وتدعم إنتاج فيتامين «بي 12».

ويجب ملاحظة أنه ليس كل الجبن الأزرق يدخل في قائمة الجبن الصديق للأمعاء. تأتي هذه العروق الزرقاء المميزة من الفطريات «بنيسيليوم روكفورتي»، ولكن من المعروف أن بعض الأصناف مثل ستيلتون يحتوي على بكتيريا صديقة للأمعاء أيضاً.

كلير مالكة متجر الجبن «بارتيليمي» أمام متجرها في باريس (أ.ف.ب)

وتضيف ليمنغ: «التعتيق لا يجعل بالضرورة الجبن أكثر صداقة للأمعاء. تفقد الأجبان المعتقة مثل جبن البارميزان وجبن الغرويير معظم البكتيريا الحية مع مرور الوقت». وتشير إلى أن أفضل أنواع الجبن لصحة الأمعاء هو الجبن المعتق لفترة طويلة بما فيه الكفاية لتزدهر البكتيريا الصحية ولكن ليس لفترة طويلة بحيث تختفي.

ماذا عن الجبن غير المبستر؟

تقول ليمنغ: «من الناحية النظرية، فإن الجبن غير المبستر أفضل لصحة الأمعاء من الجبن المبستر، ولكن هناك اعتبارات تتعلق بالسلامة».

وجدت دراسة أجريت في المملكة المتحدة عام 2022 أنه على الرغم من أن 82 في المائة من الأجبان غير المبسترة آمنة للأكل، فإنها ليست خالية تماماً من المخاطر.

وتنصح ليمنغ الحوامل والأطفال وكبار السن والذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة بتجنب الجبن غير المبستر.

هل الجبن مفيد لصحة العظام؟

تقول أليكس رواني باحثة دكتوراه في علوم التغذية في كلية لندن الجامعية إن الجبن يمكن أن يساعد في الحفاظ على صحة العظام لاحتوائه على الكالسيوم والفوسفور والبروتين وفيتامين «ك2».

وتضيف: «تشير بعض الأبحاث إلى أن الاستهلاك المنتظم والمعتدل للجبن يمكن أن يدعم قوة العظام لدى النساء بعد انقطاع الطمث وكبار السن. وقد يرجع ذلك إلى أن العناصر الغذائية الموجودة في الجبن يمكن أن تساعد في الحد من هشاشة العظام».

هل سيؤدي الجبن إلى زيادة الوزن؟

يحتوي الجبن كامل الدسم بشكل عام على نسبة عالية من السعرات الحرارية. على سبيل المثال، تحتوي قطعة 30 غراماً من جبن الشيدر، وهو أحد أكثر أنواع الجبن كثافة في الطاقة، على نحو 120 سعراً حرارياً. يحتوي جبن البارميزان وجبن الغرويير على كميات مماثلة.

وترى رواني أنه: «على الرغم من أن الجبن عالي السعرات الحرارية، فإن تناوله باعتدال لا يسبب زيادة الدهون بطبيعته ويمكن أن يكون جزءاً من نظام غذائي صحي وغني بالمغذيات».

قوالب من جبن بارميزان الأصفر (رويترز)

وخلصت دراسة نُشرت في مجلة «التطورات في التغذية» في عام 2023، أن تناول الجبن باعتدال لا يؤدي بالضرورة إلى السمنة، بل قد يدعم التحكم في الوزن. وقد يرجع ذلك إلى أن الجبن غني بالبروتين والدهون، مما يساعد على الشعور بالشبع لفترة أطول. ووجدت الدراسة نفسها أن تناول الجبن لا يزيد ولا يقلل من خطر الوفاة لأي سبب من الأسباب.

ما كمية الجبن الصحية؟

على الرغم من تغير الرأي العلمي حول الدهون المشبعة في الجبن، فإن هذا ليس ضوءًا أخضر لاستهلاك كميات كبيرة منه.

يقول ديل ستانفورد، اختصاصي تغذية في مؤسسة القلب البريطانية: «يمكن أن يكون الجبن جزءاً من نظام غذائي صحي، ولكن يجب أن تنظر إلى كمية الدهون المشبعة التي تتناولها بشكل عام واحتياجاتك الصحية عند تحديد الكمية التي يجب تناولها»، مضيفاً: «يحتوي الجبن أيضاً على نسبة عالية من الملح، مما قد يرفع ضغط الدم. ارتفاع نسبة الكوليسترول وارتفاع ضغط الدم يعرضان لخطر الإصابة بنوبة قلبية أو سكتة دماغية».

وتوصي الإرشادات الرسمية بتناول أقل 30 غراماً من الجبن يومياً، أي قطعة بحجم علبة الكبريت تقريباً. وهذا يتماشى مع التوصيات الموجهة للأصحاء بالحد من تناول الدهون المشبعة إلى 11 في المائة من إجمالي السعرات الحرارية، أو 220 سعرة حرارية في اليوم كجزء من نظام غذائي يحتوي على ألفي سعرة حرارية في اليوم. بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب والأوعية الدموية أو المعرضين لخطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، فإن الحد الموصى به من تناول الدهون المشبعة يومياً هو 7 في المائة من السعرات الحرارية.

فيما يلي نلقي نظرة على الأنواع المختلفة من الجبن ومتوسط القيمة الغذائية لها (تستند القيم الغذائية إلى حصة 30 غراماً ما لم يذكر خلاف ذلك):

جبن الشيدر

السعرات الحرارية 125 سعرة حرارية

الدهون: 10.5 غ

الدهون المشبعة: 6.5 غ

السكر: 0 غ

الملح: 0.54 غ

ليستر أحمر

السعرات الحرارية 121 سعرة حرارية

الدهون: 10.1 غ

الدهون المشبعة: 6.3 غ

سكر أقل من 0.1 غ

الملح: 0.5 غ

الجبن القريش

السعرات الحرارية 31 سعرة حرارية

الدهون: 1.35 غ

دهون مشبعة: 0.856 غ

السكر: 0.9 غ

الملح: 0.122 غ

الموزاريلا

السعرات الحرارية 71 سعرة حرارية

الدهون: 5.4 غ

الدهون المشبعة: 3.8 غ

السكر: 0.2 غ

الملح: 0.12 غ

ريكوتا

السعرات الحرارية 31 سعرة حرارية

الدهون: 2.1 غ

دهون مشبعة: 1.5 غ

السكر: 0.9 غ

الملح: 0.1 غ

الكممبر

السعرات الحرارية 78 سعرة حرارية

الدهون: 6 غ

الدهون المشبعة: 4.1 غ

سكر أقل من 0.1 غ

الملح: 0.39 غ

جبن البري لذيذ مع العسل (شاترستوك)

جبن بري

السعرات الحرارية 90 سعرة حرارية

الدهون: 7.1 غ

الدهون المشبعة: 4.7 غ

سكر أقل من 0.1 غ

الملح: 0.39 غ

ستيلتون

السعرات الحرارية 123 سعرة حرارية

الدهون: 10.5 غ

الدهون المشبعة: 6.9 غ

سكر أقل من 0.1 غ

الملح: 0.59 غ

الحلومي

السعرات الحرارية 94 سعرة حرارية

الدهون: 7.6 غ

الدهون المشبعة: 5.6 غ

السكر: 0.5 غ

الملح: 0.79 غ


مقالات ذات صلة

ماذا تأكل لتقليل مقاومة الإنسولين؟

صحتك مقاومة الإنسولين تؤدي إلى تراكم كمية كبيرة من السكر في الدم ما قد يُؤدي إلى الإصابة بالسكري (رويترز)

ماذا تأكل لتقليل مقاومة الإنسولين؟

يمكن لاعتماد نظام غذائي صحي ومتوازن أن يساعد على التحكم في مستويات السكر وتقليل مقاومة الإنسولين، ما يحمي صحتك على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك اللحوم المصنعة غالباً ما تكون غنية بالصوديوم والدهون المشبعة والسعرات الحرارية (رويترز)

الأغذية المصنعة سبب انتشار «نوبات الشراهة» عالمياً

أفادت دراسة جديدة، أجراها فريق من الباحثين من جامعة ميشيغان الأميركية، بأن الأطعمة المصنَّعة سبب رئيسي لانتشار «نوبات الشراهة» في مختلف بلدان العالم الحديث.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك امرأة تتناول طبقاً من الزبادي مع فاكهة - (بيكسيلز)

6 أطعمة إفطار مفيدة للأمعاء

يؤكد خبراء التغذية على أن تناول وجبة إفطار متوازنة وغنية بالعناصر الغذائية يمكن أن يكون نقطة انطلاق مثالية ليومٍ مليء بالنشاط والتركيز.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق تحتوي البيضة الكاملة على نحو 6 غرامات من البروتين (رويترز)

5 نصائح لاختيار بيض صحي من المتاجر

يُعد البيض مصدراً ممتازاً للبروتين عالي الجودة وجميع الأحماض الأمينية الأساسية اللازمة للجسم كما أنه غني بفيتامينات «ب»، و«د»، و«أ»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك تناول كوبين من الحليب يومياً يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالسكتة الدماغية (رويترز)

كوبان من الحليب يومياً يقللان من خطر الإصابة بالسكتة الدماغية

كشفت دراسة يابانية حديثة أن مجرد تناول كوبين من الحليب يومياً يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالسكتة الدماغية بنسبة تصل إلى 7 %.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

أمراض نادرة... تتخفّى وراء تشخيصات شائعة

أمراض نادرة... تتخفّى وراء تشخيصات شائعة
TT

أمراض نادرة... تتخفّى وراء تشخيصات شائعة

أمراض نادرة... تتخفّى وراء تشخيصات شائعة

يُعدّ ألم المفاصل من أكثر الشكاوى شيوعاً في الممارسة الطبية اليومية، وغالباً ما يُفسَّر ضمن إطار الأمراض الروماتيزمية المعروفة، نظراً لتكرار هذه الحالات وتشابه مظاهرها السريرية. غير أن هذا الافتراض، على وجاهته في كثير من الأحيان، قد يتحوّل إلى فخٍّ تشخيصي حين يُختزل العرض في تشخيص شائع، فيما يُغفل احتمال وجود اضطرابات أقل شيوعاً وأكثر تعقيداً تتخفّى خلف الصورة نفسها.

وتشير الأدبيات الطبية إلى أن نسبة غير قليلة من المرضى الذين يعانون من آلام مفصلية مزمنة، لا تنطبق عليهم المعايير الكلاسيكية للأمراض الروماتيزمية الشائعة، أو لا يستجيبون للمسارات العلاجية المتوقعة، كما يؤكد مختصون في أمراض الروماتيزم أن التشخيص الأولي، وإن كان منطقياً، لا ينبغي أن يتحوّل إلى «تشخيص نهائي صامت» لا يُراجع، خصوصاً في الحالات التي لا تُظهر استجابة علاجية متوقعة، وهذا ما يستدعي إعادة النظر في التشخيص بدل الاكتفاء بتعديله دوائياً.

التشخيص التفريقي لآلام المفاصل

يشترك كثير من الأمراض - الشائعة والنادرة على حدٍّ سواء - في مظاهر سريرية متقاربة، ما يعكس أهمية التشخيص التفريقي (Differential Diagnosis) في تقييم حالات آلام المفاصل الالتهابية. وتؤكد تقارير «الكلية الأميركية لأمراض الروماتيزم» (American College of Rheumatology)، أن الأعراض التالية تُعدّ من أكثر المظاهر شيوعاً في هذه الحالات:

- ألم المفاصل، سواء كان متنقّلاً أم ثابتاً.

- التيبّس الصباحي.

- التورّم الموضعي.

- ارتفاع مؤشرات الالتهاب.

- تحسّن جزئي أو مؤقت مع تناول المسكنات أو الكورتيزون.

وقد توجّه هذه الصورة السريرية، المألوفة في الممارسة اليومية، التفكير مباشرة نحو تشخيص روماتيزمي، وهو توجّه مفهوم في ظل ضغط العمل وكثرة الحالات. غير أن الإشكالية لا تكمن في هذا الافتراض الأولي بحد ذاته؛ بل في الاطمئنان المبكر له وعدم إعادة تقييمه عندما لا تسير القصة السريرية وفق المسار المتوقع.

وتحذّر مراجعات منهجية منشورة في دوريات متخصصة بأمراض الروماتيزم؛ مثل «حوليات أمراض الروماتيزم» (Annals of the Rheumatic Diseases)، من أن الاعتماد على العرض المفصلي بمعزل عن التقييم الجهازي الشامل، قد يؤدي إلى تأخير تشخيص أمراض مناعية أو التهابية نادرة، وهو تأخير قد تترتب عليه تبعات علاجية ووظيفية مهمة.

كما تُظهر دراسات تحليلية، من بينها دراسة راموس - كاساز وزملائه، أن عدداً من الأمراض المناعية أو الالتهابية النادرة، قد يبدأ بصورة تحاكي أمراض المفاصل الشائعة، قبل أن تتكشف لاحقاً إصابات متعددة في أجهزة أخرى. وهذا ما يجعل الاكتفاء بالصورة المفصلية وحدها أحد الأسباب الشائعة للتأخر التشخيصي.

من واقع العيادات

في الممارسة السريرية اليومية، هناك صور مرضية تُربك التشخيص وتفرض إعادة التقييم، فالأطباء يواجهون كثيراً من الحالات التي تضطرهم لإعادة النظر في التشخيص الأولي؛ لا بسبب خطأ واضح، بل بسبب تطوّر القصة المرضية خارج الإطار المتوقع، وتُذكّرهم بأن ألم المفصل ليس تشخيصاً بحد ذاته، بل علامة تحتاج إلى تفكير أوسع وتقييم أدق. ومن تلك الحالات الشائعة:

• مريضة في منتصف العمر تشكو من آلام مفصلية متنقلة وتيبّس صباحي، مع ارتفاع طفيف في مؤشرات الالتهاب. يتم تشخيصها مبدئياً بوصفها حالة التهاب مفاصل روماتويدي مبكر (Early Rheumatoid Arthritis)، وتبدأ العلاج وفق البروتوكول المعتاد في هذا التشخيص. غير أن غياب التحسّن المتوقع، وظهور أعراض جهازية لاحقة غير مفصلية، يفتح باب الشك في أن المفصل لم يكن سوى جزءٍ من صورة مرضية أوسع.

• مريضة أخرى، شابة، تشكو من آلام مفصلية شديدة وإرهاق عام، لكن فحوصاتها المخبرية تصنف بأنها «سليمة» رغم تكرار إعادتها، فيتم توجيه أعراضها المبكرة إلى عوامل نفسية أو وظيفية، ثم يكشف تطوّر الصورة السريرية لاحقاً عن مرض نادر لم يكن مطروحاً في قائمة التشخيص التفريقي منذ البداية.

• ومن جانب آخر، فذاك رجل في الخمسين من عمره استمر لسنوات يعاني من آلام مفصلية متكررة دون تآكلات واضحة في الصور الشعاعية، وتلقّى تشخيصات متبدّلة بين التهاب مفاصل غير نوعي واضطرابات روماتيزمية غير محددة. لم يكن التحوّل في مسار التشخيص إلا بعد الانتباه إلى علامات خارج الجهاز الحركي لم تكن موضع تركيز في البداية.

هذه الحالات، وإن اختلفت تفاصيلها، تشترك في نقطة محورية واحدة: تشابه العرض المفصلي، واختلاف جوهر المرض.

تشخيصات محتملة

في سياق التشخيص التفريقي لألم المفاصل، تؤكد المراجع السريرية الحديثة أن الإشكالية لا تكمن في شيوع تشخيص التهاب المفاصل الروماتويدي مثلاً؛ بل في افتراضه إطاراً تفسيرياً نهائياً منذ البداية، خصوصاً عندما لا تتماشى الأعراض مع مساره المعروف. فغياب الاستجابة العلاجية المتوقعة، أو ظهور مظاهر جهازية غير مفسَّرة، أو عدم اكتمال الصورة الروماتيزمية الكلاسيكية، ينبغي أن يدفع الطبيب إلى توسيع دائرة التفكير بدل تضييقها.

ومن بين التشخيصات التي يجب أن تبقى حاضرة في هذا السياق ما يلي:

• الأمراض المناعية الجهازية، وعلى رأسها الذئبة الحمامية (الحمراء) الجهازية (systemic lupus erythematosus)، التي كثيراً ما تبدأ بألم مفصلي غير نوعي، ومتنقل، وغير مخرّب، قبل أن تتبلور علاماتها الجلدية أو المخبرية المميّزة. وفي مثل هذه الحالات، قد يُفسَّر الألم المفصلي خطأً بوصفه التهاباً روماتيزمياً مبكراً، بينما يكون في الواقع جزءاً من اضطراب مناعي أوسع لم يكشف عن نفسه بعد. وينطبق الأمر ذاته على التهاب الأوعية الدموية، حيث قد يكون ألم المفاصل عرضاً مرافقاً لمرض جهازي يتظاهر لاحقاً بإصابات جلدية، أو عصبية، أو كلوية، تجعل التشخيص أكثر وضوحاً بأثر رجعي.

• الأمراض الالتهابية النادرة، مثل التهاب الغضاريف الناكس (Relapsing Polychondritis)، حيث لا يكون المفصل هو الهدف الأساسي للمرض، بل أحد تجلّياته المتعددة. ففي هذه الحالات، قد يتقدّم ألم المفصل المشهد السريري في المراحل المبكرة، بينما تُهمَل مظاهر أخرى أكثر نوعية - كإصابة الأذن أو الجهاز التنفسي - لعدم الربط بينها في البداية. ويُعدّ هذا النموذج مثالاً كلاسيكياً على كيف يمكن لمرض نادر أن يتخفّى خلف عرض شائع إذا لم يُقرأ السياق السريري كاملاً.

• الاضطرابات الاستقلابية، وهي لا تقلّ أهمية عما سبق؛ مثل داء ترسّب الأصبغة الدموية (Hereditary Hemochromatosis)، الذي قد يحاكي التهاب المفاصل الروماتويدي في بداياته، سواء من حيث توزّع الألم أو طبيعته الالتهابية، قبل أن تظهر العلامات الاستقلابية أو العضوية المميّزة. وغالباً ما يؤدي عدم التفكير في هذا الاحتمال إلى سنوات من العلاج غير الموجّه، في حين أن التشخيص المبكر قد يغيّر مسار المرض جذرياً.

• الالتهابات المزمنة، لا سيما تلك المرتبطة بعدوى فيروسية، فهي تمثّل تحدّياً تشخيصياً إضافياً؛ إذ قد يتداخل الألم المفصلي فيها مع سياق إنتاني غير واضح المعالم، ويُساء تفسيره بوصفه مرضاً روماتيزمياً أولياً. ومن الأمثلة المعروفة على ذلك التهاب المفاصل المرتبط بعدوى فيروس التهاب الكبد سي (hepatitis C–associated arthritis)، حيث قد تتقدّم الأعراض المفصلية المشهد السريري قبل ظهور الدلائل الكبدية الواضحة، وكذلك الالتهاب المفصلي التالي لـ«عدوى فيروس بارڤو B19»(parvovirus B19–related arthropathy)، الذي قد يحاكي في بداياته التهاب المفاصل الروماتويدي، خصوصاً عند البالغين. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون المفصل هو المشكلة بقدر ما يكون انعكاساً لاستجابة مناعية أوسع تتطلب تقييماً مختلفاً لمسار المرض.

«الشكّ التشخيصي»

متى يصبح الشك التشخيصي ضرورةً؟ توصي الإرشادات السريرية الحديثة بالمعهد الوطني للصحة والرعاية المتميزة - بريطانيا (National Institute for Health and Care Excellence (NICE))، بضرورة إعادة تقييم التشخيص في حال ظهور ما يُعرف بـ«العلامات التحذيرية red flags»، ومن أبرزها:

- عدم الاستجابة للعلاج المتوقع رغم الالتزام به.

- وجود أعراض جهازية غير مفسَّرة (حمّى، ونقص وزن، وتعب شديد).

- إصابة أعضاء لا تنسجم مع نمط المرض الروماتيزمي المفترض.

- تناقض بين شدة الأعراض ونتائج الفحوصات.

- تغيّر نمط الألم أو تطوّره بمرور الوقت.

الاعتماد على أعراض المفصل بمعزل عن التقييم الجهازي الشامل قد يؤدي إلى تأخير تشخيص أمراض مناعية أو التهابية نادرة

وتوضح تقارير منشورة في مجلات الطب الباطني والروماتيزم، أن تجاهل هذه المؤشرات قد يؤدي إلى تأخر تشخيص أمراض مناعية جهازية، أو اضطرابات التهابية نادرة، أو حتى أمراض استقلابية ووعائية، يكون المفصل فيها مجرد نقطة بداية لا أكثر.

وتشير التحليلات الحديثة في أدبيات السلامة الطبية (Singh H, et al. BMJ Quality & Safety)، إلى أن كثيراً من حالات التأخر التشخيصي في الأمراض النادرة لا يعود إلى تقصير فردي؛ بل إلى طبيعة هذه الأمراض نفسها، من حيث ندرتها، وتداخل أعراضها، وافتقارها في المراحل المبكرة إلى علامات فاصلة.

ومن غير المنصف اختزال هذه الإشكالية في إطار «الخطأ الطبي»؛ فالأمراض النادرة، بطبيعتها، لا تأتي غالباً بصورة كتابية، كما أن ندرتها تجعلها خارج دائرة التفكير الأولي في كثير من الأحيان، إضافة إلى ضغط العيادات، كلها عوامل تفسّر - ولا تبرّر - هذا التأخير التشخيصي.

وتؤكد الأدبيات الطبية أن إعادة التفكير التشخيصي، عندما تفرض المعطيات السريرية ذلك، ليست اعترافاً بالخطأ؛ بل ممارسة مهنية ناضجة، تعكس فهماً لطبيعة المرض أكثر مما تعكس تردّداً في القرار.

وهكذا يتضح لنا أن ألم المفصل هو عرض شائع، وأن الطب لا يُمارَس بالشيوع وحده. فحين لا تتماشى الأعراض مع المسار المتوقع، أو تتسع الصورة السريرية خارج إطار المفصل، أو تتعارض القصة المرضية مع التشخيص المتوقع، يصبح التوقّف وإعادة النظر واجباً لا خياراً أو ترفاً علمياً.

وتؤكد الأبحاث أنه ينبغي عدم إغفال بعض الاضطرابات الوراثية أو النادرة التي قد تتظاهر بألم مفصلي مستمر، مع فحوصات مخبرية طبيعية في المراحل الأولى، وهو ما يزيد من خطر تصنيفها بوصفها حالات «غير نوعية» أو «وظيفية».

ويجمع الخبراء على أن إدراج هذه التشخيصات ضمن الذهن السريري لا يعني البحث عن النادر في كل مريض؛ بل الحفاظ على مرونة التفكير عندما لا تدعم المعطيات السريرية التشخيص الأكثر شيوعاً.

فليس كلُّ ألمِ مفصلٍ «روماتيزم»، فأحياناً، يكون المفصل مجرد بداية لقصة مرضية أكثر تعقيداً وأعمق ندرة مما يبدو.

* استشاري طب المجتمع

 

لمتابعة التقارير الخاصة للـ«الشرق الأوسط» عبر محرك البحث غوغل اضغط هنا وانقر مربع التفضيلات


دليلك للتعامل مع التهاب مفاصل الإبهام

دليلك للتعامل مع التهاب مفاصل الإبهام
TT

دليلك للتعامل مع التهاب مفاصل الإبهام

دليلك للتعامل مع التهاب مفاصل الإبهام

تُعدّ أصابع الإبهام لدينا أشبه أعجوبة، فهي تمكننا من الإمساك بالأشياء بسهولة تامة. وفي الواقع، يعتمد نحو 40 في المائة من وظائف اليد على الإبهام. وهنا، أوضحت كريستين كاياتي، الاختصاصية المعتمدة بمجال علاج اليد والعلاج الوظيفي، في «مركز سبولدينغ لإعادة التأهيل»، التابع لجامعة هارفارد، أنه «عندما يُصاب إبهامنا بأي مشكلة، فإن ذلك قد يُعوق قدرتنا على أداء وظائفنا اليومية».

إذا أصبحت مهام بسيطة، مثل فتح علبة، أو حمل طبق، أو رفع بنطالك، صعبة ومؤلمة، فمن المحتمل أن تكون المشكلة «التهاب مفاصل الإبهام (thumb arthritis)». الحقيقة أنه بعد سن السبعين، تكون النساء أعلى عرضة للإصابة بهذا النوع من التهاب المفاصل، بنحو الضعف مقارنةً بالرجال.

ما «التهاب مفاصل الإبهام»؟

يُسمى مفصل الإبهام الأكثر عرضة للإصابة بالفصال العظمي بـ«المفصل الرسغي السنعي (carpometacarpal - CMC- joint)». ويقع هذا المفصل في قاعدة الإبهام، بين العظم الطويل في الجزء اللحمي من الإبهام وعظم صغير في الرسغ يُسمى «العظم المربع المنحرف».

ويُتيح «المفصل الرسغي السنعي» للإبهام نطاقاً واسعاً من الحركة، بما في ذلك القدرة على التقابل، بمعنى أن الإبهام يتحرك بحيث يلامس أطراف الأصابع الأخرى؛ مما يسمح لليد بالإمساك بالأشياء والتحكم فيها. وتوفر الأربطةُ (أشرطة مرنة من الأنسجة تربط العظام بعضها ببعض)، والأوتارُ، والعضلاتُ، الثباتَ.

ويجري تعريف «التهاب مفصل قاعدة الإبهام» بأنه مشكلة ناجمة عن التآكل وعدم الثبات. وكما الحال مع التهاب المفصل العظمي في أي مفصل، يتآكل الغضروف المبطن الذي يغطي نهايات العظام، وتضعف الأربطة الداعمة، مما يؤدي إلى حالة من عدم الثبات.

وشرحت كاياتي بأنه «عندما يحدث هذا، فقد لا تصطف العظام بشكل صحيح لتؤدي وظيفتها بكفاءة ودون ألم».

الأعراض الشائعة للالتهاب

تتضمن أعراض التهاب مفصل الإبهام ألماً جديداً أو متفاقماً في قاعدة الإبهام، وألماً يمتد إلى اليد أو الرسغ من جهة الإبهام. وقد يكون مؤلماً عند القرص أو اللف أو الإمساك. وقد يكون القرص الجانبي (تقريب الإبهام من جانب السبابة) مؤلماً بشكل خاص. وقد ينتابك شعور بالألم حتى حال عدم تحريكها.

بوجه عام، يبدو بعض الأشخاص أعلى عرضة لإسقاط الأشياء بسبب الألم، أو ضعف العضلات، أو خلل في المفصل، يحول دون إرسال الدماغ إشارات صحيحة للعضلات، لإبقاء اليد ممسكة بالأشياء.

ومع مرور الوقت، قد تظهر تغيرات واضحة على اليد والإبهام تؤثر على نطاق حركتهما.

تشخيص الالتهاب

للحصول على التشخيص، تنصح كاياتي بزيارة جراح مختص في جراحة اليد. كما يمكن لطبيب الرعاية الأولية أو اختصاصي روماتيزم تشخيص الحالة. ولا يوجد فحص واحد لالتهاب مفاصل الإبهام، وإنما يجري التشخيص من خلال الفحص السريري والأشعة السينية. ويتولى فني الأشعة وضع يدك في أوضاع مختلفة لتحديد مدى التدهور ودرجة التشوه. وقد يحيلك الطبيب إلى اختصاصي علاج وظيفي، مختص في علاج اليد، أو قد يوصي بالجراحة في الحالات الأشد حدة.

خيارات العلاج

إذا لم يكن التهاب المفاصل شديداً، وكنت تستخدم أساليب حماية المفصل، فمن المرجح ألا تحتاج إلى جراحة. وعن ذلك، شرحت كاياتي بأنه «نتولى تعليم الناس كيفية استخدام الإبهام بطرق تُعزز وضعيات اليد التي تُوفر الثبات، بينما نُثني عن الوضعيات التي قد تُسبب عدم الثبات».

في العادة، يتضمن العلاج العناصر التالية:

- التدريب على تحسين ميكانيكية اليد: على سبيل المثال، ستتعلم تجنب الضغط بالإبهام على جانب السبابة؛ مما يخلق ضغطاً على المفصل. يُعدّ إبقاء اليد على شكل حرف «سي (C)» مُقوّس في أثناء الإمساك بالأشياء وإفلاتها، ألطف وأثبت.

- علاج اليد: يتولى اختصاصيو العلاج الوظيفي تعليم تمارين لتقوية العضلات الصغيرة، التي تدعم المفصل. وتستهدف هذه الحركات تثبيت الإبهام (وليس إجهاده). إليك مثالاً بسيطاً: تخيّل أنك تُمسك كرة تنس في يدك. اضغط برفق وثبّت الوضعية. كرّر ذلك من 10 مرات إلى 20 مرة. ويُساعد هذا في تدريب اليد على إبقاء الإبهام في وضعية ثابتة.

- الجبائر واللصقات: توجد جبائر لينة وصلبة، بجانب تقنيات لصق خاصة. تُساعد هذه الأدوات في تثبيت الإبهام وتدريب اليد على استخدام الوضعيات الأعلى ثباتاً. ويمكنك الحصول على جبيرة مصممة خصيصاً أو شراء واحدة جاهزة. احرص على استشارة اختصاصي العلاج الوظيفي للحصول على توصية تضمن لك الحصول على النوع المناسب. وتجعل جبيرةُ اليد المخصصةُ لـ«متلازمة النفقِ الرسغي» الإبهامَ في وضعية لا تسبب التهاب مفاصل الإبهام.

- تسكين الألم: قد يساعد استخدام الحرارة والتدليك الذاتي في تخفيف الألم. بشكل عام؛ الدفء أفضل تهدئة لآلام المفاصل بشكل أعلى فاعلية من الثلج. استشر طبيبك بخصوص أنسب مسكن للألم. ويصف كثير من الأطباء حقن «كورتيكوستيرويد» لتسكين الألم.

وحال استمرار الألم في التأثير على حياتك اليومية رغم هذه الإجراءات، فإن طبيبك قد يوصي بخيار الجراحة.

* «رسالة هارفارد - مراقبة صحة المرأة»

- خدمات «تريبيون ميديا»


المعادن النفيسة... استخدامات علاجية ودوائية

المعادن النفيسة... استخدامات علاجية ودوائية
TT

المعادن النفيسة... استخدامات علاجية ودوائية

المعادن النفيسة... استخدامات علاجية ودوائية

تُستخدم المعادن بالعموم على نطاق واسع في وسائل العلاجات الدوائية والجراحية والتشخيصية، وهو موضوع بحث علمي وصحي مستمر. ولكنْ ثمة عدد من المعادن الثمينة والنادرة التي تُستخدم في تطبيقات صحية مُحددة، وتُساعد الإنسان على التغلب على بعض الأمراض الخطيرة. وتتوالى الدراسات الطبية حول الاستخدامات الطبية الحالية والمستقبلية لثلاثة من المعادن الثمينة، وهي الذهب والبلاتين والفضة.

وبمراجعة موقع بابميد الطبي PubMed، التابع للمؤسسة القومية للصحة بالولايات المتحدة NIH، للفترة من بداية هذا العام 2026 وحتى لحظة كتابة هذا المقال، نلاحظ توسعاً في عدد الدراسات الطبية التي تتناول معادن الذهب والبلاتين والفضة في الاستخدامات العلاجية والتطبيقات الصحية عالية الأهمية، وخاصة في أمراض مهمة كالسرطان والعمليات الجراحية والأمراض القلبية. وعلى سبيل المثال، بوضع كلمة «ذهب» للبحث في موقع بوبميد للدراسات الطبية، تظهر لنا 2615 دراسة. وبوضع كلمة «بلاتين»، تظهر لنا 615 دراسة. وبوضع كلمة «فضة»، تظهر لنا 1258 دراسة.

استخدامات الفضة الطبية

وفي الخلفية التاريخية، يعود استخدام الفضة في الطب إلى ما لا يقل عن 400 قبل الميلاد، عندما كتب الطبيب والفيلسوف اليوناني أبقراط عن استخدامها لتحسين العناية بالجروح. وقد استفاد سكان مدينة دولوث بولاية مينيسوتا في أواخر القرن التاسع عشر من الخصائص المضادة للميكروبات التي يمتلكها معدن الفضة، والتي لا تزال تُستخدم في الطب الحديث. وتُمارس الفضة تأثيرها المضاد للبكتيريا عندما ترتبط أيوناتها بأغشية الخلايا الميكروبية الواقية وتُعطلها، مما يُثبط الإنزيمات اللازمة لبقاء الميكروبات داخل خلاياها، ويُعطل تضاعف الحمض النووي DNA Replication اللازم لتكاثرها.

وتُعدّ الفضة عاملاً مضاداً للميكروبات واسع الطيف، فعالاً ضدّ العديد من الكائنات الدقيقة، بما في ذلك البكتيريا والفطريات. كما تُستخدم في المستحضرات الموضعية لتوفير الحماية المضادة للميكروبات أثناء التئام الجروح. وتُصنّع أيضاً ضمادات مُطعّمة بجزيئات الفضة، مثل لاستخدامها كضمادات للجروح. ويزداد استخدام الأجهزة الطبية الفضية (الأدوات الجراحية، والإبر، ومقابض الأبواب، وغيرها) في المستشفيات لمنع انتشار بكتيريا المكورات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين MRSA. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للأدوية الموضعية الموصوفة طبياً، مثل سلفاديازين الفضة، أن تمنع العدوى لدى الأشخاص المصابين بحروق شديدة.

ونحن نعلم اليوم أنه في ظل ظروف معينة، تشكل الفضة أيونات تعطل العمليات الميكروبية، وتتداخل مع الروابط بين البروتينات الرئيسية في البكتيريا والحمض النووي الخاص بها. وهذا يجعل الفضة مفيدة للغاية في المجال الطبي، حيث تم استخدامها منذ أوائل القرن العشرين كخيوط مضادة للميكروبات، وقطرات للعين، والعناية بالجروح. وتحديداً، طوَّر العلماء طريقةً لدمج جزيئات الفضة النانوية Nanosilver في خيوط الحرير الجراحية Silk Sutures، مما يقلل من نمو الميكروبات والعدوى في مواقع الخياطة. ويعمل فريق آخر على نظام زرع فضة مُنشّط كهربائياً Electrically Activated Silver Implant System الذي من شأنه أن يقلل من العدوى المرتبطة بالأجهزة الطبية القابلة للزرع. كما يجري العمل على دراسة إمكانية دمج جزيئات الفضة النانوية مع المضادات الحيوية لتعزيز فعاليتها ضد البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.

وشهدت ستينيات القرن العشرين تطور سلفاديازين الفضة، وهو مركب وجد أنه علاج فعال للحروق الشديدة وكان جزءاً من العلاج القياسي حتى عقود قليلة مضت، عندما حلَّت محله علاجات أكثر حداثة. ومع ذلك، يظل سلفاديازين الفضة علاجاً فعالاً ولا يزال مدرجاً في قائمة منظمة الصحة العالمية للأدوية الأساسية.

وبالإضافة إلى ذلك، تشمل الاستخدامات الطبية الأخرى للفضة ما يلي:

- أنابيب التنفس والقسطرة: تساعد أنابيب التنفس المطلية بالفضة على الوقاية من الالتهاب الرئوي المرتبط بجهاز التنفس الصناعي، وغالباً ما تكون القسطرة أيضاً مغلفة بالفضة لمنع الالتهابات المختلفة.

- طب الأسنان: يُستخدم فلوريد ثنائي أمين الفضة في علاج حساسية الأسنان وتسوس الأسنان. تعتبر الفضة أيضاً مكوناً أساسياً في حشوات الملغم السنية.

- علم الأحياء الدقيقة: تستخدم الفضة في تلوين الخلايا كوسيلة أكثر حساسية للكشف عن البروتينات والأحماض النووية لتحسين التحليل.

خصائص الذهب المضادة للالتهابات

وقد استخدم البشر الذهب في الرعاية الصحية لفترة أطول، حيث تشير الأدلة إلى استخدامه لعلاج الأمراض في الصين منذ عام 2500 قبل الميلاد. ومنذ ذلك الحين، لاحظ العديد من الباحثين قدرة هذا المعدن على الحد من الالتهابات. وعلى مدى 75 عاماً تقريباً، كانت مكملات الذهب من أوائل العلاجات المستخدمة لالتهاب المفاصل الروماتويدي Rheumatoid Arthritis، ولا تزال تُستخدم حتى اليوم. والتهاب المفاصل الروماتويدي هو مرض مناعي ذاتي يُسبب التهاباً مزمناً وألماً في المفاصل المصابة.

يتمتع الذهب بخصائص مضادة للالتهابات تُساعد على تقليل التهاب المفاصل والألم. كما يعتقد بعض العلماء أن الذهب يُمكنه أيضاً تعديل الاستجابات المناعية الذاتية وإبطاء تطور المرض. بالإضافة إلى ذلك، اكتشف العلماء أخيراً طريقة جديدة واعدة لإيصال أدوية السرطان إلى المرضى. تُعرف هذه الطريقة باسم «الأغلفة النانوية الذهبية» Gold Nanoshells، وهي تحظى باهتمام كبير من المجتمع العلمي لقدرتها على مهاجمة الخلايا السرطانية بفعالية أكبر دون إلحاق الضرر بالخلايا السليمة في جسم المريض.

إن كيفية تصنيع هذه الأغلفة النانوية الذهبية التي تستهدف الخلايا السرطانية معقدة للغاية، بل وتتجاوز حدود الخيال. ولكن بمجرد تصنيعها، تُعطى للمرضى، وتُترك لفترة كافية لتلتصق بالخلايا السرطانية، ثم تُعرَّض للأشعة تحت الحمراء Infrared Light التي تدمر الخلايا السرطانية دون التأثير على الخلايا السليمة المحيطة بها. وتُعد هذه تقنية طبية حديثة، ويخضع هذا العلاج حالياً لتجارب سريرية. وللتوضيح، تُتيح جزيئات الذهب النانوية Gold Nanoparticles مجموعة واسعة من التطبيقات المحتملة قيد التطوير حالياً، بما في ذلك استخدامها كعامل تباين أكثر حساسية في التصوير التشخيصي، وناقل للأدوية Drug Carrier، ومحفز لتطوير أدوية أخرى، ومضادات فيروسية واسعة النطاق. كما قد تُسهم جزيئات الذهب النانوية في تحسين علاج السرطان، من خلال العمل كمعززات إشعاعية لتمكين استخدام جرعات إشعاعية أقل وأكثر دقة، ولعب دور في العلاج الضوئي الحراري Photothermal Therapy.

البلاتين في الأدوية والأدوات

ويُعدّ البلاتين مادةً أساسيةً في الطب الحديث. والخصائص الرئيسية للبلاتين تتمثل في ارتفاع التوافق الحيوي له. أي أنه غير سام ويتحمله جسم الإنسان بشكل عام جيداً. كما أنه يمتلك شفافية عالية للأشعة، بما يوفر وضوح عالٍ في التصوير بالأشعة السينية والتصوير المقطعي المحوسب. وقدرات التوصيل الكهربائي له ممتازة لنقل الإشارات في الأجهزة. إضافة إلى المتانة مقاومته للتآكل، ما يجعله يدوم طويلاً داخل الجسم. تشمل تطبيقاته الرئيسية أدوية العلاج الكيميائي المُضادة للسرطان (مثل السيسبلاتين والكاربوبلاتين)، والأجهزة القابلة للزرع كأجهزة تنظيم ضربات القلب ومحفزات الأعصاب، وأدوات التشخيص كالقسطرات والدعامات نظراً لخاصية امتصاصه للأشعة.

ومنذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، يُستخدم البلاتين في العديد من الأدوية والأدوات نظراً لكثافته وقابليته للطرق Malleability، وهما صفتان أساسيتان في صناعة أجهزة تنظيم ضربات القلب، والقسطرات، والدعامات المعدنية، وحتى علاجات السرطان. ووفقاً للمجلة الدولية لأبحاث وعلاج السرطان International Journal of Cancer Research and Therapy، فإن أكثر من 50 في المائة من أدوية السرطان تعتمد على البلاتين. كما يستخدم السيسبلاتين Cisplatin وخليفته الكاربوبلاتين carboplatin مركبات البلاتين لعلاج الأورام الشائعة مثل سرطان الثدي والمبيض والرئة.

ولذا تُعدّ المركبات القائمة على البلاتين - وخاصةً السيسبلاتين والكاربوبلاتين والأوكساليبلاتين - ضروريةً في علاج أنواعٍ مختلفةٍ من السرطان، بما في ذلك سرطان الخصية، وسرطان المبيض، وسرطان الرئة، وسرطان الثدي، وسرطان القولون والمستقيم. تعمل هذه الأدوية عن طريق إتلاف الحمض النووي للخلايا سريعة الانقسام لمنع تكاثرها.

كما يُستخدم في الأجهزة الطبية القابلة للزرع. وكمثال، أجهزة تنظيم ضربات القلب وأجهزة إزالة الرجفان، حيث يُستخدم البلاتين، وخاصةً في سبائك البلاتين والإيريديوم، في صناعة الأقطاب الكهربائية، وهو عنصرٌ أساسيٌّ لنقل الإشارات الكهربائية إلى القلب. وكذلك أجهزة تعديل النشاط العصبي، حيث تُستخدم أقطاب البلاتين في التحفيز العميق للدماغ وزراعة القوقعة (أجهزة السمع) لتحفيز النشاط العصبي.

ونظراً لشفافيته العالية للأشعة، يُستخدم البلاتين في التصوير الطبي لتوجيه القسطرات والدعامات، مما يسمح برؤيتها بوضوح تحت الأشعة السينية.

وكذلك يُستخدم البلاتين في الأدوات الجراحية والأطراف الصناعية. وذلك لأن طبيعته الخاملة تجعله مثالياً للأدوات الجراحية، بينما خصائصه المضادة للميكروبات تجعله مرشحاً مناسباً لطلاء غرسات الورك أو الركبة.

توظف في علاج أمراض السرطان والقلب وفي العمليات الجراحية

5 معادن أخرى نادرة واستخدامات طبية واسعة وواعدة

تُستخدم المعادن النادرة على نطاق واسع في الأدوات الطبية المستخدمة في الرعاية الصحية، ما يُساهم في إطالة أعمارنا. وتؤدي المعادن النفيسة وظائف حيوية تُحافظ على صحتنا وتُعزز نمط حياتنا الصحي. ومن تلك المعادن النادرة:

· التيتانيوم Titanium. يُعدّ التيتانيوم أكثر المعادن استخدامًا في الأجهزة الطبية، وخاصةً داخل جسم الإنسان. فهو يُقاوم التآكل ويلتصق بالعظام، ما يُقلل من خطر رفض الجسم له مقارنةً بأي معدن آخر. ويُمكن استخدام التيتانيوم في الأجهزة المزروعة التي تُوصل الأدوية، وتُنظم وظائف القلب، وتُحفز الأعصاب دون التأثير على فحوصات التصوير المقطعي المحوسب أو التصوير بالرنين المغناطيسي. كما يُعدّ التيتانيوم مثاليًا للأدوات الجراحية، مثل أجهزة جراحة العيون الليزك، والملاقط، والمثاقب، والمباعدات، وحاملات الإبر.

· التنتالوم Tantalum. يُعدّ التنتالوم معدنًا شائعًا ومقاومًا للتآكل، ما يجعله مثاليًا لزراعة العظام الدائمة. ويُستخدم هذا المعدن في المجال الطبي منذ أكثر من 50 عامًا. ويُستخدم عادةً في الدعامات والشرائط الوعائية لمنع انهيار الشرايين. كما يتوافق التنتالوم مع التصوير بالرنين المغناطيسي.

· النحاس الأصفر Brass. يُستخدم النحاس الأصفر (نحاس وزنك) لنقل الإشارات إلى أجهزة التشخيص والغرسات الصغيرة. ويتمتع النحاس بخصائص مضادة للبكتيريا، ما يجعله خيارًا ممتازًا في المستشفيات، حيث يُستخدم في صناعة الشراشف والأردية الطبية، ويقلل من معدلات العدوى.

· النيتينول Nitinol. يمكن تصنيعه عند درجة حرارة معينة، ثم تشكيله إلى أشكال أصغر عند درجة حرارة مختلفة لإدخاله في الجسم. وتتسبب حرارة الجسم في تمدد المعدن إلى حجمه الأصلي. وهذا ما يجعله مثاليًا للدعامات، والغرسات، والدبابيس، ومثبتات العظام. كما يمكن استخدامه في أجهزة إعادة توصيل الأمعاء وتحديد مواقع أورام الثدي.

· البالالديوم Palladium. يُستخدم البالاديوم في الطب بشكل أساسي في تيجان وجسور الأسنان، والبذور المشعة المستخدمة في المعالجة الإشعاعية الموضعية لسرطان البروستاتا وسرطان الجلد المشيمي. ويجري تطوير جسيمات البالاديوم النانوية Pd NPs للعلاج الضوئي الحراري، حيث تعمل على قتل الخلايا السرطانية عند تعريضها للإشعاع Brachytherapy.

وتُستخدم جسيمات البالاديوم النانوية كعوامل تباين في التصوير الصوتي الضوئي Photoacoustic Imaging. ويُقدّر البالاديوم لتوافقه الحيوي، ومقاومته للتآكل، وقدرته على التقوية، على غرار البلاتين. نظرًا لتوافقه الحيوي، يُستخدم البالاديوم في طلاء أو تصنيع مكونات الأدوات الجراحية والدعامات الوعائية. كما يُستخدم البالاديوم في شرائط اختبار سكر الدم.

* استشارية في الباطنية.