الصوم والنوم... معادلة صعبة تحتاج إلى ضبط طريقة التغذية

وسائل لمعالجة نقص النوم في شهر رمضان

الصوم والنوم... معادلة صعبة تحتاج إلى ضبط طريقة التغذية
TT

الصوم والنوم... معادلة صعبة تحتاج إلى ضبط طريقة التغذية

الصوم والنوم... معادلة صعبة تحتاج إلى ضبط طريقة التغذية

عندما يسأل الصائم: كيف يمكن أن يؤثر شهر رمضان على نومي؟ فإن الإجابة لن تكون واحدة لجميع الصائمين في مناطق مختلفة من العالم؛ لأن الأمر سيعتمد على متغيرات تختلف بين الصائمين.

الصيام وجودة النوم

في العموم؛ إذا كنت صائماً خلال شهر رمضان المبارك، فمن الممكن أن تتسبب التغييرات التي تصنعها بنفسك في روتين حياتك اليومية، في تأثيرات عدة على نومك؛ إما سلباً وإما إيجاباً.

وعندما تكون التغيرات التي تُحدثها في روتينك اليومي تغيرات غير صحية، حينها يمكن أن يؤثر الصيام على جودة نومك؛ لأن ذلك سيتطلب من الساعة البيولوجية لجسمك إجراء بعض التعديلات غير المألوفة كي لا تتفاقم مشكلات نومك.

خلال صوم نهار رمضان، يمتنع الصائم عن تناول الطعام وشرب الماء، وغيره من المشروبات، في فترة ما بين الفجر والغروب؛ أي إنه لا يتناول وجبة الإفطار الصباحي ولا وجبة الغداء. وعوضاً عن ذلك، يستيقظ الصائم لتناول وجبة ما قبل الفجر (السحور). ثم يتناول بعد غروب الشمس وجبة الإفطار الرئيسية.

ولا يقتصر الأمر على ذلك؛ بل إن كثيراً من الصائمين لا ينامون غالب الليل، ويقضي معظم الصائمين فترة المساء مستيقظين إلى ساعات متأخرة من الليل. ويذهب غالبيتهم إلى العمل بعد نوم بضع ساعات فقط في الفترة ما بين الفجر وبداية أوقات العمل. ثم يُمضي بعض الصائمين فترة طويلة من النوم خلال ساعات آخر النهار، ويستيقظون قبل غروب الشمس.

عوامل فصلية

ومع هذا، تجدر ملاحظة أن تأثير شهر رمضان على النوم يختلف من سنة إلى أخرى، فالتقويم الهجري القمري يحتوي على 354 يوماً؛ أي أقل بـ11 يوماً من التقويم الميلادي. وهذا يعني أن شهر رمضان يأتي مبكراً 11 يوماً كل عام، وينتقل من فصل إلى آخر كل 9 سنوات. ونتيجة لذلك، يمكن أن يؤثر شهر رمضان على نومك بشكل مختلف قليلاً كل عام. وتكون مدة كل صيام يومي في شهر رمضان في الصيف أطول منها في أشهر الشتاء. ويتجلى هذا بشكل خاص كلما ابتعدت عن خط الاستواء. بمعنى أن هناك عدداً أكثر من الساعات خلال النهار في الصيف وأقل في الشتاء، مما يعني أن، خصوصاً خلال فصل الصيف، تكون ساعات الليل أقصر ووقت الفجر لبدء الصوم أبكر.

وأيضاً هناك عامل آخر يمكن أن يؤثر على النوم خلال شهر رمضان، وهو درجة الحرارة. حيث تتطلب حرارة الصيف الشديدة من الصائم ضرورة أخذ قيلولة في منتصف النهار، التي بدورها قد تؤثر سلباً على النوم ليلاً.

تغير نمط الحياة والنوم

رغم أهمية الأمر للصائمين خلال شهر رمضان والفترة التي تليه، فإنه لا يتوفر كثير من الدراسات الطبية عن تأثيرات الصوم على النوم. ولكن المتوفر منها لا يزال مفيداً جداً في فهم كيف يمكن أن يؤثر شهر رمضان على نومك، خصوصاً التأثيرات المتوقعة على النوم بسبب تغييرات نمط الحياة المرتبطة برمضان. ومن مجمل النتائج الرئيسية التي تطرحها نتائج تلك الدراسات:

- رغم إفادة كثير من الصائمين بزيادة شعورهم بالنعاس في أثناء النهار وانخفاض قدرات الأداء العملي، فإن نتائج الدراسات العلمية المُحكمة أثبتت أنه على الرغم من تأخر وقت النوم ووقت الاستيقاظ لدى الصائمين خلال شهر رمضان، فإنه لا يوجد دليل موضوعي على زيادة النعاس خلال فترة الصيام بالنهار لدرجة تؤثر على القدرات الذهنية (وليس البدنية المُجهدة) في الأداء العملي.

- تفيد بعض الدراسات بأن الإشكالية تظهر بوضوح عند عدم نوم ساعات كافية خلال كامل ساعات اليوم، أي عند عدم استيفاء نوم 8 ساعات خلال اليوم؛ جزء منها في فترة الليل نفسه، وتعويض الباقي عبر زيادة في مدة القيلولة خلال النهار. ولذا؛ بالإمكان منع الشعور بالنعاس النهاري عبر إكمال عدد ساعات النوم اليومي المطلوبة صحياً، وأن يكون جزء منها خلال فترة الليل. وإذا لم يتمكن الصائم من تحقيق هذا، فمن المتوقع جداً أن يشعر بالنعاس خلال فترة النهار.

تأثير وقت تناول الطعام

- أظهرت دراسات عدة نتائج متضاربة فيما يتعلق بالوقت الذي يستغرقه المرء للخلود في النوم وإجمالي عدد ساعات وقت النوم خلال شهر رمضان. وغالبية التناقض بين هذه النتائج هو بسبب تأثير وقت تناول الطعام (وجبة العشاء) على النوم. والدراسات التي لاحظت عدم تأثر سهولة الخلود في النوم، كانت بسبب تبكير تناول وجبة العشاء (نحو 9 مساءً)، ودون تأخيرها إلى ساعات لاحقة من الليل، ما يظهر أن التغييرات في نمط الحياة والنوم خلال هذا الشهر، لديها القدرة على التدخل في النوم.

- في جانب «مراحل النوم»، أو «بنية النوم»، والتغيرات المحتملة فيها لدى الصائمين خلال شهر رمضان، فإن بعض الدراسات أظهرت أن هناك انخفاضاً كبيراً في كمية «نوم حركة العين السريعة (REM)» في نهاية شهر رمضان.

- خلال شهر رمضان، يكون وقت النوم أيضاً متأخراً عموماً، حيث يتناول أفراد العائلة والأصدقاء الطعام ويتواصلون اجتماعياً لفترة طويلة في الليل. ويشير بعض المصادر الطبية إلى أن الدراسات وجدت أن أكثر من 60 في المائة من الصائمين الذين بقوا مستيقظين بعد الساعة الـ11 مساءً، فعلوا ذلك لأنهم كانوا يتواصلون مع العائلة والأصدقاء ويشاهدون التلفزيون. ويميل هؤلاء الأشخاص أنفسهم إلى الاستيقاظ مبكراً والنوم في وقت متأخر جداً. وغني عن القول؛ فإن أوقات الوجبات غير المألوفة وساعة الجسم المضطربة وصفة للنوم المتقطع.

تأثر مراحل النوم

وللتوضيح؛ خلال نومك تمر بنوعين من النوم: مرحلة «نوم حركة العين السريعة» ومرحلة «النوم غير حركة العين السريعة (non-REM)». وخلال كل منهما، يتصرف عقلك وجسمك بشكل مختلف خلال هاتين المرحلتين المختلفتين. و«نوم حركة العين السريعة» هو مرحلة من النوم تشارك في معالجة الذكريات العاطفية وضمان صحتنا النفسية، وبالتالي تحسين جودة الانتباه الذهني والراحة النفسية خلال ساعات الاستيقاظ في النهار.

وتتأثر كمية «نوم حركة العين السريعة» بدرجة حرارة الجسم الأساسية. ولذا؛ من المتوقع أن تؤدي الزيادة الليلية في درجة الحرارة إلى تقليل فترة مرحلة «نوم حركة العين السريعة».

وخلال شهر رمضان، قد يكون هذا بسبب تناول وجبة كبيرة في وقت متأخر من المساء. وأحد الأدلة على ذلك هو ملاحظة بعض الدراسات حدوث ارتفاع في درجة حرارة الجسم خلال النوم، طوال شهر رمضان، مقارنة بوقت عدم الصيام.

تحسين النوم للصائمين

هنا مجال للتدخل الشخصي في تحسين جودة النوم لدى الصائمين، عبر تحديد وقت ونوعية وكمية مكونات وجبات الطعام الليلي لدى الصائمين. وللتوضيح، تؤدي عملية هضم الطعام إلى زيادة درجة حرارة جسمك. ولكن لكي تتمكن من النوم، فإن جسمك يحتاج إلى انخفاض درجة حرارته قليلاً، لذا؛ فإن تناول الطعام قبل النوم مباشرة يمكن أن يكون وصفة مثالية لـ«قلة النوم» و«اضطراب النوم».

ويطرح بعض المصادر العلمية فكرة مفادها بأن الانخفاض في فترة «نوم حركة العين السريعة» خلال شهر رمضان، قد يكون أيضاً بسبب انقطاع النوم والاستيقاظ لتناول وجبة السحور فيما قبل الفجر. ومعلوم طبياً أن الساعات الأولى من الصباح (من بعد منتصف الليل) هي الوقت الذي يجري فيه تحقيق نسبة أكبر من «نوم حركة العين السريعة» بشكل طبيعي.

ولكن تظل ملاحظة أن فترة «نوم غير حركة العين السريعة» لا يبدو أنها تتغير لدى الأشخاص الصائمين خلال شهر رمضان، ملاحظة مثيرة للاهتمام وتحتاج إلى مزيد من فهم حدوثها.

الأوقات غير المألوفة للوجبات وساعة الجسم المضطربة وصْفة للنوم المتقطع

أسباب متعددة لاضطرابات النوم لدى الصائم

ليس حتمياً حدوث معاناة لدى بعض الصائمين من اضطرابات النوم خلال شهر رمضان، وليس حتمياً أن يتسبب ذلك في تداعيات صحية خلاله، وأيضاً في معاناة إضافية عند محاولات إعادة برنامج النوم الطبيعي بعد انقضاء الشهر.

والأساس صحياً؛ أن الجسم والدماغ يطلبان من المرء «فترة من السكون» عبر إعطائهما قسطاً كافياً من النوم. وتتضمن نصائح «المؤسسة القومية للنوم» بالولايات المتحدة، أن الشخص البالغ يحتاج إلى ما بين 7 و9 ساعات من النوم في اليوم، خصوصاً في فترة الليل.

وبالمراجعة لكثير من المصادر الطبية، تنشأ صعوبات النوم لدى الصائمين لأسباب متعددة، وتشمل:

- انخفاض مستوى النشاط البدني خلال الصوم في النهار. ووفق ما تفيد به المصادر الطبية، يعدّ النشاط البدني خلال فترة النهار من أقوى محفزات الخلود إلى النوم في فترة الليل.

- جفاف الجسم نتيجة عدم تناول السوائل وزيادة تبخر العرق. والجفاف يتسبب في انخفاض تدفق الدم، والأكسجين معه، إلى الدماغ والعضلات، مما يتسبب في صعوبة ارتخاء العضلات لتسهيل النوم على الإنسان، وعدم الراحة في عمل الخلايا العصبية في الدماغ.

- الاضطرابات التي يصنعها المرء لنفسه في طريقة التغذية، مثل تأخير تناول وجبة العشاء، وعدم تناول وجبة السحور، وكذلك الإكثار من تناول الحلويات والمشروبات المُحلّاة بشكل عال... هذا كله يتسبب في عدم راحة الجسم، وفي إرهاق الدماغ (كثرة السكريات المُضافة).

- إهمال أو تخلي بعض الصائمين عن العادة الصحية في النوم الليلي، وزيادة طول فترة السهر الليلي والبقاء في غرف مضاءة بشكل قوي... هذا كله يتسبب في اضطراب عمل إيقاع الساعة البيولوجية، وبالتالي المعاناة من اضطرابات النوم، ومن اضطرابات مدى اليقظة الذهنية خلال النهار.

ضبط النوم في رمضان قد يبدأ من سفرة الطعام

إهمال البعض في الحصول على قسط كاف من النوم خلال شهر رمضان، يتسبب في تداعيات صحية، مثل كثرة المعاناة من الصداع، ومن تقلبات المزاج، ومن فقدان التركيز الذهني. وهذا بدوره يؤثر على قدرة المرء على ضبط تناول الأطعمة والاهتمام بالتغذية الصحية في فترة الليل.

وللراحة الذهنية والبدنية للصائمين خلال شهر رمضان، يجدر ضبط نمط النوم، وذلك عبر الخطوات التالية:

- العودة به إلى طريقة متوازنة في تلبية احتياجات الجسم من الأطعمة، وفق التأقلم الطبيعي مع المتغيرات الرمضانية في أوقات الأكل.

- تناول كميات ومكونات صحية في وجبتي الإفطار والسحور، وجعلهما الوجبتين الرئيسيتين لتناول الطعام؛ أي تقليل تكرار تناول الأطعمة خلال فترة الليل التي بين وقت وجبة الإفطار ووقت وجبة السحور.

- خفض تناول الكافيين من المشروبات المحتوية عليه، خصوصاً من بعد منتصف الليل؛ لأن الكافيين والنيكوتين هما من المواد المُنبهة، التي تعوق سهولة الخلود إلى النوم.

- ضرورة أخذ قسط من النوم في الليل، حتى لو كانت مدة ذلك أقل من ساعات النوم الليلي المطلوبة صحياً. وربما لمدة 4 ساعات على أقل تقدير في فترة الليل. وهذا يتطلب وضع روتين يومي لتعديل نمط النوم، والمحافظة على هذا الروتين؛ أي أن ينام ويستيقظ المرء في الوقت نفسه تقريباً كل يوم، مما يساعد جسم الصائم على ضبط إيقاع نومه كي يصبح أكثر راحة، مع إجراء تعديل طفيف على الساعة البيولوجية لديه.

- الاهتمام بتهيئة بيئة ملائمة للنوم؛ لأن الهدوء، وظلمة حجرة النوم، وبرودتها، عوامل تساعد في النوم، مع تجنب استخدام الأجهزة الإلكترونية، مثل الهاتف الجوال والكومبيوتر المحمول والتلفزيون بالقرب من وقت النوم.

- الحرص على أخذ قيلولة في فترة ما بعد الظهر من النهار، ولكن ليس لساعات عدة، كي تبعث النشاط في الجسم وتعيد الحيوية في مستويات التركيز الذهني.

* استشارية في «الباطنية»


مقالات ذات صلة

كيف يؤثر الكافيين على المعدة والقولون؟

صحتك تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء (بيكسلز)

كيف يؤثر الكافيين على المعدة والقولون؟

يُعدّ الكافيين من أكثر المواد المنبّهة استهلاكاً حول العالم، إذ يلجأ إليه كثيرون لتعزيز النشاط الذهني ومقاومة التعب خلال اليوم.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا أحد ركاب سفينة الرحلات البحرية «إم في هونديوس» خلال مغادرته بحافلة عسكرية بعد نزوله بميناء في جزر الكناري الإسبانية (أ.ف.ب) p-circle

إسبانيا تسجل إصابة جديدة بـ«هانتا» لراكب أُجلي من السفينة «هونديوس»

أعلنت وزارة الصحة الإسبانية، الثلاثاء، تسجيل إصابة جديدة بفيروس «هانتا» لراكب إسباني أُجليَ من السفينة السياحية «هونديوس».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
يوميات الشرق زيارة المتاحف والمعارض من الأنشطة التي تسهم في إبطاء الشيخوخة البيولوجية (جامعة ييل)

ممارسة الفنون تؤخر الشيخوخة بفاعلية مماثلة للرياضة

ربطت دراسة بريطانية بين المواظبة على الأنشطة الفنية والثقافية، مثل القراءة والاستماع إلى الموسيقى، وزيارة المتاحف والمعارض، وبين إبطاء وتيرة الشيخوخة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
أوروبا إجراءات صحية صارمة رافقت إجلاء ركاب السفينة الموبوءة في جزيرة تينيريف يوم 10 مايو (أ.ف.ب) p-circle

حجر صحي على 12 من العاملين في مستشفى هولندي بعد خرقهم بروتوكول «هانتا»

فرض مستشفى هولندي الحجر الصحي على 12 من العاملين فيه احترازياً بعد التعامل مع عينات دم وبول لحالة مصابة بفيروس «هانتا» دون الالتزام بالبروتوكولات الصارمة.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
صحتك الأبحاث تكشف عن علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى (بيكلسز)

من المائدة إلى العقل... كيف يؤثر غذاؤك على دماغك؟

في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتنتشر فيه الوجبات السريعة وأنماط الراحة المفرطة، يغيب عن أذهان كثيرين أن ما نضعه في أطباقنا ينعكس مباشرة على ما يدور في عقولنا.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

كيف يؤثر الكافيين على المعدة والقولون؟

تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء (بيكسلز)
تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء (بيكسلز)
TT

كيف يؤثر الكافيين على المعدة والقولون؟

تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء (بيكسلز)
تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء (بيكسلز)

يُعدّ الكافيين من أكثر المواد المنبّهة استهلاكاً حول العالم، إذ يلجأ إليه كثيرون لتعزيز النشاط الذهني ومقاومة التعب خلال اليوم. ورغم فوائده قصيرة المدى في تحسين التركيز والانتباه، فإن تأثيره لا يقتصر على الدماغ فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجهاز الهضمي، حيث يمكن أن يُحدث تبايناً ملحوظاً في استجابة المعدة والقولون، خصوصاً عند الإفراط في تناوله. وبين الفوائد والآثار الجانبية، تبرز أهمية فهم كيفية تفاعل الجسم مع الكافيين ومصادره المختلفة.

مصادر الكافيين وتأثيرها على الجهاز الهضمي

لا تقتصر مصادر الكافيين على القهوة وحدها، رغم شيوعها، بل يوجد أيضاً في الشاي بمختلف أنواعه، وجوز الكولا المستخدم في المشروبات الغازية، وقرون الكاكاو التي تدخل في صناعة الشوكولاته. كما تحتوي مشروبات الطاقة على نسب مرتفعة من الكافيين المُصنّع.

وتتفاوت استجابة الجهاز الهضمي لهذه المصادر تبعاً لتركيز الكافيين وطبيعة الجسم، إلا أن تأثيرها العام ينعكس بشكل مباشر على المعدة والقولون، سواء من حيث تحفيز الحركة أو زيادة الإفرازات الهضمية.

الكافيين وحركة الأمعاء

يلاحظ كثير من الأشخاص أن تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء، وهو تأثير شائع وملحوظ. ويُعزى ذلك إلى دور القهوة في تحفيز إفراز هرمون الغاسترين، الذي تفرزه المعدة ويسهم في تسريع حركة القولون.

واللافت أن هذا التأثير لا يرتبط بالكافيين وحده، إذ أظهرت دراسات أن القهوة منزوعة الكافيين قد تُحدث استجابة مشابهة، وفقاً لموقع «هيلث لاين». وهذا يشير إلى أن مكونات أخرى في القهوة قد تلعب دوراً في هذا التأثير.

هل يسبب الكافيين الإسهال؟

نظراً لتأثير الكافيين المُحفّز لحركة الأمعاء، فإن تناوله بكميات كبيرة قد يؤدي لدى بعض الأشخاص إلى براز رخو أو حتى الإسهال. وتزداد احتمالية حدوث ذلك لدى من لديهم حساسية في الجهاز الهضمي أو يعانون من اضطرابات معوية.

لذلك، يُنصح بمراقبة الكمية المستهلكة، خصوصاً إذا ظهرت أعراض مزعجة، ومحاولة تقليلها أو استبدال القهوة بخيارات أخف مثل الشاي.

مصادر الكافيين لا تقتصر على القهوة وحدها (بيكسلز)

تأثير الكافيين على حموضة المعدة

من التأثيرات الشائعة للكافيين أيضاً زيادة حموضة المعدة لدى بعض الأشخاص، مما قد يؤدي إلى الشعور بحرقة المعدة أو الانزعاج الهضمي.

ويعود ذلك إلى قدرة الكافيين على تحفيز إنتاج حمض الهيدروكلوريك، وهو حمض أساسي لعملية هضم البروتين. لكن عند إفرازه بكميات زائدة، قد يُسبب تهيّج بطانة المعدة ويؤدي إلى أعراض غير مريحة، خصوصاً لدى من يعانون من حساسية أو مشكلات مسبقة في المعدة.

ويؤثر الكافيين بشكل ملحوظ على الجهاز الهضمي، إذ قد يُحسّن حركة الأمعاء لدى البعض، لكنه قد يُسبب أيضاً اضطرابات مثل الإسهال أو زيادة حموضة المعدة لدى آخرين. ومن هنا، يبقى الاعتدال في استهلاكه هو العامل الأهم لتجنب آثاره السلبية والاستفادة من فوائده دون الإضرار بالصحة.


تقنية مبتكرة تساعد في الإقلاع عن التدخين

التقنية تركز على استهداف دوائر محددة بالدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي (جامعة ساوث كارولاينا الطبية)
التقنية تركز على استهداف دوائر محددة بالدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي (جامعة ساوث كارولاينا الطبية)
TT

تقنية مبتكرة تساعد في الإقلاع عن التدخين

التقنية تركز على استهداف دوائر محددة بالدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي (جامعة ساوث كارولاينا الطبية)
التقنية تركز على استهداف دوائر محددة بالدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي (جامعة ساوث كارولاينا الطبية)

كشفت دراسة أميركية عن تقنية علاجية مبتكرة قد تساعد المدخنين على الإقلاع عن التدخين، عبر استهداف دوائر محددة في الدماغ باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الجراحي.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث كارولاينا الطبية أن هذه التقنية قد تمثل مفتاحاً جديداً لكسر دائرة الإدمان. ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Journal of Psychiatric Research».

ويُعد التدخين من أبرز العادات الضارة بالصحة العامة، إذ يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بأمراض خطيرة، من بينها أمراض القلب والشرايين، وسرطان الرئة، والسكتات الدماغية، فضلاً عن تأثيره السلبي على الجهاز التنفسي والمناعة. كما لا تقتصر أضراره على المدخنين، بل تمتد إلى المحيطين بهم عبر التدخين السلبي. ويُعد الإقلاع عن التدخين خطوة أساسية لتحسين جودة الحياة والحد من مخاطر الأمراض المزمنة، إذ يبدأ الجسم التعافي تدريجياً بعد التوقف.

وركزت الدراسة على فهم كيفية إعادة التوازن داخل الدماغ بين نظامين رئيسيين؛ نظام الرغبة والمكافأة، ونظام التحكم في السلوك واتخاذ القرار.

واعتمد الباحثون على تقنية تُعرَف باسم «التحفيز المغناطيسي المتكرر عبر الجمجمة» (rTMS)، وهي تقنية غير جراحية تستخدم نبضات مغناطيسية دقيقة لتحفيز مناطق محددة في الدماغ دون الحاجة لتدخُّل جراحي أو أدوية. وهدفت هذه التقنية إلى تعديل النشاط العصبي في المناطق المرتبطة بإدمان النيكوتين.

وتعمل التقنية عبر إرسال نبضات مغناطيسية مركزة إلى القشرة الدماغية، تستهدف بصورة خاصة مناطق مسؤولة عن التحكم في السلوك واتخاذ القرار، مثل القشرة الجبهية الجانبية، إلى جانب مناطق مرتبطة بالرغبة والمكافأة. وتسهم هذه النبضات في تنشيط الخلايا العصبية أو تعديل نشاطها، بما يساعد على إعادة التوازن بين نظام «التحكم الذاتي» ونظام «الرغبة».

وشملت الدراسة مجموعة من المدخنين البالغين، جرى تقسيمهم إلى مجموعات خضعت لـ15 جلسة علاجية على مدار ثلاثة أسابيع، مع استخدام تصوير الدماغ لتحديد مواقع التحفيز بدقة.

وأظهرت النتائج أن تحفيز منطقة التحكم الذاتي في الدماغ، المعروفة باسم (DLPFC)، أدى لخفض معدل التدخين بأكثر من 11 سيجارة يومياً، إلى جانب تراجع واضح في الرغبة بالتدخين، وانخفاض مستويات أول أكسيد الكربون في الجسم، وهو مؤشر بيولوجي على تقليل التدخين، مقارنة بالمجموعة التي تلقت علاجاً وهمياً أو خضعت لاستهداف مناطق أخرى بالدماغ. كما استمرت الآثار الإيجابية للعلاج لمدة شهر على الأقل بعد انتهاء الجلسات.

وكشفت صور الدماغ أيضاً عن زيادة نشاط مناطق التحكم الذاتي، مقابل انخفاض نشاط مناطق المكافأة المرتبطة بالإدمان، وهو ما انعكس مباشرة على سلوك المشاركين.

ووفق الباحثين، فإن تعزيز نشاط مراكز التحكم في الدماغ يزيد قدرة الفرد على مقاومة الرغبة في التدخين، بينما يتراجع نشاط المناطق المرتبطة بالمكافأة والإدمان تدريجياً. ومن هذا المنطلق، لا تعتمد التقنية على كبح الرغبة بشكل مباشر، بل على «إعادة تدريب» الدماغ ليصبح أكثر قدرة على ضبط السلوك الإدماني بصورة طبيعية.

ووفق الباحثين، فإن النتائج تُمهد الطريق لإجراء تجارب أوسع قد تجعل من التحفيز الدماغي وسيلة علاجية مساعدة للإقلاع عن التدخين إلى جانب الأدوية والعلاج السلوكي، خصوصاً لدى الأشخاص الذين لم تنجح معهم العلاجات التقليدية.


من المائدة إلى العقل... كيف يؤثر غذاؤك على دماغك؟

الأبحاث تكشف عن علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى (بيكلسز)
الأبحاث تكشف عن علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى (بيكلسز)
TT

من المائدة إلى العقل... كيف يؤثر غذاؤك على دماغك؟

الأبحاث تكشف عن علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى (بيكلسز)
الأبحاث تكشف عن علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى (بيكلسز)

في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتنتشر فيه الوجبات السريعة وأنماط الراحة المفرطة، يغيب عن أذهان كثيرين أن ما نضعه في أطباقنا ينعكس مباشرة على ما يدور في عقولنا. لم تعد التغذية مسألة مرتبطة بالجسد فحسب، بل أصبحت ركيزة أساسية لصحة الدماغ ووظائفه. وتشير أبحاث حديثة في مجالَي علم الأعصاب والتغذية إلى وجود علاقة وثيقة بين نوعية الغذاء من جهة، والذاكرة والتركيز والمزاج من جهة أخرى. فالدماغ شأنه شأن أي عضو آخر يحتاج إلى وقود نوعي ليؤدي مهامه بكفاءة. وعندما يختل هذا الوقود لا تتأثر الطاقة الجسدية فقط، بل تمتد الآثار إلى التفكير، والانتباه، والاستجابة للضغوط اليومية.

العلاقة بين التغذية وصحة الدماغ

يعتمد الدماغ على إمداد مستمر ومتوازن من العناصر الغذائية للحفاظ على أدائه العالي. فالدهون الصحية تدخل في بناء الخلايا العصبية، وتعمل مضادات الأكسدة على حمايته من التلف، في حين تُسهم الفيتامينات والمعادن في تسهيل التواصل بين خلاياه.

ومع مرور الوقت، يمكن للأنظمة الفقيرة بالعناصر الغذائية والغنية بالأطعمة المُصنّعة أن تؤدي إلى زيادة الالتهابات والإجهاد التأكسدي، وهما عاملان يرتبطان بتراجع القدرات الإدراكية وضعف التركيز.

في المقابل، ترتبط الأنماط الغذائية المتوازنة -التي تعتمد على الفواكه والخضراوات والبروتينات الصحية والدهون المفيدة- بتحسين الذاكرة وتعزيز مرونة الدماغ. ولا يكمن السر في عنصر واحد أو ما يُعرف بـ«الأطعمة الخارقة»، بل في اتباع نظام غذائي متكامل ومتوازن يدعم الدماغ على المدى الطويل.

الاحتياجات الغذائية للدماغ

رغم أن الدماغ لا يشكّل سوى نحو 2 في المائة من وزن الجسم، فإنه يستهلك ما يقارب 20 في المائة من طاقته، مما يعكس مدى حساسيته لنوعية الغذاء. ويُعدّ الجلوكوز المصدر الأساسي لطاقة الدماغ، لذلك ترتبط كفاءة عمله ارتباطاً وثيقاً باستقرار مستويات السكر في الدم، وفقاً لموقع «ستانفورد لايف ستايل ميديسين».

لكن الأمر لا يتوقف عند الجلوكوز؛ إذ يحتاج الدماغ إلى مجموعة من العناصر الغذائية الأساسية للحفاظ على نشاطه ووظائفه الحيوية، ومن أبرزها:

أحماض «أوميغا 3» الدهنية: تلعب دوراً محورياً في بناء الخلايا العصبية ودعم وظائف الدماغ، كما تُسهم في تحسين الذاكرة والتعلم. وتوجد في الأسماك الدهنية، وبذور الكتان، والجوز.

مضادات الأكسدة: تحمي الدماغ من الإجهاد التأكسدي والالتهابات، وهي عوامل ترتبط بأمراض عصبية مثل ألزهايمر وباركنسون. وتتوافر بكثرة في الفواكه والخضراوات الملونة.

فيتامينات «ب»: مثل فيتامين «ب12» وحمض الفوليك، وهي ضرورية لإنتاج النواقل العصبية وتنظيم عمليات الطاقة، وتساعد في الحفاظ على الوظائف الإدراكية وتقليل خطر اضطرابات الذاكرة والمزاج.

تأثير النظام الغذائي على الإدراك والذاكرة

مع تزايد الدراسات في هذا المجال، يتضح أن نوعية الغذاء لا تؤثر فقط على الصحة العامة، بل تلعب دوراً مباشراً في القدرات الذهنية، من التعلم إلى التذكر.

الذاكرة والتعلم

يُسهم النظام الغذائي الغني بالعناصر المفيدة في تعزيز قدرة الدماغ على تخزين المعلومات واسترجاعها. فقد أظهرت الدراسات أن أحماض «أوميغا 3» تساعد في ترسيخ الذاكرة، في حين تقلّل مضادات الأكسدة من التلف الذي قد يُضعف الأداء الذهني.

المرونة العصبية

وهي قدرة الدماغ على تكوين روابط جديدة بين الخلايا العصبية، وتُعد أساس التعلم والتكيف. وقد ثبت أن الأنظمة الغذائية الصحية، مثل حمية البحر الأبيض المتوسط، تدعم هذه المرونة وتعزّز الكفاءة الإدراكية.

التدهور الإدراكي

في المقابل، تؤدي الأنظمة الغذائية الغنية بالسكريات المضافة والدهون غير الصحية والكربوهيدرات المكررة إلى تسريع تراجع القدرات الذهنية، وزيادة خطر الإصابة باضطرابات معرفية مع التقدم في العمر.

ولا يقتصر تأثير الغذاء على بناء الجسم، بل يمتد ليشكّل حجر الأساس لصحة الدماغ ووظائفه. ومن خلال تبنّي نمط غذائي متوازن وغني بالعناصر المفيدة، يمكن تعزيز التركيز، وتحسين الذاكرة، والوقاية من التدهور الإدراكي، ما ينعكس إيجاباً على جودة الحياة بأكملها.